الحدائق الناضرة

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الحدائق الناضرة

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 251

- ان مجرد وصول الماء إلى ما تحت الوسخ كاف في صحة الغسل، وهو مناف لما فسروا به الغسل من اشتراط الجريان في تحققه، لان ما تحت الوسخ من جملة ما يجب غسله الذي لا يتحقق إلا باجراء الماء عليه. نعم يظهر من شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في بعض تحقيقاته الاكتفاء بذلك في تطهير ما تحت الوسخ من النجاسة الخبيثة، بل ظاهره نقل الاتفاق على ذلك، حيث اسنده إلى ظاهر النصوص والفتاوى، قال (قدس سره) - بعد تقرير المسألة بان دخول الماء في الوسخ الكائن تحت الظفر هل يكفي في طهارته إذا كان نجسا؟ من حيث انه لم يدخل فيه بقوة وجريان بل على وجه الترشح والسريان - ما لفظه: الظاهر من النصوص والفتاوى طهارة ما أصابه الماء من ذلك وامثاله وان لم يصل إليه بقوة، بل يكفي مطلق وصوله إليه ونفوذ الماء في الاجزاء النجسة، وعموم الاوامر بالغسل واطلاقها يشمله، الإجماع واقع على طهارة الثوب والجلد والحشايا التي تدخل النجاسة إلى اجزائها الداخلة بوصول الماء إليها، مع عصره ما يمكن عصره كالثوب، ودق الحشايا وتغميزها لاخراج الغسالة الداخلة في اعماقها. ولا شبهة في ان دخول الماء إلى هذه الاشياء انما هو على وجه الترشح والنفوذ اللطيف ثم اطال في الاستدلال على ذلك بذكر النظائر لما ذكره، ثم اعترض على الاصحاب فيما اطلقوه مما قدمنا نقله عن ظاهر كلامهم، وقال بعد نقل شطر من عبائرهم في ذلك: وظاهر هذه العبارات - كما ترى - الاكتفاء بمطلق وصول الماء إلى البشرة، لكن لما عهد من الشارع في غسل الوضوء والغسل اعتبار الجريان، فليكن هناك كذلك، إلى ان قال: ولو فرض انهم يكتفون بمطلق وصول الماء فالاظهر عندنا انه لا يكفي ذلك، لعدم الدليل على سقوط ما وجب فيه. ثم قال: وعلى هذا يحصل الفرق بين طهارة ما تحت الوسخ من الخبث ومن الحدث، إذ المعتبر في طهارة الخبث مجرد وصول الماء إلى ما ذكر مع انفصال ما يمكن انفصاله عنه، وفى الحدث الجريان على نفس البشرة انتهى كلامه زيد اكرامه.

ص 252

 

مسح الرأس

 

وما ذكره (قدس سره) - من الاكتفاء في طهارة الوسخ المذكور بمجرد وصول الماء إلى اجزاء الوسخ ولو على جهة الترشح والسريان - لا يخلو من قوة، لما ذكره من الادلة. إلا ان ما ذكره اخيرا - من الفرق في طهارة ما تحته من الخبث والحدث بالاكتفاء بمجرد وصول الماء في الأول، واعتبار الجريان في الثاني - ليس بموجه، فان الغسل متى اعتبر بالنسبة إلى البدن ونحوه من الاجسام الصلبة، كان عبارة عندهم عما يدخل الجريان في مسماه ولا يتحقق بدونه، سواء كان لازالة خبث أو حدث، ومتى اعتبر بالنسبة إلى الثوب والحشايا ونحوها من الاجسام المنطبعة، كان عبارة عن استيعاب المحل النجس مع انفصاله عنه، ولهذا قابلوه في الأول بالمسح الذي لا يشترط فيه الجريان عندهم، وفي الثاني بالرش والصب الذي لا يشترط فيه الكثرة ولا الانفصال، وحينئذ فالغسل متى اعتبر في البدن لازالة حدث أو خبث، فلابد في تحققه وصدق اسمه عليه من الجريان عندهم، إذ الواجب الغسل، وهو شرعا بالنسبة إلى البدن ونحوه عبارة عن جري جزء من الماء على جزئين من البشرة بنفسه أو بمعاون، واعتبار الاكتفاء بمجرد الوصول إلى اجزاء المتنجس - ولو على جهة الترشح والنفوذ - انما قام بالنسبة إلى غير البدن من الاجسام المنطبعة، كما عرفت مما حققه هو وغيره في ملحه، وحينئذ فحق الكلام بالنسبة إلى تطهير الوسخ تحت الظفر - بمقتضى قواعدهم وتحقيقاتهم - هو طهارة الوسخ بمجرد نفوذ الماء فيه، وتوقف تطهير ما تحته على الجريان المعتبر في حقيقة الغسل عندهم متى تعلق بالبدن ونحوه. وانما اطلنا الكلام في هذا المقام لقلة دوران المسألة في كلام علمائنا الاعلام. الركن الرابع - مسح الرأس وتحقيق الحكم فيه يتوقف على امور: (الأول) - اختصاص المسح بمقدم الرأس - بشرة أو شعرا مختصا به - مما

ص 253

انعقد عليه الإجماع فتوى، وهو الاشهر رواية: فمن الأخبار في ذلك قوله (عليه السلام) فصحيحة محمد بن مسلم (1): مسح الرأس على مقدمه . وقوله في حسنته بل صحيحته ايضا (2): امسح على مقدم رأسك... . وقوله في صحيح زرارة (3): ... وتمسح ببلة يمناك ناصيتك... إلى غير طلك من الأخبار. وظاهر الآية واكثر الأخبار وان تضمن مسح الرأس بقول مطلق الا ان الواجب تقييده بالمقدم، لما ذكرنا من الإجماع والأخبار، حملا للمطلق على المقيد. وما دل على خلاف ذلك من الأخبار - كحسنتي الحسين بن ابي العلاء (4) ورواية ابي بصير (5) حيث تضمنت مسح المقدم والمؤخر - فخارج مخرج التقية (6). وما ذكره بعض من الاحتياط بمسح المؤخر ضعيف.

(هامش)

(1) و(4) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء. (3) المروى في الوسائل في الباب - 15 و31 - من ابواب الوضوء. (5) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء (6) في شرح صحيح الترمذي لابن العربي المالكى ج 1 ص 51 ان المشهور من اقوال مالك وجوب مسح جميع الرأس: يبدأ بيديه بالمقدم إلى القفا وفى بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 10 ذهب مالك إلى الواجب مسح الرأس كله، والشافعي وابو حنيفة وبعض اصحاب مالك إلى ان الفرض مسح بعضه، وحده أبو حنيفة بالربع وبعض اصحاب مالك بالثلث وبعضهم بالثلثين، والشافعي لم يحد الماسح ولا الممسوح وفى المغنى لابن قدامة ج 1 ص 125 روى عن احمد وجوب مسح جميعه في كل احد، وروى عنه اجزاء مسح بعضه، الا ان الظاهر عنه وجوب الاستيعاب في حق الرجل ويجزئ المرأة مسح مقدم رأسها، لان عائشة كانت تمسحه وفى الهداية لشيخ الإسلام الحنفي ج 1 ص 4 المفروض في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع الرأس . (*)

ص 254

ثم انه قد ذكر جملة من الاصحاب انه يشترط في شعر المقدم الذي يمسح عليه ان لا يخرج بمده عن حد المقدم. فلو خرج عن الحد المذكور لم يجز المسح على الزائد، لخروجه عن محل الفرض، بل يمسح على اصوله وما زاد ما لم يخرج عن الحد المذكور. بقى هنا شيء اغفل الاصحاب (رضوان الله عليهم) تحقيقه ولم يلجوا مضيقه، وهو ان المقدم الوارد في هذه الأخبار هل هو عبارة عما هو المتبادر من ظاهر اللفظ، وهو ما كان من قبة الرأس إلى القصاص مما يلى الجبهة، الذي هو كذلك إلى القصاص من خلف، فبأي جزء من هذه المسافة مسح تأدى به الواجب، أو هو عبارة عن الناصية وهي ما بين النزعتين كما فسرها به جماعة من الاصحاب: منهم - العلامة في التذكرة وغيره في غيره، وحينئذ فيكون المقدم عبارة عما ارتفع من القصاص إلى ان يساوي اعلى النزعتين؟ لم اقف بعد التتبع على من كشف عن ذلك نقاب الابهام بكلام صريح في المقام الا ان عباراتهم عند التأمل في مضامينها ترجع إلى الأول. وقد وقفت على رسالة لشيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني (نور الله تعالى ضريحه بانوار جوده السبحاني) نقل فيها المعنى الأول عن بعض معاصريه من الفضلاء العظام. والظاهر انه الوالد (قدس الله نفسه ونور رمسه) ونقل عنه دعوى اجماع الطائفة عليه وعدم الخلاف، ثم نسبه في دعوى ذلك إلى الوهم، وقال: انه لم يصرح بهذه الدعوى الغريبة غير شيخنا الشهيد الثاني في الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، وهو ظاهر كلامه في غيرها، وربما يستفاد من اطلاق فحاوي كلام غيرهما ايضا، لكن اكثر عبارات الاصحاب والأخبار واهل اللغة ظاهرة بل صريحة في ان المقدم هو قصاص الشعر والناصية، والمستفاد منها ان ذلك هو محل الفرض، ويكفي مسماه، وافضله مقدار ثلاث اصابع مضمومة من قصاص الشعر إلى ما بلغت لا ازيد، وانه لو مسح ما فوق ذلك

ص 255

بدون مسح الناصية لم يكفه وكان الوضوء باطلا، لعدم الدليل الثابت على جواز التعبد به. ثم اورد (قدس سره) مقامات ثلاثة تتضمن الاستدلال على ما ذهب إليه: ذكر في أولها الأخبار الواردة في المسألة. وفى ثانيها كلام أهل اللغة في ذلك. وفى ثالثها عبارات الاصحاب الدالة على ما ذكره. وحيث ان المسألة غير مكشوف عنها نقاب الابهام في كلام علمائنا الاعلام مع كونها من المهام العظام، فلابد من ارخاء عنان القلم في تنقيحها وتمييز باطلها من صحيحها وبيان ما هو المستفاد من كلام الاصحاب في المقام واخبار أهل الذكر (عليهم السلام): فنقول: الظاهر ان ما ذكره شيخنا المشار إليه - وادعى انه المفهوم من كلام اكثر علمائنا الابرار، وأخبار الائمة الاطهار، وكلام اهل اللغة الذي عليه المدار - ليس بذلك المقدار، ومنشأ الشبهة عند هي حسنة زرارة (1) الدالة على المسح على الناصية خاصة وها نحن نتكلم على المقامات الثلاثة بما يقشع غمام الابهام ونشير إلى ما اورده (قدس سره) على الخصوص في كل مقام، ليتبين للناظر ما هو الاوفق باخبار أهل الذكر (عليهم السلام) والاربط بكلام علمائنا الاعلام: فنقول: اما الأخبار الواردة في هذه المسألة فقد تضمن شطر منها - وهو اكثرها - المسح على الرأس، وجلها في الوضوء البياني، وشطر منها تضمن المسح على مقدم الرأس وشطر تضمن المسح على الناصية، وهو صحيحة زرارة المتقدمة خاصة (2). والكلام في المعنى المراد من الأخبار انما يتضح بعد الوقوف على كلام الاصحاب وما ذكره اهل اللغة في هذا الباب: فاما كلام الاصحاب فمنه - ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في شرح الالفية بعد قول المصنف: الرابع - مسح مقدم شعر الرأس حيث قال في ضبطه: المقدم بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة نقيض المؤخر بالتشديد انتهى. وصراحة العبارة (1) الآنية في الصحيفة 256 (2) ص 253 (*)

ص 256

في المراد اظهر من ان يعتريها الايراد. وقال في الروض بعد قول المصنف ويجب مسح مقدم بشرة الرأس ما لفظه: دون وسطه أو خلفه أو احد جانبيه . وقريب منها عبارة الفاضل الخراساني في الذخيرة، حيث قال بعد عبارة المصنف: دون سائر جوانبه . وقال المحقق الخوانساري في شرح الدروس بعد تقسيم ذكره سابقا: وثانيها اختصاصه بالمقدم، فلو مسح المؤخر أو الوسط أو احد جانبيه لم يجز . وانت خبير بان مقابلة الاختصاص بالمقدم في هذه العبائر ونحوها بهذه المواضع الثلاثة - من مؤخر الرأس ووسطه وجانبيه - تعطى انحصار المقدم فيما بين القصاص إلى الوسط، وإلا لبقى فرد آخر مغفل في الكلام، فلا يدل التفريع على الانحصار، إذ لا يخفى ان الغرض من المقابلة - في امثال هذه المقامات بعد اثبات الحكم لبعض الافراد بنفيه عن الافراد الاخر - إنما هو الحصر في ذلك الفرد، كما لا يخفى على الفطن اللبيب العارف بالاساليب. وقال المولى المحقق الاردبيلي (رحمه الله): ان ظاهر الآية وبعض الأخبار يدل على اجزاء مسخ اي جزء كان من الرأس. ولعل الإجماع - مؤيد بالوضوء البياني، وبصحيحة محمد بن مسلم (1) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): امسح الرأس على مقدمه وبحسنة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) وتمسح ببلة يمناك ناصيتك دال على ان المراد جزء من مقدم الرأس لا اي جزء كان، ولعل المراد بالناصية في الخبر هو مقدم الرأس، لانه اقرب إلى الناصية المشهورة أو اسم له حقيقة انتهى. وحاصل كلامه ان ظاهر الآية وبعض الأخبار دل على اجزاء مسح اي جزء

(هامش)

(1) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 و31 - من ابواب الوضوء (*)

ص 257

من الرأس، ولما عارضه الإجماع والأخبار الدالة على خصوص مسح المقدم دل على تخصيص الرأس بالمقدم، لكن لما كان من تلك الأخبار المخصصة حسنة زرارة الدالة على الناصية التي هي اخص من المقدم، اراد الجمع بينها وبين اخبار المقدم بحمل الناصية على المقدم، مجازا لقرينة المجاورة، أو حقيقة شرعية. ثم ان اكثر عبائر الاصحاب في هذا المقام قد اشتملت على التعبير بالمقدم مفردا أو مضافا إلى الرأس، ومن الظاهر البين ان كل أحد لا يفهم من لفظ المقدم المضاف إلى الرأس أو غيره متى اطلق إلا ما قابل المؤخر، وسيأتي لك ايضا ما يعضده من كلام أهل اللغة. وبذلك يعلم ايضا انه لا يطلق مجردا عن القرينة الا على ذلك المعنى. وبذلك ايضا اعترف شيخنا المذكور في آخر رسالته حيث قال: لا يقال: ان اطلاق الدليل من الآية يقتضي جواز المسح على الرأس، وحيث قد جاءت السنة مخصصة له بالمقدم وهو يطلق على ضد المؤخر، كانت مقيدة لاطلاق الكتاب، فيبقى ما صدق عليه المقدم سالما من التقييد، فيكون كله صالحا للمسح. لانا نقول: الامر كما ذكرتم لكن نحن لا نسلم اطلاق المقدم هنا على ما ادعيتموه بعد تفسير أهل اللغة له بالناصية وورود الحديث الصحيح بكون الباء للتبعيض، فهو وان سلمنا ما هو اعم منها فلا اقل ان يكون من باب حمل المطلق على المقيد انتهى. وسيظهر لك الجواب عما اورده هنا. وبذلك يظهر لك ما في استدلاله بعبارات جملة من الاصحاب، فان جلها من هذا الباب: فمما نقله (قدس سره) كلم الصدوق (رحمه الله) في الفقيه حيث قال: وحد مسح الرأس ان تمسح بثلاث اصابع مضمومة من مقدم الرأس ومثله عبارته في الهداية إلا انه قال: اربع اصابع . وانت لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما حررناه انه لا دلالة فيها على شيء مما ادعاه لانه حكم بوجوب مسح هذا المقدار المعين من المقدم، وقد عرفت المعنى المتبادر من المقدم

ص 258

وسيأتي ايضا ما يؤكده، فيكون معناه وجوب مسح هذا المقدار من اي جزء من اجزاء هذه المسافة، واي دليل له في ذلك؟ بل هو بالدلالة على خلاف مدعاه - بتقريب ما حققناه - اشبه. ثم نقل عن الشيخ المفيد في المقنعة انه قال: يمسح من مقدم رأسه مقدار ثلاث اصابع مضمومة من ناصيته إلى قصاص شعره مرة واحدة وعبارة الشيخ في النهاية ثم يمسح بباقي نداوة يده من قصاص شعر رأسه مقدار ثلاث اصابع مضمومة وهاتان العبارتان وان دلتا على كون المسح في هذا المكان الذي يدعيه. لكن لا دلالة لهما على الانحصار فيه وعدم اجزاء ما سواه كما هو المدعى. وصدر عبارة الشيخ المفيد ظاهر الدلالة على ان مقدم الرأس عبارة عما ادعيناه. ثم نقل كلام السيد المرتضى في المسائل الناصرية، فقال: قال الناصر في المسائل الناصرية: فرض المسح متيقن بمقدم الرأس والعامة إلى الناصية. فكتب السيد المرتضى (رضي الله عنه) في جوابه: هذا صحيح وهو مذهبنا، وبعض الفقهاء يخالفون في ذلك ويجوزون المسح على اي بعض كان من الرأس. والدليل على صحة مذهبنا الإجماع المتقدم ذكره. وايضا فلا خلاف بين الفقهاء في ان من مسح على مقدم الرأس فقد ادى الفرض. وليس كذلك من مسح مؤخر الرأس، فما عليه الإجماع اولى انتهى والعجب منه (قدس سره) في ايراد هذه العبارة واستناده إليها وهي - كما ترى - صريحة الدلالة في خلاف مدعاه، اما في كلام الناصر فظاهر، واما في كلام السيد (رحمه الله) فلجوابه بانه مذهبنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، وكأنه (قدس سره) اوردها بطريق الاستعجال أو مع تشويش في البال. ثم اورد عبارة المرتضى (رضي الله عنه) في الانتصار، وهو قوله: ومما انفردت به الامامية القول بان الفرض مسح مقدم الرأس دون سائر ابعاضه، والفقهاء

ص 259

كلهم مخالفون في هذه الكيفية ولا يوجبونها، ولا شبهة في ان الفرص عند الامامية متعلق بمقدم الرأس دون سائر ابعاضه انتهى. ثم نقل شطرا من عبائر المتأخرين المشتملة على التعبير بمقدم الرأس. وانت خبير بعد الاحاطة بما اسلفناه انه لا اشعار فيما بما ذكره ولا ايناس، بل هي في الدلالة على خلاف ما يدعيه عارية عن الابهام والالتباس، وحينئذ فما ذكره (رحمه الله) بعد ذلك - من قوله: فان كان مراد هؤلاء المتأخرين بالمقدم الناصية، وبالناصية قصاص الشعر وما فوقه بيسير وهو ما بين النزعتين فلا كلام، وان كان المراد ما هو أعم فالبحث ايضا جار معهم، لانه خلاف فتوى المتقدمين من الاصحاب والنصوص واللغة انتهى - فهو تطويل بغير طائل. واعادة الكلام عليه بعد تحقيق ما اسفلناه تحصيل الحاصل. واما كلام اهل اللغة فمما استند إليه واورده كلام القاموس، حيث قال: .. ومقدمة الجيش - وعن ثعلب فتح داله - متقدموه، وكذا قادمته وقداماه، ومن الابل اول ما ينتج ويلقح، ومن كل شيء اوله، والناصية، والجبهة ثم قال (قدس سره) بعده وهو صريح في كون المقدم هو الناصية انتهى. وانت خبير بان الظاهر من هذه العبارة بالنسبة إلى ما نحن فيه اطلاق المقدم على ثلاثة معان: (احدها) - اول الشيء، فإذا اضيف المقدم إلى الرأس يكون بمعنى اوله. و(الثاني) - الناصية. و(الثالث) - الجبهة. والاول منها هو الذي اتفقت عليه كلمة أهل العرف، وعليه ايضا اتفقت كلمة اهل اللغة: فمنها - ما ذكره هنا، فان المراد من الأول في عبارته ما قابل الآخر، كما ذكره في مادة (اخر) حيث قال: والآخر خلاف الأول ومن المعلوم ان الأول بالنسبة إلى الرأس هو المقدم كما ان الآخر هو المؤخر.

ص 260

ومن ذلك - ما صرح به في كتاب مجمع البحرين حيث قال: والمقدم بفتح الدال والتشديد نقيض المؤخر، ومنه مسح مقدم رأسه انتهى. وفيه دلالة واضحة على انه المراد شرعا. وقال في الصحاح: ومؤخر الشيء نقيض مقدمه . وقال في المصباح: ومؤخر كل شيء بالتثقيل والفتح خلاف مقدمه . واما المعنى الثاني وهو اطلاقه على الناصية فلا دليل فيه على ما ادعاه (طاب ثراه) فان الناصية عند أهل اللغة إنما هي عبارة عن القصاص الذي هو لغة وشرعا آخر منابت شعر الرأس، قال في القاموس: الناصية قصاص الشعر ومثله في المصباح. وفى مجمع البحرين: الناصية قصاص الشعر فوق الجبهة والناصية عند الفقهاء - كما تقدم في كلام العلامة في التذكرة، وهو الذي يدعيه شيخنا المزبور ويخص موضع المسح به - هو ما ارتفع عن القصاص حتى يسامت اعلى النزعتين، وحينئذ فاطلاق المقدم على الناصية في عبارة القاموس - مع ما عرفت من معناها لغة - لا دليل فيه على ما ادعاه. ومع تسليم ان المراد بها ما ادعاه، ففيه انه قد اطلق فيه ايضا على ما ادعيناه، وهو المعنى الأول فالتخصيص بما ادعاه ترجيح من غير مرجح، بل المرجح في جانب المعنى الذى ادعيناه حيث انه مما اتفقت عليه كلمة العرف واللغة كما عرفت، فحمل الأخبار عليه اظهر البتة. على ان هذا المعنى الذي ذكره لم نجده في شيء من كتب اللغة بعد الفحص سوى القاموس. وكيف كان فلا ريب في رجحان مقابله. ومما نقله ايضا في رسالته عبارة المصباح المنير، حيث قال فيه: الناصية قصاص الشعر وجمعها النواصي. ونصوت فلانا نصوا من باب قتل: قبضت على ناصيته. وقول أهل اللغة -: النزعتان هما البياضان اللذان يكتنفان الناصية، والقفا مؤخر الرأس والجانبان ما بين النزعتين والقفا، والوسط ما احاط به ذلك. وتسميتهم كل موضع باسم يخصه كالصريح في ان الناصية مقدم الرأس فكيف يستقيم على هذا تقدير الناصية بربع

ص 261

الرأس؟ وكيف يصح اثباته بالاستدلال؟ والامور النقلية انما نثبت بالسماع لا بالاستدلال ومن كلامهم جز ناصيته و واخذ بناصيته ومعلوم انه لا يتقدر، لانهم قالوا: الطرة هي الناصية. واما الحديث ومسح بناصيته فهو دال على هيئة. ولا يلزم نفي ما سواها. وان قلنا: الباء للتبعيض ارتفع النزاع انتهى. ثم قال (رحمه الله) بعدها، وهو نص على ما امليناه وشاهد صدق على ما ادعيناه انتهى. اقول: والذي يلوح للفكر القاصر ان مراد صاحب المصباح من سوق هذا الكلام - حيث انه شافعي المذهب - الرد على ابي حنيفة فيما ذهب إليه من وجوب المسح على ربع الرأس مدعيا انه الناصية، مستندا إلى رواية المغيرة بن شعبة عن النبي (صلى الله عليه وآله) بانه مسح على ناصيته، قال: والناصية تقرب من ربع الرأس (1) فقال صاحب الكتاب بعد تفسير الناصية بما فسيرها به غيره من اهل اللغة بقصاص الشعر: ان تخصيص اهل اللغة كلا من هذه المواضع من اجزاء الرأس باسم على حدة - ولم يعينوا اسما للمسافة التي من القصاص مما يلي الوجه إلى قمة الرأس - يعطى ان الناصية في كلامهم اسم لمقدم الرأس الذي هو عبارة عن هذه المسافة، وحينئذ فاما ان تكون الناصية عبارة عن القصاص كما هو المشهور في كلامهم، أو عن مجموع المقدم كما هو المستفاد من هذا التقسيم، فالقول بكونها عبارة عن ربع الرأس لا مجال له. ثم اعترض عليه بانه كيف يثبت بالاستدلال، اشارة إلى الاستدلال بالرواية المذكورة، وساق الكلام في الرد على ابى حنيفة وتأويل الحديث الذي استند إليه. هذا ما يفهم من العبارة المذكورة. وقوله -: كالصريح في ان الناصية مقدم الرأس بحمل المقدم على الناصية دون العكس - يرشد إلى ما ادعيناه، وحينئذ فالعبارة في الدلالة على ما ندعيه اظهر.

(هامش)

(1) في الهداية لشيخ الإسلام الحنفي ج 1 ص 4 المفروض في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع الرأس، لما روى المغيرة بن شعبة: ان النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ ومسح بناصيته وخفيه، والكتاب مجمل فالتحق بيانا به وفى التعليقة 6 في الصحيفة 253 ما يتعلق بالمقام. (*)

ص 262

إذا عرفت ذلك فاعلم ان جل الأخبار قد اشتمل على وجوب المسح على الرأس وجملة منها قد اشتمل على وجوب مسح مقدمه، فيجب حمل مطلقها على مقيدها كما هو القاعدة المطردة. بقى في المقام صحيحة زرارة المشتملة على مسح الناصية (1) ويمكن الجمع بينها وبين اخبار المقدم بوجوه: (احدها) - بما تقدم في كلام المحقق المولى الاردبيلي (رحمه الله) من حمل الناصية على المقدم، مجازا لقرينة القرب والمجاورة، أو حقيقة شرعية. ويؤيده ما صرح به الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في كتاب مجمع البيان في تفسير قوله سبحانه: ... فيؤخذ بالنواصي والاقدام (2) حيث قال: والناصية شعر مقدم الرأس . و(ثانيها) - كون الامر بالمسح بالناصية لكونها احد اجزاء الموضع الممسوح ولا دلالة فيه على الاختصاص ونفى ما سوى هذا الموضع وانه لا يجزئ المسح عليه، كما ورد في جملة من الأخبار المسح باصبع، فانه لا دلالة فيه على تعيين هذا القدر لا في الماسح ولا في الممسوح، ويؤيد ذلك ما ورد في الأخبار - كما سيأتي ان شاء الله تعالى - من ان المرأة لا تمسح بالرأس كما تمسح الرجال، انما المرأة إذا اصبحت مسحت رأسها وتضع الخمار عنها، إذا كان الظهر والعصر والمغرب والعشاء تمسح بناصيتها، فان ظاهره - كما ترى - ان مسح رأسها في الصبح بعد وضع الخمار عنها في غير موضع الناصية أو زيادة عليها، بخلاف باقى الصلوات مع بقاء الخمار عليها فانها تدخل يدها تحته وتمسح على الناصية خاصة. و(ثالثها) - حمل المسح ببلة اليمنى على الدخول في حيز الاجزاء، بعطف قوله: وتمسح باضمار ان على قوله: ثلاث غرفات كما سيأتي تحقيقه،

(هامش)

(1) المتقدمة في الصحيفة 253 (2) سورة الرحمان. الآية 41 (*)

ص 263

 

المقدار الواجب من الرأس

 

فيصير مسح الناصية داخلا تحت الاجزاء الذي هو اقل مراتب الواجب، فيسقط الاستدلال بها رأسا. وذيل الكلام في المقام واسع الاطراف الا انا اقتصرنا على ما فيه كفاية للمتأمل بعين الانصاف. وبما حققناه في المقام وكشفنا عنه نقاب الابهام، ظهر لك ان ما نقله شيخنا المشار إليه في رسالته عن الواحد الماجد (نور الله تعالى تربتهما) من الإجماع صحيح لا غبار عليه، ولا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه وليته كان حيا فاهدى هذا التحقيق إليه. ويتبين ايضا ان هذا القول ليس مخصوصا بشيخنا الشهيد الثاني في الروضة أو غيرها من كتبه، وان الوالد قلده في ذلك فاغرب بدعوى الإجماع على ما هنا لك، كما بسط به ذلك الفاضل لسان التشنيع وسجل به من القول الفظيع. (الثاني) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في قدر واجب المسح من الرأس: فالمشهور - كما نقله جمع: منهم - السيد السند في المدارك - الاكتفاء بالمسمى، ولو بجزء من اصبع ممرا له على الممسوح، ولا يجزئ مجرد الوضع، لعدم صدق المسح بذلك. ونقل الشهيد في الذكرى عن القطب الراوندي في احكام القرآن انه لا يجزئ اقل من اصبع. وظاهر المفيد في المقنعة ذلك. قال: ويجزئ الانسان في مسح رأسه ان يمسح من مقدمه مقدار اصبع يضعها عليه عرضا من الشعر إلى قصاصه، وان مسح منه مقدار ثلاث اصابع مضمومة بالعرض كان قد اسبغ انتهى. فان المتبادر من لفظ الاجزاء ان يراد به اقل الواجب.

ص 264

وهو الظاهر ايضا من كلام الشيخ في التهذيب حيث قال بعد نقل العبارة المذكورة: يدل على ذلك قوله تعالى: ... وامسحوا برؤوسكم وارجلكم.. (1) ومن مسح رأسه ورجليه باصبع واحدة فقد دخل تحت الاسم ويسمى ماسحا، ولا يلزم على ذلك ما دون الاصبع، لانا لو خلينا والظاهر لقلنا بجواز ذلك لكن السنة منعت منه انتهى. ويظهر من العلامة في المختلف اختيار ذلك ايضا، بل نسبه فيه إلى المشهور ولم ينقل القول بالمسمى فيه اصلا، حيث قال: المشهور بين علمائنا الاكتفاء في مسح الرأس والرجلين باصبع واحدة ثم نقله عن الشيخ في اكثر كتبه وابن ابي عقيل وابن الجنيد وسلار وابى الصلاح وابن البراج وابن ادريس، ثم نقل جملة من عبائر الاصحاب المشتملة على المسح بثلاث اصابع. وبذلك ايضا صرح الشهيد في الدروس حيث قال: ثم مسح مقدم الرأس بمسماه ولا يحصل باقل من اصبع وقال بعد ذلك: والزائد عن اصبع من الثلاث مستحب وهو ظاهره في البيان، حيث قال: والواجب مسماه ولو باصبع ثم نقل الثلاث عن النهاية وحمله على الاستحباب. بل هو ظاهره في الذكرى حيث قال: الثانية - الواجب في المقدم مسمى المسح، لاطلاق الامر بالمسح الكلى، فلا يتقيد بجزئي بعينه. ثم قال: الثالثة - لا يجزئ اقل من اصبع، قاله الراوندي في احكام القرآن ثم عن المختلف ان المشهور الاكتفاء به، ثم نقل العبارات المتعلقة بالثلاث. فان ظاهر هذا الكلام بمعونة صريح الدروس وظاهر البيان هو القول بالمسمى وحمله على الاصبع، ولا ينافي ذلك نقله له عن الراوندي. وهو ظاهره ايضا في الرسالة، حيث قال: الرابع - مسح مقدم الرأس

(هامش)

(1) سورة المائدة. الآية 6 (*)

ص 265

حقيقة أو حكما ببقية البلل ولو باصبع نظرا إلى جعله الاصبع المرتبة الدنيا للاجزاء مبالغة. وشيخنا الشهيد الثاني في شرحها تمحل في صرفها عن ظاهرها، فقال بعد ذكر العبارة يعنى الاكتفاء بكون الاصبع آلة للمسح بحيث يحصل بها مسماه لا كونه بقدر الاصبع عرضا انتهى. بل تمحل ذلك في شرح الارشاد باجراء هذا التأول في جملة العبارات المشتملة على التحديد بالاصبع. وانت خبير بعدم انطباق هذا التأويل على عبارة الدروس، فانها صريحة في ان المراد وجوب مقدار الاصبع. واصرح منها كلام الشيخ في التهذيب. وتكلفه فيما عداهما على غاية من البعد. وقال الصدوق في الفقيه: وحد مسح الرأس أن تمسح بثلاث اصابع مضمومة من مقدم الرأس . وبه صريح الشيخ في النهاية لكن خصه بحال الاختيار، فقال: لا يجوز اقل من ثلاث اصابع مضمومة مع الاختيار، فان خاف البرد من كشف الرأس اجزأه مقدار اصبع واحدة . ونسب ذلك ايضا إلى المرتضى في مسائل الخلاف، والى هذا القول يميل كلام المحدث الامين الاسترابادي، وهو ظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر في كتاب الوسائل، حيث قال: باب اقل ما يجزئ من المسح (1) ثم اورد روايات الاصبع وروايات الثلاث اصابع. ويدل على الأول ظاهر الآية (2) لاطلاق الامر فيها بالمسح فلا يتقيد يجزئي بعينه، والباء فيها للتبعيض بدلالة النص الصحيح (3).

(هامش)

(1) وهو الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (2) سورة المائدة. الآية 6 (3) وهو صحيح زرارة المروى في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء. (*)

ص 266

وقوله (عليه السلام) في صحيحة الاخوين (1): ... وإذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك... . وفى صحيحة اخرى لهما ايضا (2) ... فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من رجليه... . ويدل على الثاني صحيحة حماد عن بعض اصحابه عن احدهما (عليهما السلام) (3) في الرجل يتوضأ وعليه العمامة؟ قال: يرفع العمامة بقدر ما يدخل اصبعه. فيمسح على مقدم رأسه . ورواية الحسين بن عبد الله (4) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمسح رأسه من خلفه - وعليه عمامة - باصبعه، أيجزيه ذلك؟ فقال: نعم . ويدل على القول الثالث صحيحة زرارة (5) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) المرأة يجزيها من مسح الرأس ان تمسح مقدمه قدر ثلاث اصابع ولا تلقى عنها خمارها فان لفظ الاجزاء إنما يستعمل في اقل الواجب. وما رواه الكشي في رجاله عن محمد بن نصير عن محمد بن عيسى عن يونس (6) قال: قلت لحريز يوما: يا ابا عبد الله كم يجزيك ان تمسح من شعر رأسك في وضوئك للصلاة؟ قال: بقدر ثلاث اصابع، واومأ بالسبابة والوسطى والثالثة، وكان يونس يذكر عنه فقها كثيرا وظاهره ان حريز كان يرى المسح بقدر ثلاث. ورواية معمر بن عمر عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) قال: يجزئ من المسح

(هامش)

(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء. (3) و(4) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء. (5) و(7) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (6) في الصحيفة 244 وفى مستدرك الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء. (*)

ص 267

على الرأس موضع ثلاث اصابع، وكذلك الرجل . ونقل في الذكرى عن ابن الجنيد تخصيص اعتبار الثلاث بالمرأة دون الرجل، وتخصيص الرجل بالاصبع الواحدة، حيث قال: يجزئ الرجل في المقدم اصبع والمرأة ثلاث اصابع ولعله استند إلى صحيحة زرارة المتقدمة، ولعل من استند إليها مطلقا بنى على عدم وجود القائل بالفرق ولم يعتبر بخلاف ابن الجنيد، مؤيدا ذلك برواية معمر بن عمر. ثم انه لا يخفى عليك ان اقصى ما يستفاد من ادلة القول الأول وجوب مسح بعض من الرأس بمقتضى الآية وشيء منه بمقتضى الأخبار، ومن الظاهر المتفق عليه انه ليس المراد بعضا ما من الابعاض ولا شيئا ما من الاشياء، بل بعضا معينا من ابعاض الرأس وشيئا معينا من اجزائه. فلابد من الرجوع إلى دليل معين لذلك البعض المراد، وليس إلا هذه الأخبار الدالة على الاصبع أو الثلاث، فكما انه بالنسبة إلى تعيين محل المسح من اطلاق الآية والأخبار المطلقة، اوجبوا الرجوع إلى أخبار المقدم فخصوا اطلاقها به، ولم يجوزوا المسح على غير المقدم من اجزاء الرأس، فكذلك يجب ان يكون بالنسبة إلى مقدار المسح، فيجب الرجوع إلى ما دل عليه من الأخبار، وتخصيص الآية وجملة من الأخبار الموافقة لها في الاطلاق به. وبالجملة فالروايات في هذه المسألة ما بين مطلق ومقيد أو مجمل ومفصل، والمقيد يحكم على المطلق والمفصل على المجمل، فالعمل بالمفصل والمقيد متعين ما لم يظهر خلافه. ورجح السيد السند في المدارك حمل الأخبار المقيدة على الاستحباب كما هو المشهور، بعد ان احتمل ما ذكرناه من تقييد مطلق اخبار المسألة بمقيدها. وانت خبير بما فيه بعد ما ذكرناه، فانها عند التحقيق غير دالة على ما ذكروه من المسمى كما عرفت.

ص 268

نعم يبقى الكلام في التوفيق بين روايات الاصبع والثلاث، ويمكن ذلك باحد وجوه: (منها) - حمل روايات الاصبع - حيث انها قد اتفقت على المسح بها تحت العمامة - على الضرورة، لما في رواية حماد عن الحسين (1) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل توضأ وهو معتم فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد؟ فقال ليدخل اصبعه وهذا هو ظاهر الشيخ في النهاية كما سلف في عبارته. و(منها) - حمل الاصبع على اقل الواجب والثلاث على الاستحباب، كما هو ظاهر المقنعة، وصريح الدروس، وظاهر غيره ايضا كما مر. و(منها) - حمل روايات الثلاث على مسح هذا المقدار في عرض الرأس والاصبع الواحدة على كونه في الطول، فان ظاهر روايات الثلاث اعتبار مسح هذا المقدار لا وجوب كونه بثلاث اصابع، وان كان ظاهر عبارة الصدوق تعين كونه بثلاث اصابع، الا انه خلاف ظاهر الأخبار، فيجب تأوليه ورده إليها. واكثر الاصحاب حملوا روايات الاصبع والثلاث على هذا الوجه، لكن القائلين منهم بالاكتفاء بالمسمى ولو بجزء من اصبع يجعلون ذلك على جهة الاستحباب، قال شيخنا المحقق الثاني في شرح القواعد: اعلم ان المراد بمقدار ثلاث اصابع في عرض الرأس، اما في طوله فمقداره ما يسمى ماسحا، ويتأدي الفضل بمسح المقدار المذكور ولو باصبع انتهى. واما ما احتمله بعض متأخرى المتأخرين من جواز ان يكون الامر بادخال الاصبع في تلك الأخبار لا يكون آلة للمسح - بناء على ما قدمناه من كلام شيخنا الشهيد الثاني - فبعيد جدا. وما ذكره بعض مشايخنا المحققين - من ان استناد الشيخ في وجوب مسح

(هامش)

(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (*)

ص 269

مقدار الثلاث إلى صحيحة زرارة ورواية معمر المتقدمتين (1) ضعيف، إذ لا يلزم من اجزاء قدر عدم اجزاء ما دونه الا بالمفهوم الضعيف، ولو سلم دلالته عرفا فلا يعارض ظاهر الكتاب ومنطوق الخبر الصحيح - ففيه ان الاستدلال بهما ليس باعتبار دلالة مفهوم اللقب الضعيف، وانما هو باعتبار الدلالة العرفية المسلمة بينهم في غير موضع كما ذكره هو وغيره، واما ما ذكره من معارضة الكتاب والنص الصحيح فليس بشيء بعد ما عرفت، لعدم المعارضة بين المطلق والمقيد المجمل والمبين، إذ يجب بمقتضى القاعدة المسلمة فيما بينهم في غير موضع حمل الأول منهما على الثاني. ثم اعلم ان الروايات بمسح قدر الثلاث والمسح باصبع ليس في شيء منها تقييد بكونه في جهة العرض أو الطول. لكن جملة من الاصحاب - كما عرفت - قيدوا روايات الثلاث بكون ذلك المقدار في جهة العرض كما تقدم في كلام ثاني المحققين، ومثله ايضا كلام ثاني الشهيدين في شرح الشرائع، حيث قال - بعد قول المصنف: والمندوب مقدار ثلاث اصابع عرضا - ما لفظه: عرضا حال من الاصبع أو بنزع الخافض، والمراد مرور الماسح على الرأس بهذا المقدار وان كان باصبع لاكون آلة المسح ثلاث اصابع انتهى. والمفهوم من عبارة الشيخ المفيد المتقدمة ان اقل الواجب مقدار اصبع يضعها عليه عرضا. فان كان مستنده (رحمه الله) حمل روايات الاصبع على مقدارها عرضا وإلا فهو خال من المستند مع كون حمل تلك الروايات على ذلك في غاية البعد من حاق لفظها فانها ظاهرة الصراحة في كون المسح بالاصبع، فهو في التحقيق خال عن المستند. اللهم الا ان تحمل اخبار قدر الثلاث على كونه طولا، وهي تقرب من الواحدة عرضا، والى هذا الحمل مال المحقق المحدث الاسترابادي (قدس سره) حيث قال - بعد نقل كلام ثاني

(هامش)

(1) في الصحيفة 266 (*)

ص 270

 

المقدار المشروع من الزائد

 

المحققين وثاني الشهيدين المتقدم الدال على حمل روايات قدر الثلاث على كونه في جهة العرض - ما هذا لفظه: الظاهر من الروايات ان يكون الممسوح من عرض الرأس بقدر طول اصبع ومن طوله بقدر ثلاث اصابع مضمومة. ومن الروايات المشار إليها صحيحة زرارة (1) المشتملة على قوله (عليه السلام): وتمسح ببلة يمناك ناصيتك لان المتبادر منها مسح كلها، وصحيحته الاخرى (2) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): المرأة يجزيها من مسح الرأس ان تمسح مقدمه قدر ثلاث اصابع ولا تلقى عنها خمارها ورواية معمر عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: يجزئ من المسح على الرأس موضع ثلاث اصابع، وكذلك الرجل والناصية في غالب الناس عرضها قدر طول اصبع وطولها قدر ثلاث اصابع مضمومة انتهى. وقال صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل بعد كلام في المقام: والحاصل انا لم نظفر بما تضمن المسح بالثلاث، بل المسح بالاصبع، أو مسح موضع الثلاث ومقدارها، من غير تقييد المسح بكونه في طول الرأس أو عرضه، ولا لموضع الثلاث بكونه مأخوذا من احدهما أو كليهما حالة وضع الثلاث على الرأس، منطبقا كل من خطيها الطولي والعرضي على مثله من خطيه أو على مقابله، فالاعراض عنه - من باب اسكتوا عما سكت الله عنه (4) اولى انتهى. وفيه ان الظاهر من الأخبار - بعد ضم بعضها إلى بعض - هو ما ذكره المحدث الامين (قدس سره). (الثالث) - المفهوم من كلام القائلين بالمسمى أو الاصبع ان غاية ما يستحب الزيادة على بلوغ قدر ثلاث اصابع مضمومة، واما ما زاد على ذلك المقدار، فهل يكون

(هامش)

(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 و31 - من ابواب الوضوء (2) و(3) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (4) تقدم الكلام فيه في الصحيفة 156 من الجزء الأول (*)

ص 271

محرما أو جائزا، أو يفرق فيه بين استيعاب الرأس وعدمه؟ اقوال: قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة: وغاية المؤكد ثلاث اصابع، ويجوز الزيادة عليها ما لم يستوعب جميع الرأس، فيكره على الاصح، الا ان يعتقد شرعيته فيأثم خاصة. وقيل يبطل المصح. وقد اغرب الشارح المحقق (رحمة الله) حيث جعل الزائد على الثلاث اصابع غير مشروع انتهى. وممن صرح بكراهة الاستيعاب الشهيد في الذكرى والدروس، معللا له في الذكرى بانه تكلف ما لا يحتاج إليه. وفيه ضعف. ونقل عن ابن حمزة تحريمه. لانه مخالف للمشروع. وظاهره عدم الفرق بين اعتقاد المشروعية وعدمه. وفي الخلاف ادعى الإجماع على بدعيته فيجب نفيه. وابن الجنيد حرمه مع اعتقاد المشروعية، وابطل به الوضوء. ورده جملة من المحققين باشتمال مسح الرأس على الواجب فلا يؤثر الاعتقاد في الزائد. نعم ياثم بذلك. وابو الصلاح ابطل الوضوء لو تدين بالزيادة في الغسل أو المسح. ورد بما رد به سابقه. اقول: والذي يقرب عندي انه متى مسح أو غسل ما زاد على القدر الموظف شرعا، فان كان مع عدم اعتقاد المشروعية فالظاهر انه لا تحريم ولا كراهة، لعدم الدليل على ذلك، وان كان مع اعتقاد المشروعية فالظاهر بطلان الوضوء لوجوه: (اما اولا) - فلان العبادات تابعة لقصود والنيات صحة وابطالا، بل وجودا وعدما كما تقدم تحقيقه، ومجرد حصول المأمور به شرعا - مع عدم كونه مقصودا بخصوصه كما امر به الشارع - لا يعتد به لانه في الحقيقة واقع بغير نية، والا لصحت صلاة من اتم عالما عامدا في السفر بناء على استحباب التسليم، فانها قد اشتملت على الواجب قطعا، مع ان الإجماع نصا وفتوى على خلافه. واولى منه صحة صلاة التمام

ص 272

في مواضع التخيير ثم احدث عمدا أو قطع الصلاة باحد القواطع في اثناء الركعتين الاخيرتين، بناء على استحباب التسليم، وعدم قصد العدول إلى المقصورة، فانه لا يجب عليه الاعادة، لاشتمال صلاته هذه على الصلاة المقصورة التي هي احد الفردين في هذا المقام و(اما ثانيا) - فلانه تشريع وادخال في العبادة ما ليس منها فيكون مبطلا. و(اما ثالثا) - فلان جملة من المحققين صرحوا في مسألة الفرق بين الغسل والمسح بان النسبة بينهما العموم من وجه وجوزوا المسح بما اشتمل على الجريان بشرط قصد المسح به، وهو دال - كما هو الواقع - على ان القصد مما له مدخل في الصحة والابطل، والا فلو اجرى المكلف الماء بيده على رجله كلها ورأسه كملا مع اعتقاده الغسل به، لزم صحة وضوئه، لاشتماله على المسح شرعا بناء على ذلك القول وان كان غير مقصود له، وعدم الضرر باعتقاده كون ذلك غسلا، وزيادته على ما هو الواجب واقعا. والآية والنصوص ترده. و (اما رابعا) - فلانهم صرحوا - الا الشاذ منهم - بتحريم الغسلة الثالثة في الوضوء. واما الابطال بها فهو مذهب ابي الصلاح وظاهر الكليني والصدوق، وهو احد الاقوال في المسألة، وهو اظهرها دليلا: لقول الصادق (عليه السلام) في حديث داود الرقي المروي في كتاب رجال الكشي (1) ... ومن توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له . وقوله (عليه السلام) في الحديث المذكور (2) لداود بن زربي: توضأ مثنى مثنى ولا تزدن عليه، فانك ان زدت عليه، فلا صلاة لك . وما رواه في الفقيه (3) مرسلا في باب صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: قال (عليه السلام): من تعدى في وضوئه كان كناقضه وسيأتي تحقيق ذلك في محله.

(هامش)

(1) و(2) في الصحيفة 200 والوسائل في الباب - 32 - من ابواب الوضوء. (3) ج 1 ص 25. وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (*)

ص 273

 

كيفية مسح المرأة

 

(الرابع) - المفهوم من ظاهر كلام الصدوق في الفقيه، والشيخين في المقنعة والمبسوط والنهاية، انه يجب على المرأة وضع القناع في الصبح والمغرب لاجل المسح. وصرح في المقنعة بانها تمسح هنا بثلاث اصابع من رأسها حتى تكون مسبغة، وانه يرخص لها في باقى الصلوات المسح تحت الخمار، بان تكتفي بادخال اصبع تحت خمارها، قال في المقنعة: وتدخل اصبعها تحت قناعها فتمسح على شعرها ولو كان ذلك مقدار انملة . وصرح المحقق والعلامة وجملة من المحققين باستحباب وضع الخمار مطلقا، وتأكده في صلاة الغداة والمغرب. وبعضهم اقتصر على الغداة خاصة، لعدم وقوفه على نص يتضمن اضافة المغرب إليها في ذلك. والذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة رواية الحسين بن زيد بن علي ابن الحسين (عليهما السلام) عن ابيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: لا تمسح المرأة بالرأس كما يمسح الرجال، انما المرأة إذا اصبحت مسحت رأسها وتضع الخمار عنها، فإذا كان الظهر والعصر والمغرب والعشاء تمسح بناصيتها . وما رواه الصدوق في الخصال (2) بسنده فيه عن جابر الجعفي عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: المرأة لا تمسح كما يمسح الرجال، بل عليها ان تلقي الخمار عن موضع مسح رأسها في صلاة الغداة والمغرب وتمسح عليه، وفى سائر الصلوات تدخل اصبعها فتمسح على رأسها من غير ان تلقي عنها خمارها . وطعن بعض متأخرى المتأخرين بعد ذكر الرواية الاولى فيها بضعف السند والدلالة. وفيه ان ضعف سندها باصطلاح متأخري اصحابنا لا يقوم حجة على من لم يقل

(هامش)

(1) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء. (2) ج 2 ص 142 وفى مستدرك الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء. (*)

ص 274

بذلك الاصطلاح سيما المتقدمين. والاولى من الروايتين دالة على وجوب وضع الخمار بالجملة الخبرية الظاهرة في الوجوب كالامر، وان كان جملة من متأخري متأخرينا يمنعونه في الامر فضلا عنها. والرواية الثانية دالة على ذلك بقوله: عليها ان تلقي الدال بظاهره على وجوب الالقاء وتحتمه. والرواية الثانية قد تضمنت اضافة المغرب إلى الصبح في وضع الخمار. فما اعترض به جملة من متأخرى المتأخرين على المشايخ المتقدمين في اضافة المغرب في عبائرهم ناشئ عن قصور التتبع. وكم وقع لهم مثله في غير موضع. ثم ان ظاهر هذه الرخصة للمرأة في المسح تحت القناع - بادخال الاصبع ومسح ما نالته من رأسها ولو بقدر الانملة. كما في كلام الشيخ المفيد، وانها ليست كالرجال في ذلك - اختصاص هذا الحكم بها في ذلك الوقت المخصوص، وعدم اجزائه لها في غيره وعدم اجزائه للرجال ايضا، وهو مما يبطل القول بالمسمى كما هو المشهور، ويؤيد ما ذهب إليه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مضاجعهم) من وجوب المقدار الذي تقدم تحقيقه في هذا البحث. لكن قد تقدم في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: المرأة يجزيها من مسح الرأس ان تمسح مقدمه قدر ثلاث اصابع ولا تلقى عنها خمارها وهو مناف لما دلت عليه هاتان الروايتان، من تخصيص المسح بقدر ثلاث اصابع ببعض الصلوات والاوقات، ومن وجوب القاء الخمار أو استحبابه في موضع المسح لان ظاهر قوله: ولا تلقى عنها خمارها اما نهى على بعض اللغات، أو خبر في معنى النهي. ويمكن الجواب عن الأول بان اطلاقها مخصوص بذينك الخبرين. وعن الثاني بان قوله: ولا تلقى بالنصب عطف على تمسح وحاصل المعنى حينئذ انه يجزيها المسح بمقدار ثلاث اصابع، وعدم القاء الخمار في ذلك الوقت الذي يجب أو يستحب فيه الالقاء، وهو رخصة لها، إذا الظاهر ان حكمة القاء الخمار في موضع الامر في تلك

(هامش)

(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (*)

ص 275

الأخبار إنما هو لاجل الاستظهار في المسح بذلك المقدار، فهي مكلفة في ذلك الوقت بشيئين: المسح بقدر الثلاث، والالقاء، وهذه الرواية دلت على اجزاء احدهما، وهو الاهم والمقصود بالذات الذي هو المسح بالثلاث دون الالقاء. ويمكن أن يستنبط منه بمعونة ما ذكرنا ان ما يستحب أو يجب مسحه من موضع المسح ثلاث اصابع ليس في عرض الرأس عرض الاصابع، لعدم توقف ذلك على القاء الخمار. (الخامس) - لا ريب انه إذا اقتصر المكلف على الفرد الا نقص من المسح فقد تأدى الواجب به، ولو اتى بالفرد الاكمل فقد صرحوا بان ما زاد منه على القدر المجزئ مستحب عينا اتفاقا، لكن هل يوصف مع ذلك بالوجوب ام لا؟ قولان: اختار اولهما المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، قال: ولا يضر ترك الزائد، لان الواجب هو الكلي، افراده مختلفة بالشدة والضعف، فاي فرد اتى به تحقق الامتثال به، لان الواجب يتحقق به انتهى. واختار ثانيهما العلامة، نظرا إلى انه يجوز تركه لا إلى بدل ولا شيء من الواجب كذلك، فلا شيء من الزائد واجب. وبان الكلي قد وجد فخرج به المكلف عن العهدة ولم يبق شيء مطلوب منه حتى يوصف بالوجوب. وفيه ان جواز تركه هنا انما هو إلى بدل، وهو الفرد الناقص الذي اتى به في ضمن هذا المسح، وحينئذ ليكون من قبيل افراد الواجبات الكلية كافراد الواجب المخير، بمعنى ان مقولية الواجب هنا على هذا الفرد الزائد والناقص كمقولية الكلي على افراده المختلفة قوة وضعفا، وحصول البراءة بالفرد الناقص لا من حيث هو جزء الزائد، بل من حيث انه احد افراد الكلي وان كان ناقصا. هذا كله مع وقوع المسح دفعة واحدة، اما إذا وقع تدريجا فقد صرح الشهيدان في الذكرى والروض بان الزائد مستحب قطعا، قال في الروض بعد نقل كلام

ص 276

الذكرى المتضمن للتفصيل بين الدفعة والتدريج: وهذا التفصيل حسن، لانه مع التدريج يتأدى الواجب بمسح جزء فيحتاج ايجاب الباقي إلى دليل، والاصل يقتضى عدم الوجوب، بخلاف ما لو مسحه دفعة، إذ لم يتحقق فعل الفرد الواجب الا بالجميع انتهى والسيد السند في المدارك جعل مطرح خلاف في المسألة هو المسح تدريجا. ولا يخفى - على المتأمل بعين التحقيق والناظر بالفكر الصائب الدقيق - ان كلام الاصحاب (رضان الله عليهم) في هذه المسألة ونظائرها على غاية من الاجمال. وتحقيق المقام - بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر (عليهم السلام) - ان يقال: لا ريب ان منشأ التخيير في هذا المقام هو اطلاق الامر بالمسح الصادق بجزء من اصبع - مثلا - إلى بلوغ قدر ثلاث اصابع مضمومة التى هي اعلى المرابت، فالواجب الكلي هو المسح المطلق وافراده هي كل مسحة قصدها المكلف واوقعها، قليلة كانت أو كثيرة، فكل فرد منها اتى به تأدى به الواجب، وكل فرد ناقص منها فهو مفضول بالنسبة إلى ما هو ازيد منه، وكل واحد من الافراد المشتملة على الزيادة يوصف في حد ذاته بالوجوب لكونه احد افراد الواجب الكلي، وبالاستحباب لكونه أكمل مما دونه، وهذا معنى قولهم في الفرد الاكمل من افراد الواجب التخييري: انه مستحب ذاتي واجب تخييري، وحينئذ فمتى مسح المكلف القدر الاكمل دفعة أو تدريجا، بمعنى انه قطع على جزء في اثناء مسحه ثم تجاوزه، فان كان قصده ونيته الامتثال بذلك القدر الاكمل، فمن الظاهر ان الزائد على القدر المجزئ - وهو المسمى، أو القدر الذي قطع عليه اولا - واجب. إذ الواجب هو مجموع ما قصده، وما اتى به من القدر المجزئ ضمن هذا المسح أو قطع عليه لا يخرج به عن العهدة، لعدم قصد الامتثال به خاصة بل به وما زاد، إلا ان يعدل إلى قصده، ولو اجزأ من غير قصد يتعلق به للزوم اجزاء عبادة من غير نية، وقد عرفت غير مرة ان الافعال عبادة وغيرها لا تميز لها وجودا وعدما - ولا اثر يترتب عليها صحة وبطلانا وثوابا وعقابا - إلا بالمقصود والنيات،

ص 277

فكما ان الركعتين في صورة التخيير غير مجزئة ما دام القصد متعلقا بالاتمام فيجب ضم الاخيرتين، كذلك هنا لا يجزئ ذلك القدر الاقل لما لم يقصد الامتثال به. وان كان قصده الامتثال بالقدر الذي قطع عليه في صورة التدريج أو اقل ما يحصل به المسمى، فالظاهر ان الزائد عليه لا يتصف بوجوب ولا باستحباب، اما عدم الوجوب فلان الواجب الكلي قد حصل في زمن هذا الفرد الذي تعلق به القصد، واما عدم الاستحباب فلعدم الدليل عليه، ولان الاستحباب الملحوظ في هذا المقام انما هو باعتبار افضلية احد افراد الواجب التخييري على غيره من سائر الافراد، وهو غير حاصل هنا. وايضا فهو ملازم لوصف الوجوب كما عرفت، فبانتفاء الوجوب عنه ينتفى الاستحباب، ولا دليل على الاستحباب بغير هذا المعنى، بل الظاهر دخوله حينئذ في التكرار المنهي عنه في المسح نعم لو اريد بالزائد في كلامهم يعنى فردا اكمل من هذا الفرد الذي تعلق به قصد المكلف لا بمعنى الباقي الذي هو ظاهر مطرح الكلام، فانه يتصف بالوجوب والاستحباب في حد ذاته كما قدمنا بيانه، فان اختيار المكلف فردا ناقصا من افراد الواجب التخييري لا ينفي وصف الوجوب والاستحباب عن الفرد الاكمل منها في حد ذاته. واما ان الباقي من المسافة الممسوحة بعد قصد الامتثال بجزء منها خاصة يتصف مسحه بالاستحباب ويترتب ثواب المستحب عليه كما هو أحد القولين، أو الوجوب كما هو القول الآخر كما هو ظاهر كلامهم، فلا اعرف له وجها. فانه كما ان المكلف لو قصد الصلاة المقصورة في موضع التخيير ثم صلى والحال كذلك اربعا. فان الركعتين الاخيرتين ان لم تكن مبطلة للصلاة لا اقل ان تكون باطلة، ولا يصح وصفها بالاستحباب فضلا عن الوجوب وقاصد التسبيح باربع تسبيحات في الركعتين الاخيرتين ثم تجاوزها إلى بعض الصور الزائدة من غير عدول إليها. فانه لا يتصف بالاستحباب من حيث التوظيف في هذا المقام وان احتمل الاستحباب من حيث كونه ذكرا. فكذلك فيما نحن فيه، على انه يلزم هنا خلو ذلك الزائد من النية والقصد، فكيف يتصف بوجوب أو استحباب مع كونه خاليا

ص 278

من النية والقصد بالكلية؟ فان المكلف إنما قصد اداء الواجب بذلك الجزء الذي ذكرناه وبالجملة فالاستحباب الذاتي اللازم للوجوب التخييري في هذا المقام انما يتعلق بمجموع الصورة الكاملة لا بهذا الجزء الزائد، وكلام الاصحاب في جميع صور هذه المسألة في غاية الاجمال كما ذكرنا، وذلك فانهم في جميع صور هذه المسألة يجعلون محل الخلاف ما زاد على الفرد الناقص بعد تأدى الواجب بذلك الفرد الناقص، وانه هل يتصف بالوجوب أو الاستحباب؟ وهو ظاهر في كون المراد به ما بين الفرد الذي قصده وتأدى به الواجب إلى نهاية ما اقتصر عليه من الفرد الكامل، ثم انهم في مقام الاستدلال على وجوبه ودفع القول بالاستحباب يقولون انه احد افراد الواجب الكلي وانها قابلة للشدة والضعف، فهذا الزائد مستحب لكونه اكمل الافراد، وهو واجب لكونه احد افراد الواجب الكلى. وجواز تركه انما جاز إلى بدل وهو الفرد الا نقص وانت خبير بان هذه التعليلات انما تنطبق على نفس الفرد الاكمل لا على ذلك البعض الذي عرفته. وايضا فانهم - على تقدير القول بالوجوب في ذلك الزائد الذي جعلوه مطرح النزاع - اوردوا اشكالا في انه يلزم اتصاف شيء واحد بالوجوب والاستحباب. ثم اجابوا عنه بان اطلاق الاستحباب على الفرد الزائد محمول على استحبابه عينا، بمعنى انه افضل الفردين الواجبين، وذلك لا ينافي وجوبه تخييرا من جهة تأدى الواجب به وحصول الامتثال، كذا قرره في الروض في مسألة التسبيح في الاخيرتين. وهذا الجواب - كما ترى - لا ينطبق الا على نفس الفرد الاكمل، كما هو صريح العبارة حيث اطلق عليه الفرد الزائد، لا على نفس الزيادة خاصة كما هو مورد الاشكال. وربما كان مبنى كلام القوم على اعتبار الامر الكلي من حيث هو من غير ملاحظة شيء من الخصوصيتين فيكون من قبيل الماهية لا بشرط شيء، فانه يتجه حينئذ صدق اداء الواجب بالمسمى ويصح وصف الزائد - من حيث كونه جزء من هذا المجموع - بكل من وصفي الوجوب والاستحباب، لاتصاف المجموع بهما حسبما قررنا آنفا، لكن يبقى الاشكال في صورة

ص 279

القطع، لصدق اداء الواجب بما قطع عليه وانتفاء المجموعية الموجبة للوصف بالوجوب والاستحباب للزائد. والاستحباب بغير المعنى المذكور آنفا لا مجال له في هذا المقام. والله العالم. (السادس) - الظاهر - كما هو المشهور - جواز النكس هنا، لاطلاق الآية وخصوص صحيحة حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا . خلافا للمرتضى والشيخ في النهاية والخلاف وظاهر ابن بابويه، محتجا عليه في الخلاف - ومثله في الانتصار - بان مسح الرأس من غير استقبال رافع للحدث اجماعا بخلاف مسح الرأس مستقبلا، فيجب فعل المتيقن. ونقل ايضا عن الشيخ في كتابي الأخبار ذلك، نظرا إلى تخصيص الصحيحة المشار إليها بفحوى قول ابي الحسن (عليه السلام) في رواية يونس: (2) الامر في مسح الرجلين موسع... ولا يخفى ما في هذه الادلة من الوهن. والعجب من السيد (رحمه الله) في تجويزه لانكس في الوجه واليدين لاطلاق الآية، ومنعه هنا، مع جريان دليله فيه، واعتضاده بالرواية. وذكر جماعة من الاصحاب كراهية النكس هنا، وعلله في المعتبر بالتفصى من الخلاف. ورد بان المقتضى للكراهة ينبغي أن يكون دليل المخالف لا نفس الخلاف وهو كذلك.

 

وجوب المسح بنداوة الوضوء

 

 (السابع) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) في وجوب المسح بنداوة الوضوء ما وجد بللها في اليد، والمشهور انه مع جفاف اليد يأخذ من شعر لحيته أو حاجبيه، ومع جفاف الجميع، فان كان لضرورة افراط الحر

(هامش)

(1) و(2) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الوضوء. (*)

ص 280

أو قلة الماء جاز الاستئناف وإلا اعاد الوضوء. وظاهر الشيخ في خلاف - حيث نسب وجوب المسح بنداوة الوضوء إلى الاكثر - وجود المخالف في المسألة، ولعله ابن الجنيد على ما نقله عنه العلامة في المختلف، فانه قال: إذا كان بيد المتطهر نداوة يستبقيها من غسل يديه، مسح بيمينه رأسه ورجله اليمنى وبنداوة اليسرى رجله اليسرى، وان لم يستبق ذلك اخذ ماء جديدا لرأسه ورجليه وهو باطلاقه شامل لما لو كان عدم الاستبقاء لعدم امكانه أو لتفريط من المكلف، ولما لو فقد النداوة من الوجه وعدمه (1) وبذلك يظهر لك ما في كلام بعض الاصحاب، حيث خص خلافه بجفاف جميع الاعضاء وقال: ان لفظ اليد في كلامه انما هو على سبيل التمثيل، فيكون موافقا للمشهور ويرتفع الخلاف. فانه عى غاية من البعد عن سوق العبارة المذكورة. ومما يدل على المشهور روايات الوضوء البياني، فانها قد اشتملت جميعا على المسح بالبلة. وما ذكره جملة من متأخرى المتأخرين - من المناقشة فيها مما تقدم ذكره في وجوب الابتداء باعلى الوجه والابتداء بالمرفقين - فقد مر ما فيه مما يكشف عن ضعف باطنه وخافيه، سيما حسنة الاخوين (2) المتضمنة انه مسح رأسه وقدميه ببلل كفه لم يحدث لهما ماء جديدا وصحيحة زرارة (3) ... ثم مسح بما يقى في يديه رأسه ورجليه ولم يعدهما في الاناء). ويدل عليه ايضا الأخبار المستفيضة بانه من ذكر انه لم يمسح حتى انصرفت

(هامش)

(1) الذي يظهر من كلام جملة من اصحابنا ان خلاف ابن الجنيد في هذه المسألة شامل لما لو كان في يد المتوضئ بلة من ماء الوضوء، فانه يجوز الاستئناف ايضا. وعبارة ابن الجنيد المنقولة - كما ترى - بخلافه، فانه جوز الاستئناف مع فقد البلة وان كان بتفريط (منه قدس سره) (2) و(3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (*)

ص 281

من وضوئه يأخذ من بلل وجهه، وفي بعضها انه مع تعذر البلل في وجهه يعيد وضوءه. فمن ذلك رواية مالك بن اعين عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: من نسى مسح رأسه ثم ذكر انه لم يمسح رأسه، فان كان في لحيته بلل فليأخذ منه وليمسح رأسه، وان لم يكن في لحيته بلل فلينصرف وليعد الوضوء . ورواية خلف بن حماد عمن اخبره عنه (عليه السلام) (2) قال: قلت له الرجل ينسى مسح رأسه وهو في الصلاة؟ قال: ان كان في لحيته بلل فليمسح به. قلت: فان لم يكن له لحية؟ قال: يمسح من حاجبيه أو من اشفار عينيه . وما رواه ابن بابويه في الفقيه (3) عن ابي بصير عنه (عليه السلام) في رجل نسى مسح رأسه؟ قال: فليمسح. قال: لم يذكره حتى دخل في الصلاة؟ قال فليمسح رأسه من بلل لحيته . وروى فيه (4) ايضا مرسلا عنه (عليه السلام) قال: ان نسيت مسح رأسك فامسح عليه وعلى رجليك من بلة وضوئك، فان لم يكن بقى في يدك من نداوة وضوئك شيء فخذ ما بقى منه في لحيتك وامسح به رأسك ورجليك، وان لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك واشفار عينيك وامسحبه رأسك ورجليك، وان لم يبق من بلة وضوئك شيء اعدت الوضوء ومثلها رواية زرارة (5). وهذه الروايات وان اشتركت في ضعف السند بناء على هذا الاصطلاح المحدث بين متأخري أصحابنا، إلا أنها معتضدة بالشهرة بينهم، وهي من المرجحات عندهم، مع ان فيها ما هو من مرويات الفقيه المضمون صحة ما تضمنه من مصنفه، كما اعتمدوا عليها لذلك في غير موضع من كلامهم، بل ورد مثل ذلك في حسنة الحلبي عن ابي عبد الله

(هامش)

(1) و(2) و(5) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء. (3) و(4) ج 1 ص 36. وفى الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء (*)

ص 282

(عليه السلام) (1) قال: إذا ذكرت وأنت في صلاتك انك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض عليك، فانصرف واتم الذي نسيته من وضوئك واعد صلاتك، ويكفيك من مسح رأسك ان تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدم رأسك . ومورد الاسئلة في هذه الأخبار وان كان النسيان، إلا انه لا قائل بالفرق، مع ان خصوص السؤال لا يخصص الجواب كما هو مقرر عندهم. وكيف كان فلا يخفى على المتأمل المنصف انه إذا كان جملة الأخبار البيانية الواردة في مقام التعليم على تعددها انما اشتملت على المسح بالبلة، واخبار النسيان كذلك وزيادة انه مع فقدها يعيد الوضوء فكيف، يبقى مع هذا قوة للتمسك باطلاق الآية؟ على انه لو ورد خبر بلفظ الامر بالمسح بالبلة أو بلفظ النهي عن التجديد، لسارعوا إلى حمله على الاستحباب والكراهة، محتجين بعدم الجزم بدلالة الامر على الوجوب والنهي على التحريم، لشيوعهما في خلاف ذلك، وهو اجتهاد محض وتخريج صرف. والعجب من جملة من مشايخنا المحققين وعلمائنا المدققين من متأخرى المتأخرين، حيث انهم جعلوا مذهب ابن الجنيد بمجرد دلالة اطلاق الآية عليه في غاية القوة والجزالة واخذوا في المناقشات فيما ذكرنا من الروايات، وارتكاب جادة التأويلات البعيدة والتمحلات الغير السديدة، مما لا يصح النظر إليه ولا العروج عليه، فبعض منهم إنما اعتمد على انعقاد الإجماع بعد ابن الجنيد، وبعض منهم بعد الاستشكال انما التجأ إلى الاحتياط. على انه لو تم ابطال الاستدلال بمجرد الاحتمال في المقام. لا نسد هذا الباب في جملة الاحكام، إذ لا دليل إلا وهو قابل للاحتمال، ولا قول إلا وللقائل فيه مجال. هذا. ومما استدل به على المشهور ايضا قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2):

(هامش)

(1) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 و31 - من ابواب الوضوء. (*)

ص 283

... فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك، وما بقى من بلة يمناك تمسح به ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلة يسراك ظهر قدمك اليسرى فان الجملة الخبرية بمعنى الامر الذي هو حقيقة في الوجوب. ورد بانه يجوز ان يكون قوله (عليه السلام): و تمسح معطوفا على قوله: ثلاث غرفات بتقدير ان فيكون داخلا في حيز الاجزاء لا جملة مستقلة مرادا بها الامر. وقد يناقش في ذلك بان المرتضى قد نقل في كتاب (الغرر والدرر) عن ابن الانباري انه يشترط في اضمار ان كذلك كون المعطوف عليه مصدرا لا اسما جامدا والجواب ان المعطوف عليه في الحقيقة مصدر للمرات، مع امكان المناقشة فيما ذكره ابن الانباري، لعدم الدليل عليه. واستدل في المختلف لابن الجنيد بموثقة ابي بصير (1) قال، سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسح الرأس، قلت: امسح بما في يدي من الندى رأسي؟ قال: لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح . وصحيحة معمر بن خلاد قال (2): سألت أبا الحسن (عليه السلام) أيجزئ الرجل ان يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال برأسه؟: لا. فقلت أبماء جديد؟ فقال برأسه: نعم . اقول: ومثلهما ايضا رواية ابي عمارة الحارثي (3) قال: سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) امسح رأسي ببلل يدي؟ قال: خذ لرأسك ماء جديدا . وانت خبير بان مدلول هذه الروايات هو وجوب الاستئناف مع وجود البلة، وهذا لا ينطبق على مذهب ابن الجنيد، لتخصيصه ذلك بفقد البلة من اليد كما عرفت من عبارته.

(هامش)

(1) و(2) و(3) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء (*)

ص 284

وكيف كان فهذه الأخبار محمولة على التقية (1) كما صرح به جملة من اصحابنا. واستشكل السيد في المدارك هذا الحمل في صحيحة معمر بانها لا تنطبق عليه، لانها متضمنة لمسح الرجلين وهم لا يقولون به. ثم اجاب بانهم يعترفون بصحة اطلاق اسم المسح على الغسل بزعمهم الفاسد، وهو كاف في تأدى التقية. واعترض هذا الجواب شيخنا البهائي (قدس سره) في الحبل المتين بان ما تضمنه الحديث من المسح بفضل الرأس يأبى عنه هذا التنزيل، ثم قال (قدس سره): فلو نزل على مسح الخفين كان اولى ثم رجح (قدس سره) ان ايماءه (عليه السلام) برأسه نهى لمعمر عن السؤال لئلا يسمعه المخالفون، فظن معمر انه (عليه السلام) انما نهاه عن المسح ببقية البلل، فقال: أبماء جديد؟ فسمعه الحاضرون، فقال (عليه السلام): نعم . اقول: ويمكن الجواب - عما اعترض به من اباء المسح بفضل الرأس هذا

(هامش)

(1) في المغنى لابن قدامة ج 1 ص 130 ويمسح رأسه بماء جديد غير ما فصل عن ذراعيه، وهو قول ابى حنيفة والشافعي، والعمل عليه عند اكثر اهل العلم، قاله الترمذي، وجوزه الحسن وعروة والاوزاعي، ثم قال: ولنا ما روى عبد الله بن زيد قال: مسح النبي (صلى الله عليه وآله) رأسه بماء غير فضل يديه ولان البلل الباقي في يده مستعمل فلا يجزئ المسح به كما لو فصله في اناء ثم استعمله وفى بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 11 اكثر العلماء اوجب تجديد الماء لمسح الرأس قياسا على سائر الاعضاء وفى جامع الترمذي ج 1 ص 53 من شرحه لابن العربي بعد ان ذكر رواية عبد الله بن زيد وغيره ان النبي (صلى الله عليه وآله) اخذ لرأسه ماء جديدا قال: والعمل على هذا عند اكثر اهل العلم رأوا ان يأخذ لرأسه ماء جديدا وفى احكام القرآن للشافعي ج 1 ص 50 اخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكل عضو ماء جديدا وقال في الام ج 1 ص 22: والاختيار له ان يأخذ الماء بيديه فيمسح بهما رأسه معا: يبدأ بمقدم رأسه إلى قفاه ويردهما إلى المكان الذي بدا منه . (*)

ص 285

التنزيل - بانه من المحتمل انه بعد ان سأله عن المسح بفضل رأسه فقال: لا سأله ثانيا أيمسح بماء جديد؟ كناية عن الغسل وانه يقدر الغسل دون المسح، بمعنى أيغسل بماء جديد؟ فاجازه (عليه السلام) تقية. هذا. والظاهر انه لا ورود لاصل الاشكال فلا يحتاج إلى ما تمحله كل من هذين العلمين من الاحتمال، وذلك فان المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى نقلا القول بجواز المسح عن الحسن البصري وان جرير الطبري وابي علي الجبائي، وتعين المسح فقط عن الشعبي وابي العالية وعكرمة وانس بن مالك ونقله الشيخ في الاستبصار عن بعض الفقهاء من غير تعيين. ونقل والدي (قدس سره) في بعض حواشيه الجواز ايضا عن احمد والاوزاعي الثوري، وان الانسان عندهم مخير بين الغسل والمسح، وحينئذ فيتم الحمل على التقية من غير اشكال، وعلى تقديره فالمراد مسح الرجل كلها بطنا وظهرا كما هو المنقول عنهم. ومما يمكن ان يستدل به لابن الجنيد حسنة منصور (1) قال، سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن نسى ان يمسح رأسه حتى قال في الصلاة قال: ينصرف ويمسح رأسه ورجليه ورواية الكناني (2) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل توضأ فنسى ان يمسح على رأسه حتى قام في الصلاة؟ قال: فلينصرف فليمسح على رأسه وليعد الصلاة . ورواية ابى بصير عنه (عليه السلام) (3) في رجل نسى ان يمسح رأسه فذكر وهو في الصلاة؟ فقال: ان كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه وعلى رجليه واستقبل الصلاة، وان شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته ان كانت مبتلة وليمسح على رأسه، وان كان امامه ماء فليتناول منه فليمسح به رأسه .

(هامش)

(1) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 42 - من ابواب الوضوء. (*)

ص 286

وهذه الأخبار قد اشتركت بحسب ظاهرها في الدلالة على الامر بالاستئناف متى ذكر نسيان المسح في صلاته والجواب عنها (اولا) - انها اخص من المدعى فلا تنهض حجة. و(ثانيا) - انه يحتمل حمل الامر بالمسح بعد الانصراف - بمعنى قطع الصلاة - على المسح من بلة شعره بناء على ان ثمة بلة حسبما تضمنته الروايات المتقدمة، وهذا الاحتمال في رواية ابي بصير اقرب منه في غيرها. واما الامر بالمسح فيها من بلل لحيته مع الشك فمحمول على الاستحباب استظهارا. واما الامر بتناول الماء ان كان امامه في صورة الشك فلعله مخصوص بهذه الصورة. و(ثالثا) - بحمل قوله (عليه السلام): يمسح رأسه ورجليه على انه كناية عن اعادة الوضوء بسبب فوات الموالاة، فان التعبير بمثله مجاز شائع في الأخبار، ومنه ما تقدم في حسنة الحلبي (1) حيث قال: إذا ذكرت وانت في صلاتك انك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض، فانصرف واتم الذي نسيته... فانه لا يستقيم على اطلاقه إلا بحمل الاتمام على اعادة الوضوء، إذ لو جف السابق على العضو المنسي المقتضى لفوات الموالاة، لم يكف الاتمام البتة بل تجب الاعادة. و(رابعا) بان بازائها من الأخبار المتقدمة ما هو صريح في ان الحكم في هذه الصورة هو الاخذ من بلة ما في الوجه والا فاعادة الوضوء، ويدل ايضا على الاعادة - زيادة على ما تقدم - موثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: من نسى مسح رأسه أو قدميه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله في القرآن، كان عليه اعادة الوضوء والصلاة وحينئذ فلابد من النظر في الترجيح ولا ريب انه في الروايات المتقدمة لموافقتها للمجمع عليه كما هو احد المرجحات المنصوصة، ولمخالفة ما عليه العامة الذي هو

(هامش)

(1) المروية في الوسائل في الباب - 3 و42 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 و35 - من ابواب الوضوء. (*)

ص 287

كذلك، والاحتياط الذي هو معدود منها ايضا، واعتضادها باخبار الوضوء البياني، فيتعين حمل هذه الأخبار على احد المحامل المذكورة آنفا، أو الحمل على التقية (1). فائدة اعلم ان جملة من محققي متأخرى المتأخرين صرحوا بان الاخذ من بلة الوجه لا يتقيد بفقد البلة من اليد، بل يجوز وان كان فيها بلة تجزئ للمسح، قالوا: والتعليق في عبارات الاصحاب انما خرج مخرج الغالب، وانه لا يختص الاخذ من هذه المواضع بل يجوز من جميع محال الوضوء، وتخصيص الشعر لكونه مظنة البلل. ولا يخفى ان الحكم الأول لا يخلو من شوب الاشكال، لعدم الدليل على ذلك إذ المستفاد من اخبار الاخذ من بلة الوجه تقييد ذلك بحال النسيان والدخول في الصلاة التي هي مظنة جفاف اليد كما لا يخفى، واخبار الوضوء البياني - على تعددها وكثرتها - انما اشتملت على المسح بنداوة اليد ولم يتضمن شيء منها الاخذ من بلة الوجه، فمن المحتمل قريبا ان يكون الاخذ من بلة الوجه انما هو لضرورة جفاف اليد حينئذ وبدونه فلا يجوز، والاحتياط تركه إلا مع الجفاف. (الثامن) - قد ذكر جملة من اصحابنا انه لا يجوز المسح بغير اليد اتفاقا، وان الظاهر تعينه بالباطن لانه المتيقن، الا ان يتعذر فيجوز بالظاهر، وان الاولى كونه في الناصية باليد اليمنى، وانه يمسح الرجل اليمنى باليد اليمنى والرجل اليسرى باليسرى. ولا يخفى عليك ان المسح باليمنى في الموضعين الاولين واليسرى في الاخير وان كان مما ظاهرهم الاتفاق على استحبابه. الا انه لا يخلو من شوب الاشكال، لما عرفت في مسألة الابتداء بالاعلى، الا ان يحمل وتمسح على الدخول في حيز الاجزاء بعطف وتمسح على ثلاث غرفات كما عرفت، فيضعف الاشكال على ما ذكرنا

(هامش)

(1) راجع التعليقة 1 في الصحيفة 284. (*)

ص 288

 

وجوب المسح في الرجلين

 

وكذلك الاستحباب على ما ذكروا. وذكروا ايضا ان الواجب كونه بالاصابع. ولو تعذر المسح بالكف فقد صرح في الذكرى بالمسح بالذراع. وفيه اشكال. وهل يشترط تأثير المسح في الممسوح؟ قولان، اظهرهما واحوطهما الأول وفاقا للعلامة في التذكرة والسيد السند في المدارك. الركن الخامس - مسح الرجلين والكلام فيه يقع في موارد: (الأول) - وجوب مسح الرجلين دون غسلهما مما انعقد عليه اجماع الامامية (انار الله برهانهم) فتوى ودليلا كتابا وسنة، ووافقنا عليه بعض متقدمي العامة، وآخرون خيروا بينه وبين الغسل، وبعض جمعوا بينهما، واستقر فتوى الفقهاء الاربعة على وجوب الغسل خاصة (1).

(هامش)

(1) في عمدة القارئ ج 1 ص 657 المذاهب في وظيفة الرجلين اربعة: (الأول) - مذهب الائمة الاربعة من اهل السنة ان وظيفتها الغسل. (الثاني) - مذهب الامامية من الشيعة الفرض مسحهما. (الثالث) - مذهب الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري وابى على الجبائى التخيير بين الغسل والمسح. (الرابع) - مذهب اهل الظاهر وهو رواية عن الحسن الجمع بين الغسل والمسح، ثم ذكر الأخبار المصرحة بغسل النبي (صلى الله عليه وآله) رجليه وبعدها ذكر الاحاديث المصرحة بمسح النبي (صلى الله عليه وآله) رجليه كحديث جابر الأنصاري وعمر واوس ابن اوس وابن عباس وعثمان ورجل من قيس. ثم ذكر حديث رفاعة بن رافع قال: غسل النبي (صلى الله عليه وآله) وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين قال: وحديث رفاعة حسنه أبو على الطوسى والترمذي وابو بكر البزاز وصححه الحافظ ابن حبان وابن حزم وفى اختلاف الحديث على هامش الام ج 7 ص 60 واحكام القرآن ج 1 ص 50 كلاهما للشافعي غسل الرجلين كمال والمسح رخصة وكمال وايهما شاء فعل وفى تفسير للطبري ج 10 ص 59 من الطبعة تحقيق محمود محمد شاكر واحمد محمد شاكر عن جابر = (*)

ص 289

والكلام في دلالة الآية (1) على وجوب المسح ونفى الغسل مما تكفل به مطولات اصحابنا (جزاهم الله تعالى عنا خير الجزاء). لكن روى الشيخ (رحمه الله) في التهذيب (2) عن غالب بن الهذيل قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: وامسحوا برؤوسكم وارجلكم إلى الكعبين (3) على الخفض هي ام على النصب؟ قال: بل هي على الخفض ولا يخفى انه على تقدير النصب يدل على المسح ايضا بالعطف على محل الرؤوس، كما تقول: مررت بزيد وعمرا. الا انه ربما يفهم من هذه الرواية ان قراءة اهل البيت (عليهم السلام) انما هي على الخفض وان كان النصب مما يقرأون به في ذلك الوقت، كما هو احد القراءات السبع للمشهورة الآن، فانا قد حققنا في كتاب المسائل - وسيأتي ان شاء الله تعالى في هذا الكتاب التنبيه عليه في محله - ان هذه القراءات السبع فضلا عن العشر ان ادعى بعض علمائنا (رضوان الله عليهم) تواترها عن النبي (صلى الله عليه وآله) إلا ان الثابت في اخبارنا - وعليه جملة من أصحابنا - خلافه وان صرحت اخبارنا بالرخصة لنا في القراءة بها حتى يظهر صاحب الامر (عجل الله تعالى فرجه). وليس بالبعيد ان هذه القراءة كغيرها من المحدثات في القرآن العزيز، لثبوت

(هامش)

= عن ابى جعفر قال: امسح على رأسك وقدميك. وعن الشعبى نزل جبريل بالمسح، ألا ترى التيمم يمسح ما كان غسلا ويلغى ما كان مسحا. وعن عامر نزل جبريل بالمسح، ثم قال ابن جرير: الصواب عندنا ان الله تعالى امر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء كما امر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم، وإذا فعل ذلك المتوضئ فهو ماسح غاسل لان غسلهما امرار الماء عليهما أو اصابتهما بالماء ومسحهما امرار اليد ما قام مقامها عليهما وبذلك كله يظهر لك ان قول ابن كثير في تفسيره ج 2 ص 26: ومن اوجب من الشيعة مسحهما فقد ضل واضل جرأة لا تغفر وعثرة لا تقال. (1) و(3) سورة المائدة. الآية 2. (2) ج 1 ص 20، وفى الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء (*)

ص 290

التغيير والتبديل فيه عندنا زيادة ونقصانا. وان كان بعض اصحابنا ادعى الإجماع على نفي الأول، إلا ان في اخبارنا ما يرده، كما انهم تصرفوا في قوله تعالى في آية الغار لدفع العار عن شيخ الفجار، حيث ان الوارد في اخبارنا انها نزلت: ... فانزل الله سكينته على رسوله وايده بجنود لم تروها... (1) فحذفوا لفظ رسوله وجعلوا محله الضمير. ويقرب بالبال - كما ذكره ايضا بعض علمائنا الابدال - ان توسيط آية ... إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت... الآية (2) في خطاب الازواج من ذلك القبيل. هذا، وما يدل على وجوب المسح ونفى الغسل من اخبارنا فمستفيض، بل الظاهر انه من ضروريات مذهبنا. واما ما في موثقة عمار - عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) في الرجل يتوضأ الوضوء كله الا رجليه ثم يخوض بهما الماء خوضا؟ قال: اجزأه ذلك - فمحمول على التقية وصحيحة ايوب بن نوح - (4) قال: كتبت إلى ابي الحسن (عليه السلام) اسأله عن المسح على القدمين. فقال: الوضوء بالمسح ولا يجب فيه إلا ذلك، ومن غسل فلا بأس - فيحتمل الحمل على التقية ايضا، فان منهم من قال بالتخيير كما تقدم (5) والحمل على التنظيف كما احتمله الشيخ في التهذيب مستدلا عليه بصحيحة ابي همام عن ابي الحسن (عليه السلام) (6) في وضوء الفريضة في كتاب الله المسح، والغسل في الوضوء للتنظيف وروى زرارة مضمرا في الصحيح (7) قال قال لي: لو انك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم اضمرت ان ذلك هو المفترض لم يكن ذلك بوضوء، ثم قال: ابدأ بالمسح على الرجلين، فان بذلك غسل فغسلت فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفترض .

(هامش)

(1) سورة التوبة. الآية 40. (2) سورة الاحزاب. الآية 33 (3) و(4) و(6) و(7) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء (5) راجع التعليقة 1 في الصحيفة 288. (*)

ص 291

قال المحدث الكاشاني في الوافي (1) بعد ذكر هذه الرواية: لعل المراد بالحديث انه ان كنت في موضع تقية فابدأ اولا بالمسح ليتم وضوؤك ثم اغسل رجليك، فان بدا لك اولا في الغسل فغسلت ولم يتيسر لك المسح، فامسح بعد الغسل حتى تكون قد اتيت بالفرض في آخر امرك انتهى. وقال شيخنا الشهيد في الذكرى: ولو اراد التنظيف قدم غسل الرجلين على الوضوء، ولو غسلهما بعد الوضوء لنجاسة مسح بعد ذلك، وكذا لو غسلهما للتنظيف، وفي خبر زرارة قال: ان بدا لك فغسلت فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفترض انتهى. (الثاني) - المشهور - بل ادعى عليه في الانتصار الإجماع، وهو ظاهر العلامة في المنتهى حيث نسبه إلى علمائنا اجمع، وفي التذكرة حيث قال: انه اجماع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) - وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين طولا ولو بمسماه عرضا، استنادا إلى ظاهر الكتاب بجعل إلى غاية للمسح، وجملة من الأخبار البيانية المشتملة على كون مسحهم (عليهم السلام) إلى الكعبين. ويدل عليه ايضا صحيحة البزنطي عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الاصابع فمسحها إلى الكعبين إلى الظاهر القدم... الحديث . وتردد المحقق في المعتبر ثم رجح وجوب الاستيعاب لظاهر الآية. واحتمل في الذكرى عدم الوجوب، وبه جزم المحدث الكاشاني في المفاتيح، ونفى عنه البعد صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل. ولا يخفى انه لو ثبت جعل إلى هنا غاية للمسح كما ذكروه، لقوى الاعتماد على المشهور، لكن ثبوت جواز النكس - كما سيأتي ان شاء الله تعالى - مما يمنع ذلك

(هامش)

(1) ج 4 ص 46. (2) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء (*)

ص 292

فالاظهر جعلها غاية للممسوح، ويؤيد ذلك ايضا قرينة السياق، فانها في المرفقين غاية للمغسول اتفاقا. واما الاستناد إلى بعض اخبار الوضوء البياني في الوجوب فمحل اشكال، لعدم الصراحة في ذلك، لاشتمال بعضها على مسح الرجلين وبعض على ظهر القدمين الصادق عرفا بمسح البعض، كاشتماله على مسح الرأس في بعض والمقدم في آخر مع الاتفاق على عدم الاستيعاب فيه، فكذا فيهما. ومما يدل على هذا القول ايضا الأخبار الدالة على عدم استبطان الشراكين حال المسح كما في حسنة الاخوين عن الباقر (عليه السلام) (1) حيث قال (عليه السلام): ... ولا يدخل اصابعه تحت الشراك... . وحسنة زرارة عنه (عليه السلام) (2): ان عليا (عليه السلام) مسح على النعلين ولم يستبطن الشراكين . وضعيفته ايضا (3): ان عليا (عليه السلام) توضأ ثم مسح على نعليه ولم يدخل يده تحت الشراك . ورواية جعفر بن سليمان (4) قال: سألت ابا الحسن موسى (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك يكون خف الرجل مخرقا فيدخل يده فيمسح ظهر قدمه، أيجزيه ذلك؟ قال: نعم . ويؤيده ايضا قوله (عليه السلام) في صحيحة الاخوين (5): قال الله تعالى:

(هامش)

(1) و(5) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 24 و38 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء (4) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء. وسند الرواية في الكافي ج 1 ص 10 والوافى ج 4 ص 44 عنه هكذا: عن جعفر بن سليمان عن عمه قال... الخ، وفى التهذيب عن الكافي ج 1 ص 18 والوسائل وجامع الرواة ج 1 ص 152 عنه ايضا هكذا: عن جعفر بن سليمان عمه قال... الخ (*)

ص 293

وامسحوا برؤوسكم وارجلكم... (1) فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من رجليه قدميه ما بين الكعبين إلى آخر اطراف الاصابع فقد اجزأه... . وقال في حسنتهما (2) ايضا: ثم قال: وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين. فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى اطراف الاصابع فقد اجزأه... . وفي صحيحتهما الاخرى (3) انه قال في المسح: تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك، وإذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى اطراف الاصابع فقد اجزأك . وهي ظاهرة - كما ترى - في كون التحديد في الآية للممسوح لا للمسح، حيث ان إلى في كلامه (عليه السلام) قرنت بالاصابع دون الكعبين عقيب الاستدلال بالآية في الروايتين الاولتين، فهو كالتفريع عليها والتفسير لها، قال شيخنا صاحب رياض المسائل (رحمه الله): و ما في ما بين الكعبين كما تحتمل الموصولية المفيدة للعموم والابدال من شيء فيفيد بمفهوم الشرط توقف الاجزاء على مسح مجموع المسافة الكائنة بينهما وهو يستلزم الوجوب، فكذا تحتمل الموصوفية مع الابدال منه، وكلاهما مع كون ما واقعة على المكان منتصبة انتصاف الظرف، والعامل فيه ما عمل في الجار والمجرور الواقع صفة ل‍ شيء من الكون، أو بدلا من قدميه أو من رجليه المبدل منه قدميه بدلا بعد بدل أو بدلا من البدل، فيفيد بالمنطوق دون المفهوم الاجتزاء بمسح جزء من المسافة المذكورة. والاحتمالات الاخيرة - مع تعددها وانحصار مخالفها في فرد

(هامش)

(1) سورة المائدة. الآية 6. (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. ولا يخفى ان الفرق بين الصحيحة والحسنة انما هو في الطريق، فان الاولى هي رواية الشيخ والثانية رواية الكليني وقد رواها في الوسائل عن الكليني ثم قال: ورواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد... الخ (3) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء. (*)

ص 294

واظهريتها أقل تخصيصا واوفق بالاصل، فوجب المصير إلى ما اشتركت في الدلالة عليه إلا أن يثبت الإجماع على خلافه. انتهى. وهو جيد وجيه وبالجملة فانه لا ظهور في شيء من الآية والروايات المتعلة بالمسألة في الدلالة على القول المشهور سوى صحيحة البزنطي المتقدمة (1) مع معارضتها بما ذكر من الأخبار المذكورة، الا ان الاحتياط في الوقوف على المشهور، وحينئذ فتحمل صحيحة البزنطي المتقدمة على الاستحباب. هذا بالنسبة إلى الاستيعاب الطولى. واما العرضي فقد نقلوا الإجماع على عدمه ومنهم العلامة في التذكرة والمنتهى، الا انه في التذكرة - بعد ان ذكر ما قدمنا نقله عنه آنفا باسطر يسيرة - قال: ويستحب أن يكون بثلاث اصابع مضمومة، وقال بعض علمائنا يجب انتهى. وفي المختلف نسبه إلى المشهور مؤذنا بالخلاف فيه. ويدل على المشهور ما تقدم (2) من صحيحتي الاخوين وحسنتهما وروايات عدم استبطان الشراكين في المسح مع اعتضادها بالاصل. وعلى الثاني ظاهر الآية وصحيحة البزنطي المتقدمة (3) حيث قال الراوي بعد نقل ما تقدم منها: قلت: جعلت فداك لو ان رجلا قال باصبعين من اصابعه هكذا؟ فقال: لا إلا بكفه كلها ولا يخفى ما فيها من المبالغة في الاستيعاب، حيث انه مفهوم اولا من قوله: فمسحها ثم من النهى الصريح. ويؤيده قوية عبد الاعلى (4) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟ فقال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج. امسح عليه .

(هامش)

(1) و(3) في الصحيفة 291 (2) في الصحيفة 292 و293. (4) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء. (*)

ص 295

 

تعريف الكعب

 

ورواية معمر بن عمر عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: يجزئ من المسح على الرأس ثلاث اصابع، وكذلك الرجل . والمسألة لا تخلو من اشكال، ولو لا اخبار المسح وعدم استبطان الشراكين، لكان القول بمضمون هذه الروايات في غاية القوة، فان ما عداها قابل للتأويل والتقييد بهذه الأخبار. وحمل هذه الأخبار على الاستحباب - كما هو المشهور - ليس اولى مما قلناه، فان صراحة صحيحة البزنطي فيما دلت عليه - كما قدمنا الاشارة إليه، مع الاعتضاد بظاهر الآية والروايتين المذكورتين. واجمال الشيء في روايات الاخوين - مما يرشد إليه ويحمل عليه. واعتضاد تلك بدعوى الإجماع - كما قيل - ممنوع بعد وجود الخلاف كما عرفت، مع ما في الإجماع المدعى في امثال هذه المقامات من المناقشة الظاهرة، ولهذا قال السيد السند في المدارك - بعد نقل الإجماع على الاكتفاء بالمسمى ولو باصبع واحدة عن المعتبر والتذكرة، والاستدلال بصحيحة زرارة (2) - ما لفظه: ولولا ذلك لامكن القول بوجوب المسح بالكف كلها. لصحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر (3) ثم ساق الرواية وقال: فان المقيد يحكم على المطلق. ومع ذلك فالاحتياط هنا مما لا ينبغي تركه، لصحة الخبر وصراحته واجمال ما ينافيه انتهى وهو جيد ثم انه على تقدير وجوب الاستيعاب طولا فهل يجب ادخال الكعبين في المسح ام لا؟ وجهان بل قولان مبنيان على ما سبق في المرفقين. الا ان ظاهر صحيحتي الاخوين واخبار عدم استبطان الشراكين (4) العدم هنا. والاحتياط في امثال هذه المقامات مما ينبغي المحافظة عليه. (الثالث) هل الكعبان هما قبتا القدمين ما بين المفصل والمشط، كما هو

(هامش)

(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (2) المتقدمة في الصحيفة 292. (3) المتقدمة في الصحيفة 294. (4) المتقدمة في الصحيفة 292 و293. (*)

ص 296

المشهور بين الاصحاب بل ادعى عليه جمع منهم الإجماع. أو ملتقى الساق والقدم المعبر عنه بالمفصل بين الساق والقدم، كما عليه العلامة وجمع ممن تأخر عنه، كالشهيد الأول في الرسالة وان بالغ في التشنيع عليه في الذكرى، وصاحب الكنز، وشيخنا البهائي، والمحدث الكاشاني، والمحدث الحر العاملي، وجمع من متأخرى المتأخرين؟ اشكال ينشأ من تعارض كلام اهل اللغة في هذا المقام، وتدافع اخبار اهل الذكر (عليهم السلام) مع دخول التأويل في اخبار كل من الطرفين وقبول الانطباق على كل من الجانبين وتفصيل هذه الجملة على وجه الاختصار انه قد نقل اول الشهيدين في الذكرى وثاني المحققين في شرح القواعد، ان لغوية العامة مختلفون في ذلك. واما لغوية الخاصة فهم متفقون على انه بمعنى المشهور. ونقل شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين ان الكعب يطلق على معان اربعة: (الأول) - العظم المرتفع في ظهر القدم الواقع بين المفصل والمشط. (الثاني) - المفصل بين الساق والقدم (الثالث) - عظم مائل إلى الاستدارة واقع في ملتقى الساق والقدم له زائدتان في اعلاه يدخلان في حفرتي قصبة الساق وزائدتان في اسفله يدخلان في حفرتي العقب، وهو نات في وسط ظهر القدم اعني وسطه العرضي ولكن نتوه غير ظاهر لحسن البصر لارتكاز اعلاه في حفرتي الساق، وقد يعبر عنه بالمفصل، لمجاورته له أو من قبيل تسمية الحال باسم المحل. (الرابع) - احد الناتيين عن يمين القدم وشماله. واقول: المعنى الأول هو الذي عليه جمهور الاصحاب، والثالث هو الذي نسبه (قدس سره) للعلامة وان عبر عنه بالمفصل مجازا كما ذكره، وعلى هذا فالثاني يرجع إلى الثالث، والرابع هو الذي عليه العامة. ثم نقل (قدس سره) جملة من كلام العامة كالفخر الرازي في تفسيره الكبير، فانه قال: قالت الامامية وكل من ذهب إلى وجوب المسح: ان الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل

ص 297

الساق والقدم، وهو قول محمد بن الحسن، وكان الاصمعي يختار هذا القول، ثم قال: حجة الامامية ان اسم الكعب يطلق على العظم المخصوص الموجود في ارجل جميع الحيوانات، فوجب ان يكون في حق الانسان كذلك ومثله كلام صاحب الكشف وكلام النيشابوري، ثم نقل جملة من كلام علماء التشريح. وعورض بان ابن الاثير قال - بعد ذكر الكعب بالمعنى الذي عليه العامة - ما لفظه: وذهب قوم إلى انهما العظمان اللذان في ظهر القدم، وهو مذهب الشيعة، ومنه قول يحى بن الحرث: رأيت القتلى يوم زيد بن علي فرأيت الكعاب في وسط القدم ومثل ذلك نقل عن صاحب لباب التأويل، ونقل الشهيد في الذكرى عن العلامة اللغوى عميد الرؤساء انه صنف كتابا في تحقيق معنى الكعب واكثر فيه من الشواهد على ان الكعب هو الناشز في ظهر القدم امام الساق حيث يقع معقد الشراك من النعل، ويظهر من الصحاح ان ذلك قول اكثر الناس، حيث قال: وانكر الاصمعي قول الناس انه في ظهر القدم وقال في الذكرى ايضا: ومن أحسن ما ورد في ذلك ما ذكره أبو عمرو الزاهد في كتاب فائت الجهرة، قال: اختلف الناس في الكعب، فاخبرني أبو نصر عن الاصمعي انه الناتي في اسفل الساق عن يمين وشمال، واخبرني سلمة عن الفراء قال هو في مشط الرجل وقال هكذا برجله، قال أبو العباس فهذا الذي يسميه الاصمعي الكعب هو عند العرب المنجم، قال: واخبرني سلمة عن الفراء عن الكسائي قال قعد محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) في ملجس كان له وقال: ههنا الكعبان قال فقالوا هكذا فقال: ليس هو هكذا ولكنه هكذا واشار إلى مشط رجله، فقالوا له: ان الناس يقولون هكذا فقال: لا، هذا قول الخاصة وذاك قول العامة انتهى. وانت خبير بان المعنى الثالث - من المعاني التي ذكرها شيخنا البهائي وهو الذي ادعى انه مراد العلامة لم يذكر في كلام أحد من اهل اللغة وان ذكره جملة من علماء العامة ونسبوه إلى الشيعة كما نقله، وذكره علماء التشريح ايضا. وما توهمه من عبارة

ص 298

القاموس - حيث قال - بعد تفسيره بالمفصل والعظم الناشز فوق القدم والناشزين من جانبي القدم - ما لفظ: والذي يلعب به كالكعبة - فغير صريح في المعنى الذي اراده، لاحتمال حمله على كعب النرد كما ذكره في النهاية، حيث قال: الكعاب فصوص الترد واحدها كعب وكعبة، واللعب بها حرام انتهى، بل هذا المعنى اظهر. هذا ما يتعلق بذلك من كلام أهل اللغة. واما كلام علمائنا (رضوان الله عليهم) في هذا المقام فاكثر عباراتهم - تصريحا في بعض وتلويحا في آخر - انما ينصب على القول المشهور سيما عبارة الشيخ المفيد، فانها في ذلك على غاية من الظهور حيث قال: الكعبان هما قبتا القدمين امام الساقين ما بين المفصل والمشط وظاهر الشيخ في التهذيب - بعد نقل العبارة المذكورة - القول بذلك بل دعوى الإجماع على ان الكعب هو ذلك، حيث قال: ويدل عليه اجماع الامة، فانهم بين قائل بوجوب المسح دون غيره ويقطع على ان المراد بالكعبين ما ذكرناه، وقائل بوجوب الغسل عينا أو تخييرا بينه وبين المسح ويقول الكعبان هما العظمان الناتيان خلف الساق، ولا قول ثالث، فإذا ثبت هذا بالدليل الذي قدمنا ذكره وجوب مسح الرجلين وانه لا يجوز غيره ثبت ما قلناه من ماهية الكعبين انتهى. ولا يخفى عليك ما فيه من الصراحة في المعنى المشهور. وجملة من عبارات الاصحاب كأبن ابي عقيل والسيد المرتضى وابي الصلاح والشيخ في اكثر كتبه وابن ادريس والمحقق قد اشتركت في وصف الكعبين باوصاف متلازمة، من وصفه بالنتو في ظهر القدم عند معقد الشراك في بعض. وكونه في ظهر القدم في اخرى، وكونه معقد الشراك في ثالثة، والنتو في وسط القدم في رابعة، وكونهما في ظهر القدم عند معقد الشراك في خامسة، وانهما معقدا الشراك في سادسة، وكونهما قبتي القدم في سابعة.

ص 299

والعلامة (رحمه الله) قد ادعى انصباب هذه العبارات على ما ذهب إليه وادعى اشتباهها على غير المحصل، وشيخنا البهائي (طاب ثراه) اوضح هذه الدعوى بان هذه العبارات لا تأبى الانطباق على ما ذهب إليه العلامة من المعنى الثالث من معاني الكعب المتقدمة، لان غاية ما يتوهم منه المنافاة وصفه بالنتو في وسط القدم، والعلامة قد فسره في التذكرة والمنتهى بذلك لكنه يقول ليس هو العظم الواقع امام الساق بين المفصل والمشط بل هو العظم الواقع في ملتقى الساق والقدم، وهو الذي ذكره المشرحون، وهو - كما تقدم - نات في وسط ظهر القدم اعني وسطه العرضي ولكن نتوه غير ظاهر لحس البصر لارتكاز اعلاه في حفرتي الساق، وربما عبر عنه في بعض كتبه بحد المفصل وفي بعضها بمجمع الساق والقدم وفي بعضها بالناتي في وسط القدم وفي بعضها بالمفصل، أنتهى اقول: وانت إذا اعطيت التأمل حقه من الانصاف وجدت ان تنزيل عبائر الاصحاب على ما ذكره (رحمه الله) في غاية الاعتساف، فان المتبادر من الوسط هو ما كان في الطول والعرض ومن الارتفاع والنتو هو ما كان محسوسا مشاهدا، ولو كان المراد بالكعب هذا المعنى الذي لا يفهمه إلا علماء التشريح دون سائر العلماء فضلا عن المتعلمين لا وضحوه بعبارات جلية وبينوه بكلمات واضحة غير خفية، ولما اقتصروا في وصفه على مجرد النتو والارتفاع الغير المحسوس الذي هو من قبيل تعريف المجهول بما هو اخفى نعم في عبارة ابن الجنيد ما يوهم ذلك، حيث قال: الكعب في ظهر القدم دون عظم الساق، وهو المفصل الذي هو قدام العرقوب ويحتمل رجوع ضمير هو إلى عظم الساق ويكون المراد انه عند عظم الساق، بقرينة سابق كلامه من قوله: الكعب في ظهر القدم هذا خلاصة ما يتعلق بكلام الاصحاب. واما الأخبار الواردة في هذا المضمار (فمنها) صحيحة الاخوين (1) حيث قال فيها: فقلنا اين الكعبان؟ قال: ههنا يعني المفصل دون عظم الساق، فقلنا: هذا

(هامش)

(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (*)

ص 300

ما هذا؟ قال: هذا عظم الساق والكعب اسفل من ذلك وقوله: والكعب اسفل من ذلك في رواية الكافي دون التهذيب. وهذا الحديث هو عمدة ادلة العلامة ومن تابعه، وهو ظاهر فيما ادعوه، إلا ان للمجيب ان يقول - بناء على ظهور غيره من الأخبار في المعنى المشهور وظهور عبارات الاصحاب في خلافه - كما عرفت غاية في الظهور -: (اولا) - بانه وان ظهر ذلك بالنسبة إلى رواية التهذيب إلا انه بالنظر إلى الزيادة التي في الكافي من قوله: والكعب أسفل من ذلك لا يخلو من اشكال، فانه اما أن يكون المشار إليه في قوله: هذا من عظم الساق على ما في الكافي أو هذا عظم الساق على ما في التهذيب المنجم أو منتهى عظم الساق، فان كان الأول فهو عند المفصل كما قال في النهاية: الكعبان: العظمان الناتيان عند مفصل الساق والقدم من الجنبين وحينئذ فحكمه (عليه السلام) بان الكعب أسفل من ذلك ظاهر في انه المعنى المعروف عند القوم، وان كان الثاني فالامر اوضح، فعلى هذا يجب حمل قوله: ههنا يعني المفصل على انه قريب إلى المفصل لئلا يلزم التناقض. فان قيل: انه يمكن حمل قوله: أسفل من ذلك على التحتية كما يدعيه شيخنا البهائي (قدس سره) فلا يلزم التناقض. قلنا: ان لم يكن ما ذكرنا من حمل الاسفلية على الكعب المشهور اظهر لظهور ذلك لكل ناظر وتبادره لكل سامع، فلا أقل من المساواة، وبه ينتفي ظهور الرواية في المدعي فضلا عن اظهريتها. و(ثانيا) بانها معارضة بما سيأتي من الأخبار فيجب ارتكاب التجوز فيها جمعا ومن تلك الأخبار صحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الاصابع

(هامش)  

(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء (*)

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الحدائق الناضرة

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب