فقه الإمام الصادق (عليه السلام)

الصفحة السابقة الصفحة التالية

فقه الإمام الصادق (عليه السلام)

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله على ما أولانا من التفقه في الدين، والهداية إلى الحق، وأفضل صلواته على رسوله صاحب الشريعة الخالدة، وعلى آله العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه، سيما بقية الله في الارضين عجل الله تعالى فرجه الشريف. وبعد: فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا: (فقه الصادق) وقد وفقنا إلى طبعه، وارجو من الله التوفيق لنشر بقية المجلدات بالتدريج، فأنه ولي التوفيق.

ص 9

[الفصل الثاني: في الحيض وهو في الاغلب دم اسود غليظ يخرج بحرقة وحرارة]

 

 

الفصل الثاني: في الحيض

 

الذي يعبر عنه بالمحيض كما عن السرائر والذكرى والمبسوط، وقد عرفه جماعة: بأنه دم خلقه الله تعالى في النساء لحكم ومصالح، وصرح بعضهم: بأنه اسم له لغة وشرعا وعلى هذا فهو كلفظ البول والمني والغائط من أسماء الاعيان. وعن آخرين: كونه من اسماء المعاني، وهو السيل أو سيل دم مخصوص وحيث أنه لا يترتب على النزاع في ذلك ثمرة، فالاغماض عن تنقيح القول في ذلك اولى، وان كان الاقوى - بحسب ما يظهر من كلمات اللغويين، وكثير من النصوص المتضمنة لاضافة الدم إليه - هو الثاني لا الاول، فلا حظ. (وهو في الاغلب دم اسود) أي مائل إلى السواد لشدة حمرته، وعن النافع وشرحه وغيرهما: اسود أو أحمر. وعن الفقيه الاقتصار على الثاني. (غليظ يخرج بحرقة وحرارة) كما صرح به جماعة وفي الجواهر، بل لا أجد فيه خلافا. وهذه الخواص مستفادة من الحس والاخبار كصحيح (1) حفص البختري أو حسنه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري أحيض هو أو غيره. قال (عليه السلام): ان دم الحيض حار عبيط (أي طري) أسود له دفع

(هامش)

(1) الوسائل - باب 3 - من ابواب الحيض حديث 2 - (*)

ص 10

[وما تراه بعد خمسين سنة - ان لم تكن قرشية ولا نبطية - أو بعد ستين سنة ان كانت احدهما - أو قبل تسع سنين - مطلقا - فليس بحيض] وحرارة، ودم الاستحاضة اصفر بارد. وفي صحيح معاوية: ان دم الحيض حار. وفي موثق (1) إسحاق بن جرير، عن أبي عبد الله (عليه السلام): دم الحيض ليس به خفاء، هو دم حار تجد له حرقة، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد. وعن الدعائم: دم الحيض كدر غليظ منتن. ونحوها غيرها. ثم ان ظاهره هذه النصوص، وان كان كون هذه الصفات اوصافا لدم الحيض دائما، إلا أنه لاجل ما ستعرف من الحكم بالحيضية لفاقدها، كالمرئي في أيام العادة، يتعين الحكم بأن توصيفه بها وارد مورد الغالب، وستعرف تنقيح القول في ذلك ان شاء الله تعالى.

 

شرائط الحيض

 

(وما تراه) المرأة (بعد خمسين سنة ان لم تكن قرشية ولا نبطية، أو بعد ستين سنة ان كانت احدهما أو قبل تسع سنين مطلقا فليس بحيض). كما هو المنسوب إلى المشهور. فههنا مسائل: الاولى: ما تراه بعد اليأس ليس بحيض. إجماعا حكاه جماعة.

(هامش)

(1) الوسائل - باب 3 - من ابواب الحيض حديث 3. (*)

ص 11

[...] ويشهد له صحيح (1) ابن الحجاج عن الامام الصادق (عليه السلام): ثلاث تتزوجن على كل حال. وعد منها التي لم تحيض، قال: قلت: وما حدها؟ قال (عليه السلام): إذا أتى لها أقل من تسع سنين، والتي لم يدخل بها، والتي قد يئست من المحيض. مثلها لا تحيض. قال: قلت: وما حدها؟ قال (عليه السلام): إذا كان لها خمسون سنة. ا

ما تراه قبل البلوغ

لثانية: ما تراه قبل البلوغ لا يحكم عليه بالحيضية بلا خلاف، وعن المحقق والمقدس الاردبيلي وصاحب المدارك دعوى الاتفاق عليه. ويشهد له صحيح ابن الحجاج المتقدم. وظاهره: ان ما قارن تمام التسع محكوم بالحيضية ايضا كما لا يخفى على من لا حظه. ولا ينافيه ما عن الشيخ في المبسوط والوسيلة من توقف البلوغ على العشر، لانه مضافا إلى ضعفه في نفسه، لا يعارض الصحيح المعلق هذا الحكم على اكمال التسع، لا على البلوغ، فتدبر.

منتهى الحيض في القرشية والنبطية

الثالثه: المشهور بين الاصحاب على ما نسب إليهم ان الياس يحصل ببلوغ سنين سنة في القرشية، وفي غيرها خمسين سنة، وعن النهاية والجمل والسرائر والمهذب

(هامش)

(1) الوسائل - باب 31 - من ابواب الحيض حديث 6 وباب 2 من ابواب العدد حديث 4 من كتاب النكاح (*)

ص 12

[...] وطلاق الشرائع وكشف الرموز والبيان: ان حده الخمسون مطلقا وفي طهارة الشرائع وعن بعض كتب المصنف (ره) كالمنتهى: ان حده الستون كذلك وعن المحقق الاردبيلي الميل إليه. ويشهد للاول مرسل (1) ابن أبي عمير الذي هو كالصحيح عن الامام الصادق (عليه السلام): إذا بلغت المرأة خمسين لم تر حمرة إلا أن تكون امرأة من قريش. ودعوى عدم صراحته في المحيض، ولا يدل على أن الحمرة التي تراها القرشية بعد الخمسين حيض، مضافا إلى عدم تعرضه لستين فيها، مندفعة بأن الظاهر ارادة الحيض من الحمرة في المقام، وعدم تعرضه للتحديد فيها بالستين إنما هو لكفاية نصوص الستين الاتية. وبالجملة: ظهوره الخبر في الفرق بين القرشية وغيرها، وان غيرها تحيض إلى خمسين وهي إلى الاكثر المحدد في سائر النصوص بستين لا ينكر، ومرسل الشيخ في محكي المبسوط قال: تيأس المرأة إذا بلغت خمسين سنة إلا أن تكون امرأة من قريش، فأنه روي: أنها ترى دم الحيض إلى ستين سنة. وبهما يقيد اطلاق ما دل على أن حد اليأس الخمسون مطلقا الذي هو مستند القول الثاني كصحيح (2) ابن الحجاج عن الامام الصادق (عليه السلام): ثلاث يتزوجن على كل حال، وعد منها التي قد يئست من المحيض، ومثلها لا تحيض. قال: قلت: وما حدها؟ قال (عليه السلام): إذا كان لها خمسون سنة. وما دل على أن حده الستون - الذي هو مستند القول الثالث - كموثق (3) ابن

(هامش)

(1) الوسائل - باب 31 - من ابواب الحيض حديث 2. (2) الوسائل - باب 31 - من ابواب الحيض حديث 6. (3) الوسائل - باب 31 - من ابواب الحيض حديث 1. (*)

ص 13

[...] الحجاج عن الامام الصادق (عليه السلام): ثلاث يتزوجن على كال حال: التي يئست من المحيض ومثلها لا تحيض. قلت: ومتى تكون كذلك؟ قال إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض. وبذلك ظهر ضعف القولين الاخرين، كما أنه ظهر أن الجمع بين هاتين الطائفتين بالتفصيل بين العدة والعبادة فالستون للاولى، والخمسون للثانية غير تام لعدم الشاهد له. والمنسوب إلى المشهور الحاق النبطية بالقرشية، ولا دليل له سوى مرسل المفيد: روى: أن القرشية من النساء والنبطية تريان الدم إلى ستين سنة، وضعفه مجبور بعمل الاصحاب ان ثبت، وهو محل تأمل، ولكن الذي يسهل الخطب عدم معلومية المراد من النبطية، فعن مروج الذهب: أنهم ولد نبطة بن حامي بن آدم بن سام بن نوح (عليه السلام)، وعن العين والمحيط والديوان والمغرب والتهذيب: أنهم قوم كانوا ينزلون سواد العراق، وعن الصحاح والقاموس: إنهم قوم ينزلون البطايح بين العراقين، وعن السبعاني: إنهم قوم من العجم، وقيل: من كان أحد أبويه عربيا والاخر عجيما، وعن غيرها غير ذلك. وأما القرشية: فهى من أنتسب إلى نضر بن كنانة، كما عن جماعة من اللغويين التصريح به في كتبهم كالصحاح والنفحة العنبرية ومجمع البحرين وغيرها وجماعة من الاساطين كصاحبي الحدائق والجواهر والنراقي والشيخ الاعظم وغيرهم وعن العقد الفريد وسبك الذهب والمختصر من اخبار البشر وغيرها: أن من ولده فهر فهو قرشي. وعلى هذا فمن أنتسب إلى النضر ولم تنتسب إلى فهر يشكل حكمها، إلا أن الذي يهون الخطب عدم تحقق الابتلاء بها، بل لا تعرف الان منها إلا الهاشميات. فتدبر.

ص 14

[...] الشك في القرشية

 الرابعة: من شك في كونها قرشية يلحقها حكم غيرها كما هو المشهور، وعن النراقي: دعوى الاجماع المحقق عليه، ويشهد له أصالة عدم الانتساب، وفي طهارة شيخنا الاعظم: إنها الاصل المعول عليه لدى العلماء في جميع المقامات، وزاد بعض المحققين (ره): إن الاعتماد عليه في مثل ما نحن فيه من الامور المغروسة في أذهان المتشرعة، بل المركوز في أذهان العقلاء قاطبة، فجريان هذا الاصل مما لا ينبغي التوقف فيه، إنما الاشكال في تعيين وجه عمل العقلاء والعلماء به. أقول: هذا الاصل هو الاستصحاب، أي استصحاب عدم انتساب هذا الشخص إلى هذه القبيلة، بعبارة اخرى: استصحاب عدم القرشية الثابت قبل تولد تلك المرأة في الخارج، وهو الذي يعبر عنه باستصحاب العدم الاولي وتقريبه: ان هذه المرأة قبل أن تولد كانت هي واتصافها بالقرشية معدومتين في الخارج، فبعدما تولدت يشك في تحقق اتصافها بها، فيستصحب عدمه، ويثبت به انها غير متصفة بالقرشية، ويترتب عليه أنها لا تحيض بعد الخمسين. ودعوى أن موضوع هذا الحكم المرأة المتصفة بغير القرشية، ولا يثبت الاتصاف بهذا الاصل الاعلى القول بالاصل المثبت، مندفعة بأنه إذا ورد عام، ثم خصص بعنوان وجودي بالمنفصل، أو كالاستثناء من المتصل، لا يكون الباقي بعد التخصيص هو المتصف بعدم ذلك الوصف الوجودي بنحو الموجبة المعدولة، كي لا يثبت باستصحاب عدم الاتصاف قيد الموضوع، وهو الاتصاف بالعدم، بل الباقي بعده هو العام غير المتصف بعنوان الخاص، بنحو السالبة المحصلة، لانه فرق واضح بين دخل وجود العرض في الموضوع بشرط وجوده فيه، وبين دخل عدمه فيه. إذ في الاول: بما ان وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه، لا يترتب

ص 15

[...] الحكم إلا بعد اثبات اتصاف الموضوع بذلك العرض. وأما في الثاني: فبما ان عدم العرض لا يحتاج إلى وجود الموضوع، فأستصحاب عدم اتصاف الموضوع بذلك العرض المحقق قبل تحققه يجري ويترتب عليه الاثر. وفي المقام: بما أنه دلت النصوص على أن المرأة تحيض إلى خمسين إلا القرشية، فموضوع هذا الحكم هي المرأة غير المتصفة بهذا العنوان، لا المرأة المتصفة بغير القرشية، وعليه فلا مانع من استصحاب عدم القرشية المحقق قبل تولد هذه المرأة المشكوك كونها قرشية، ويثبت به ان هذه المرأة غير متصفة بالقرشية، فيحكم بأنها لا تحيض بعد الخمسين. وتمام الكلام في تنقيح القول في جريان هذا الاصل، ورد ما استدل به على عدم جريانه موكول إلى محله، وقد حققنا القول في ذلك في كتابنا زبدة الاصول.

الشك في البلوغ

الخامسة: إذا خرج الدم ممن شك في بلوغها وكان بصفات الحيض فمقتضى القاعدة هو الحكم بعدم كونه حيضا، لاستصحاب عدم البلوغ، إلا ان هنا اشكالا مشهورا، وهو ان الاصحاب عدوا من علامات البلوغ الحيض، وعن الذكرى: لا نعلم فيه خلافا، بل عن الروضة الاجماع عليه، وعن المبسوط والنهاية والوسيلة والغنية والسرائر وغيرها: ان الحيض بنفسه بلوغ، فعلى القول بكون من شك في بلوغها بحكم من علم عدم بلوغها للاستصحاب الذي يحرز به عدم كونه حيضا لفقد شرطه وهو البلوغ، فما الدم المحكوم بأنه من علاماته، بل هذا ينافي القول بأن الدم المرئي قبل التسع ليس بحيض، حتى مع عدم جريان الاستصحاب، فأن لازم ذلك عدم تحقق الحيض قبل البلوغ، فالشك في البلوغ مستلزم للشك في كونه حيضا، فكيف

ص 16

[...] يكون هو دليلا على البلوغ؟ وقد أجاب عنه جماعة: بأن الحيض يدل على البلوغ، والدليل على الحيض هي الصفات، وفيه: ان من حدود الحيض كونه بعد البلوغ، فالحكم به يتوقف على ثبوت البلوغ، فاثبات البلوغ به دور واضح. أقول: أنه ليس في نصوص الباب ما يدل على أن الحيض انما يتحقق قبل بلوغ التسع، بل هي تتضمن لثبوت احكام البالغة للحائض، لا حظ موثق (1) عمار عن الامام الصادق (عليه السلام): سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال (عليه السلام): إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فأن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إذا أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم. ومرسل (2) الصدوق وفيه: على الصبي إذا احتلم الصيام، وعلى المرأة إذا حاضت اللصيام. وموثق (3) ابن سنان: إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب، وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك وذلك انها تحيض لتسع سنين. وظاهر هذه النصوص كون الحيض نفسه بلوغا، ولكن لا تدل على تحقق الحيض قبل تسع، بل الموثق يدل على العدم، فما لم يحرز بلوغ التسع لا يحكم بكونه

(هامش)

(1) الوسائل - باب 4 - من ابواب مقدمة العبادات حديث 12. (2) الوسائل - باب 49 - من ابواب من يصح منه الصوم حديث 12. (3) الوسائل - باب 44 - من ابواب كتاب الوصايا حديث 12. (*)

ص 17

[...] حيضا للموثق ولما دل على ان الدم المرئي قبل بلوغ التسع ليس بحيض فلا يكون بلوغا. وعليه فأن قلنا: بأن البلوغ بالسن انما يكون ببلوغها العشر، فهذه النصوص لا تنافي شيئا من الاخبار كما لا يخفى، وان قلنا بأنه انما يكون ببلوغها التسع، فلازمه الغاء هذه النصوص، إذ دائما يستند البلوغ إلى السن ولا يستند إلى الحيض ولو في مورد، وعليه فحيث لا يمكن ذلك ولا الحكم بأن ما يعلم بتحققه قبل اكمال التسع حيض لمنافاته لما دل على ان ما تراه قبله ليس بحيض، فيتعين حمل هذه النصوص على جعل الطريقية للبلوغ عند الشك فيه، وتدل على الغاء الاستصحاب في المقام. ولا محذور في ذلك.

اشتباه الحيض بالاستحاضة

السادسة: إذا اشتبه الحيض بالاستحاضة فالمشهور بين الاصحاب انها ترجع إلى الصفات، بل لا خلاف فيه ولا اشكال في الجملة. وتشهد له جملة من النصوص: كصحيح (1) حفص بن البختري أو حسنة: دخلت امرأة على أبي عبد الله (عليه السلام) فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري أحيض هو أو غيره فقال لها: ان دم الحيض حار عبيط اسود له دفع وحرارة، ودم الاستحاضة اصفر بارد، فأذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة. قال: فخرجت وهي تقول: والله انه لو كان امرأة ما زاد على هذا. وصحيح (2) معاوية بن عمار عن الامام الصادق (عليه السلام): ان دم الاستحاضة

(هامش)

(1) الوسائل - باب 3 - من ابواب الحيض حديث 2. (2) الوسائل - باب 3 - من ابواب الحيض حديث 1. (*)

ص 18

[...] والحيض ليس يخرجان من مكان واحد، ان دم الاستحاضة بارد، وان دم الحيض حار. وموثق (1) اسحاق بن جرير عنه (عليه السلام) قال: سألتني امرأة منا ان ادخلها على أبي عبد الله (عليه السلام)، واستأذنت لها فأذن لها فدخلت ومعها مولاة لها - إلى ان قال - قالت: فأن الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال: تجلس ايام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين، قالت: ان ايام حيضها تختلف عليها، وكان يتقدم الحيض اليوم واليومين والثلاثة، ويتأخر مثل ذلك فما علمها به. قال (عليه السلام): دم الحيض ليس به خفاء، هو دم حار تجد له حرقة، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد. وقريب منها صحيح ابن الحجاج. انما الكلام في انه هل يستفاد من هذه النصوص قاعدة كلية، وهي الحكم بحيضية الواجد لصفات الحيض، والحكم بعدمها مع انتفاء الصفات، إلا أن يدل دليل على الخلاف كما عن المدارك وجماعة، أو أنه يستفاد منها قاعدة كلية عند اشتباه الحيض بالاستحاضة خاصة كما هو المشهور، ام يستفاد منها حكم دم الحيض المشتبه بدم الاستحاضة المتصل بدم الحيض كما في طهارة شيخنا الاعظم فيها وجوه: قد استدل للاول: بأنه يستفاد من هذه الروايات ان هذه الأوصاف خاصة مركبة، فمتى وجدت حكم بكون الدم حيضا، ومتى انتفت انتفى، وعليه فلو رأت المبتدئة دما ليس في صفات الحيض لا يحكم بحيضيته بمجرد الرؤية، خلافا للمشهور الملتزمين بالحكم بها لقاعدة الامكان، وكذلك لو رأت ذات العادة الوقتية دما فاقدا للصفات.

(هامش)

(1) الوسائل - باب 3 - من ابواب الحيض حديث 3. (*)

ص 19

[...] وأورد عليه، تارة بأن منشأ هذه الاوصاف انما هو مجرد الغلبة، والا فقد تتخلف فكيف تكون خاصة، وستعرف ان الصفرة والكدرة في ابام الحيض حيض. واخرى: بأن دم الحيض من الموضوعات التي لا مدخلية للشرع فيها، كالبول، فلو قطع بكون مسلوب الصفات حيضا ما كان لنفيه معنى، والحكم له بغيره. وثالثة: بأن النصوص في مقام بيان الصفات الخارجية الغالبية الموجبة للعلم والمعرفة الحقيقية، لا في مقام بيان المعرفة التعبدية. وفي الجميع نظر، اما الاول: فلانه إذا خصص ما تضمن بيان قاعدة كلية لا يوجب ذلك عدم حجية في سائر الموارد كما لا يخفى. واما الثاني: فلان دم الحيض وان كان من الموضوعات الخارجية إلا أنه لاجل اشتباهه كثيرا بغيره جعل الشارع طريقا إليه، فهو امر حقيقي خارجي، ألا أن طريقه تعبدي شرعي، ولا يحصل القطع بكون مسلوب الصفات حيضا إلا تعبدا بحكم الشارع، وهو يوجب تقييد هذه الدلة، مع أنه لو احرز بطريق آخر كون مسلوب الصفات حيضا خرج عن موضوع هذه النصوص تخصصا. وأما الثالث: فلان الاصل في الكلام الصادر من الشارع المقدس. الحمل على مقام التشريع. ولكن يرد على الاستدلال بها: انها مسوقة لبيان ما يتميز به دم الحيض عن دم الاستحاضة عند الختلاط احدهما بالاخر لا مطلق ما اختلط الحيض بغيره، واستفادة كونها مسوقة لاعطاء القاعدة الكلية، مع فرض ان الشارع المقدس حكم في غير مقام بكون الفاقد لتلك الصفات حيضا، والواجد غير حيض، وظهور النصوص في كونها في مقام بيان طريقية الصفات الخارجية الغالبية المختصة باختلاط الحيض بالاستحاضة دونها خرط القتاد.

ص 20

[...] ودعوى ان قوله (عليه السلام) في صحيح حفص (فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة) يدل على عموم الحكم لجميع موارد الاختلاط مندفعة بانه لا عموم له بعد كون الضمير راجعا إلى المرأة المتلبسة باستمرار الدم. فالمتحصل من هذه النصوص ثبوت قاعدة كلية عند اشتباه الحيض بالاستحاضة خاصة. ثم أنه بناء على ما ذكره الشيخ الاعظم رحمه الله في طهارته: من ان المتسفاد من النصوص وكلمات اللغويين ان الاستحاضة هو الدم المتصل بدم الحيض، تكون هذه الاخبار مختصة به ولا تشمل غير المستمر المختلط بالحيض، وعدم اختصاص المميزات المذكورة في النصوص بالدم المستمر لا ينافي اختصاص حجيتها به على ما مر تقريبه. ودعوى ان خصوصية الاستمرار من الخصوصيات التي تكون ملغاة عند العرف مندفعة بأن صحة هذه الدعوى تتوقف على العلم بعدم مدخليه هذا القيد، والا فمقتضى الاصل في كل قيد اخذ في موضوع الحكم دخله فيه. فتحصل: ان الاقوى اختصاص طريقية الصفات المذكورة في النصوص بما إذا اشتبه دم الحيض بالاستحاضة، إذا لم يكن طريق إليه كالعادة أو قاعدة كلية منطبقة على المورد تقتضي الحكم بالحيضية كقاعدة الامكان، على فرض ثبوتها.

اشتباه دم الحيض بدم العذرة

السابعة: إذا اشتبه دم الحيض بدم العذرة (أي البكارة) فتارة يمكن الاختبار واخرى لا يمكن. وعلى الاول: فتارة يكون طرف الاشتباه دم العذرة خاصة، واخرى يحتمل

ص 21

[...] غيره ايضا، أما في الصورة الاولى: فالظاهر انه لا خلاف في انها تختبر بادخال قطنة في الفرج كيفما اتفق - كما هو المشهور، أو بعد ان تستلقي على ظهرها وترفع رجليها كما عن الشهيد رحمه الله المصرح بوجود رواية دالة على اعتبار هذا القيد، وحيث انه لم يثبت وجودها ولم تصل الينا كما صرح به جملة من الاعاظم، فالاظهر عدم اعتباره - وتدعها مليا ثم تخرجها برفق، فان خرجت القطنة مطوقة بالدم فهو بكارة بلا خلاف ظاهر، وعن المقدس الاردبيلي رحمه الله الرجوع إلى الصفات. ويشهد للمشهور ما عن الكافي (1) بطريق صحيح عن خلف بن حماد قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) بمني قلت له: ان رجلا من مواليك تزوج جارية معصرا لم تطمث، فلما افتضها سال الدم، فمكث سائلا لا ينقطع نحوا من عشرة ايام، وان القوابل اختلفن في ذلك، فقالت بعضهن: دم الحيض، وقالت بعضهن: دم العذرة، فما ينبغي لها ان تصنع؟ قال (عليه السلام): فلتتق الله، فان كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة حتى ترى الطهر، وليمسك عنها بعلها، وان كان من العذرة فلتتق الله ولتتوضأ ولتصل ويأتيها بعلها ان اجب ذلك. فقلت له فكيف لهم ان يعلموا ما هو حتى يفعلوا ما ينبغي؟ قال: فالتفت يمينا وشمالا في الفسطاط مخافة ان يعلم كلامه احد ثم نهد إلى فقال (عليه السلام): يا خلف سر الله سر الله لا تذيعوه ولا تعلمو هذا الخلق اصول دين الله، بل ارضوا لهم ما رضى الله لهم من ضلال، ثم عقد بيده اليسرى تسعين ثم قال (عليه السلام): تدخل القطنة ثم تدعها مليا، ثم تخرجها اخراجا رقيقا، فان كان الدم

(هامش)

(1) الوسائل - باب 2 - من ابواب الحيض حديث 1.

ص 22

[...] مطوقا في القطنة فهو من العذرة، وان كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض... الخ. وعن الشيخ روايته بادنى اختلاف. وما في الصحيح (1) عن زياد بن سوقة قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل افتض امرأته أو أمته فرأت دما كثيرا لا ينقطع عنها يومها (يوما) كيف تصنع بالصلاة؟ قال (عليه السلام): تمسك الكرسف فان خرجت القطنة مطوقة بالدم فانه من العذرة تغتسل وتمسك معها قطنة وتصلي، فان خرج الكرسف منغمسا بالدم فهو من الطمث تقعد عن الصلاة ايام الحيض. وان كانت مستنقعة فهو حيض كما عن الاكثر، بل الظاهر الاجماع عليه، إذ ما يظهر من المحقق في الشرائع والنافع والمعتبر، والمصنف رحمه الله في القواعد من عدم الحكم بالحيضية انما هو في الصورة الثانية، إذ في هذه الصورة إذا انتفت العذرة يتعين كونه دم الحيض لفرض الدوران بينهما، مضافا إلى ان هذا المورد هو المتيقن من النصوص. واما الصورة الثانية: فالمشهور بين الاصحاب ان حكمها حكم الصورة الاولى، وعن المحقق، والمصنف، والشهيد، وابن فهد: عدم الحكم بكونه حيضا إذا خرجت مستنقعة، واستحسنة شيخنا الاعطم الأنصاري رحمه الله وادعى ان احدا من الاصحاب لم يفت بخلاف ذلك، لان مفروض كلامهم فيما حكموا به هو ما إذا تردد الامر بين العذرة والحيض. وكيف كان فيشهد للاول اطلاق الصحيح الثاني، ودعوى ظهوره في ما إذا علم انتفاء الثالث، غير تامة، نعم دعوى اختصاص الاول بهذا المورد في محلها، لان

(هامش)

(1) الوسائل - باب 2 - من ابواب الحيض حديث 2. (*)

ص 23

[...] الظاهر من قوله عليه السلام: (فان كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة وان كان من العذرة فلتتق الله ولتتوضأ) هو الانحصار والتردد بين الامرين لا غير، ويؤيده فرض السائل اختلاف القوابل في انه دم حيض أو عذرة كما لا يخفى، وحيث ان الصحيح الثاني مطلق كما عرفت فلا وجه لدعوى جواز ان يكون طريق اللعلم بحيضية الدم في مفروض الصحيحين نفي الاحتمال الاخر لا الانغماس، بل لا تتم هذه الدعوى حتى على فرض اختصاص الصحيحين بالصورة الاولى لظهور قوله عليه السلام: (فان خرج الكرسف منغمسا) في طريقية الانغماس بنفسه لا لتلازمه مع شيء آخر، مع انه لم تم ما ذكر من اختصاص الخبرين بما إذا علم التردد بين الامرين لما بقي دليل على الحكم بكونه دم العذرة إذا كان الدم مطوقا في القطنة لو لم ينحصر الاحتمال فيهما كما لا يخفى. فتحصل: ان الاقوى هو الحكم بانه حيض مع الانغماس مطلقا كما هو المنسوب إلى المشهور. ثم ان الظاهر من النص والفتوى وجوب الاختبار المذكور، وعليه فلو صلت بدونه فهل تكون صلاتها باطلة وان تبين بعد ذلك عدم كونه حيضا كما عن جماعة التصريح به، أو تكون صحيحة، مع عدم الاخلال بسائر الشروط حتى قصد القربة. أو تكون صحيحة في صورة الغفلة عن وجوب الاختبار كما عن شيخنا الاعظم رحمه الله أو في صورة المعذورية فيه كما عن صاحب الجواهر رحمه الله وجوه واقوال. واستدل لعدم الصحة مطلقا، بوجوه. الاول: ان الاختبار شرط للصلاة في الفرض، وانتفاء المشروط بانتفاء شرطه لا ينكر. وفيه ان الظاهر من الخبرين أو وجوب الاختبار وجوب مقدمي لترتيب أثار

ص 24

[...] احد الدمين، وبعبارة اخرى: ظاهر الامر به كونه ارشادا إلى تنجز التكليف المحتمل، وانه لا يجوز الرجوع إلى القواعد والاصول المقتضية لعدم تنجزه، نظير الامر بالتعلم في الشبهات قبل الفحص لا انه وجوب شرطي ضمني. الثاني: ان العقل الحاكم بوجوب الاطاعة يستقل بكون الانعباث عن احتمال الامر في طول الانبعاث عن بعث المولى، فلا يجتزي بالتحرك عن احتمال الامر مع امكان التحرك عن نفس التحريك. وفيه انه لا يعتبر في حصول الطاعة في نظر العقل سوى اتيان المأمور به بجميع قيوده، مضافا إلى المولى، فاعتبار لزوم التحرك عن تحريك المولى مما لم يدل عليه دليل، وعلى فرض الشك في اعتبار ذلك، بما انه شك في التقييد الزائد يرجع إلى البراءة. الثالث: ان حرمة العبادة على الحائض حرمة ذاتية، وحينئذ فالصلاة قبل الاختبار محتملة التحريم المنجز، فتكون فاسدة، إذا المتجرئ مستحق للعقاب على ما حقق في محله، فتكون صلاتها مبعدة، فيمتنع التقرب بها. وفيه مضافا إلى ان الاظهر كون حرمتها تشريعية لا ذاتية، كما ستعرف في محله. ان الاتيان بالعبادة رجاء للمطلوبية لا يكون حراما، مع انه لو تم ذلك لزم الحكم بالفساد في غير صورة المعذورية فيه لا مطلقا كما لا يخفى، وبما ذكرناه يظهر مدرك القولين الاخرين وضعفه. فتحصل ان الاقوى هي الصحة مطلقا. وأما في الصورة الثالثة: فان كانت حالتها السابقة، معلومة ترجع إليها على ما صرح به جماعة، وفي طهارة شيخنا الا عظم رحمه الله التفصيل بين صورة سبق الحيض فاختار انها ترجع إلى الحالة السابقة، وبين صورة عدم سبقه فاختار سقوط وجوب الاختبار ايضا، إلا انه تردد بين الرجوع إلى الحالة السابقة أو إلى أصالة

ص 25

[...] الحيض أي قاعدة الامكان. اقول: ان هذين القولين يبتنيان على عدم شمول النصوص للمقام لسقوط وجوب الاختبار بتعذره كما هو الشأن في جميع التكاليف، ولكنه غير تام لما عرفت من ان الامر بالختبار انما يكون ارشادا إلى تنجز التكليف المحتمل، وانه لا يصح الرجوع إلى القواعد والاصول المقتضية لعدم تنجزه وعلى ذلك فلا وجه لسقوطه، ودعوى عدم اطلاقها من هذه الجهة أو انصرافها عن هذه الصورة كما ترى. وما ذكره الشيخ الاعظم رحمه الله من انه إذا تحقق الحيض سابقا، واحتمل انقطاعه بعد طروء العذرة فالظاهر عدم دخوله تحت النص، فالرجوع فيها إلى استصحاب الحيض من غير اختبار حتى في صورة التمكن قوي، وان كان تاما من حيث الجمود على مورد النص، إلا انه بعد التدبر فيه يظهر عدم دخل خصوصية المورد في هذا الحكم، وانه (عليه السلام) في مقام بيان ما به يمتاز احد الدمين عن الاخر عند اشتباه احدهما بالاخر فالرجوع إلى الاصول في غير محله، وكذلك الرجوع إلى قاعدة الامكان، مع أنه ستعرف اختصاص القاعدة بما يعلم خروجه من الرحم. فتدبر. وعليه فيتعين الرجوع إلى ما يقتضيه العلم الاجمالي بثبوت احكام الطاهرة أو الحائض عليها، وبذلك يظهر حكم ما لم تعلم الحالة السابقة، وما ذكره بعض الاعاظم من انحلال العلم الاجمالي المزبور باصالة عدم خروج الدم من الرحم فتدخل في عموم ادلة احكام الطاهرة، وإذا ثبتت احكام الطاهرة لها ينحل العلم الاجمالي المزبور، غير صحيح، لان الرجوع إلى هذا الاصل خلاف ما تقتضيه النصوص من عدم جواز الرجوع إلى الاصول حتى في صورة عدم التمكن كما عرفت.

ص 26

[...] واما ما ذكره بعض المحققين رحمه الله في عروته من البناء على الطهارة في ما لم تعلم الحالة السابقة فالظاهر انه مبنى على مسلكه من جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فإنه عليه بما أن ادلة احكام الطاهرة موضوعها مطلق المرأة، وانما خرجت عنه الحائض، وخصصت تلك الدلة بما دل على حكم الحائض، فإذا شك في الحيض يرجع إلى عموم تلك الادلة، ولكن المحقق في محله عدم الجواز. فتحصل مما ذكرناه ان الاظهر تعين مراعاة الاحتياط في الصورتين.

 

اشتباه دم الحيض بدم القرحة

 

الثانية: إذا اشتبه دم الحيض بدم القرحة فالمنسوب إلى المشهور ان الدم ان كان يخرج من الطرف الايسر فحيض، وإلا فمن القرحة، بل عن جاعمع المقاصد: نسبته إلى فتوى الاصحاب، وعن الدروس والذكرى وابن طاووس عكس ذلك، وعن المحقق وظاهر المسالك والمحقق الاردبيلي وصاحب المدارك: عدم اعتبار الجانب اصلا. وقد استدل للاول بما رواه (1) الشيخ في محكي التهذيب باسناده عن محمد بن يحيى، رفعه عن ابان قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): فتاه منابها قرحة في جوفها والدم سائل لا تدري من دم الحيض أو من دم القرحة. فقال (عليه السلام): مرها فلتستلق على ظهرها ثم ترفع رجليها وتستدخل اصبعها الوسطى، فان خرج الدم من الجانب الايسر فهو من الحيض، وانم خرج من الجانب الايمن فهو من القرحة. واورد عليه: بان هذه (2) الرواية مروية عن الكافي بهذا الاسناد وفيها: فان

(هامش)

(1 - 2) الوسائل - باب 16 من ابواب الحيض حديث 2 - 1. (*)

ص 27

[...] خرج الدم من الجانب الايمن فهو من الحيض، وان خرج من الجانب الايسر فهو من القرحة. والنقل الثاني مقدم لما في مرآت العقول نقلا عن الشهيد: انه وجد في كثير من نسخ التهذيب ان الحيض من الايمن، وعن ابن طاووس: ان ما في بعض نسخ التهذيب الجديدة كون الحيض من الايسر في أنه تدليس هذا مضافا إلى اضبطيه الكليني، (وعليه) فيثبت القول الثاني. وفيه: أما الدعوى الاولى فيدفعها افتاء الشيخ نفسه في المبسوط والنهاية بما اختاره المشهور، وعدم ذكر احد من المحشين على التهذيب لذلك، مع ان عادتهم نقل جميع النسخ. واما الدعوى الثانية فيدفعها ان اضبيطة الكليني وان كانت لا تنكر إلا أنه في المقام لاجل اتفاق المتقدمين والمتاخرين من المحدثين على موافقة المشهور - كما عن حاشية المدارك - وموافقة ما في التهذيب لما في النهاية - التي قيل انها متون اخبار - ولما ذكره المفيد في المقنعة، والصدوق في الفقيه، ووالده في الرسالة التي قيل انها ايضا متون اخبار، وان الاصحاب كانوا إذا اعوزتهم النصوص رجعوا إليها. امثالها، يقدم ما في التهذيب. واستدل للقول الاخير في محكي المعتبر بان الرواية مقطوعة مضطربة، وبجواز كون القرحة في الجانبين، وبأن الحيض من الرحم وليس في جانب معين، وفي الجميع نظر: أما الاول فلان ارسالها منجبر بكون الخبر مشهورا بين الاساطين من اهل الرواية، والفتوى، وقد مر انها غير مضطربة، مع انه لو سلم اضطرابها فانما هو في خصوص تعيين الجانب، واما من حيث دلالتها على ان المرجع في الفرض ليس هي الاوصاف ولا قادعدة الامكان فلا اضطراب فيها.

ص 28

[وأقله ثلاثة أيام] وأما الثاني: فلانه من الجائز ان يكون حصول القرحة التي يجري منها الدم المشتبه بدم الحيض في خصوص الجانب الايمن، أو انه عند الاستلقاء بالكيفية الخاصة يخرج الدم من الجانب الايمن ولو كانت القرحة في الجانب الايسر. وأما الثالث فلانه من الممكن ان يكون الرحم عند الاستلقاء الخاص مستقرا في الجانب الايسر. فتحصل: ان الاقوى هو القول الاول حتى فيما لو علم كون القرحة في الطرف الايسر، واستثناء هذه الصورة مع عدم دليل يخرج به عن اطلاق النصوص، وعدم ذكره في كلام الاكثر، مما لا وجه له.

 

أقل الحيض واكثره

 

 وأكثره (وأقله) أي أقل الحيض (ثلاثة أيام) بلا خلاف، وفي طهارة الشيخ الاعظم رحمه الله بالاجماع المحقق والمحكي: حد الاستفاضة بل التواتر، ونحوه في الجواهر. وتشهد به نصوص كثيرة كصحيح (1) معاوية بن عمار بن أبي عبد الله (عليه السلام): أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام، واكثر ما يكون عشرة أيام. وصحيح (2) صفوان بن يحيى: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن أدنى ما يكون الحيض فقال (عليه السلام): أدناه ثلاثة، وابعده عشرة.

(هامش)

(1) الوسائل - باب 10 - من ابواب الحيض حديث 1. (2) الوسائل - باب 10 - من ابواب الحيض حديث 2. (*)

ص 29

[...] وصحيح (1) يعقوب بن يقطين: أدنى الحيض ثلاثة، وأقصاه عشرة. ونحوها غيرها. ولا يعارضها مصحح (2) حميد عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين، قال (عليه السلام): ان كان دما عبيطا فلا تصل ذينك اليومين، وان كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين. وموثق (3) سماعة: سألته عن الجارية البكر اول ما تحيض فتقعد في الشهر يومين، وفي الشهر ثلاثة، تختلف عليها، لا يكون طثمها في الشهر عدة أيام سواء. قال (عليه السلام): فلها ان تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة. اقول لا يعارضها لعدم عمل الاصحاب بهما، وعن الشيخ في التهذيب والاستبصار: ان على خلافهما اجماع الطائفة، وكذا عن غيره، مع ان الاول مختص بالحبلى، مضافا إلى أنه يحتمل أن يراد به ترك الصلاة بمجرد رؤية الدم، وان وجب عليها القضاء إذا انقطع قبل ثلاثة أيام. والثاني يمكن حمله على مقدار ثلاثة متوالية، بأن ترى الدم عصر يوم الخميس فتقعد عن الصلاة يوم الجمعة والسبت وتطهر في عصر يوم الاحد فلا معارضة للنصوص المتقدمة، فهذا الحكم مما لا أشكال فيه ولا كلام، إنما الكلام يقع في موارد:

(هامش)

(1) الوسائل - باب 10 - من ابواب الحيض حديث 10. (2) الوسائل - باب 10 - من ابواب الحيض حديث 13. (3) الوسائل - باب 14 - من ابواب الحيض حديث 1.

ص 30

[متواليات]

 

في اعتبار التوالي في ثلاثة الحيض

 

الاول: في أعتبار كونها (متواليات)، فعن الاسكافي والصدوقين والسيد والشيخ في غير النهاية والحبلي وأبني حمزة وسعيد والمحقق والمصنف والشهيدين والمحقق الثاني واكثر من تأخر عنهم: إعتبار التوالي، بل عن الذكرى والمسالك: إنه المشهور بين الاصحاب. وقد استدل له الشيخ الاعطم رحمه الله في طهارته باصالة عدم الحيض واجاب عن اشكال معارضتها مع اصالة عدم الاستحاضة بجوابين. الاول: انه ان قلنا بثبوت الواسطة بين الحيض الاستحاضة فلا تنافي، إذ لا يعلم بكذب احدهما، وان قلنا بعدم الواسطة بينهما فاصالة عدم الحيض حاكمة على اصالة عدم الاستحاضة، لان المستفاد من النصوص والفتاوى ان كل دم لم يحكم عليه بالحيضية شرعا، ولم يعلم انه لقرحة أو عذرة أو نفاس، فهو محكوم عليه باحكام الاستحاضة، وحينئذ فإذا انتفى كونه حيضا بحكم الاصل تعين كونه استحاضة. الثاني: ان اصالة عدم الحيض سليمة عن المعارض في خصوص الصلاة، لانه لا يترتب على اصالة عدم الاستحاضة عدم وجوبها، فيجب الاغتسال مع غمس القطنة للقطع ببطلان الصلاة واقعا بدونه، لانها أما حائض أو مستحاضة، ويجب تجديد الوضوء لكل صلاة مع عدم الغمس، لان الوضوء الواحد لا يرفع حدثها قطعا لانه مردد بين الحيض والاستحاضة. واورد عليه بعض من تأخر عنه: بأن أصالة عدم الحيض لا تجري في نفسها،

ص 31

[...] لانه على تقدير اعتبار التوالي فالحيض منتف قطعا، وعلى تقدير عدمه فالحيض موجود قطعا، فالشك إنما يكون في المردد بين الامرين وليس هو موضوع الاثر ليجري في نفيه الاصل، وبأن أصالة عدم الحيض لا تثبت ان هذا الدم ليس بحيض لان الاول مفاد كان التامة، والثاني مفاد كان الا ناقصة، والاصل المثبت للاول لا يصلح لاثبات الثاني كي يحكم عليه باحكام الاستحاضة، فأصالة عدم الحيض معارضة بأصالة عدم الاستحاضة، وبأن الانحلال المذكور غير تام، إذا وجوب الصلاة الثابت بمقتضى أصالة عدم الحيض - لما كان له اطلاق يقتضي الشمول لصورة كونها مستحاضة - كان مقتضيا لوجوب الغسل وتكرار الوضوء، فالاصل المثبت للوجوب المذكور يكون مثبتا لهما، فيكون منافيا لاصالة عدم الاستحاضة ومعارضا لها. وفي الجميع نظر: أما الاول: فلا عدم العلم باعتبار التوالي وعدمه، بضميمة القطعين المذكورين منشأ الشك في كون المرأة المفروضة حائضا أو مستحاضة، وكون ما جرى منها دم الحيض أو الاستحاضة، فيجري الاصل في نفي ما هو موضوع الاثر. وأما الثاني: فلان اصالة عدم كون هذا الدم حيضا تجري في نفسها، أما بناء على جريان الاصل في العدم الازلي كما هو الحق فواضح، وأما بناء على عدمه فلانه لو سلمنا كون الدم من حين ما يتقاطر من الرحم عرفا - ولو لم يخرج، متصفا بكونه دم حيض، إلا انه قبل تقاطره من الرحم لا يكون متصفا به فيستصحب ذلك فتأمل. وعلى ذلك فبناء على ثبوت القاعدة المذكورة تجري اصالة عدم الحيض ويترتب عليها ثبوت احكام الاستحاضة له، ومعه لا مجال لاستصحاب عدم الاستحاضة، نعم بناء على عدم ثبوتها يتعارض الاصلان كما لا يخفى. ومنه يظهر اندفاع ما أورده سيد مشايخنا رحمه الله:، من ان اصالة عدم الحيض

ص 32

[...] ان ثبت بها ان الدم الموجود غير حيض فموضوع القاعدة المذكورة لا يتحقق مع جريانها، لان نسبتها إليها كنسبة قاعدة الطهارة إلى استصحابها، فالرجوع إليها عند سقوط هذا الاصل، وان لم يثبت ذلك بها فالقاعدة جارية سواء أكان هناك اصل ام لا، وليس لها تعلق بمجرى الاصلين لتوب حكومة احدهما على الاخر. انتهى. وجه الاندفاع: ان موضوع القاعدة لا ينتفي بالاستصحاب، فلا وجه لسقوطها مع جريانه فانه بالاصل يثبت كون الدم غير حيض فتشمله الكبرى الكلية، وحينئذ لا يبقى شك في كونه استحاضة، فلا تجري اصالة عدم الاستحاضة فتدبر. واما الثالث: فلان وجوب الغسل وتكرار الوضوء لا يثبتان باصالة عدم الحيض، إذا لا يثبت بها كونها مستحاضة كي يترتبان عليها، ومعنى اطلاقها لصورة كونها مستحاضة ليس ثبوت الخصوصية بها، لان معنى الاطلاق رفض القيود لا اخذ كل قيد في الحكم، وعليه فلا تعارض اصالة عدم الاستحاضة مع اصالة عدم الحيض. فان قلت: أنه يثبت بأصالة عدم الاستحاضة عدم وجوب الاغتسال وغيره مما يكون من احكام المستحاضة، ولازم ذلك نفي وجوب الصلاة، فتعارض مع اصالة عدم الحيض المثبتة لوجوبها. قلت: أنه لا يترتب على عدم الاثار واللوازم الثابت بالاصول عدم الملزوم كما لا يخفى. فان قلت: ان الدليل على وجوب الغسل ليس إلا قاعدة الاشتغال، ولا ريب في حكومة استصحاب عدم الاستحاضة النافي لوجوبه عليها. قلت: ان الحكومة انها تكون فيما إذا كان مجرى الاصلين شيئا واحدا، واما إذا كان متعددا فلا وجه لها كما هو واضح، وفي المقام قاعدة الاشتغال بالتكليف الثابت

ص 33

[...] بمقتضى اصالة عدم الحيض - وهو وجوب الصلاة - تقتضي الاتيان به، وهي تمنع عن العمل بأصالة عدم الاستحاضة لمنافاتها لها فتدبر. فتحصل: ان الاظهر جريان اصالة عدم الحيض، وعدم معارضتها باستصحاب عدم الاستحاضة، وهي تدل على اعتبار التوالي. ويشهد له مضافا إلى ذلك نصوص التحديد المتقدم بعضها، إذا الظاهر من تقدير شيء قابل للاستمرار، والدوام بجعل مقدار من الزمان ظرفا له، هو اعتبار وحدته وعدم انفصال بعض اجزائه عن بعض، الا ترى انه لو امر المولى عبده بالجلوس ثلاث ساعات في المسجد لا يشك احد في ظهوره في ارادة الجلوس مستمرا، فلو جلس ساعة في أول النهار وساعة في وسطه وساعة في آخره لا يكون ممتثلا له. ودعوى ان لازم ذلك اعتبار التوالي في اكثر الحيض ايضا - وهو مما لم يلتزم به احد - مندفعة بان ظاهر هذه النصوص وان كان ذلك إلا انه يرفع اليد عنه، لاجل ما دل من النصوص على ان ما زاد على أقل الحيض إذا لم يكن متواليا يكون النقاء المتخلل بمنزلة الدم. وأما ما عن المحقق الخراساني رحمه الله: من ان المراد منها اقل حدث الحيض لا أقل الدم، فعير سديد، لان الظاهر من الحيض هو الدم الذي جعلوه عنوانا للباب، وحمله على الحالة مجاز لا يصار إليه بلا قرينة، ويؤيده ما عن الرضوي (1): وان رأت يوما أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم تر ثلاثة أيام متواليات. وعن الشيخ في المبسوط عن بعض اصحابنا، وعنه في النهاية والتهذيبين

(هامش)

(1) المستدرك - باب 10 - من ابواب الحيض. (*)

ص 34

[...] والقاضي في المهذب والمقدس الاردبيلي وكاشف اللثام والشيخ الحر في رسالته وجماعة من علماء البحرين: عدم اعتبار التوالي، بل ظاهر المحكي عن القاضي معروفية هذا القول. واستدل له بما رواه (1) الشيخ بإسناده عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن اسماعيل بن مرار، عن يونس، عن بعض رجاله، عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: - في حديث - وإذا رأت المرأة الدم في ايام حيضها تركت الصلاة، فأن استمر الدم ثلاثة أيام فهي حائض، وان انقطع الدم بعد ما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت وانتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة أيام، فأن رأت في تلك العشرة أيام من يوم رأت يوما أو يومين حتى تتم لها ثلاثة أيام فذلك الذي رأته في أول الامر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة هو من الحيض، وان مر بها من يوم رأت الدم عشرة ايام ولم تر الدم فذلك اليوم واليومان الذي رأته لم يكن من الحيض، انما كان من علة، اما من قرحة في جوفها، واما من الجوف، فعليها ان تعيد الصلاة تلك اليومين التي تركتها، لانه لم تكن حائضا. الحديث. ودلالته على عدم اعتبار التوالي انما تكون بالصراحة، وعلى فرض تمامية سنده لا ريب في تقدمه على الاصل وظهور تلك النصوص المتقدمة كما لا يخفى، واما سنده فقد أورد عليه: تارة بأنه مرسل، واخرى: بكون إسماعيل مجهول الحال، وثالثة: باعراض المشهور عنه.

 

حجية مراسيل يونس

 

ولكن يمكن دفع الايراد الاول: بأن المرسل انما هو يونس، وهو ممن اجمعت

(هامش)

(1) الوسائل - باب 12 - من ابواب الحيض حديث 2. (*)

ص 35

[...] العصابة على تصحيح ما يصح عنهم، وعن الكشي عده من الطبقة الثالثة من الطبقات الثلاث التي ذكرها. ودعوى انه لم يثبت كون المراد من اجماع العصابة عدم التأمل فيمن يروون عنه، كيف وقد اشتهر الخلاف في قبول مراسيل ابن أبي عمير مع كونه من اصحاب الاجماع، مندفعة بأنه وان ذكر في المراد من هذه الجملة وجوه منها: كون المراد بها صحة الحديث من جهته، وأما من قبله وبعده فلا يحكم بصحة حديث احد منهم، وهو المنسوب إلى صاحب الرياض وصاحب الاستقصاء، وأختاره المحقق القمي رحمه الله في جامع الشتات في خصوص الطبقة الاولى وهم زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الاسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي. إلا أن الاقوى ضعف هذا الوجه، إذ مضافا إلى عدم انحصار الاجماع على التصحيح بهذا المعنى بهؤلاء الجماعة، فان جماعة آخرين كسلمان، وابي ذر، ومقداد، وزكريا بن آدم، وأبان بن تغلب، ونصر بن أبي عمير، وغيرهم ايضا أجمع الاصحاب على صدقهم، لم يتحقق الاجماع على توثيق هؤلاة جميعا، فأن وثاقة أبان بن عثمان، وعثمان بن عيسى، وأبي بصير الاسدي، بل عبد الله بن بكير، الذين هم من الطبقة الثانية محل كلام وضعفهم جماعة، وقد نسب التخليط إلى الاسدي، هذا مضافا إلى مخالفته لظاهر هذه الجملة، فأن الظاهر منها ارادة الحديث من الموصول لا الاسناد والشخص، ويؤكده ما قيل: من أن التتبع في كلماتهم يكشف عن انهم في مقام بيان حال احديث الرواة دون اسانيدها. وبذلك يظهر أن المراد بها اعتبار رواية من قيل في حقه ذلك - لو صحت من اول السند إليه - من دون اعتبار الوثاقة فيمن يروي عنه حتى لو روى عن معروف بالفسق أو بالوضع فضلا عما لو ارسل الحديث.

ص 36

[...] وعن الوحيد في فوائده دعوى الشهرة على هذا القول، وكذا عن منتهى المقال، وعن المحقق الداماد نسبته إلى الاصحاب مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، وعن المجلسي حكايته عن جماعة من المحققين. وبالجملة: التتبع في كلمات القوم والتدبر في هذه الجملة يوجبان القطع بارادتهم هذا المعنى: والدليل على حجية هذا الاجماع هو الدليل على حجية توثيقات الرجاليين والعلماء وتمام الكلام في ذلك، وفي عدم صحة التفصيل بين الطبقة الاولى فاختيار الوجه الاول، وبين الطبقتين الاخيرتين فالثاني الذي ذهب إليه المحقق القمي رحمه الله موكول إلى محله. كما أن الكلام في ان هذا الاجماع هل يفيد توثيق الواسطة بين اصحاب الاجماع والمعصوم (عليه السلام) في خصوص هذا الخبر، أو مطلقا موكول إليه، واما الخلاف في قبول مراسيل ابن أبي عمير فلا ينافي ذلك، إذا المعروف قبولها وعن الذكرى: ان الاصحاب اجمعوا على قبول مراسيله، وعن الكشي: ان اصحابنا يسكنون إلى مراسيله. فتحصل: ان الايراد على هذا الخبر بارساله في غير محله. وأما الايراد إبراهيم بن هاشم عنه على ما عن الشيخ رحمه الله التصريح بذلك في باب من لم يرو عنهم، وقد قالوا في حق إبراهيم: أنه أول من نشر الحديث من نشر الحديث من الكوفة في قم، والقميون كانوا يخرجون الراوي بمجرد توهم الريب وانهم كانوا يطعنون بأنه يروي عن الضعفاء، فكيف يمكن رواية إبراهيم عن الضعيف؟ مع ان المحكي عن محمد بن الحسن بن الوليد انه قال: كتب يونس بن عبد الرحمن التي هي بالروايات كلها صحيحة معتمد عليها إلا ما يتفرد به محمد بن عيسى عن يونس ولم يروه غيره فانه

ص 37

[...] لا يعتمد عليه ولا يفتى به. انتهى. وهذا بضميمة ما عن التعلية: من أن إسماعيل روى عن يونس كتبه وعن الشيخ التصريح به يدل على وثاقته. وأما الثالث: فلان مخالفة المشهور بعد عمل الشيخ وجماعة من المتقدمين والمتأخرين بالخبر، وقوة سنده في نفسه، لاسيما مع احتمال ان يكون وجه عدم عمل جماعة منهم توهم جهالة إسماعيل لا توجب رفع اليد عن الخبر. فتحصل: إنه لا اشكال في سنده ايضا، وحيث أنه مقدم على الاصل كما لا يخفى، وعلى الاطلاقات لكونه مبينا لها، والرضوي المتقدم: ان رات يوما أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم تر ثلاثة ايام متواليات، ضعيف لا جابر له، لعدم اعتماد المشهور عليه، فالقول بعدم اعتبار التوالي هو الاظهر. ثم انه قد استدل لهذا القول بحسن (1) ابن مسلم عن الامام الباقر (عليه السلام): إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة ايام فهو من الحيضة الاولى، وان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة. بدعوى انهما يدلان على ان المرأة إذا رأت الدم بعد ما رأته اولا سواء كان الاول ثلاثة أيام فهو من الحيضة الاولى، وان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة. وموثقه (2) الاخر عن الامام الصادق (عليه السلام): أقل ما يكون الحيض ثلاثة ايام، وان رأت الدذم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى، وان رأته بعد عشرة أيام فهو من حيضة اخرى مستقبلة. بدعوى انهما يدلان على ان المرأة إذا رأت الدم بعد ما رأته اولا سواء كان الاول ثلاثة أيام أو أقل، فأن كان ذلك قبل عشرة أيام كان من الحيضة الاولى. وفيه: أنهما لم يردا في مقام بيان ما تتحقق به الحيضة الاولى، وانما اخذت الحيضة

(هامش)

(1) الوسائل - باب 11 - من ابواب الحيض حديث 3. (2) الوسائل - باب 10 - من ابواب الحيض حديث 11. (*)

ص 38

[...] الاولى مفروغا عنها. فلا يمكن التمسك بهما لنفي ما يشك في إعتباره في الاولى. وعن الراوندي اشتراط التوالي في غير الحامل، وعدم اشتراطه فيها واستدل له بمصحح إسحاق المتقدم قال: سألت أبا عبد الله عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين قال (عليه السلام): ان كان دما عبيطا فلا تصلي ذينك اليومين، وان كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين. وفيه: ان ظاهره في بادي النظر عدم اعتبار اللحد المذكور في سائر النصوص لا عدم اعتبار التوالي، فلابد من صرفه عنه، فراجع ما ذكرناه فيه في اول هذه المسألة.

 

اعتبار الاستمرار

 

 الثاني: بعد ما عرفت من ان الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام، أما مع التوالي في الثلاثة كما هو المشهور، أو بدونه كما هو المختار، يقع الكلام في أنه هل يعتبر ان يكون زمان سيلانه مقدار ثلاثة أيام؟ بحيث متى وضعت الكرسف تلوث، ولو بعد البصر هنيئة، فلو رأت الدم في اليوم الاول ساعة أو ساعتين أو أكثر، ثم لم تر إلى اليوم الثاني لا يحكم بحيضيته؟ كما عن الشيخ وابن بابويه وابن ادريس والاسكافي وغيرهم، بل ظاهر المحكي عن جامع المقاصد معروفية هذا القول بين الاصحاب؟ أو أنه لا يعتبر ذلك بل يكفي وجوده في كل يوم وقتا كما عن جماعة، بل عن المدارك والذخيرة نسبته إلى الاكثر؟ ام يعتبر ان يكون في أول الاول واخر الاخر، وفي أي جزء من الوسط كما اختاره بعض ونفى عنه البعد شيخنا البهائي رحمه الله؟ وجوه. أقواها الاول: إذا قد عرفت ان نصوص التحديد المتضمنة ان أقل الحيض ثلاثة أيام ظاهرة في اعتبار استمرار الدم في تلك الثلاثة أيام، وعليه فبناء على عدم الاعتماد على مرسل يونس لا اشكال، واما بناء على حجيته - كما هو الاظهر - فغاية

ص 39

[...] ما يدل عليه المرسل عدم اعتبار التوالي بين الثلاثة أيام، فلا صارف عن ظهور النصوص بالاضافة إلى اعتبار كون الدم السائل مدة سيلانه ثلاثة أيام. وأستدل للثاني بموثق (1) سماعة: سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء، قال (عليه السلام): فلها ان تجلس وتدع الصلاة مادامت ترى الدم ما لم تجز العشرة، فأن ترك الصلاة يومين إنما يكون بأن ترى الدم في اليوم الاول بعد صلاة الظهرين. وفيه: انه لا يدل على ان اليوم الاول الذي رأت الدم فيه بعد الصلاة يحسب يوما واحدا، لا مكان حمله على ارادة التلفيق، بان تطهر في الفرض يوم الرابع بعد العصر، ومنه يظهر عدم صحة الاستدلال له بقوله (عليه السلام) في مرسل يونس: وإذا رأت الدم في أيام حيضها تركبت الصلاة. إلى آخر الخبر كما زعم في محكي حاشية الروض. الثالث: نسب إلى جماعة من الاصحاب منهم الشهيد الثاني التصريح بأن المراد من الايام الثلاثة ما تدخل فيها الليالي، واستدل له: بأن المراد من اليوم ذلك أما لكونه اسما لليل والنهار، أو للتغليب. وفيه: ان اليوم اسم للنهار عرفا ولغة، والتغليب لا يصلح ان يكون قرينة لا رادة المعنى الاعم منه وبما عن المنتهى والتذكرة من دعوى الاجماع على إعتبار الثلاثة بلياليها، وعن الذخيرة نسبته إلى ظاهر الاصحاب. وفيه: انه يحتمل ان يكون مراد المصنف الاجماع على اصل الثلاثة كما عن

(هامش)

(1) الوسائل - باب 14 - من ابواب الحيض حديث 1. (*)

ص 40

[وأكثره عشرة أيام] جماعة التصريح به، ومنشأ نسبة صاحب الذخيرة إلى ظاهر الاصحاب ما ذكره المصنف رحمه الله في كتابيه وبأنه لازم اعتبار الاستمرار. وفيه: مضافا إلى انه لا يقتضي إلا دخول اليلتين المتوسطتين انه يتم على القول باعتبار التوالي، وحيث عرفت عدم اعتباره فلا وجه له، نعم في صورة التلفيق تدخل اليلة المتوسطة بناء على اعتبار الاستمرار كما لا يخفى. فأن قلت: ان نصوص التحديد أما أن تحمل على محض المقدار - أعني ستا وثلاثين ساعة مثلا - فلازمه الاكتفاء بليلة ونهارين، أو على النهار التام على نحو الموضوعية، فلازمه عدم اكتفدء بالنهار الملفق. قلت: ان ظهور النصوص في موضوعية النهار لا ينكر، إلا ان الظاهر منها لا سيما بعد ملاحظة نظائر المقام من الاقامة عشرة أيام وغيرها، وموثق سماعة المتقدم، ارادة النهار التام على نحو الطريقية إلى الساعات النهارية لا مطلق الساعات. وعليه فلا يجتزى بالنهار الملفق. لا يقال: ان لازم ذلك الاجتزاء بالملفق من ابعاض اليوم غير المتوالية، فأنه يقال: ظهور نصوص التحديد في الاستمرار يأبى عن ذلك كما عرفت آنفا. هذا كله في اقل الحيض.

 

أكثر الحيض عشرة أيام

 

(و) أما (أكثره) ف‍ (عشرة أيام) أجماعا كما عن الخلاف والغنية والمنتهى والذكرى والتنقيح وجامع المقاصد والمدارك وغيرها وتشهد له نصوص كثيرة

ص 41

[...] كصحيحي صفوان ويعقوب بن يقطين المتقدمين وغيرهما، وأما صحيح (1) ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): أن أكثر ما يكون من الحيض ثمان، فلمخالفته لاجماع المسلمين، كما قيل يتعين طرحه أو تأويله، وحمله على خلاف ظاهره بارادة الحد اللمتعارف منه لا التحديد الشرعي. وكذا لابد من حمل ما في مرسل يونس الطويل، وكذلك لو كان حيضتها أكثر من سبع وكانت أيامها عشرة أو أكثر على خلاف ظاهره. ثم أنه بناء على ما هو المشهور: من أن النقاء إذا كان بحكم الدم تكون الملفقة من الحيض الحقيقي أي أيام الدم والتنزيلي وهي أيام النقاء المتخللة متوالية. اللهم إلا أن يقال: أن أكون النقاء المتخلل بحكم الدم مطلقا حتى من حيثية تحقق أكثر الحيض مما لم يدل عليه دليل، وعليه فللنزاع في اعتبار التوالي وعدمه مجال وكذلك بناء على كونه طهرا كما أختاره في الحدائق، فعلى التقديرين هل يعتبر التوالي. كما أختاره الشيخ الاعظم رحمه الله وقال لم أجد فيه مخالفا أم لا كما أختاره في الحدائق؟ وجهان. وليعلم قبل بيان أدلة الطرفين أن المراد من التوالي الذي هو محل النزاع في المقام هو كون الدم مرئيا في عشرة متوالية، لا ما أعتبروه في أقل الحيض، وعلى ذلك فإيراد المحقق الخراساني رحمه الله على الشيخ الاعظم رحمه الله: بأنه يلزم من ما اختاره ان تكون المرأة التي رأت ثلاثة أيام دما، ثم تسعة نقاء، ثم رأته يوما ثم انقطع تسعة أيضا، ثم رأته يوما، وهكذا باقية في الحيض الاول ما لم تطهر عشرة أيام، وهو مما لا يمكن الالتزام به لمخالفته للنصوص والفتاوى، وقد اعترف هو ايضا بكونه بديهي

(هامش)

(1) الوسائل - باب 10 - من ابواب الحيض حديث 14. (*)

ص 42

[...] الفساد غير سديد. وكيف كان فقد استدل للاول بظهور الادلة في العشرة المتوالية، وأورد عليه: بأن التوالي المستفاد منها انها هو بالمعنى الذي أعتبروه في أقل الحيض، وحيث أنه لا يمكن الالتزام به كما عرفت فلا مورد للاستدلال به. أقول: الظاهر ان الشيخ رحمه الله يعترف بأن النصوص ظاهرة في أنفسها في اعتبار التوالي بالمعنى الاول، إلا انه يدعى تعين رفع اليد عن ظهورها بقرينة النصوص والفتاوى والحمل على المعنى الثاني. وبعبارة اخرى: المستفاد من تلك النصوص - بعد ضم النصوص الاخر والفتاوي إليها - هو ذلك. فتدبر. وإستدل صاحب الحدائق رحمه الله بجملة من النصوص منها: مرسل يونس المتقدم: ولا يكون الطهر في أقل من عشرة، وإذا حاضت المرأة وكان حيضها خمسة ثم انقطع الدم اغتسلت وصلت، فأن رأت بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض تدع الصلاة، فأن رأت الدم من أول ما رأت الدم الثاني تمام العشرة أيام ودام عليها عدت من أول ما رأت الدم الاول والثاني عشرة أيام، ثم هي مستحاضة. وفيه: ان الفقة الاولى في نفسها وان كانت ظاهرة في ما اختاره رحمه الله إذ دعوى ان مفهوم قوله (عليه السلام): فان رأت... الخ على هذا أنه ان تم فليس من ذلك، مندفعة بان منطوقة انه من الحيض الاول، فمفهومه عدم كونه منه، ولا ينافي ذلك كونه حيضا مستقلا، كما ان دعوى كون قوله (عليه السلام): من يوم طهرت. ظرفا لغوا بلم يتم لا بعامل مقدر لا تصلح لان تكون جوابا عنها، لانها على هذا

ص 43

[...] لا تقدير ايضا تدل على ان الدم اللاحق ملحق بالدم السابق، وبعد المجموع حيضا واحدا ما لم تفصل بينهما عشرة ايام، وان كان من أول رؤية الدم الاول اكثر، لا ما ذكره الشيخ رحمه الله: من ان المراد أنه لم يتم للها من يوم طهرت إلى أن رأت الدم الثاني عشرة أيام من أول رؤية الدم الاول، ويكون معناها ان يوم نقائها لم يكن متما للعشرة لعدم ملائمة مع لفظة (من) كما لا يخفى. إلا أنه يتعين حملها على إرادة المعنى المشهور، وصرفها عن ظاهرها بقرينة قوله (عليه السلام) في الفقرة الثانية تفريعا على هذه: فأن رأت الدم من أول... الخ، فانها وان كانت مضطربة ومشوشة إلا ان الظاهر أن العشرة في قوله: تمام العشرة، هي العشرة المذكورة في الفقرة الاولى، وحيث ان المتبادر منها تمام العشرة من أول رؤية الدم لا أول يوم الانقطاع، فالمراد منها في الاولى ايضا ذلك، هذا مضافا إلى ما في طهارة الشيخ الاعظم: من ان حاشية نسخة التهذيب الموجودة عندي المصححة المقروءة على الشيخ الحر العاملي بدل قوله (طهرت) (طمثت)، وانطباقه على هذا على مذهب المشهور واضح. ومنها خبر (1) عبد الرحمن: سألت الصادق (عليه السلام) عن المرأة إذا طلقها زوجها متى تملك نفسها؟ فقال (عليه السلام): إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فهي تملك نفسها. قلت: فان عجل الدم عليها قبل أيام قرئها؟ فقال: إذا كان الدم قبل عشرة أيام فهو املك بها وهو من الحيضة التي طهرت منها، وان كان الدم بعد العشرة فهو من الحيضة الثالثة فهي أملك بنفسها. وفيه: أنه لا يمكن لاعمل يظاهره لوجهين: الاول: الدلالته على احتساب الدم

(هامش)

(1) الوسائل - باب 15 - من ابواب العدد من كتاب الطلاق حديث 5. (*)

ص 44

[...] الخير من الحيضة الثانية، وان كانيت هي عشرة كاملة، وهذا مما لم يلتزم به أحد. الثاني: احتسابه منها، وان كان الطهر بينهما أكثر من عشرة أيام كما لا يخفى، فيتعين صرفه عن ظاهره، وعليه فلنا ان نحمله على ارادة انه من توابع الحيضة الثانية وناشئ منها لا بعضها، فيكون من ابتدائية لا تبعيضية، فأن الغالب ان الاستحاضة من توابع الحيض. وأما ما ذكره بعض الاعاظم: من أن الخبر ضعيف بالمعلى بن محمد البصري، فغير صحيح، إذ النجاشي والمصنف رحمه الله وان ذكرا في حقه انه مضطرب الحديث والمذهب، وابن الغضائري ذكر انه يروي عن الضعفاء، إلا ان الاظهر كونه من الحسان لما ذكره العلامة المجلسي رحمه الله من أنه من مشايخ الاجازة، وروايته عن الضعفاء لا توجب القدح فيما روى عن والده: لم نطلع على خبر يدل على اضطرابه في الحديث والمذهب. ومنها موثق (1) محمد بن مسلم عن الامام الصادق (عليه السلام): أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام، وإذا رأت قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى، وان رأته بعد عشرة أيام فهو من حيضة اخرى مسقبلة. فان المراد بالعشرة في الفقرتين: العشرة من انقطاع الدم الاول، لتعين حمل العشرة في الثانية على ذلك، فهو يدل على الحاق الدم الثاني بالاول، وان كان مجموع ايام رؤية الدم وأيام النقاء اكثر من عشرة أيام. وفيه: مضافا إلى ان تنكير العشرة الثانية دون الاولى ظاهر في عدم اتحاد

(هامش)

(1) الوسائل - باب 10 - من ابواب الحيض الحديث 11. (*)

ص 45

[...] العشرتين، وان المراد من الاولى العشرة من حين رؤية الدم الاول أنه يتعين تقييد اطلاق الخبر على كلا التقديرين، أما على حمل العشرة على عشرة الدم فواضح، وأما على مختار صاحب الحدائق فلانه يلزم تقييد اطلاقه بما دل على ان اقل الطهر عشرة أيام، وكذلك يلزم تقييده بصورة عدم تجاوز الدمين عن العشرة، ولو لم ندع اولوية الاول، فلا أقل من التساوي فيكون مجملا. وبذلك طهر عدم تمامية الاستدلال له بمصحح (1) ابن مسلم عن الامام الباقر (عليه السلام): إذ رأت الدم قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى، وان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة. فتحصل: ان الاقوى هو ما اختاره الشيخ الاعظم رحمه الله.

 

أقل الطهر

 

هذا في أقل الحيض واكثره، وأما أقل الطهر فعشرة أيام بلا خلاف فيه في الجملة، وفي طهارة شيخنا الاعظم: إجماعا محققا ومستفيضا كالاخبار ويشهد له صحيح (2) ابن مسلم عن الامام الباقر (عليه السلام): لا يكون القرء في أقل من عشرة أيام فما زاد أقل ما يكون عشرة أيام من حين تطهر إلى أن ترى الدم. ومرسل يونس المتقدم: ادنى الطهر عشرة أيام - إلى أن قال (عليه السلام) -: ولا يكون الطهر أقل من عشرة أيام. ونحوهما غيرهما.

(هامش)

(1) الوسائل - باب 12 - من ابواب الحيض حديث 1. (2) الوسائل - باب 11 - من ابواب الحيض حديث 1. (*)

ص 46

[...] وانما الخلاف وقع في أن ذلك هل يختص بما بين الحيضتين، ام يعم ما بين أيام الحيض الواحد؟ المشهور بين الاصحاب هو الثاني، فالنقاء المتخلل بين أيام الحيض معدود من الحيض، بل عن صريح الانتصار والغنية والمنتهى والتذكرة دعوى الاجماع عليه، واختار الاول صاحب الحدائق رحمه الله وتوهم ان جماعة من المتقدمين والمتأخرين قيدوا معقد الاجماع بالطهر بين الحيضين، فلا يكون صاحب الحدائق متفردا في هذه الفتوى، فاسد، فان الطهر عندهم ليس إلا مابين الحيضين كما يظهر لمن راجع كلماتهم. وكيف كان فيشهد للمشهور النصوص المتقدم بعضها، وأما أخبار محمد بن مسلم وعبد الرحمن المتقدمة فلا شهادة لها على ذلك لعدم كونها في مقام بيان ذلك كي يتمسك باطلاقها كما يظهر لمن راجعها وتدبر فيها. واستدل لما أختاره صاحب الحدائق رحمه الله بجملة من النصوص: منها مرسل يونس المتقدم، ومحل الاستشهاد به فقرتان: احديهما ما تقدم في المسألة السابقة، وتقريب الاستدلال بها قد تقدم مع الجواب عنه، وثانيتهما قوله (عليه السلام): فذلك الذي رأته في أول الامر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض، فأنه صريح في قصر الحكم بالحيضية على أيام الدم. وفيه: إنه يدل على ان الدمين حيض لا في حكمه، ولاريب في عدم كون النقاء المتخلل منه، وانما الكلام في كونه بحكمه، والمرسل لا ينفي ذلك، فتدبر حتى لا تبادر بالاشكال. ومنها خبرا محمد بن مسلم وعبد الرحمن المتقدمان في المسألة السابقة تقريبا

ص 47

[...] وجوابا، ومنها خبر (1) ابن أبي عمير، عن يونس بن يعقوب قال: قلت للصادق (عليه السلام): المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة قال (عليه السلام): تدع الصلاة. قلت: فأنها ترى الطهر ثلاثة أو أربعة؟ قال (عليه السلام): تصلي، قلت: فانها ترى الدم ثلاثة أيام؟ قال (عليه السلام): تدع الصلاة قلت: فانها ترى الطهر ثلاثة؟ قال (عليه السلام): تصلي قلت: فانها ترى الدم ثلاثة ايام أو أربعة؟ قال (عليه السلام): تدع الصلاة ما بينها وبين شهر، فأن انقطع الدم عنها وإلا فهي بمنزلة المستحاضة. ونحوه خبر (2) يونس بن يعقوب عن أبز بصير عنه (عليه السلام). وفيه: أنه لا يمكن الالتزام في مورد هما بكون كل نقاء طهرا، إذ لو كانت جميع الدماء المتفرقة حيضا واحدا، لزم زيادته على العشرة، ولو كانت حيضات متعددة، لزم الفصل بينهما باقل من العشرة وشيء منهما مما لا يمكن الالتزام به. وعليه فيتعين حمل الخبرين على ما حملها عليه المحقق من كونهما في مقام بيان الحكم الظاهري، وانها انما امرت بذلك لتحيرها في كونها حائضا عند كل دم، وطاهرة عند كل نقاء إلى ان يعين لها الامر. وعلى هذا يحمل ما عن المقنع والفقيه والنهاية والاستبصار والمبسوط من الافتاء بمضمونهما. ومنها مرسل (3) داود مولى أبي المعزا، عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قلت له: المرأة يكون حيضها سبعة أيام أو ثمانية أيام، حيضها دائم مستقيم،

(هامش)

(1 - 2) الوسائل - باب 6 - من ابواب الحيض حديث 2 - 3. (3) الوسائل باب 6 - من ابواب الحيض حديث 1. (*)

ص 48

[وما بينهما بحسب العاة] ثم تحيض ثلاثة أيام ثم ينقطع عنها الدم وترى البياض، لا صفرة ولا دما. قال (عليه السلام): تغتسل وتصلي، قلت: تغتسل وتصلي وتصوم ثم يعود الدم؟ قال (عليه السلام): إذا رأت الدم امسكت عن الصلاة والصيام، قلت: فأنها ترى الدم يوما وتطهر يوما؟ فقال (عليه السلام): إذا رأت الدم امسكت، وإذا رأت الطهر صلت، فإذا مضت أيام حيضها واستمر بها الطهر صلت، فإذا رأت الدم فهي مستحاضة. وفيه: مضافا إلى ضعف سنده بالارسال، انه يمكن ان يكون الامر بالعبادة فيه حكما ظاهريا. فتحصل: انه لا دليل على ما اختاره صاحب الحدائق رحمه الله، مضافا إلى كونه خلاف الاجماع، مع انه يلزم ان لا يسقط عنها صوم ولا صلاة فيما إذا رأا الدم في الليل ساعة ثم تنقى بقية الليل والنهار، وان يستمر حيضها مدة طويلة، لا سيما بناء على جواز التلفيق بالساعات، إلى غير ذلك من المحاذير التي لا يمكن الالتزام بشيء منها، فما افتى به الاصحاب من ان النقاء المتخلل محكوم بالحيضية هو الاقوى. وأما أكثر الطهر فلا حد له كما هو المشهور شهرة عظيمة، وعن أبي الصلاح: تحديد الاكثر الطهر فلا حد له كما هو المشهور شهرة عظيمة، وعن أبي الصلاح: تحديد الاكثر بثلاثة أشهر، وحيث أنه لم يصل إلينا ما يصلح أن يكون مستندا له فيحمل كلامه على الغالب كما حمله عليه المصنف رحمه الله، وحيث علم أن أقل الحيض ثلاثة، وأكثر عشرة فلا مانع من كون (ما بينهما) حيضا، بل قد يجب كالمقدار الذي تراه المرأة (بحسب العادة) المستقرة لها. ولا يخفى أن المصنف رحمه الله في المقام قد أهمل ذكر جملة من أحكام الحائض بأقسامها، ولابد لنا من التنبيه عليها فنقول: ان الحائض أما أن تكون ذات العادة، أو تكون غيرها، والاولى: أما تكون ذات العدذة وقتية وعددية، أو وقتية خاصة، أو عددية كذلك

ص 49

[...] والثانية: أما مبتدئة أي هذا الدم أول ما رأته، وأما مضطربة أي رأت الدم مكررا لكن لم تستقر لها عادة، وأما ناسية وهي التي نسيت عادتها. وقبل بيان حكم هذه الاقسام لا بأس ببيان قاعدة الامكان المعروفة بين الاصحاب:

 

قاعدة الامكان

 

وهي عبارة عن أن كل دم تراه المرأة وكان يمكن أن يكون حيضا فهو حيض، وعن الذخيرة والرياض: نفي الخلاف فيها، وعن جامع المقاصد وشرح الروضة: استظهار الاجماع عليها، وعن المحقق في المعتبر، والمصنف رحمه الله في المنتهى ونهاية الاحكام وغيرهما في غيرها من الكتب: دعوى الاجماع عليها صريحا، وفي الجواهر: انها عند المعاصرين ومن قاربهم من القطعيات التي لاتقبل الشك والتشكيك. والكلام فيها يقع في موارد، الاول: في معناها، الثاني في دليلها، الثالث: في موردها:. أما الاول: فالمراد من الامكان فيها ليس هو الامكان الذاتي في مقابل المتناع والوجوب الذاتين، لان الخصوصية الحيضية أما تكون داخلة في قوام الذات، أو تكون خارجة عنه. وعلى الاول: تكون هذه القضية باطلة، لان الدم في مقام ذاته على هذا أما أن يكون حيضا بالضرورة، أو لا حيض كذلك، فلا يمكن سلب الضرورة فيه عن الطرفين، وحيث ان سلب الضرورة فيه عن الطرف المخالف يستلزم كونه حيضا واقعا، فلا يصح أن يقال ما ذكرت يتم إذ كان المراد من الامكان الذاتي هو الامكان الخاص، وهو ما يصح سلب الضرورة فيه عن الطرفين، ولا يتم إذا كان المراد هو

ص 50

[...] الامكان العام، فأنه على هذا يلزم حمل القضية على بيان قضية واقعية لا في مقام بيان حكم شرعي تعبدي، وهو كما ترى. كما أن المراد منه ليس هو الامكان الوقوعي في مقابل الاستحالة الوقوعية وهو ما لا يلزم من فرض وقوعه ولا وقوعه محال، لان لازم ذلك عدم احراز مورد ومصداق لهذه القاعدة والكبرى الكلية لعدم الاحاطة بالواقعيات كي يستكشف ذلك كما لا يخفي. فالامر يدور بين ارادة الامكان الاحتمالي، وبين ارادة الامكان القياسي، بالنظر إلى شرائطه وموانعه المقررة المعلومة، أو الاعم منها، ومن ما احتمل اعتباره فيه شرعا واقعا وان لم يعلم، وقد اختار جماعة منهم كل من تمسك لتحيض المبتدئة وغيرها بمجرد الرؤية بقاعدة الامكان المعنى الاول، واختار شيخنا الاعظم - وتبعه جماعة - المعنى الاخير، وقد يستظهر من المحققين وغيرهما، وترجيح أحدها يتوقف على ذكر ادلتها والاستظهار منها كما لا يخفى.

 

دليل القاعدة

 

وأما دليلها فقد استدل لها بأمور: الاول: الاصل: وذكروا في تقريبه وبيان المراد منه وجوها: منها: الغلبة، وفيه: مضافا إلى عدم ثبوتها بنحو تفيد الظن، حجيتها في الموضوعات غير ثابتة، ومنه: يظهر ما في تقريبه بالظاهر، وما يمكن أن يورد عليه. ومنها: ما عن شرح المفاتيح وهو استصحاب عدم كون الدم من قرح أو نحوه،

ص 51

[...] وفيه: أن الحكم بالحيضية مستندا إليه يتوقف على حجية مثبتات الاصول، ولا نقول بها. ومنها: أن المرأة إذا رأت الدم ثلاثة أيام متواليات يكون ذلك الدم حيضا بلا خلاف ولا اشكال، وعن غير واحد دعوى الاتفاق عليه، وستعرف في حكم غير ذات العادة الوقتية شهادة جملة من النصوص بذلك، وعليه فإذا رأت الدم ولم تعلم ببقائه إلى الثلاثة - كي تشملها تلك النصوص - تجري أصالة البقاء إلى الثلاثة، فتدخل بها تحت تلك النصوص. وفي طهارة شيخنا الأنصاري رحمه الله: المنع من جريان هذا الاصل في مثل ما نحن فيه، وقال: بل الاصل عدم حدوث الزائد على ما حدث، كيف ولو ثبت بحكم الاصل بقاءه إلى الثلاثة لم يحتج إلى قاعدة الامكان للاتفاق من الطرفين على أن الدم المستمر إلى ثلاثة حيض، ثم قال قدس سره: وثانيا بانه لم سلم جريان اصالة البقاء في الدم، لكنها لا تجدي في اثبات الامكان المستقر ليدخل تحت معاقد اجماعات قاعدة الامكان، لان مراد المجمعين من الاستقرار هو الواقعي المتقين، وبعبارة اخرى: الدم الموجود في ثلاثة أيام، وليس لفظ الامكان المستقر واردا في نص شرعي حتى يترتب على الثابت منه بالاستصحاب ما يترتب على المستقر الواقعي. انتهى. وفيما ذكره قدس سره مواقع للنظر: أما منعه من جريان هذا الاصل فان كان لاجل كون الشك في المورد من الشك في المقتضى، وضابطة كون الشك في بقاء الموجود لاجل الشك في مقدار قابلية الموجود، واستعداده للبقاء في عمود الزمان، والمختار عنده عدم جريانه، ففيه: ما حققناه في كتابنا زبدة الاصول من أن الاظهر جريانه في هذا المورد أيضا. وان كان لاجل كون المستصحب من الامور التدريجية، ففيه: أن المختار عندنا

ص 52

[...] تبعا له قدس سره جريان ذلك. وان كان لاجل عدم جريان الاستصحاب في الامور الاسقبالية كما عن بعض المنع لذلك، ففيه: ان ظاهر كلامه قدس سره وغيره ومقتضى اطلاق الادلة عدم الاشكال في جريانه فيها. وأما ما ذكره رحمه الله من عدم الحاجة إلى القاعدة مع جريان هذا الاصل، فمندفع: بان هذا الاصل بعد الانفاق المزبور يكون من ادلة القاعدة، إذ ذلك الاتفاق ليس اجماعا على الحكم الواقعي كي يغير الاتفاق على القاعدة، مع انه يمكن ان يكون الاتفاق على القاعدة اتفاقا على جريان هذا الاصل. فتدبر. وأما ما ذكره رحمة الله: من أن المراد من الامكان المستقر هو الواقعي المتيقن والاصل لا يثبت ذلك، فيدفعه: ان منشأ الاشكال ان كان اخذ العلم في الموضوع، ففيه: ان الثابت المحقق في محله قيام الاستصحاب مقام العلم المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية. وان كان عدم ثبوت المستقر الواقعي به، ففيه: ان موضوع هذا الحكم المأخوذ في الادلة ليس هو الامكان المستقر - كما اعترف قدس سره به - بل الدم الموجود في الثلاثة، وهذا العنوان يمكن احرازه بالاستصحاب، ولقد خرجنا بذلك عن مرحلة الادب والله تعالى مقيل العثرات. ولكن الذي يرد على الاستدلال بهذا الاصل: ان الظاهر من الادلة الغاء الشارع المقدس للاستصحاب في امثال المقام من هذا المبحث، كما الغاه في الشك في عدد ركعات الصلاة. وتشهد له النصوص (1) الدالة: على ان الصفرة في غير أيام الحيض ليست

(هامش)

(1) الوسائل - باب 4 - من ابواب الحيض.

ص 53

[...] بحيض، فأنها بضميمة الاتفاق على ان الدم المستمر إلى الثلاثة حيض تدل على ذلك، إذا لولا عدم حجية الاستصحاب في المقام كان اللازم الحكم بكونه حيضا بمجرد الرؤية، ولو كان فاقدا للصفات ان علمت عدم التجاوز عن العشرة كما لا يخفى. وكذلك النصوص (1) الواردة في المستحاضة المتجاوز دمها عن عادتها التي هي أقل من العشرة، اليائسة عن الانقطاع قبلها، الدالة على أنها تقتصر على عادتها، مع ان مقتضى الاستصحاب الحكم بالحيضية إلى العشرة. وما دل (2) على التحيض برؤية الدم إذا علمت باستمرار الدم ثلاثة ايام، وان احتملت العبور عن العشرة، مع ان مقتضى الاستصحاب عدم الحكم بالحيضية كما لا يخفى. وبالجملة: من تتبع في المسائل المختلفة من هذا الباب يطمئن بان الشارع المقدس الغى هذا الاصل في هذا الباب. ولو تنزلنا عن ذلك وسلمنا جريانه في نفسه، نقول: ان مقتضى الاصل وان كان بقاؤه إلى الثلاثة ولازمه الحكم بكونه حيضا، إلا أنه يجري استصحاب بقائه إلى ما بعد العشرة ايضا، فيقع التعارض بينهما، الا يمكن الحكم بكون جميع ما تراه حيضا، ولا خصوص ما تراه قبل العشرة كما هو واضح فيتساقطان، فليكن هذا على ذكر منك لعله ينفعك في كثير من الفروع الاتية: ومنها: ما عن الرياض، وهو اصل السلامة، فانه اصل معتبر معتمد عليه عند العقلاء في جميع أمورهم، ومعلوم ان الحيض دم يقذفه الرحم بحسب طبعه، وأما غيره

(هامش)

(1) الوسائل - باب 3 - من ابواب الحيض. (2) الوسائل - باب 14 - من ابواب الحيض. (*)

ص 54

[...] حتى الاستحاضة فانه يكون من آفة. وفيه: ان اعتماد العقلا ء على هذا الاصل انما يكون في موردين: الاول: في المعاملات كالبيع، والمراد به حينئذ وقوع البيع على الشيء بشرط الصحة والسلامة، ويكون ذلك من الشروط الضمنية المبنى عليها البيع، ولو انكشف عدم السلامة يتخير المشتري بين الامضاء والفسخ. الثاني: في الاثار الشرعية المترتبة على الصحة والسلامة، ولا يكون المقام داخلا في شي ة من الموردين، أما الاول فواضح، وأما الثاني فلان كون الدم حيضا ليس من الاثار الشرعية للصحة كما لا يخفى، مع ان الاعتماد عليه في الافات العامة البلوى لا سيما مثل ما يكون منشئا للاستحاضة الذي لا يعد آفة عرفا، غير ثابت بل معلوم العدم. الثاني: ما عن شرح المفاتيج، وهو بناء العرف على ذلك، ولعله ترجع إليه دعوى سيرة المتشرعة عليه، وفيه ان ذلك فيما علم خروجه من الرحم، وما يرى في العادة، وما استمر ثلاثة ايام، وكان بصفات الحيض، وفي هذه الموارد لا اشكال في الحكم بالحيضية، وأما في غيرها فلم يثبت ذلك كما لا يخفى. الثالث: جملة من النصوص، كالاخبار الدالة (1) على جعل الدم المتقدم على العادة حيضا معللا بأنه ربما يعجل بها الوقت، مع التصريح في بعضها بكونه بغير صفات الحيض والاخبار (2) الدالة على أنه يحكم بكون ما تراه الحبلى من الدم حيضا معللة بان الحبلى ربما قذفت بالدم، وفي بعضها التعليل بانه ربما يبقى في الرحم الدم ولم يخرج، وتلك الهراقة، فان هذه التعليلات انما تتم إذا اريد بها مجرد ابداء الاحتمال،

(هامش)

(1) الوسائل - باب 12 - من ابواب الحيض. (2) الوسائل - باب - 30 - من ابواب الحيض. (*).

ص 55

[...] ليكون المورد من صغريات القاعدة. والاخبار (1) الدالة على ان ما تراه قبل العشرة هو من الحيضة الولى، وما تراه بعدها هو من الحيضة المستقبلة وقد تقدمت. والاخبار الدالة على ان من ترى الدم ثلاثة أو أربعة تدع الصلاة كلما رأت * وتصلي كلما رأت الطهر ما بينها وبين شهر كروايتي يونس وأبي بصير المتقدمتين. والاخبار المتقدمة في الاشتباه بالعذرة والقرحة من الحكم بالحيضية بمجرد انتفاء علامة العذرة والقرحة. والاخبار الدالة (2) على ترتب احكام الحائض بمجرد رؤية الدم منها مادل على ان الصائمة تفطر بمجرد رؤية الدم. والخبار (3) الواردة في الاستظهار لذات العادة إذا رأت ما زاد عليها الشاملة لغيرها بطريق اولى. ورواية (4) العيص: في المرأة ذهب طمثها سنين ثم عاد إليها شيء. قال (عليه السلام): تترك الصلاة حتى تطهر. وصحيحة (5) ابن المغيرة: فيمن رأت الدم بعدما نفست ثلاثين يوما وتركت الصلاة. قال (عليه السلام): تدع الصلاة لان أيامها أيام الطهر قد جازت مع أيام النفاس. (1) الوسائل - باب 10 - من ابواب الحيض. (2) الوسائل - باب 50 - من ابواب الحيض. (3) الوسائل - باب 13 - من ابواب الحيض. (4) الوسائل - باب 32 - من ابواب الحيض حديث 1. (5) الوسائل - باب 5 - من ابواب النفاس حديث 1.

ص 56

[...] والاخبار (1) الدالة على ان الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض. هذه هي تمام ما استدل بها من النصوص على هذه القاعدة. ولكن في الكل نظرا: أما أخبار التعجيل: فلانها تدل على طريقية ما تراه قريبا من العادة إلى الحيض مثل ما تراه في أيام العادة، فلا تصلح ان تكون مستندة لتلك القاعدة العظمى، ويشير إلى ذلك التعليل بأنه ربما يجئ دم الحيض في غير أيام العادة. وأما أخبار الحبلى: فصدرها انما سيق لبيان عدم ما نعيه الحمل عن الحيض، وأما ذيلها المتضمن للتعليل فلم يرد به ابداء الاحتمال، إذا السؤال انما يكون لذلك، وإلا فلم يكن يسئل عنه، بل الظاهر منه هو ما ذكره الشيخ الاعظم الأنصاري رحمه الله من لفظ (ربما) للتكثير جئ به لرفع استبعاد، ودعوى ان هذا خلاف الظاهر في لفظ (رب) مندفعة بأن لفظة (رب) وان وضعت للتقليل إلا أنه غلب استعمالها في التكثير حتى صار مجازا مشهورا كما صرح بذلك جملة من أهل الفن. وأما ما دل على الحاق ما قبل مضى العشرة بالحيضة الاولى فأنما يدل على ان الجامع للصفات الذي علم انه حيض ملحق بالاولى ما لم يمض أقل الطهر. وأما ما دل على ان من ترى الدم ثلاثة أو أربعة تدع الصلاة كلما رأت الدم ما بينها وبين شهر، ففيه: انه فرض في هذه الاخبار استمرار الدم ثلاثة أيام، وهو غير ما نحن فيه، كيف وقد ادعى الاجماع على الحكم بالتحيض فيه؟ مع انه لا يمكن حملها على قاعدة الامكان لعدم امكان الحيض في تمام الشهر.

(هامش)

(1) الوسائل - باب 4 - من ابواب الحيض. (*)

ص 57

[...] وأما اخبار الاشتباه بالعذرة أو القرحة فقد مر أنه في صورة الاشتباه بالعذرة جعل الشارع النغماس طريقا إلى الحيض، وفي صورة الاشتباه بالقرحة الخروج من الايسر طريقا إليه، فلا تكون مربوطة بالمقام. وأما الاخبار الدالة على ترتب احكام الحائض بمجرد رؤية الدم، فانما تدل على ترتبها على رؤية الدم المعهود، أي ما علم كونه حيضا وأنه يكون مفطرا إذا كانت صائمة. وأما اخبار الاستظهار، فلانه بعد التدبر فيها يقوى في النظر ما في الجواهر: من أنها ادل على خلاف المطلوب بما في بعضها: كل ما رأته بعد أيام حيضها فليس من الحيض، وفي آخر: الحكم بأنها تعمل عمل المستحاضة، وفي ثالث: الامر بالتحيض في أيام العادة عند التجاوز ولو كانت عادتها أقل من العشرة، مع ان مقتضى قاعدة الامكان الحكم بكونها حائضا إلى العشرة. وأما رواية العيص فهي بقرينة التعبير بالعود ظاهرة في صورة احراز كونه حيضا، ولو من جهة واجديته لصفات الحيض، والسؤال حينئذ: انما يكون من جهة احتمال ما نعية انقطاع الدم مدة طويلة. وأما صحيحة ابن المغيرة، فمضافا إلى ظهورها في بلوغ النفاس ثلاثين يوما مع انه محل الكلام كما سيأتي - ان السؤال والجواب فيها مسوقان لبيان مانعية الدم الاول عن حيضية الثاني فلاحظ وتدبر. وأما ما دل على ان الصفرة في أيام الحيض حيض، فالاستدلال به يتوقف على تمامية تفسير الشيخ اياه: من ان المراد من أيام الحيض الايام التي يمكن فيها ذلك، ولكنه غير تام لظهوره في إرادة أيام العادة، لا سيما بعد ملاحظة ما دل عل ان الصفرة

ص 58

[...] بعد أيام العادة ليست بحيض. الرابع: الاجماعات المتقدمة وفيه: انه لمعلومية مدرك المجمعين لا يصح جعل هذا الاجماع دليلا عليها. فتحصل: ان ما عن جماعة من متأخري المتأخرين كالمحقق الثاني والمقدس الاردبيلي وصاحب المدارك وغيرهم من التوقف في هذه القاعدة هو الصحيح، فالحكم بالحيضية يتوقف على احراز كونه حيضا بالعلم أو العلمي أو الاصل، وقد اتفق النص وافتوى على الحكم بحيضية ما رأته في العادة أو ما يقرب منها، وكل ما استمر ثلاثة أيام وأن لم يكن واجدا للصفات، وكل ما كان واجدا للصفات، والدم المنغمس في القطنة عند الاشتباه بدم العذرة والخارج من الايسر عند اشتباهه بدم القرحة وبذلك يظهر ضعف ما عن كاشف اللثام: من أنه لو لم تكن القاعدة ثابتة لم يحكم بحيض إذ لا يقين.

 

بيان المراد بالامكان

 

ثم أنه يقع الكلام في بيان ما وعدنا التعرض له، وهو ان المراد بالامكان هل هو الامكان الاحتمالي؟ أم هو الامكان القياسي باحد معنييه؟ قد يقال: ان مقتضى الادلة المتقدمة هو الاول، أما اقتضاء الاصل ذلك فواضح، وأما الاجماعات قالعمدة منها اجماع الخلاف والمنتهى، وظاهر معقد اجماع الشيخ رحمه الله سوق القاعدة مساق ايام العادة التي يكتفي في التحيض فيها بمجرد الاحتمال. وأما المصنف رحمه الله فحيث انه قدس سره تمسك لتحيض المبتدئة بمجرد الرؤية بالقاعدة، فهو اقوى شاهد على ان معقد اجماعه هو ذلك، وأما النصوص فالعمدة منها التعليلات وظهورها فيه واضح.

ص 59

[...] وهو لا يخلو عن نظر، أما الاجماع فلان كثيرا من نقلته كالمحققين وغير هما لم يلتزموا بتحيض المبتدئة والمضطربة إلا بعد الثلاثة، مع ان جماعة منهم صرحوا باعتبار الامكان القياسي، بل في محكي شرح الروضة استظهار اتفاق الاصحاب عليه، مع ان تمسك المصنف رحمه الله بشيء لا يدل على ارتضائه بالتمسك به كما يظهر لمن راجع كتبه الاستدلالية. وأما الاخبار فالظاهر منها كونها مسوقة لبيان عدم المانع الشرعي من الحبل وغيره، فكيف يمكن الاستدلال بها في مورد الشك في المانع الشرعي؟ وبعبارة اخرى: انها واردة في مقام بيان دفع توهم ما أحتمل ما نعيته. لا يقال: ان الكلام في هذا المورد هو بعد تسليم دلالة النصوص على القاعدة، وكونه في مقام بيان جعل الحيضية للمحتمل، وما ذكرت ايراد على دلالتها عليها. فانه يقال: ان المراد بما ذكرناه انه ولو سلمنا كونها في مقام بيان ابداء الاحتمال ليكون المورد من صغريات القاعدة، إلا أنه يمكن أن يقال: ان المراد با التعليل بعدم المانع الشرعي، واحتمال عدم المانع التكويني، فلابد من احراز عدم المانع الشرعي في جريانها. توضيح ذلك: ان الشك في كون ما تراه حيضا تارة: يكون من جهة الشك في تحقق شرط شرعي كالبلوغ ونحوه، واخرى: يكون من جهة فقد ما هو من الشروط الخلافية كالتوالي أو تحقق ما هو من الموانع الخلافية كالحبل، وثالثة: يكون من جهة مشخصات جزئية للحيض تختلف باختلاف آحاد النساء، مع استجماع الدم جميع الشرائط المقررة للحيض، فان اجتماع الشروط لا يفيد العلم بالحيضية. إذا عرفت ذلك فاعلم: ان مقاد التعليلات ان كان هو التعليل باحتمال عدم

ص 60

[...] المانع، أو وجود الشرط الشرعيين، أو احتمال عدم شرطية ما هو مفقود من الشرائط الخلافية، أو عدم مانعية ما هو موجود من الموانع الخلافية، كان المراد من الامكان هو الامكان الاحتمالي، ولكن بما أن الظاهر من التعليلات - ولا أقل من المحتمل - ان مفادها التعليل بتحقق الشرائط المقررة للحيض، وعدم المانع الشرعي، واحتمال وجود المانع التكويني، فلا مناص عن الاقتصار على الامكان القياسي الذي اختاره الشيخ الاعظم رحمه الله، وهو الامكان القياسي بلحاظ ما احتمل اعتباره فيه شرعا واقعا وان لم يعلم. ثم أنه يترتب على ذلك عدم صحة التمسك بالقاعدة على فرض تماميتها للحكم بحيضية ما شك في كونه حيضا من جهة الشبهة الحكمية، كما لو شك في اعتبار التوالي، ولم يدل دليل على الاعتبار أو عدمه، وما شك فيه من جهة الشك في تحقق ما هو معتبر فيه شرعا، ويختص موردها بما إذا احرز الامكان بلحاظ الشرائط المقررة للحيض شرعا، نعم لا يعتبر الاحراز الوجداني، بل لو احرز بالاصل يكفي، فلو شكت في اليأس ورأت الدم يصح التمسك بها للحكم، بكون ما رأته حيضا، لاصالة عدم اليأس. ومما ذكرناه ظهر ان دعوى ان المشهور بين الاصحاب كون المراد بالامكان الامكان القياسي لا الاحتمالي قريبد جدا لتمسكهم لاعتبار التوالي باصالة عدم الحيض بعد منع الاطلاق، ولم يتمسكوا بالقاعدة لنفي اعتباره كما اشار إلى ذلك الشيخ الاعظم رحمه الله. ثم ان المراد بالامكان - لو كان هو الامكان الاحتمالي - كانت القاعدة من الاصول لا يرجع إليها مع الدليل لا خذ الشك في موضوعها، ان كان المراد به الامكان القياسي، كانت من الامارات الشرعية، فيجري عليها ما يجري على عامة

ص 61

[...] الطرق والامارات. ثم إذا تمهد هذا فلنرجع إلى بيان ما سيق لبيانه هذا الفصل والكلام فيه يقع في موضعين: الاول: في ذات العادة الثاني: في غيرها. أما الاول: في ذات العادة الثاني: في غيرها. أما الاول: فالكلام فيه في مقامين: الاول: في بيان ما به تتحقق العادة وتزول الثاني: في بيان حكمها.

 

ما به تحقق العادة

 

أما المقام الاول: فالمشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة ان المرأة تصير ذات عادة بأن ترى الدم مرتين متماثلتين، بل لا خلاف فيه في الجملة، بل عن الشيخ في الخلاف والمصنف رحمه الله في التذكرة والمحقق الثاني في جامع المقاصد وسيد المدارك: دعوى الاجماع عليه، وفي طهارة الشيخ الاعظم الأنصاري: اجماعا محققا ومستفيضا. ويشهد له مضمر (1) سماعة قال: سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض تقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيام يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء قال (عليه السلام): فلها ان تجلس وتدع الصلاة مادامت ترى الدم ما لم يجز العشرة، فإذا اتفق شهران عدة أيام سواة فتلك أيامها. ومرسل (2) يونس - الطويل - عن الامام الصادق (عليه السلام). وفيه: فان انقطع الدم لوقته في الشهر الاول سواء حتى توالي عليها حيضتان أو ثلاث فقد علم الان أن ذلك قد صار لها وقتا معلوما وخلقا معروفا، تعمل عليه وتدع ما سواه، وتكون سنتها في ما يستقبل إذا استحاضت، فقد صارت سنة إلى أن تجلس اقراءها، وانما جعل

(هامش)

(1) الوسائل - باب 14 - من ابواب الحيض حديث 1. (2) الوسائل - باب 7 - من ابواب الحيض حديث 2. (*)

ص 62

[...] الوقت ان توالي عليها حيضتان أو ثلاث لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) التي تعرف أيامها: دعي الصلاة أيام اقرائك، فعلمنا أنه لم يجعل القرء الواحد سنة لها فيقول لها دعي الصلاة أيام قرئك، ولكن سن لها الاقراء، وادناه حيضتان فصاعدا. الحديث. وعن الروض الاشكال في الاحتجاج بهما بضعف الثاني بالارسال، والاول بجرح سماعة وانقطاع خبره، وفيه: مضافا إلى أن سماعة ثقة على الاقوى، ومرسل يونس حجة كما تقدم، أنه ينجبر ضعفهما بعمل الاصحاب. فما عن بعض الاصحاب: من الاكتفاء بالمرة ضعيف غايته. ثم أنه ينبغي التنبيه على امور: الاول: ظاهر الخبرين سيما موثق سماعة يشمل قسمين من العادة: العددية خاصة والعددية والوقتية معا فان رأت الدم مرتين متماثلتين في الوقت والعدد فهي ذات العادة الوقتية والعددية، كأن رأت الدم في أول شهر سبعة أيام، وفي أول الشهر الثاني ايضا سبعة أيام، وان رأته مرتين متماثلتين في العدد دون الوقت فهي ذات العادة العددية، كأن رأت الدم في أول شهر سبعة وي وسط الشهر الثاني ايضا سبعة، ولا كلام فيهما.

 

 

العادة الوقتية

 

انما الكلام في ما إذا كانتا متماثلتين في الوقت دون العدد، كما إذا رأت في أول شهر سبعة أيام، وفي أول الشهر الثاني خمسة أيام، وهي المسماة بذات العادة الوقتية فالمشهور بين الاصحاب تحقق العادة الوقتية بذلك. وعن المستند: دعوى الاجماع عليه، وعن جامع المقاصد نسبته إلى كلمات الاصحاب، وقد استشكل فيه بعض المتأخرين ككثير من أفراد العادة التي ذكرها

ص 63

[...] المصنف رحمه الله في المنتهى لعدم شمول الخبرين له، واستدل للاول بقوله (عليه السلام) في المرسل: فهذه لا وقت لها إلا أيامها قلت أو كثرت، وبعدم القول بالفصل، ولكن المرسل وارد في مقام بيان العدد، والوقت كناية عن الحيض، وعدم القول بالفصل لا يعتمد عليه بعد معلومية المدارك. فالصحيح ان يستدل له بما ذكره جماعة من المحققين، ومحصله بتوضيح منا: ان مقتضى جملة من الروايات كمرسل يونس المتقدم في مسألة أعتبار التوالي التحيض برؤية الدم في أيامها، فالمناط صدق هذا العنوان، ولو لم يلاحظ ما جعله الشارع ضابطا لما صدق ذلك بالتكرر مرتين مطلقا، ولكن مرسلة يونس الطويلة الاتية أنما وردت في مقام بيان جعل الضابط له، وبقرينة استدلا له (عليه السلام) فيه بقوله (صلى الله عليه وآله) تكون ظاهرة في انه (عليه السلام) في مقام التعبد من حيث العدد خاصة، وأنه لا تكفي حيضة واحدة واحدة في تحقق العادة، ولا يعتبر ازيد من حيضتين، وعلى ذلك فموردها وان كان غير هذا الفرض إلا أن المستفاد منها - بقرينة ما ذكرناه - الاكتفاء بالتعدد مرتين في صدق ذا العادة مطلقا وترتيب احكامها عليها. ودعوى ان الموثق بالمفهوم يدل على نفي العادة الشرعية في غير القسمين الاولين، مندفعة بأن الظاهر منه بعد الجمع بينه وبين المرسل بالتقريب المتقدم ارادة ان صدق أيامها لا يتوقف إلا على التكرر مرتين، ولا يعتبر ازيد من ذلك. فتدبر. ثم أنه قد ظهر مما ذكرناه عدم اعتبار تعدد الشهر الهلالي في العادة العددية كما هو المصرح به في الخلاف والنهاية والذكرى وجامع المقاصد وغيرها، وأما في الوقتية فعن المحقق الثاني وصاحب الجواهر اعتبرا ذلك واستدل له: بأن الخبرين مشتملان على لفظه (الشهر) وهي في كلماتهم عليهم السلام تحمل على الهلالي، فلو رأت الدم في الشهر الاول ولم تره في الثاني، ورأته في الشهر الثالث مثل ما رأته في الاول، لا تصير

ص 64

[...] بذلك ذات عادة وقتية، كما انها لو رأت في آخر الشهر الاول مثل ما رأته في اوله لا يحكم بكونها ذات عادة اقتصارا في ما لا توافقه المرتكزات العرفية على مورد النص. وفيه: ان الظاهر منهما بالتقريب المتقدم لا سيما بعد ملاحظة فتاوي الاصحاب وذكر الشهر في السؤال كون القيد جاريا مجرى الغالب، والغريب ان هذا المستدل كسائر الاصحاب اعترف بعدم اعتبار الشهر الهلالي في العادة العددية، مستندا إلى الخبرين بالتقريب المتقدم، فأنه لا مناص حينئذ عن حمل القيد على الغالب. وبعد ذلك كيف يمكن الاستدلال بهما لاعتباره في الوقتية، مع انه لو لم يتم ذلك في نفسه، فيمكن التمسك بعموم العلة المذكورة في ذيل المرسل الطويل، وأنما جعل الوقت ان تولي... الخ له وأما ما ذكره بعض المحققين رحمهم الله: من ان سياق الخبرين يأبى عن التعبد، بل ظاهرهما كون مساواة الحيضتين ضابطة لتحديد العادة العرفية التي يستكشف بها وقت الحيض وعدده، فغير تام، إذا الظاهر منهما ورودهما في مقام بيان جعل الطريق شرعا إلى ما يستكشف به ذلك، فالتعدي يحتاج إلى دليل، وبأنه لا يمكن تماثل زماني الدم إلا بالشهرين الهلاليين. وأورد عليه جملة من المحققين: بأن تكرر الطهر يحصل الوقت إذا كانا متساويين، كما إذا رأت خمسة أيام حيضا ثم عشرة أيام طهرا، ثم خمسة حيضا، ثم عشرة طهرا، ثم خمسة حيضا، فأن الدم الثالث يصدق عليه أنه رأته في أيام حيضها، لانها اعتادت بالحيض عقيب عشرة الطهر. أقول: توضيحا لما ذكروه أنه لا ريب في أنه إذا تكررت الكيفية المذكورة مرارا عديدة يصدق في العرف ان هذه الكيفية عادتها وأيامها، فيعلم من ذلك ان العادة الوقتية لا يتوقف تحققها على تعدد الشهر، فإذا انضم إلى ذلك مادل على أنه لا يعتبر

ص 65

[...] في حصول العادة تكرر الحيض ازيد من مرتين يظهر تحقق العادة الوقتية الشرعية بما ذكر. ودعوى: ان الظاهر من النصوص اعتبار التماثل بنفس الزمان بين الحيضين في حصول العادة الوقتية شرعا، وفي الفرض لا يكون التماثل بحسب الزمان، بل أنما يكون بالجهة الزائدة وهي جهة الطهر المتعقب به، مندفعة: بان التماثل بحسب الزمان فيما إذا تعدد الشهر ايضا يكون بالجهات الزائدة لا بحسب الزمان، إذا مع قطع النظر عن جهة وحدتهما بحسب الحقيقة لا تماثل بينهما إلا بالجهات الزائدة كما لا يخفى. وعليه فكما يصدق التماثل برؤية الدم في أول كل شهر كذلك يصدق برؤينة بعد كل عشرة أيام. فأن قلت: أنه لو بنى على تحقق العادة الوقتية بتساوي زماني الطهر فالرجوع إليها مع استمرار الدم لا يخلو من اشكال لعدم مساواة حالتي استمرار الدم والنقاء. إذ النقاء الذي كانت ترى معه الدم من الخصوصيات المفقودة. قلت: أنه ان اريد به استمرار الدم قبل تحقق العادة فهو خارج عن الفرض، وان اريد به استمراره بعد تحققها فعدم مساواة الحالتين من جميع الجهات لا ينافي تحيضها بمجرد الرؤية عند حضورة والرجوع إليه عند استمرار الدم، لانهما متساويان من حيث كون كل خمسة أيام حيضا، وعشرة أيام بعدها طهرا وهكذا، وكونها في أيام الطهر من الحيض مستحاضة في بعض الازمنة وغير مستحاضة في بعضها لا يوجب عدم التساوي المعتبر في المقام فتدبر. فتحصل مما ذكرناه: ان الاظهر عدم اعتبار تعدد الشهر الهلالي في العادة الوقتية.

ص 66

العادة المركبة

 

الثاني: العادة أما متفقة كان ترى في كل شهر خمسة أيام، أو مختلفة كان ترى في الشهر الاول خمسة، وفي الثاني سبعة، وفي الثالث خمسة، وفي الرابع سبعة، لصدق ايامها في الفرض الثاني ايضا. وبعبارة اخرى: بعد ما عرفت من ورود مرسل يونس الطويل في مقام بيان الاكتفاء في حصول العادة بالتكرر مرتين، فكما أنه إذا تكررت هذه الكيفية مرارا عديدة، يصدق عرفا أنها عدتها وأيامها، كذلك إذا تكررت مرارا ولا يثبت الاعتياد الشرعي في غير محله، بل الاظهر ما عن المحقق وامصنف في جملة ما كتبه، والشهيد وغيرهم من تحقق العادة المركبة شرعا ايضا. ومنه يظهر حكم ما لو رأت شهرين متواليين ثلاثة مثلا، وشهرين متواليين أربعة، ثم شهرين متواليين ثلاثة، وشهرين متواليين أربعة، فأنها تصير بذلك ذات عادة بالنحو المزبور، وكون كل عدد ناسخا لما قبله لا ينافي ذلك، إذا العادة المتحققة بالشهرين الاوليين، وكذا العادة المتحققة بالثانيين الذين هما موجبان لزوال الاولى، غير ما يتحقق بعد ملاحظة المجموع. ومن مجموع ما ذكرناه يظهر حكم سائر اقسام العادة المذكورة في كلمات الاصحاب، فلا حاجة إلى اطالة الكلام في ذكر كل واحدة منها.

 

ما به تزول العادة

 

الثالث: لا كلا عندنا في أنه لا تزول العادة بما إذا رأت مرة على خلاف العادة، نعم من يكتفي في حصول العادة بالمرة يرى زوالها بمرة واحدة، وقد مر أن القول به

ص 67

[...] نادر جدا، وكذلك ولا خلاف في زوالها برؤية الدم مرتين متماثلتين على خلاف العادة الاولى، وعن المصنف في المنتهى: دعوى اتفاق المسلمين عليه، قال في محكي المنتهى: لو كانت عادتها ثلاثة فرأت خمسة في شهر وانقطع فهو حيض اجماعا، فلو استمر في الرابع جلست عادتها الثلاثة عندنا، وعند أبي حنيفة ومحمد عنه أبي يوسف تحيض خمسة لتحقق العادة بالثانية، وهو اتفاق عندنا. انتهى. وتشهد له: مرسلة (1) يونس الطويلة الدالة على ان أقل ما تحقق به العادة مرتان، وحيث ان الظاهر منها الفعلية وهي الثانية فهي تكون عادتها دون الاولى الزائلة، ويتضح ذلك بالرجوع إلى العرف، فأنهم لا يشكون في أن من كانت عتها العرفية ثلاثة مثلا ثم رأت الدم مرارا عديدة في كل شهر خمسة فأنها تنقلب عادتها إلى الثانية، وأن مراد الشارع من ترك العبادة بقدر أيام عادتها هي العادة الثانية دون الاولى، وانما لا يحكون بذلك بالنسبة إلى المرتين، لانهم لا يرون تحقق العادة بهما، فبعد تنبيه الشارع على تحققها بهما لا يبقى مورد لهم في الترديد في ذلك. وأن رأت مرتين على خلاف الاولى لكن غير متماثلتين، فهل يبقى حكم الاولى كما عن جماعة منهم المصنف رحمه الله في المنتهى، أو يزول كما عن آخر منهم المحقق الخراساني رحمه الله، وعلى الاول فهل يلحق به ما إذا رأت على خلاف الاولى مرات عديدة مختلفة، أم لا؟ وجوه واقوال. أقول: الظاهر من الادلة هو القول الثاني، وذلك لانه بعدما صارت الاولى عادة وخلقا لها فما دام لم يدل دليل على زوالها، وكان يصدق عليها انها عادتها وخلقها،

(هامش)

(1) الوسائل - باب 7 - من ابواب الحيض حديث 2. (*)

ص 68

[...] مقتضى اطلاق الادلة بقاء حكمها. وعليه فأذا رأت مرتين غير متماثلتين على خلاف الاولى فيما انهما لا يوجبان ثبوت عادة اخرى لها موجبة لزوال الاولى، فلا محالة يبقى حكمها، وهذا بخلاف ما أذا رأت على خلاف الاولى مرات عديدة مختلفة، فانه تزول العادة الاولى - عرفا - فلا تشملها الادلة، فان شئت قلت: ان الادلة منصرفة عن ذلك. واستدل لعدم الزوال في الصورتين باطلاق ما دل على ثبوت العادة بالمرتين فانه يقتضي بقاءها إلى الابد. وفيه: ان تلك الادلة ليست في مقام بيان بقائها كي يتمسك باطلاقها. واستدل للزوال مطلقا: بموثق إسحاق بن جرير المتقدم في صفات الحيض: فان الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال (عليه السلام): تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين قلت له: ان أيام حيضها تختلف عليها، وكان يتقدم عليها الحيض اليوم واليومين والثلاثة ويتأخر مثل ذلك وما علمها به، قال (عليه السلام): دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار تجد له حرقة. الخبر فانه يدل على الرجوع إلى التمييز مع اختلاف اوقات الدم بعد استقرار العادة العددية. وفيه: ان الظاهر كون المراد من اختلاف ايام حيضها اختلافها من الاول، والمراد من تقدم اليوم أو اليومين تقدمه عن محله في المرة السابقة لا تقدمه عن عادتها المستقرة. مع أنه لو سلم ظهوره في ذلك يتعين حمله على ما ذكرناه لما ستعرف من ان ذات العادة لا ترجع إلى الصفات بمجرد تقدم الدم على العادة أو تأخره عنها باليوم أو اليومين. هذا فيما إذا أحرز صدق العدة، وإلا فان شك فيه فلا مناص عن الرجوع

ص 69

[...] إلى الاصل لما عرفت من عدم كون النصوص في مقام بيان بقاء العادة وهو يقتضي بقاءها بناء على ما هو الحق الثابت في محله من جريان الاستصحاب في موارد الشبهات المفهومية التي تكون من قبيل المقام الذي يكون الموضوع باقيا فيه.

 

حصول العادة بالتمييز

 

حصول العادة بالتمييز الرابع: هل تثبت العادة بتكرر ما ثبت حيضيته من المستمر باعتبار الصفات مطلقا كما هو المشهور أم لا كذلك، أم يفصل بين ما لو أتفق التمييزان كما لو رأته في كلتا المرتين اسود فالاول، وبين ما إذا اختلفا كما رأته في المرة الولى اسود وفي المرة الثانية أحمر، فالثاني كما اختاره شيخنا الأنصاري رحمه الله والمحقق الهمداني، وعن التحرير تقريبه، وعن الذكرى التردد فيه؟ وجوه وقد استدل للثاني بوجوه: (1): ان الموثق والمرسل المتقدمين لا يشملان الفرض، فيتعين الرجوع إلى الاخبار الدالة على الرجوع إلى الصفات، فان مقتضى اطلاقها الرجوع إليها حتى مع التكرر مرتين. (2): عدم الوثوق بكون واجد الصفات حيضا لا غير، لان الاوصاف امارات ظنية اعتبرها الشارع في الجملة فلا تكون موجبة للوثوق بمعرفة اقرائها حتى ترجع إليها. (3): حجية التمييز مشروطة بعدم العادة، فلا محالة تكون العادة مانعة عنها، فكيف يمكن ان تكون حجية التميز علة لثبوت العادة والشئ لا يكون علة لمانعه؟ (4): ان اخبار الرجوع إلى التمييز ظاهرة في خصوص من لم تكن لها عادة في حال الاستقامة، لان العادة مقدمة على التمييز في حال الاستقامة لا مطلقا ولو في

ص 70

[...] حال الاستحاضة. وفي الجميع نظر: أما الاول: فلان ظاهر مادل على الرجوع إلى الاوصاف جعل الشارع اياها طريقا للحيض الواقعي بلحاظ جميع آثاره حتى اثبات العادة به، أما مطلقا أو في مورد الاشتباه بالاستحاضة على اختلاف المسلكين، فهي وجدان تعبدي فيلحقها حكمه وهو ثبوت العادة بتكرره، فيكون الفرض مشمولا للخبرين السابقين. منه يظهر الجواب عن الوجه الثاني. وأما الثالث: فلان حجية التمييز في المرتين الاوليتين علة لثبوت العادة بعدهما، وهي تكون مانعة عن الرجوع إلى التمييز بعدهما لا فيما. فتدبر. وأما الرابع: فلان اطلاق اخبار التمييز الشامل لصورة وجود العادة وفقدها قيد بصورة فقد العادة للخبرين، وحيث عرفت ان تكرر الجامع للصفات مرتين موجب لحصول العادة، فلا محالة يكون الاطلاق مقيدا بصورة فقده ايضا. ومن جميع ما ذكرناه ظهر وجه القول الاول، وأما القول الاول، أما القول الثالث فلم يذكروا له وجها يصح الاعتماد عليه، ولم يظهر لنا وجه عدم طريقية المختلف خاصة، فالاقوى هو القول الاول.

 

حكم صاحبة العادة الوقتية

 

المقام الثاني في بيان حكم ذات العادة: أقول: ان صاحبة العادة الوقتية عددية كانت أم غيرها أما أن ترى الدم في العادة، أو قبلها أو بعدها، أما في الصورة الاولى: فالمشهور بين الاصحاب، فتترتب عليه جميع احكام الحيض، بل عن المحقق في المعتبر والمصنف

ص 71

[...] رحمه الله في المنتهى والتذكرة وغيرهما في غيرها: دعوى الاجماع عليه. ويشهد له مرسل (1) يونس إذا رأت المرأة الدم في أيام حيضتها تركت الصلاة، فان استمر بها الدم ثلاثة ايام فهي حائض. وأما الاستدلال له بالاخبار المتضمنة لقعودها عن الصلاة في أيام حيضها، فغير تام، لانها تدل عل ان من أحكام الحيض قعودها عن الصلاة، ولا تدل على التحيض برؤية الدم. كما ان الاستدلال له بالمستفيضة الدالة على ان ما تراه في أيام حيضها حيض كمصحح (2) ابن مسلم: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة في ايامها، فقال (عليه السلام): لا تصلي حتى تنقضي ايامها. وخبر (3) ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام): عن المرأة ترى الصفرة في أيام طمثها كيف تصنع؟ قال (عليه السلام): تترك لذلك الصلاة بعدد أيامها التي كانت تقعد في طمثها. ومرسلة يونس المتقدمة الطويلة وفيها: لان السنة في الحيض ان تكون الصفرة والكدرة فما فوقها في أيام الحيض إذا عرفت حيضا، ونحوها مرسلته القصيرة (4)، ومرسلة المبسوط (5). نقول ان هذا الاستدلال لا يخلو عن نظر، لانها تدل على ان الدم ذا الصفرة في ايام الحيض الذي لا يكون حيضا في غير أيام العادة من الحيض، وأما الحكم بكونه حيضا مع عدم احراز بقائه إلى ثلاثة أيام فهي إجنبية عنه، ودعوى: أن ذلك مما يحرز

(هامش)

(1) الوسائل - باب 14 - من ابواب الحيض الحديث 3. (2 - 3 - 4) الوسائل - باب 4 - من ابواب الحيض حديث 1 - 3 - 9. (5) الوسائل - باب 3 - من ابواب الحيض حديث 7. (*)

الصفحة السابقة الصفحة التالية

فقه الإمام الصادق (عليه السلام)

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب