الشيعة في الميزان

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الشيعة في الميزان

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 36

لا يشترطون العصمة بالإمام، ويجوز عندهم قيام إمامين في بقعتين متباعدتين، وكل من جمع خمسة شروط فهو إمام 1) أن يكون من ولد فاطمة بنت الرسول من غير فرق بين ولد الحسن وولد الحسين 2) أن يكون عالما بالشريعة 3) أن يكون زاهدا 4) أن يكون شجاعا 5) أن يدعو إلى دين الله بالسيف. وأكثرهم يأخذ بفقه أبي حنيفة إلا في مسائل قليلة. وقال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة القسم الثاني من الجزء الأول ص 13 طبعة 1960: قالت الزيدية: إن الإمامة تكون بالاختيار، فمن اختير صار إماما واجب الطاعة، ولا يشترط أن يكون معصوما، ولا أفضل أهل زمانه، وإنما يشترط أن يكون من ولد فاطمة، وأن يكون شجاعا عالما يخرج بالسيف . وبهذا يتبين معنا أن الزيدية ليسوا من فرق الشيعة في شيء، كما أنهم ليسوا من السنة ولا من الخوارج، وأنهم طائفة مستقلة بين السنة والشيعة، ليسوا من السنة ولا من الخوارج، لأنهم حصروا الإمامة في ولد فاطمة، وليسوا من الشيعة، لأنهم لا يوجبون النص على الخليفة، هذا، إلى أنهم يأخذون بفقه أبي حنيفة، أو أن فقههم أقرب إلى الفقه الحنفي منه إلى الفقه الشيعي. وقال السنة: إن الزيدية أقرب إليهم من جميع فرق الإمامية، لأنهم يوجبون الإمامة بالانتخاب، لا بالنص، ولا يقولون بعصمة الإمام، ويجيزون تقديم الفاضل على الأفضل، ويأخذ أكثرهم بالفقه الحنفي. وقال الشيعة: إن الزيدية أقرب إليهم من المغالين، لأنهم لا يؤلهون أحدا من الأئمة، وأيضا أقرب إليهم من السنة، لأنهم يوجبون الإمامة في ولد فاطمة، وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن الزيدية ليسوا من السنة ولا من الشيعة، وإنما هم فرقة مستقلة بذاتها. الغرض: والغرض الأول من الإشارة إلى هذه الفرق أن نبين خطأ الذين نسبوا أهل الغلو وغيرهم كالزيدية إلى الشيعة، وأن نؤكد ونوضح أن الضابط الصحيح لتعدد فرق الشيعة وأقسامها ينحصر بالخلاف في عدد الأئمة قلة وكثرة، وفي

ص 37

تعيين أسمائهم وأشخاصهم بعد الاتفاق على أن الإمام يعين بالنص لا بالانتخاب، وأنه إنسان كسائر الناس لا يختلف عنهم في طبيعته، ولا في صفاته الملازمة للإنسان بما هو إنسان... أجل هناك شروط لابد من توافرها في الإمام باتفاق المسلمين جميعا، وإن اختلفوا فيما بينهم في نوعها وعددها، كما يظهر مما يلي:

 الإمام من أهل البيت:

 يشترط في الإمام شروط، أولها عند السنة أن يكون من بيوت قريش، لحديث لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان روى هذا الحديث البخاري في صحيحه ج 9 كتاب الأحكام . وقال الشيعة الاثنا عشرية: إن الإمامة خاصة بعلي وولديه الحسن والحسين، ثم لأولاد الحسين فقط. واستدلوا بما رواه مسلم في صحيحه ج 2 ص 191 طبعة 1348 ه‍: أن النبي قال: إن هذا الأمر لا ينقضي، حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش، ومثله في صحيح البخاري ج 9 كتاب الأحكام ، ولكنه ذكر لفظ أمير بدل خليفة . وعليه تكون فكرة الاثني عشرية إسلامية عامة للسنة والشيعة، ولا تختص بفريق دون فريق. وقال العلامة الحلي في شرح التجريد ص 250 طبعة العرفان: إن المراد بال‍ 12 هم أئمة الشيعة، حيث ثبت بالتواتر أن النبي قال للحسين: ابني هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة، تاسعهم قائمهم. وروى المحب الطبري الشافعي في كتاب ذخائر العقبى ص 136 طبعة 1356 ه‍: إن النبي قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوما واحدا لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث رجلا من ولدي، اسمه كاسمي. فقال سلمان: من أي ولدك يا رسول الله؟ قال: من ولدي هذا، وضرب بيده على الحسين. وإذا سأل سائل: لماذا حصر الاثنا عشرية الإمامة بعلي وبنيه، ثم في 12 لا يزيدون ولا ينقصون؟ الجواب: أما حصر الإمامة بعلي وأولاده فلما قدمناه من أن السنة هم الذين حصروا

ص 38

الإمامة بقريش فقط دون غيرهم، وقال الشيعة: ما دام الأمر كذلك، فبيت النبي هو أفضل بيوت قريش، ولولاه لم يكن لها هذا الشأن... بل لولا محمد وآله لم يكن للعرب تاريخ ولا ذكر. وفي القسم الثاني من الجزء الثاني من صحيح مسلم ص 54 طبعة سنة 1348 ه‍ـ كتاب الفضائل أن رسول الله قال: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم. أما حصر الأئمة في 12 فسببه رواية البخاري ومسلم في صحيحهما التي أشرنا إليها.

 العصمة:

 العصمة قوة تمنع صاحبها من الوقوع في المعصية والخطأ، بحيث لا يترك واجبا، ولا يفعل محرما مع قدرته على الترك والفعل، وإلا لم يستحق مدحا ولا ثوابا، أو قل: إن المعصوم قد بلغ من التقوى حدا لا تتغلب عليه الشهوات والأهواء، وبلغ من العلم في الشريعة وأحكامها مرتبة لا يخطئ معها أبدا (1). والشيعة الإمامية يشترطون العصمة بهذا المعنى في الإمام، تماما كما هي شرط في النبي، قال الشيخ المفيد في كتاب أوائل المقالات باب القول في عصمة الأئمة : إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، وحفظ الشرائع، وتأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء لا تجوز عليهم كبيرة ولا صغيرة... ولا سهو في شيء من الدين، ولا ينسون شيئا من الأحكام، وعلى هذا مذهب سائر الإمامية إلا من شذ منهم وقال العلامة الحلي في كتاب نهج الحق : ذهب الإمامية إلى أن الأئمة كالأنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش، من الصغر إلى الموت عمدا وسهوا، لأنهم حفظة الشرع والقوامون به، حالهم في ذلك كحال الأنبياء، ولأن الحاجة إلى الإمام إنما هي للانتصاف للمظلوم من الظالم، ورفع

(هامش)

(1) قال الإمام يصف نفسه: ما وجد النبي (ص) لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، وكنت اتبعه اتباع الفصيل أثر أمه. يرفع لي كل يوم نميرا من أخلاقه، ويأمرني بالاقتداء به. وهذا معنى العصمة عند الشيعة لا كذب في قول، ولا زلة في فعل.

ص 39

الفساد، وحسم مادة الفتن، ولأن الإمام لطف يمنع القاهر من التعدي، ويحمل الناس على فعل الطاعات، واجتناب المحرمات، ويقيم الحدود والفرائض، ويؤاخذ الفساق، ويعزر من يستحق التعزير، فلو جازت عليه المعصية، وصدرت عنه انتفت هذه الفوائد، وافتقر إلى إمام آخر. أما السبب الأول لقول الشيعة بالعصمة فهو قوله تعالى: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا - 33 الأحزاب . وقول الرسول الأعظم: علي مع الحق، والحق مع علي يدور معه كيفما دار وقوله إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وإنهما لم يفترقا، حتى يردا علي الحوض . رواه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده. ومن دار معه الحق كيفما دار محال أن يخطئ. وأمر الرسول بالتمسك بالعترة والكتاب يدل على عصمة العترة من الخطأ، تماما كعصمة الكتاب، وقوله لن يفترقا، أي لا يخالف أحدهما الآخر. وروى صاحب كنز العمال من السنة أن النبي قال: من أحب أن يحيا حياتي، ويموت موتي، ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي فليتول عليا وذريته من بعده، فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة (1). وإذا كان النبي هو الذي وصف أهل بيته بالعصمة فأي ذنب للشيعة إذا أطاعوا ربهم، وعملوا بسنة نبيهم؟!.. لقد أقام المهوشون الدنيا وأقعدوها على الشيعة، لأنهم قالوا بالعصمة، ولو كانت لهم أدنى خبرة بسنة الرسول لقالوا بمقالة الشيعة، أو ألقوا المسؤولية على الرسول نفسه، إن كان هناك من مسؤولية. ثم إن قول الشيعة بعصمة الأئمة الأطهار من آل الرسول ليس بأعظم من قول السنة أن الصحابة كلهم عدول، وأن المذاهب الأربعة يجب اتباعها، وأن اجتهاد الحاكم، أي حاكم، واجتهاد الإمام الأعظم تحرم مخالفتهما، لأن صلاح الخلق في اتباع رأيهما. (المستصفى للغزالي ج 2 ص 355 طبعة بولاق، وأصول الفقه للخضري ص 218 الطبعة الثالثة). ومهما يكن، فإن الرجال تعرف بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال، كما

(هامش)

(1) دلائل الصدق أول الجزء الثاني. (*)

ص 40

قال علي أمير المؤمنين. وقد أجمع الموافق والمخالف على أن الأئمة من أهل البيت كانوا على هدي جدهم الرسول (ص) قولا وعملا، وأن الناس كانوا يلجأون إليهم في حل المشكلات والمعضلات، وكانوا يتقربون إلى الله سبحانه بتعظيمهم وتقديسهم، تماما كما كانت الحال بالنسبة إلى رسول الله (ص). وختاما نسأل الذين أنكروا على الشيعة القول بالعصمة: هل تنكرون أصل العصمة وفكرتها من الأساس، أو تنكرون عصمة الأئمة فقط؟.. والأول إنكار لعصمة الأنبياء التي اتفق عليها السنة والشيعة، والثاني إنكار لسنة الرسول الذي ساوى بين عترته وبين القرآن. هذا، إلى أن نصوص الشريعة جامدة لا حراك فيها، وإنما تحيا بتطبيقها والعمل بها، وإذا لم يكن القائم على الشريعة هو نفس الشريعة مجسمة في شخصه لم يتحقق الغرض المقصود. لذا قال الإمام: ذاك القرآن الصامت وأنا القرآن الناطق.

 العلم:

 قال الشيعة الإمامية: يجب أن يكون الإمام أفضل من جميع رعيته في صفات الكمال كلها من الفهم والرأي والعلم والحزم والكرم والشجاعة وحسن الخلق والعفة والزهد والعدل والتقوى والسياسة الشرعية ونحوها، وبكلمة يلزم أن يكون أطوع خلق الله لله، وأكثرهم علما وعملا بالبر والخير (1). وفي هذه الشروط وشرط العصمة تتجلى روح الثورة على الباطل، وعلى كل من يتطفل على مناصب ليس بها بأهل. وقد يقال، أو يتوهم أن هذه الشروط جاءت كنتيجة لتنكيل الحكام بالشيعة وما لحقهم من الاضطهاد والتشريد، ولكن الأصل لهذه الشروط قول الله تعالى: أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون - 35 يونس. وجاء في الحديث: أنا مدينة العلم وعلي بابها وقال ابن عبد البر، من السنة في كتاب الاستيعاب الجزء الثالث المطبوع مع الإصابة ص 40 طبعة 1939:

(هامش)

(1) تلخيص الشافي للطوسي ص 320، ودلائل الصدق للمظفر ج 2 ص 17. (*)

ص 41

قالت عائشة: إن عليا لأعلم الناس بالسنة، وقال ابن عباس: أعطي علي ابن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شاركهم في العشر العاشر، وقال ابن عبد البر أيضا: ما كان أحد يقول: سلوني غير علي . وروى المحب الطبري في كتاب الذخائر ص 17 أن النبي قال: النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي... نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد . وبالتالي، فقد تبين بالشواهد والأرقام أن كل شرط اعتبره الشيعة بالامام يستند إلى ما ثبت من حديث الرسول، تماما كما يستند إليه أصل التشيع.

ص 42

علوم الإمام

 هل يعتقد الشيعة أن أئمتهم يعلمون كل شيء، حتى الصناعات واللغات؟ ثم هل علوم الأئمة ومعارفهم في عقيدة الشيعة، كعلوم سائر الناس ومعارفهم، أو هي وحي، أو إلهام وما أشبه؟ ولست أعرف مسألة ضلت فيها الأقلام، حتى أقلام بعض الإمامية أكثر من هذه المسألة. مع أنها ليست من المسائل الغيبية، ولا المشاكل النظرية. وذكرنا في فصل سابق أن الحديث عن عقيدة طائفة من الطوائف لا يكون صادقا، ولا ملزما لها إلا إذا اعتمدت على أقوال الأئمة، والعلماء المؤسسين الذين يمثلونها حقا، لذلك اعتمدنا في هذا البحث على أقوال الأئمة الأطهار، والشيوخ الكبار، كالمفيد والمرتضى والخواجا نصير الدين الطوسي، ومن إليهم أمانة وعلما. قال الشريف المرتضى في الشافي ص 188 ما نصه بالحرف: معاذ الله أن نوجب للإمام من العلوم إلا ما تقتضيه ولايته، وأسند إليه من الأحكام الشرعية، وعلم الغيب خارج عن هذا . وقال في ص 189: لا يجب أن يعلم الإمام بالحرف والمهن والصناعات، وما إلى ذاك مما لا تعلق له بالشريعة. إن هذه يرجع فيها إلى أربابها، وإن الإمام يجب أن يعلم الأحكام، ويستقل بعلمه بها، ولا يحتاج إلى غيره في معرفتها، لأنه ولي إقامتها، وتنفيذها . وقال الطوسي في تلخيص الشافي المطبوع مع الكتاب المذكور ص 321: يجب أن يكون الإمام عالما بما يلزم الحكم فيه، ولا يجب أن يكون عالما بما لا يتعلق بنظره كالشؤون التي لا تخصه ولا يرجع إليه فيها. وهذا يتفق تماما مع قول الشيعة الإمامية بأن الإمام عبد من عبيد الله، وبشر

ص 43

في طبيعته، وصفاته، وليس ملكا ولا نبيا. أما رئاسته العامة للدين والدنيا فإنها لا تستدعي أكثر من العلم بأحكام الشريعة، وسياسة الشؤون العامة. وكيف ينسب إلى الشيعة الإمامية القول بأن أئمتهم يعلمون الغيب، وهم يؤمنون بكتاب الله، ويتلون قوله تعالى حكاية عن نبيه لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير . وقوله إنما الغيب لله . وقوله قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله . وقال الشيخ الطبرسي في مجمع البيان عند تفسير الآية 123 من سورة هود: ولله غيب السموات والأرض : لقد ظلم الشيعة الإمامية من نسب إليهم القول بأن الأئمة يعلمون الغيب. ولا نعلم أحدا منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق. فأما ما نقل عن أمير المؤمنين (ع) ورواه عنه الخاص والعام من الأخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها مثل الإيماء إلى صاحب الزنج، وإلى ما ستلقاه الأمة من بني مروان، وما إلى ذلك مما أخبر به هو وأئمة الهدى من ولده، أما هذه الأخبار فإنها متلقاة عن النبي (ص) مما أطلعه الله عليه، فلا معنى لنسبة من يروي عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنه يعتقد كونهم عالمين الغيب، وهل هذا إلا سب قبيح وتضليل لهم، بل تكفير، لا يرتضيه من هو بالمذاهب خبير، والله هو الحاكم وإليه المصير . وإن افترض وجود خبر أو قول ينسب علم الغيب إلى الأئمة وجب طرحه باتفاق المسلمين، قال الإمام الرضا: لا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنا إن تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن، وموافقة السنة، إنا عن الله وعن رسوله نحدث، ولا نقول قال فلان وفلان. فإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه. إن لكلامنا حقيقة، وإن عليه لنورا، فما لا حقيقة له، ولا نور عليه فذاك قول الشيطان . وبكلمة إن علوم الأئمة وتعاليمهم يحدها - في عقيدة الشيعة - كتاب الله (1)

(هامش)

(1) قال الإمام زين العابدين في الصحيفة السجادية: اللهم إنك أنزلت القرآن على نبيك مجملا، وألهمته علم عجائبه مكملا، وورثتنا علمه مفسرا، وفضلتنا على من جهل علمه وقويتنا عليه، لترفعنا فوق من لم يطق حمله. (*)

ص 44

وسنة نبيه، وإن كل إمام من الأول إلى الثاني عشر قد أحاط إحاطة شاملة كاملة بكل ما في هذين الأصلين من الألف إلى الياء، بحيث لا يشذ عن علمهم معنى آية من آي الذكر الحكيم تنزيلا وتأويلا، ولا شيء من سنة رسول الله قولا وفعلا وتقريرا، وكفى بمن أحاط بعلوم الكتاب والسنة فضلا وعلما، أن هذه المنزلة لا تتسنى ولن تتسنى لأحد غيرهم، ومن هنا كانوا قدوة الناس جميعا بعد جدهم الرسول تماما كالقرآن والسنة. وقد أخذ أهل البيت علوم الكتاب والسنة وفهموها ووعوها عن رسول الله، تماما كما أخذها ووعاها رسول الله عن جبرائيل، وكما وعاها جبرائيل عن الله، ولا فرق أبدا في شيء إلا بالواسطة فقط لا غير، ونظم الشاعر الإمامي هذا المعنى فقال: إذا شئت أن تبغي لنفسك مذهبا * ينجيك يوم البعث من لهب النار فدع عنك قول الشافعي ومالك * وأحمد والمروي عن كعب أحبار ووال أناسا نقلهم وحديثهم * روى جدنا عن جبرئيل عن الباري أخذ علي عن النبي، وأخذ الحسنان عن أبيهما، وأخذ علي بن الحسين عن أبيه، وهكذا كل إمام يأخذ العلم عن إمام، ولم ترو أصحاب السير والتواريخ أن أحدا من الأئمة ال‍ 12 أخذ عن صحابي أو تابعي أو غيره، فقد أخذ الناس العلم عنهم، ولم يأخذوه عن أحد، قال الإمام الصادق: عجبا للناس يقولون: أخذوا علمهم كله عن رسول الله، فعملوا به واهتدوا، ويرون إنا أهل البيت لم نأخذ علمه، ولم نهتد به، ونحن أهله وذريته في منازلنا أنزل الوحي، ومن عندنا خرج العلم إلى الناس، أفتراهم علموا، واهتدوا، وجهلنا وضللنا؟... وقال الإمام الباقر: لو كنا نحدث الناس برأينا وهوانا لهلكنا، ولكنا نحدثهم بأحاديث نكنزها عن رسول الله، كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم. وبهذا يتبين الجهل، أو الدس في قول من قال بأن الشيعة يزعمون أن علم

ص 45

الأئمة إلهامي، وليس بكسبي، وترقى بعضهم، فنسب إلى الشيعة القول بنزول الوحي على الأئمة وبرد هذا الزعم بالإضافة إلى ما نقلناه من أحاديث الأئمة الأطهار ما قاله الشيخ المفيد في كتاب أوائل المقالات : قام الاتفاق على أن من يزعم أن أحدا بعد نبينا يوحى إليه فقد أخطأ وكفر وهنا سؤال يفرض نفسه، وهو: بماذا يفتي الإمام إذا لم يجد نصا في الكتاب والسنة؟ هل يجتهد، ويعمل بالرأي، كما يجتهد العلماء؟ الجواب: إن القرآن والسنة فيهما تبيان كل شيء ولو بجنسه أو نوعه، وقد جاء في الحديث أن النبي أتى الناس بما اكتفوا به في عهده، واستغنوا به من بعده، وغير الإمام يضطر إلى الاجتهاد، حيث تخفى عليه مقاصد الكتاب ومعاني آياته، وحيث لا يهتدي إلى الأحاديث النبوية بالذات، كما لو سمعها من الرسول الأعظم، أما الإمام فإنه كما سبق وبينا يحيط بجميع علوم الكتاب والسنة، ولا يخفى عليه شيء يتصل بهما، فيفتي بالنص الخاص إن وجد، وإلا فبالأصل العام، والأصل العام بالنسبة إليه تماما كالنص الخاص بلا تفاوت، لأن المفروض أن الإمام معصوم كالقرآن يدور الحق معه حيثما دار، وعليه فلا يخطئ في التفريع والتطبيق. وبكلمة أن غير الإمام عنده حديث ضعيف وحديث صحيح، وحديث معارض، وآخر بلا معارض، وحديث مجمل، وآخر مبين، أما الإمام فالحديث عنده هو عين ما قاله الرسول مع الصراحة والوضوح. وما دام الخطأ محالا في حقه فلا يقال: إنه مجتهد يعمل بالرأي، لأن المجتهد يحتمل في حقه الخطأ والصواب على السواء، ولأجل هذا نقول: إن من استطاع أن يأخذ جميع ما يحتاج إليه من الأحكام مشافهة من المعصوم لا يجوز له الاجتهاد بحال، وإن بلغ من العلم ما بلغ، وقد ذهل عن هذه الحقيقة جماعة من السنة، فأجازوا الاجتهاد، والعمل بالرأي على النبي بالذات (1). وليت شعري كيف يقال: إن النبي مجتهد، والمجتهد يخطئ ويصيب، وقول النبي هو الحجة البالغة، والدليل القاطع الذي يعتمده جميع المجتهدين والمحققين؟

(هامش)

(1) المستصفى للغزالي، وجامع الجوامع لابن السبكي، وأصول الفقه للخضري. (*)

ص 46

وسئل الإمام الصادق: بأي شيء يفتي الإمام؟ فقال: بالكتاب. فقال السائل: فما لم يكن في الكتاب؟ فقال الصادق: بالسنة. فقال السائل: فما لم يكن في الكتاب والسنة؟ فقال: ليس شيء إلا في الكتاب والسنة. وقال أيضا: ما رأيت عليا قضى قضاء إلا وجدت له أصلا في السنة. هذي هي أقوال أئمة الشيعة وعلمائهم الثقات، فأين الغلو وعلم الغيب؟... وأين الوحي والإلهام؟... ومن الخير أن نشير هنا إلى طرف من أقوال علماء السنة الثقات التي تتصل بهذا الموضوع، لنرى: هل الغلو فيما قالوه أو فيما قاله علماء الشيعة؟ روى البخاري في صحيحه ج 5 باب مناقب عمر بن الخطاب أن النبي قال: لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون - أي تحدثهم الملائكة - من غير إن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي أحد فعمر . وقال الغزالي في كتاب المستصفى ج 1 ص 270 طبعة 1322 ه‍: قال النبي (ص) إن منكم لمحدثين، وإن عمر لمنهم. وقال الشاطبي في الجزء الثاني من الموافقات ص 266: عمل الصحابة بالفراسة والكشف والإلهام والوحي النومي، كقول عمر، وهو في المدينة يخاطب سارية بن حصن، وهو في إيران بقوله: يا سارية الجبل وقد سمع سارية الصوت وصعد الجبل. إذا قيل بأن عمر علم الغيب وإن له ملكا يحدثه فلا غلو، وإذا قيل بأن الأئمة من أهل البيت يقولون الحق ويعرفون علوم الكتاب والسنة فكفر وغلو. وقال ابن السبكي في جامع الجوامع باب الاجتهاد : يجوز أن يقال من قبل الله تعالى لنبي أو عالم: احكم بما تشاء، فهو صواب، ويكون مدركا شرعيا، ويسمى التفويض. إذا قيل بأن الله يجوز أن يتخلى عن تشريع الحكام، ويفوض أمر وضعها أو رفعها إلى عالم من العلماء فلا كفر ولا غلو، أما إذا قيل بأن أهل البيت يعرفون شريعة جدهم كاملة، كما أنزلها الله على نبيه فكفر وغلو. وقال الشاطبي في الموافقات ج 2 ص 267: إن أبا بكر انفذ وصية رجل بعد موته برؤيا رؤيت، أي إن رجلا مات، ولم يوص في حياته،

ص 47

ثم أوصى بوصايا بعد موته، وأبلغ وصيته لمن أراد في المنام، فنفذ أبو بكر هذه الوصية. فحكم أبي بكر استنادا إلى الأحلام والأطياف صحيح وحجة، أما أحكام أهل البيت المأخوذة من الكتاب والسنة ففيها نظر. ولدي من هذه الأمثلة ما لا يبلغه الاحصاء، وقد ادخرته لوقت الحاجة، وقطعت على نفسي عهدا أن لا أذكر منها شيئا إلا للدفاع. وفيما ذكرت يفي بالغاية والقصد، كما يدل بصراحة ووضوح أن الذين يتهمون الشيعة، ويرمونهم بالغلو أولى بهذه التهمة، وهي بهم الصق وأليق. والله سبحانه من وراء القصد.

ص 48

التقية والبداء والرجعة والجفر ومصحف فاطمة بين السنة والشيعة

 أثبتنا في فصل سابق أن الشيعة الإمامية يقولون بأن الإمامة تكون بالنص، لا بالانتخاب، وإنهم يوجبون العصمة للإمام، وإنهم يستدلون على هذين الأصلين بأحاديث صحيحة ثابتة عند السنة والشيعة، وأيضا عرفنا أنهم أبعد الفرق عن الغلو والمغالين، وإنهم لا يدعون لأئمتهم علم الغيب، ولا الإيحاء والإلهام، وإن من نسب إليهم شيئا من ذلك فهو جاهل متطفل، أو مفتر كذاب، وإن علوم الأئمة - في عقيدة الشيعة - يحدها كتاب الله وسنة نبيه. ولكن نسب إلى الشيعة الإمامية القول بالتقية والبداء والرجعة، وأطلقت في وجوههم صرخات الكفر والزندقة من أجلها. فهل هذه النسبة صحيحة؟ ثم ما معنى هذه الألفاظ، ومدلولاتها على التحقيق؟ وبالتالي، هل يستدعي القول بهذه المبادئ الكفر والخروج عن الإسلام؟ وإليك الجواب الصريح.

 التقية:

 أما التقية فقد قال بها الشيعة الإمامية، وبحثوها مطولا في كتبهم الفقهية (1) وفرعوا عليها مسائل كثيرة، واستدلوا على تشريعها وجوازها بالكتاب والسنة والعقل. ومعنى التقية التي قالوا بها إن تقول أو تفعل غير ما تعتقد، لتدفع الضرر عن نفسك، أو مالك، أو لتحتفظ بكرامتك، كما لو كنت بين قوم لا يدينون بما تدين، وقد بلغوا الغاية في التعصب، بحيث إذا لم تجارهم في القول والفعل

(هامش)

(1) ألف الشيخ الكبير مرتضى الأنصاري رسالة خاصة بالتقية، طبعت في آخر كتاب المكاسب . (*)

ص 49

تعمدوا إضرارك والإساءة إليك. فتماشيهم بقدر ما تصون به نفسك، وتدفع الأذى عنك، لأن الضرورة تقدر بقدرها. وقد مثل فقهاء الشيعة لذلك بأن يصلي الشيعي متكتفا ، أو يغسل رجليه في الوضوء بدلا من مسحهما في بيئة سنية متعصبة، بحيث إذا لم يفعل لحقه الأذى والضرر. هذي هي التقية في حقيقتها وواقعها عند الشيعة، وما هي بالشيء الجديد، ولا من البدع التي يأباها العقل والشرع. فقد تكلم عنها الفلاسفة وعلماء الأخلاق قبل الإسلام وبعده، تكلموا عنها وأطالوا، ولكن لا بعنوان التقية، بل بعنوان: هل الغاية تبرر الواسطة؟ وما إلى ذاك، وتكلم عنها الفقهاء، وأهل التشريع في الشرق والغرب بعنوان: هل يجوز التوصل إلى غاية مشروعة من طريق غير مشروع؟ . وبعنوان المقاصد والوسائل وتكلم عنها علماء الأصول من السنة والشيعة بعنوان: تزاحم المهم والاهم واتفقوا بكلمة واحدة على أن الأهم مقدم على المهم، ارتكابا لأقل الضررين، ودفعا لأشد المحذورين، وتقديما للراجح على المرجوح... وهذه العناوين وما إليها تحكي التقية كما هي عند الإمامية، ولا تختلف عنها إلا في الأسلوب والتعبير. وكانت التقية وما زالت دينا يدين به كل سياسي في الشرق والغرب، حتى المخلص الأمين. وإذا سأل سائل: ما دام الأمر كذلك فلماذا عبر الشيعة بلفظ التقية، ولم يعبروا بلفظ المقاصد والوسائل، وأو الغاية تبرر الواسطة؟ الجواب: إن العبرة بالمعنى، لا باللفظ، وقديما قال العارفون: النقاش في الاصطلاحات اللفظية ليس من دأب المحصلين . ثانيا: إن علماء الشيعة يأخذون - دائما أو غالبا - ألفاظهم ومصطلحاتهم الشرعية من نصوص الكتاب والسنة، وقد عبر القرآن الكريم عن هذا المعنى بمادة الاتقاء، كما تدل الآية التالية: ومهما يكن. فقد استدل الإمامية بالآية 28 من سورة آل عمران: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله

ص 50

في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة . فالآية صريحة في النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء إلا في حال الخوف واتقاء الضرر والأذى، واستدلوا بالآية 106 من سورة النحل: من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان . قال المفسرون: إن المشركين آذوا عمار بن ياسر، وأكرهوه على قول السوء في رسول الله، فأعطاهم ما أرادوا. فقال بعض الأصحاب: كفر عمار. فقال النبي: كلا، إن عمارا يغمره الإيمان من قرنه إلى قدمه. وجاء عمار، وهو يبكي نادما آسفا، فمسح النبي عينيه، وقال له: لا تبك، إن عادوا لك، فعد لهم بما قلت. واستدلوا أيضا بالآية 28 من سورة غافر: وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه . فكتم الإيمان، وإظهار خلافه ليس نفاقا ورياء، كما زعم من نعت التقية بالنفاق والرياء وبالآية 195 من سورة البقرة: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . ومن السنة استدلوا بحديث لا ضرر ولا ضرار وحديث رفع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ والنسيان: وما استكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والطيرة، والحسد، والوسوسة في الخلق . والحديثان مرويان في كتب الصحاح عند السنة. وقول الرسول الأعظم، وما اضطروا إليه صريح الدلالة على أن الضرورات تبيح المحذورات. وقال الغزالي في الجزء الثالث من إحياء العلوم باب ما رخص فيه من الكذب : إن عصمة دم المسلم واجبة، فمهما كان القصد سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب . وبعد أن نقل الرازي الأقوال في التقية، وهو يفسر قوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقاة قال: روي عن الحسن أنه قال: التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة، وهذا القول أولى، لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان . ونعى الشاطبي في الجزء الرابع من الموافقات ص 180 على الخوارج إنكارهم سورة يوسف من القرآن، وقولهم بأن التقية لا تجوز في قول أو فعل على الإطلاق والعموم . وقال جلال الدين السيوطي في كتاب الأشباه والنظائر ص 76: يجوز

ص 51

أكل الميتة في المخمصة، وإساغة اللقمة في الخمر، والتلفظ بكلمة الكفر. ولو عم الحرام قطرا، وبحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادرا فإنه يجوز استعمال ما يحتاج إليه . وقال أبو بكر الرازي الجصاص - من أئمة الحنفية - في الجزء الثاني من كتاب أحكام القرآن ص 10 طبعة 1347 ه‍: قوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقاة يعني أن تخافوا تلف النفس، أو بعض الأعضاء، فتتقوهم بإظهار الموالاة من غير اعتقاد لها، وهذا هو ظاهر ما يقتضيه اللفظ، وعليه الجمهور من أهل العلم، وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي عن الحسن بن أبي الربيع الجرجاني عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون الله قال: لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرا وليا في دينه، وقوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقاة يقتضي جواز إظهار الكفر عند التقية، وهو نظير قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان . وفي الجزء الثالث من السيرة الحلبية ص 61 مطبعة مصطفى محمد لما فتح رسول الله خيبر قال له حجاج بن علاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالا، وإن لي بها أهلا، وأنا أريد أن آتيهم، فأنا في حل إن أنا نلت منك، وقلت شيئا، فأذن له رسول الله أن يقول ما يشاء . وهذا الذي قاله صاحب السيرة الحلبية عن النبي، ونقله الجصاص إلى الجمهور من أهل العلم هو بعينه ما تقوله الإمامية، إذن القول بالتقية لا يختص بالشيعة دون السنة. أما قصة نعيم بن مسعود الأشجعي فأشهر من أن تذكر. ولا أدري كيف استجاز لنفسه من يدعي الإسلام أن ينعت التقية بالنفاق والرياء، وهو يتلو من كتاب الله، وسنة نبيه ما ذكرنا من الآيات والأحاديث، وأقوال أئمة السنة، وهي غيض من فيض مما استدل به علماء الشيعة في كتبهم، وكيف تنسب الشيعة إلى الرياء، وهم يؤمنون بأنه الشرك الخفي، ويحكمون ببطلان الصوم والصلاة والحج والزكاة إذا شابتها أدنى شائبة من رياء؟ وأود أن أوجه هذا السؤال لمن نسب الشيعة إلى النفاق والرياء من أجل التقية: ما رأيك فيمن قال - من علماء السنة - إن جبرائيل ليلة أسرى بالنبي إلى السماء جاءه بقدحين: أحدهما من لبن، وآخر من خمر، وخيره بين شرب

ص 52

أيهما شاء (كتاب الفروق ج 2 ص 12 طبعة 1345 ه‍ وصحيح البخاري ج 6 باب سورة بني إسرائيل). وأيضا ما رأيك فيمن أفتى - منهم - بأن من ترك الصلاة عمدا لا يجب عليه قضاؤها، ومن تركها نسيانا يجب عليه أن يقضي. (كتاب نيل الأوطار للشوكاني ج 2 ص 27 طبعة 1952). وغريبة الغرائب أن يعذر المفتي على فتواه التي خالف بها الإجماع والقواعد والنص والقياس الجلي السالم عن المعارض، ولا يعذر من يفتي بالتقية مستندا إلى كتاب الله وسنة رسوله. (الفروق للقرافي ج 2 ص 109). وبالتالي، فإن التقية كانت عند الشيعة حيث كان العهد البائد، عهد الضغط والطغيان، أما اليوم حيث لا تعرض للظلم في الجهر بالتشيع فقد أصبحت التقية في خبر كان. في عام 1960 أقامت الجمهورية العربية المتحدة مهرجانا دوليا للغزالي في دمشق، وكنت فيمن حضر وحاضر، فقال لي بعض أساتذة الفلسفة في مصر فيما قال: أنتم الشيعة تقولون بالتقية... فقلت له: لعن الله من أحوجنا إليها. إذهب الآن أنى شئت من بلاد الشيعة فلا تجد للتقية عندهم عينا ولا أثرا، ولو كانت دينا ومذهبا في كل حال لحافظوا عليها محافظتهم على تعاليم الدين ومبادئ الشريعة.

 البداء:

 اتفق المسلمون بكلمة واحدة على جواز النسخ، ووقوعه في الشريعة الإسلامية، ومعناه في اصطلاح المفسرين وأهل التشريع أن الله يشرع حكما كالوجوب أو التحريم، ويبلغه لنبيه، وبعد أن يعمل النبي وأمته بموجبه يرفع الله هذا الحكم وينسخه ويجعل في مكانه حكما آخر، لإنهاء الأسباب الموجبة لبقاء الأول واستمراره، وهذا النوع من النسخ ليس بعزيز، فإنه موجود في الشرائع السماوية والوضعية، واستدل المسلمون على جوازه ووقوعه بأدلة، منها أن الصلاة كانت في بدء الإسلام لجهة بيت المقدس، ثم نسخت، وتحولت إلى جهة البيت الحرام، كما نطقت الآية 144 من سورة البقرة: فول وجهك

ص 53

شطر المسجد الحرام . ونتساءل: إذا جاز النسخ على الله بهذا المعنى في الأمور التشريعية فهل يجوز عليه ذلك في الأشياء الكونية والطبيعية، وذلك بأن يقدر الله ويقضي بإيجاد شيء في الخارج، ثم يعدل ويتحول عن قضائه وإرادته؟ اتفق المسلمون جميعا على عدم جواز النسخ في الطبيعيات، لأنه يستلزم الجهل وتجدد العلم لله، وحدوثه بعد نفيه عنه. تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ويسمى هذا بالبداء الباطل، وقد نسبه البعض إلى الإمامية جهلا أو تجاهلا، رغم تصريحاتهم المتكررة بنفيه. روى الشيخ الصدوق في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة عن الإمام الصادق أنه قال: من زعم أن الله عز وجل يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرأوا منه. وبعد أن نفى المسلمون جميعا البداء بهذا المعنى أجازوا بداء لا يستدعي الجهل وحدوث العلم لذات الله، وهو أن يزيد الله في الأرزاق والأعمار، أو ينقص منهما بسبب أعمال العبد، قال المفيد شيخ الشيعة الإمامية في كتاب أوائل المقالات باب القول في البداء والمشيئة: البداء عند الإمامية هو الزيادة في الآجال والأرزاق، والنقصان منهما بالأعمال . وتدل على هذا الآية 60 من سورة غافر: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم وروى الترمذي في سننه باب لا يرد القدر إلا الدعاء أن النبي قال: لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر (1). وبالتالي، فقد اتفق السنة والشيعة بكلمة واحدة على أن أية صفة تستدعي الجهل وتجدد العلم فهي منفية عن الله سبحانه بحكم العقل والشرع، سواء أعبرنا عنها بالبداء أو بلفظ آخر، وعليه فلا يصدق القول بأن الشيعة أجازوا البداء على الله دون السنة، لأن المفروض أن البداء المستلزم للجهل باطل عند الفريقين. فأين محل النزاع والصراع؟ هذا، إلى أن الإمامية قد تشددوا في صفات الباري أكثر من جميع الفرق

(هامش)

(1) انظر كتاب البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 277. (*)

ص 54

والطوائف، وبالغوا في تنزيهه عن كل ما فيه شائبة الجهل والظلم والتجسيم والعبث، وما إليه. فلم يجيزوا على الله ما أجازه الأشاعرة وغيرهم من سائر الفرق الإسلامية الذين قالوا بأن الخير والشر من الله، وإنه سبحانه يكلف الإنسان بما لا يطاق، وإنه تعالى علوا كبيرا يأمر بما يكره، وينهي عما يحب، ويفعل بدون غرض (كتاب المواقف ج 8 للايجي وشرحه للجرجاني، وكتاب الفروق للقرافي ج 2 وكتاب المذاهب الإسلامية لأبي زهرة). كما أن الإمامية قد نفوا التجسيم عن الله الذي قال به الحنابلة، ومنهم الوهابية الذين رووا عن النبي: لا تزال جهنم يلقى فيها، وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط. قط . (العقيدة الواسطية لابن تيمية المطبوعة مع الرسائل التسع سنة 1957 ص 136). الرجعة: قال فريق من علماء الإمامية: إن الله سبحانه سيعيد إلى هذه الحياة قوما من الأموات، ويرجعهم بصورهم التي كانوا عليها وينتصر الله بهم لأهل الحق من أهل الباطل، وهذا هو معنى الرجعة. وأنكر الفريق الآخر ذلك، ونفاه نفيا باتا. ونقل هذا الاختلاف الشيخ الإمامي الثقة أبو علي الطبرسي في مجمع البيان عند تفسير الآية 83 من سورة النمل: ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون . قال: استدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية. ووجه الدلالة - بزعم هؤلاء - أن اليوم الذي يحشر الله فيه فوجا من كل أمة لا يمكن أن يكون اليوم الآخر بحال، لأن هذا اليوم يحشر فيه جميع الناس لا فوج من كل أمة لقوله تعالى في الآية 48 من سورة الكهف: وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا . فتعين أن يكون الحشر في هذه الدنيا لا في الآخرة. أما الذين أنكروا الرجعة من علماء الإمامية فقد قالوا: إن الحشر في الآية يراد به الحشر في اليوم الآخرة، لا في هذه الحياة، والمراد بالفوج رؤساء الكفار والجاحدين، فإنهم يحشرون ويجمعون لإقامة الحجة عليهم.

ص 55

ومهما يكن، فإن غرضنا الأول من نقل كلام الشيخ الطبرسي الإمامي هو التدليل على أن علماء الإمامية لم يتفقوا بكلمة واحدة على القول بالرجعة. وقد اعترف باختلافهم الشيخ أبو زهرة، حيث قال في كتاب الإمام الصادق ص 240 ما نصه بالحرف: ويظهر أن فكرة الرجعة على هذا الوضع ليست أمرا متفقا عليه عند إخواننا الاثني عشرية، بل فيهم فريق لم يعتقده . وقال السيد محسن الأمين في كتاب نقض الوشيعة ص 473 طبعة 1951: الرجعة أمر نقلي، إن صح النقل به لزم اعتقاده، وإلا فلا . وقال ص 515 يتعلق بالبداء: أجمع علماء الإمامية في كل عصر وزمان على أن البداء بهذا المعنى باطل ومحال على الله، لأنه يوجب نسبة الجهل إليه تعالى، وهو منزه عن ذلك تنزيهه عن جميع القبائح، وعلمه محيط بجميع الأشياء إحاطة تامة جزئياتها وكلياتها، لا يمكن أن يخفى عليه شيء، ثم يظهر له . ولو كانت الرجعة من أصول الدين أو المذهب عند الإمامية لوجب الاعتقاد بها، ولما وقع بينهم الاختلاف فيها، أما الأخبار المروية في الرجعة عن أهل البيت فهي كالأحاديث، في الدجال التي رواها مسلم في صحيحه القسم الثاني من الجزء الثاني ص 316 طبعة 1348 ه‍، ورواها أيضا أبو داود في سننه ج 2 ص 542 طبعة 1952، وكالأحاديث التي رويت عن النبي في أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم الأموات (كتاب مجمع الزوائد للهيثمي ج 1 ص 228 طبعة 1352 ه‍). إن هذه الأحاديث التي رواها السنة في الدجال وعرض أعمال الأحياء على الأموات، وما إلى ذاك تماما كالأخبار التي رواها الشيعة في الرجعة عن أهل البيت. فمن شاء آمن بها، ومن شاء جحدها، ولا بأس عليه في الحالين. وما أكثر هذا النوع من الأحاديث في كتب الفريقين (1).

(هامش)

(1) ولنفترض أن الشيعة كلهم أو بعضهم يقولون بالرجعة، فماذا يكون؟. وهل هذا القول كفر وزندقة؟. لقد اعتقد المسلمون منذ أن وجدوا، حتى اليوم أن المسيح (ع) حتى بروحه وجسده، ومع ذلك نشر شيخ الأزهر فضيلة الشيخ محمود شلتوت مقالا مطولا في جريدة الجمهورية المصرية تاريخ 15 / 11 / 1963 قال فيه: إن عيسى قد مات حقيقة، كسائر الأنبياء، ومع ذلك لم يكفر شيخ الأزهر، ولا كفره أحد، فعلام هذا التهويش حول الرجعة.

ص 56

الجفر:

 جاء في بعض مؤلفات السنة والشيعة أن عند أهل البيت علم الجفر، وأنهم يتوارثونه إماما عن إمام إلى جدهم الرسول الأعظم (ص)، ومن كتب السنة التي جاء فيها ذكر الجفر المواقف للايجي، وشرحه للجرجاني الحنفي، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، وقال أبو العلاء المعري، لقد عجبوا لأهل البيت لما * أروهم علمهم في مسك جفر ومرآة المنجم وهي صغرى * أرته كل عامرة وقفر ونفى أفراد من السنة والشيعة ذلك، ولم يعتقدوا بشيء يسمى الجفر عند أهل البيت ولا عند غيرهم. ما هو علم الجفر؟ واختلف القائلون بوجود الجفر في تفسير معناه، فمن قائل بأنه نوع من علم الحروف تستخرج به معرفة ما يقع من الحوادث في المستقبل. ومن قائل بأنه كتاب من جلد (1)، فيه بيان الحلال والحرام، وأصول ما يحتاج إليه الناس من الأحكام التي فيها صلاح دينهم ودنياهم، وعلى هذا فلا يمت الجفر إلى الغيب بصلة. ومن الطريف أن يقول عالم كبير من علماء الأحناف، وهو الشريف الجرجاني بالأول، وإن الجفر الذي عند أهل البيت تستخرج منه الحوادث الغيبية، وأن يخالفه في ذلك عالم كبير من الإمامية، وهو السيد محسن الأمين، ويقول بالثاني، وإنه علم الحلال والحرام فقط. قال جرجاني في كتاب المواقف وشرحه ج 6 ص 22 ما نصه بالحرف: الجفر والجامعة كتابان لعلي رضي الله عنه، وقد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث إلى انقراض العالم، وكان الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما . وقال السيد محسن الأمين في كتاب نقض الوشيعة ص 295: ليس

(هامش)

(1) الجفر في أصل اللغة ولد الشاة إذا عظم واستكرش: ثم أطلق على جلد الشاة. (*)

ص 57

الجفر علما من العلوم، وإن توهم ذلك كثيرون، ولا هو مبني على جداول الحروف، ولا ورد به خبر ولا رواية - إلى أن قال - ولكن الناس توسعوا في تفسيره، وقالوا فيه أقاويل لا تستند إلى مستند، شأنهم في أمثال ذلك . وقال في أعيان الشيعة قسم أول من ج 1 ص 246 طبعة 1960: الظاهر من الخبار أن الجفر كتاب فيه العوم النبوية من حلال وحرام، وما يحتاج إليه الناس في أحكام دينهم، وصلاح دنياهم . السيد الأمين الذي تثق الإمامية كافة بعلمه ودينه ينفي الجفر بمعنى علم الغيب عن أهل البيت، ويثبته علما من أعلام الأحناف، ويقول: عندهم علم ما يحدث إلى انقراض العالم . وبهذا يتبين ما في قول الشيخ أبي زهرة وغيره من الذين جعلوا القول بالجفر من اختصاص الإمامية، ونسبوا لهم الزعم بأن أهل البيت يستخرجون منه علم الغيب. إن غير الإمامية من الفرق الإسلامية يدعون أمثال ذلك، ثم ينسبونه إلى الإمامية، لا لشيء إلا ليشنعوا، ويهوشوا، وكذلك فعلوا في دعوى تحريف القرآن والنقص منه، ودعوى الإيحاء والإلهام. هذا، إلى أن مسألة الجفر ليست من أصول الدين ولا المذهب عند الإمامية، وإنما هي أمر نقلي، تماما كمسألة الرجعة، يؤمن بها من تثبت عنده، ويرفضها إذا لم تثبت، وهو في الحالين مسلم سني، إن كان سنيا، ومسلم شيعي، إن كان شيعيا.

 الخلاصة: إن الإمامية يدينون بأن الإمامة تكون بالنص لا بالانتخاب، وإن محمدا (ص) نص صراحة على علي بن أبي طالب، وإنهم يوجبون العصمة للإمام، وينفون عنه علم الغيب، ويقولون بالتقية عند خوف الضرر، وينفون - متفقين - صفة البداء عن الله المستلزمة للجهل، وحدوث العلم، ويختلفون في الرجعة. مصحف فاطمة: نسب إلى الإمامية القول بأن عند فاطمة بنت الرسول مصحفا، فيه زيادات عن هذا القرآن الكريم، وقبل أن نبين حقيقة هذه النسبة نشير إلى عقيدة المسلمين

ص 58

في صيانة الكتاب العزيز. اتفق المسلمون بكلمة واحدة على أنه لا زيادة في القرآن، ما عدا فرقة صغيرة شاذة من فرق الخوارج، فإنها أنكرت أن تكون سورة يوسف من القرآن، لأنها قصة غرام يتنزه عن مثلها كلام الله سبحانه. ونسب إلى بعض المعتزلة إنكار سورة أبي لهب، لأنها سب وطعن لا يتمشى مع منطق الحكمة والتسامح. ونحن لا نتردد، ولا نتوقف في تكفير من أنكر كلمة واحدة من القرآن، وأن جحود البعض، تماما كجحود الكل، لأنه طعن صريح فيما ثبت عن النبي بضرورة الدين، واتفاق المسلمين أما النقصان بمعنى أن هذا القرآن لا يحتوي على جميع الآيات التي نزلت على محمد، فقد قال به أفراد من السنة والشيعة في العصر البائد، وأنكر عليهم يومذاك المحققون وشيوخ الإسلام من الفريقين، وجزموا بكلمة قاطعة أن ما بين الدفتين هو القرآن المنزل دون زيادة أو نقصان للآية 8 من سورة الحجرات: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . والآية 41 من سورة فصلت: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . واليوم أصبح هذا القول ضرورة من ضرورات الدين، وعقيدة لجميع المسلمين، إذا لا قائل بالنقيصة، لا من السنة، ولا من الشيعة. فإثارة هذا الموضوع، والتعرض له - في هذا العصر - لغو وعبث، أو دس وطعن على الإسلام والمسلمين. وإذا عذرنا محب الدين الخطيب والحفناوي والجبهان وأضرابهم من المأجورين فإنا لا نعذر أبدا الشيخ أبا زهرة، لأنه في نظرنا أجل، وأسمى علما وخلقا من ألف خطيب وخطيب من أمثال محب الدين. لذا وقفنا حائرين متسائلين: ماذا أراد فضيلته من إثارة هذا الموضوع في كتاب الإمام الصادق مع علمه ويقينه أنه أصبح في خبر كان، وأنه لا قائل به اليوم من الشيعة ولا من السنة؟ ماذا أراد الشيخ أبو زهرة من حملته الشعواء على الشيخ الكليني صاحب الكافي الذي مضى على وفاته أكثر من ألف سنة؟ هل يريد الشيخ أن يدخلنا في جدل عقيم، ونحن نطلب الوفاق والوئام معه ومع غيره؟ وحيثما أجلت الكفر في سبب هذه الحملة لم أجد لها تفسيرا إلا التأثر بالبيئة والوراثة. وهل من شيء أدل على ذلك من قوله في ص 36: لا نستطيع قبول روايات

ص 59

الكليني، لأنه الذي ادعى أن الإمام جعفر الصادق قد قال: إن في القرآن نقصا وزيادة، وقد كذبه - كذا - كبار العلماء من الاثني عشرية، كالمرتضى والطوسي وغيرهما، ورووا عن أبي عبد الله الصادق نقيض ما ادعاه الكليني وكرر هذه العبارة وما إليها في صفحات الكتاب مرات ومرات. إن أبا زهرة يصور الكليني، وكأنه قد تفرد بهذا القول دون غيره، وتصويره هذا بالتضليل أشبه، كما يتضح مما يلي: ولست أدري كيف ذهل الشيخ عن وجه الشبه فيما نقله الكليني في الكافي، وما نقله كل من البخاري ومسلم في صحيحه؟ قال البخاري في ج 8 ص 209 طبعة سنة 1377 ه‍: جلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي؟ فمن عقلها ووعاها فليحدث بها، حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي. إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، ورجم رسول الله ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل، أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ونقل البخاري أيضا في ص 86 ج 9 باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء عن عمر ابن الخطاب أنه قال: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي . هذا ما جاء على لسان الخليفة الثاني في صحيح البخاري، وروى هذا الحديث مسلم في صحيحه ص 107 القسم الأول من الجزء الثاني طبعة سنة 1348 ه‍، ولم يذكر فيه أن لا ترغبوا عن آبائكم إلخ مع العلم بأن ليس في القرآن ما يشعر بوجوب الرجم والرغبة عن الآباء. وقال السيوطي في الاتقان ج 1 ص 60 مطبعة حجازي بالقاهرة: أول من جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيد، وكان

ص 60

الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل، وإن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع أبي خزيمة بن ثابت، فقال - أي أبو بكر - اكتبوها، فإن رسول الله (ص) جعل شهادته بشهادة رجلين، فكتب، وإن عمر أتى بآية الرجم، فلم يكتبها، لأنه كان وحده . وإذا كان أبو زهرة لا يقبل أحاديث الكليني، لأنه روى حديث التحريف - كما قال - فعليه أن لا يقبل أحاديث البخاري جملة وتفصيلا، لمكان هذا الحديث الصريح الواضح بالتحريف بشهادة عمر بن الخطاب. إن ما ذكره الكليني في هذا الباب لا يختلف في النتيجة عما ذكره البخاري ومسلم. فلماذا تحامل الشيخ على الكليني، وسكت عنهما؟ بل قال أبو زهرة في كتاب الإمام زيد ص 245: والبخاري ذاته، وهو أصح كتب السنة إسنادا قد أخذت عليه أحاديث وما كان ذلك مسوغا لتكذيب البخاري ولا مسوغا لنقض الصحيح الذي رواه وعدم الأخذ به. وأيضا روى البخاري في الجزء الرابع باب طفة إبليس وجنوده عن عائشة أنها قالت: سحر النبي، حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله . وقد كذبه في ذلك الجصاص أحد أئمة الحنيفة، قال ما نصه بالحرف: وقد أجازوا من فعل الساحر ما هو أطم وأفظع، ذلك أنهم زعموا أن النبي (ص) سحر، وأن السحر عمل فيه، حتى قال: إنه يخيل لي أني أقول الشيء، ولا أقوله، وأفعله، ولم أفعله - إلى أن قال الجصاص -: ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين . (الجزء الأول من أحكام القرآن للجصاص ص 55 طبعة سنة 1347 ه‍ . وكذب البخاري في ذلك أيضا الشيخ محمد عبدة في تفسيره لسورة الفلق، حيث قال: وقد رووا أحاديث أن النبي (ص) سحر. حتى كأنه يفعل الشيء، وهو لا يفعله، أو يأتي شيئا، وهو لا يأتيه. وهذا يصدق قول المشركين فيه. إن تتبعون إلا رجلا مسحورا . وليس المسحور إلا من خولط في عقله، وخيل إليه أن شيئا يقع، وهو لا يقع، فيخيل إليه أنه يوحى إليه، ولا يوحى إليه . والآن، وبعد هذه الأرقام بماذا تجيب - أيها الشيخ -؟ قلت: إنك لا تقبل روايات الكليني، لأن الطوسي والمرتضى كذباه في رواية التحريف. ونقول

ص 61

لك: إن الإمام الجصاص، والإمام عبدة كذبا البخاري في رواية سحر النبي. وقال الأول: إن هذا من وضع الملحدين. وقال الثاني إن السحر يستلزم تصديق المشركين وتكذيب الرسول. وعليه فأنت بين أمرين: إما أن لا تقبل روايات البخاري والكليني معا، وإما أن تقبلهما معا، ولا أظنك تفعل هذا ولا ذاك. بل تقبل البخاري، دون الكليني، وتناقض نفسك بنفسك. وهذا هو منطق كل من رد وتحامل على علماء الإمامية. لقد ذهل الشيخ أبو زهرة عن ذلك، وذهل أيضا عن أن مخالفة المرتضى والطوسي للكليني إنما هي كمخالفة مالك لأبي حنيفة، والشافعي للاثنين، وأحمد لثلاثة في كثير من المسائل. وإذا كان اختلاف علماء الإمامية فيما بينهم يستدعي طرح أقوالهم كلا أو بعضا فكذلك الأمر بالنسبة إلى علماء السنة، وأئمة المذاهب. إن اختلاف أنظار العلماء في صحة الحديث وضعفه كاختلافها في الأحكام نفسها لا يستدعي تكذيبهم، وطرح أقوالهم. بل إن أبا زهرة صرح في كتاب المذاهب الإسلامية ص 21 بأن الخلاف الذي نتج عن الاستنباط كان محمود العاقبة حسن النتيجة. فهل هذا الحسن يختص بعلماء طائفة دون أخرى؟ وبعد هذه الوقفة القصيرة مع الشيخ أبي زهرة نعود إلى الحديث عن مصحف فاطمة، وقد جاء ذكره في أخبار أهل البيت مع تفسيره، وأنه كان من إملاء رسول الله على علي، قال الإمام الصادق: عندنا مصحف فاطمة، أما والله، ما فيه حرف من القرآن، ولكنه من إملاء رسول الله، وخط علي. قال السيد محسن الأمين في الأعيان قسم أول من ج 1 ص 248: إن نفي الإمام الصادق أن يكون فيه شيء من القرآن لكون تسميته بمصحف فاطمة يوهم أنه أحد النسخ الشريفة فنفى هذا الايهام. وفي كتاب الكافي أن المنصور كتب يسأل فقهاء أهل المدينة عن مسألة في الزكاة، فما أجابه عنها إلا الإمام الصادق، ولما سئل من أين أخذ هذا؟ قال: من كتاب فاطمة. إذن مصحف فاطمة كتاب مستقل وليس بقرآن. فنسبة التحريف إلى الإمامية على أساس قولهم بمصحف فاطمة جهل وافتراء. والأولى نسبة هذا القول إلى الذين زعموا بأن لعائشة قرآنا، فيه زيادات عن هذا القرآن. قال جلال الدين السيوطي في كتاب الاتقان ج 2 ص 25 طبعة

ص 62

حجازي بالقاهرة ما نصه بالحرف: قالت حميدة بنت أبي يونس: قرأ أبي، وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وعلى الذين يصلون الصفوف الأولى . أرأيت كيف يتهمون غيرهم بما هم به أولى، تماما كما فعلوا في مسألة الجفر، ومسألة الإيحاء وغيرهما.. وبالتالي، فإن غرضي من هذا الفصل، وما سبق من الفصول أن أثبت بالأرقام أنه لا شيء عند الإمامية إلا ويوجد له أصل عند السنة تفصيلا أو إجمالا، منطوقا أو مفهوما، وعليه فلا وجه لطعن أبي زهرة، ومن تقدم، أو تأخر. اللهم إلا التعصب وتأكيد الانقسام والافتراق (1).

(هامش)

(1) وقع في يدي كتاب، وأنا أحرر هذا الفصل، وكنت أبحث وأفتش في المكتبات التجارية وغيرها عن المصادر، واسم الكتاب حركات الشيعة المتطرفين، وأثرهم في الحياة الاجتماعية والأدبية لمدن العراق إبان العصر العباسي الأول لمحمد جابر عبد العال مدير الشؤون الاجتماعية بجامعة القاهرة، خبط فيه كاتبه خبط عشواء، وشحنه بالكذب والافتراء، شأنه في ذلك شأن أسلافه الكثيرين، ولكن كلمة حق ظهرت على فلتات قلمه، وهو يكتب مقدمة الكتاب من حيث يريد أو لا يريد، قال: إننا نعلم أن بين أهل السنة من تعصب على الشيعة، وأمعن في ذلك إمعانا جعله يرميهم دون تثبيت باتهامات يتبين لذي العين البصيرة أنها باطلة، أملاها التعصب والتشاحن المذهبي .. (*)

ص 63

الشيعة والفرس

 قال الدكتور طه حسين في كتاب علي وبنوه : إن خصوم الشيعة نسبوا إليهم ما يعلمون وما لا يعلمون . وكرر ذلك في صفحات الكتاب، لشتى المناسبات، منها قوله في ص 187 طبعة دار المعارف بمصر: لا يكتفي خصوم الشيعة من الشيعة بما يسمعون عنهم، أو بما يرون من سيرتهم، وإنما يضيفون إليهم أكثر مما قالوا، وأكثر مما سمعوا، ثم لا يكتفون بذلك، وإنما يحملون هذا كله على علي نفسه، وعلى معاصريه (1). وقال في ص 189: وخصومهم واقفون لهم بالمرصاد يحصون عليهم كل ما يقولون ويفعلون، ويضيفون إليهم أكثر مما قالوا، وما فعلوا، ويحملون عليهم الأعاجيب من الأقوال والأفعال، ثم يتقدم الزمان، وتكثر المقالات، ويذهب أصحاب المقالات في الجدال كل مذهب، فيزداد الأمر تعقيدا وإشكالا، ثم تختلط الأمور بعد أن يبعد عهد الناس بالأحاديث، ويتجاوز الجدال خاصة الناس إلى عامتهم، ويتجاوز الذين يحسنونه إلى الذين لا يحسنونه، ويخوض فيه الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فيبلغ الأمر أقصى ما يمكن أن يبلغ من الإيهام والإظلام، وتصبح الأمة في فتنة عمياء لا يهتدي فيها إلى الحق إلا الأقلون. وقال في ص 98 و99: إن ابن سبأ كان متكلفا منحولا (2) قد اخترع بآخرة حين كان الجدال بين

(هامش)

(1) وسنرى في الفصل التالي أن أحمد أمين في أيامه الأخيرة نقض أقواله بحق الشيعة التي سطرها في فجر الإسلام وضحاه. وهكذا يشهد قطبان كبيران بأن الشيعة اتهموا بأشياء كذبا وافتراء. (2) ألف السيد مرتضى العسكري كتابا في ابن سبأ أثبت بالأرقام أنه منحول لا وجود له في الواقع. (*)

ص 64

الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية. أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب - أي مذهب الشيعة - عنصرا يهوديا إمعانا في الكيد لهم، والتنكيل بهم. إن ابن سبا شخص أدخره خصوم الشيعة للشيعة وحدهم، ولم يدخروه للخوارج . هذي هي الصفات التي تميز خصوم الشيعة اليوم، وقبل اليوم: جدال بدون علم ومعرفة، واختراع أشخاص لا أساس لهم ولا أصل، لغاية الكيد والتنكيل، وافتراء الأعاجيب والأكاذيب، لا شاعة الفتنة والتضليل. أدرك ذلك كله، وشهد به الدكتور طه حسين حين بحث التاريخ موضوعيا وللحقيقة وحدها، مجردا عن الأهواء والغايات، وأعلن هذه الحقيقة بلسان واضح مبين، وقدم الشواهد والدلائل، وقد أشرنا - فيما تقدم - إلى طرف منها، ونذكر الآن لونا آخر من الأكاذيب التي تهدف فيما تهدف إلى إخراج الشيعة من الإسلام كلية: لقد زعم خصوم الشيعة فيما زعموا أن التشيع دين مستقل ابتدعه الفرس كيدا، للإسلام الذي أزال ملكهم، وأباد سلطانهم، فأرادوا الانتقام منه، فلم يستطيعوا، فأدخلوا عليه البدع والضلال متسترين باسم التشيع. وفند هذا الزعم بالأدلة والأرقام السيد محسن الأمين في الجزء الأول من أعيان الشيعة ، والشيخ محمد حسين المظفر في تاريخ الشيعة ، وكثير من المستشرقين، منهم فلهوزن في كتاب الخوارج والشيعة وآدم متز في كتاب الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري وجولد تسهير في كتاب العقيدة والشريعة ، وغيرهم. ويتلخص ما ذكروه من الردود، وما نضيفه إليها بما يلي: 1 - أثبتنا فيما تقدم أن النبي (ص) هو الباعث الأول لفكرة التشيع، وأرجعنا ما تدين به الإمامية إلى نصوص الكتاب والسنة، وذكرنا عددا وافرا من الصحابة الذين قالوا بوجود النص على علي بالخلافة. 2- قال السيد الأمين في القسم الأول من الجزء الأول ص 49 طبعة سنة 1960: إن الفرس الذين دخلوا الإسلام لم يكونوا شيعة في أول الأمر إلا القليل منهم. وجل علماء السنة وأجلاؤهم من الفرس، كالبخاري والترمذي

ص 65

والنسائي وابن ماجة، والرازي والبيضاوي وفخر الدين الرازي، وصاحب القاموس والزمخشري والتفتازاني، وأبي القاسم البلخي والقفال والمروزي والشاشي والنيسابوري والبيهقي، والجرجاني والراغب الاصفهاني والخطيب التبريزي، وغيرهم ممن لا يبلغهم الاحصاء. ومن دخل من الفرس وتشيع فحاله حال من تشيع من سائر الأمم، كالعرب والترك والروم وغيرهم لا باعث له إلا حب الإسلام، وحب آل الرسول، فأسلم وتشيع عن رغبة واعتقاد. وإذا جاز أن يقال: إن الفرس تشيعوا كيدا للإسلام، لأنه قهرهم جاز أن يقال: إن غير الفرس تسننوا كيدا للإسلام، لأنه غلب وقهر الجميع لا الفرس وحدهم. والحقيقة أن بعض الفرس دان بالتشيع للسبب الذي دان به غيرهم بالتشيع، وبعضهم دان بالتسنن للسبب الذي دان به غيرهم بالتسنن، سنة الله في خلقه. إن الذين نشروا التشيع في قم وأطرافها الأشعريون، وهم عرب صميمون هاجروا إليها من الكوفة في عصر الحجاج، وغلبوا عليها، واستوطنوها، وانتشر التشيع في خراسان بعد خروج إليها وزاد الانتشار واتسع في إيران في عصر الصفوية الذين نصروا التشيع، وهم عرب، لأنهم سادة أشراف من نسل الإمام موسى بن جعفر، لا يمكن بحال أن يتعصبوا للأكاسرة، والذين يجوز في حقهم ذلك هم قدماء الفرس، وهؤلاء جلهم كان على مذهب التسنن . أثبت السيد الأمين أن الذين نشروا التشيع وناصروه في إيران هم بين عربي أصيل، كالإمام الرضا والأشعريين (1) أو من أصل عربي كالصفوية، وأن الذين دعموا التسنن وناصروه هم فرس أقحاح، كالبخاري والنسائي والرازي وغيرهم. فإن كان للفرس مقاصد وأهداف ضد الإسلام، كما زعم خصوم الشيعة فأولى ثم أولى أن يحاولوا تحقيق غاياتهم عن طريق التسنن لا التشيع، إذ

(هامش)

(1) في سنة 83 ه‍ خرج ابن الأشعث على الحجاج، ثم هزم جيشه وتفرق في البلاد، وكان بينهم خمسة إخوة: عبد الله والأحوص وعبد الرحمن وإسحق ونعيم أبناء سعد بن مالك بن عامر الأشعري، فاجتمع الخمسة وتغلبوا على بعض القرى القريبة من قم، واجتمع إليهم بنو عمهم، وكان المتقدم من هؤلاء عبد الله وكان له ولد يتشيع، فانتقل من تلك القرى إلى قم، ونقل التشيع إلى أهلها (الكنى والألقاب) ترجمة القمي.

ص 66

المفروض أن سبب التشيع في إيران يرجع إلى عنصر عربي، والتسنن إلى عنصر فارسي صرف. ولكن خصوم الشيعة موهوا وضللوا، وعكسوا الآية، لا لشيء إلا للكيد والتنكيل، كما قال الدكتور طه حسين. وهكذا فعلوا في مسألة الجفر وعلم الغيب. وقال الشيخ محمد حسين المظفر في تاريخ الشيعة ص 8 المطبعة الزهراء بالنجف: كان للإمام ثلاث حروب: الجمل، وصفين والنهروان. وكان جيشه كله عربا أقحاحا بين عدنانية وقحطانية. أكانت قريش من الفرس أم الأوس والخزرج، أم مذحج، أم همدان، أم طي، أم كندة، أم تميم، أم مضر، أم أشباهها من القبائل؟ وهل كان زعماء جيشه غير رؤساء هذه القبائل؟ أكان عمار فارسيا، أم هاشم المرقال، أم مالك الأشتر، أم صعصعة بن صوحان، أم أخوه زيد، أم قيس بن سعد، أم ابن عباس، أم محمد بن أبي بكر، أم حجر بن عدي، أم عدي بن حاتم، وأمثال هؤلاء من القواد؟ . أما أصحاب الحسن والحسين فكلهم عرب، وجلهم من أصحاب أبيهما أمير المؤمنين. وقال المستشرق فلهوزن في كتاب الخوارج والشيعة ص 241 طبعة سنة 1958 يرد على المستشرق دوزي الذي زعم أن التشيع كمذهب ديني إيراني الأصل: أما أن آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيين فهذا أمر لا سبيل إلى الشك فيه، أما كون هذه الآراء قد انبعثت من الإيرانيين فليست تلك الملاءمة دليلا عليه، بل الروايات التاريخية تقول بعكس ذلك، إذ تقول: إن التشيع الواضح الصريح كان قائما أولا في الدوائر العربية، ثم انتقل بعد ذلك منها إلى الموالي . وقال في ص 148: كان جميع سكان العراق في عهد معاوية خصوصا أهل الكوفة شيعة، ولم يقتصر هذا على الأفراد بل شمل القبائل ورؤساء القبائل. وهذا يعزز ما قاله السيد الأمين في الأعيان من أن التشيع في إيران جاء من أصل عربي لا من أصل فارسي . وقال المستشرق آدم متز في كتاب الحضارة الإسلامية ص 102 وما بعدها

ص 67

طبعة سنة 1957 ما ملخصه: إن مذهب الشيعة ليس كما يعتقد البعض رد فعل من جانب الروح الإيرانية، يخالف الإسلام. فقد كانت جزيرة العرب شيعة كلها عدا المدن الكبرى، مثل مكة وتهامة وصنعاء، وكان للشيعة غلبة في بعض المدن أيضا، مثل عمان وهجر وصعدة. أما إيران فكانت كلها سنة ما عدا قم وكان أهل أصفهان يغالون في معاوية، حتى اعتقد بعض أهلها أنه نبي مرسل، كما نقل المقدسي . وإذا كان الفرس هم سبب التشيع في إيران وغير إيران، هل جاء غلو بعض أهالي أصفهان في معاوية، ورفعه إلى منصب النبوة والرسالة، هل جاء هذا الغلو في معاوية نتيجة لتشيع الفرس؟ إنه لغريب حقا منطق خصوم الشيعة، كما قال الدكتور طه حسين. قالوا: إن الغلو في علي جاء من الفرس. ثم ينقل علم من علمائهم مثل المقدسي أن بعض الفرس غالى في معاوية، حتى جعلوه نبيا مرسلا. ثم كيف ومن أين وصل التشيع إلى جزيرة العرب؟ هل جاء إليها من الفرس، والتاريخ يقول: إن الفرس كانوا على التسنن حين كان سكان الجزيرة العربية على التشيع؟ وهكذا يقع في التناقضات من يضفي على التاريخ صفته الذاتية العدائية، ثم يبني عليه آراءه وأحكامه. وقال المستشرق جولد تسهير في كتاب العقيدة والشريعة ص 204 طبعة 1946: إن من الخطأ القول بأن التشيع في منشئه، ومراحل نموه يمثل الأثر التعديلي الذي أحدثته أفكار الأمم الايرانية في الإسلام، بعد أن اعتنقته، أو خضعت لسلطانه عن طريق الفتح والدعاية، وهذا الوهم الشائع مبني على سوء فهم الحوادث التاريخية. فالحركة العلوية نشأت في أرض عربية بحتة (1) وما هؤلاء

(هامش)

1 - إن علماء المسلمين العرب هم الذين أدخلوا التشيع إلى فارس، وأرشدوا الفرس إليه. بشهادة الشيخ أبي زهرة قال في كتاب الإمام جعفر الصادق ص 945: أما فارس وخراسان، وما وراءهما من بلدان الإسلام فقد هاجر إليها كثيرون من علماء الإسلام الذين كانوا يتشيعون فرارا بعقيدتهم من الأمويين أولا، ثم العباسيين ثانيا، وإن التشيع كان منتشرا في هذه البلاد انتشارا عظيما، قبل سقوط الدولة الأموية بفرار أتباع زيد ومن قبله إليها . فالفرس - إذن - تشيعوا على أيدي العرب، ولم يخلقوا التشيع من تلقائهم كيدا للإسلام.

ص 68

المستشرقون الثلاثة كل من نطق بهذه الحقيقة. فهناك كثيرون غيرهم قالوا هذا القول، دون أن يقصدوا الذب والدفاع عن الشيعة، وعقيدة التشيع، وإنما هدفهم الأول بيان الحقيقة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة. وكنا في غنى عن الاستشهاد بأقوالهم، لو تحرر خصوم الشيعة عن التعصب الأعمى، ونزوات الأهواء والأغراض. هذا، إلى أن السنة قد أخذوا بعض العادات من غيرهم، كعيد رأس السنة الهجرية الذي أحدثوه في زماننا، وعيد المولد النبوي الشريف تقليدا للمسيحيين الذين يحتفلون بميلاد السيد المسيح، ورأس السنة الميلادية. وكان علماء السنة، في القرن الثامن الهجري يعدون الاحتفال بالمولد النبوي مخالفا للسنة، لأنه لا عيد في الإسلام إلا عيد الأضحى وعيد رمضان، وصدرت فتاوى من شيوخهم بتحريمه، على اعتبار أنه بدعة وضلالة (1). ولو أردنا أن نتعصب لقلنا: إن مذهب التسنن مأخوذ من المسيحيين، لا من الكتاب والسنة. وبالتالي، فإن الذي اجتذب الفرس وغير الفرس إلى التشيع هو الإسلام الصحيح، وحب الرسول وآله، واستشهاد الخيار في سبيله، وملاءمته للحياة، ومناصرته للضعفاء والمضطهدين، أجل، كان الفرس منذ عهد الصفويين، حتى اليوم من أقوى الدعائم للشيعة، ومذهب التشيع، وهذا هو السر الذي بعث خصوم الشيعة على أن يصوروا الفرس، وكأنهم أعدى أعداء الإسلام، مع العلم بأنه لولا الفرس لم يكن للمسلمين هذا العدد الضخم من العلماء الذين نفاخر بهم أمم الشرق والغرب، ولا كان للإسلام هذه المكتبة المتخمة بألوف المجلدات في شتى العلوم، ولسنا نعرف أمة خدمت الإسلام، ولغة القرآن كالفرس، ولو أحصيت المكتبة الإسلامية والعربية لكان سهم الفرس منها أوفى من أسهم بقية المسلمين مجتمعين. إن الفرس لم يتستروا باسم التشيع، ليكيدوا للإسلام، بل إن أعداء الإسلام باسمه، ليكيدوا للتشيع بعامة، والفرس بخاصة، لأنهم كانوا وما زالوا من أقوى أركان الإسلام وأنصاره. وهل من شيء أدل على عداوة هؤلاء للحق والإسلام من تشنيعهم على الشيعة،

(هامش)

(1) نقله بعض المؤلفين عن كتاب بيت الصديق للبكري ص 404 طبعة 1323 ه‍. (*)

ص 69

وسكوتهم عن الخوارج الذين قال عنهم النبي (ص): إنهم يمرقون من الإسلام، كما يمرق السهم من الرمية. بل إن الشاطبي أوصى بالستر عليهم، وعدم التعرض لهم، مع اعترافه بمروقهم من الدين. قال في كتاب الموافقات ج 4 ص 178 وما بعدها مطبعة الرحمانية بمصر ما ملخصه: قال النبي: إن من ضئضئي هذا - يعني ذا الخويصرة - قوما يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام 7 ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام، كما يمرق السهم من الرمية. وقد بين النبي بهذا الحديث من مذهبهم في معاندة الشريعة أمرين: أحدهما: اتباع القرآن على غير تدبر، ولا نظر في مقاصده ومعاقده. ثانيهما: قتل أهل الإسلام، وترك أهل الأوثان. وذكر الناس من آرائهم غير ذلك، كتكفيرهم لأكثر الصحابة وغيرهم، ومنه سرى قتلهم لأهل الإسلام، وأن الفاعل للفعل إذا لم يعلم بأنه حلال، أو حرام فليس بمؤمن. وأن الإمام إذا كفر كفرت رعيته كلهم شاهدهم وغائبهم، وأن التقية لا تجوز في قول ولا فعل على الإطلاق والعموم، والقاذف للرجال لا يحد. وأن الله سيبعث نبيا من العجم بكتاب ينزله الله عليه جملة واحدة، ويترك شريعة محمد. وإنكارهم سورة يوسف من القرآن، وأشباه ذلك، وكلها مخالفات شرعية. ولكن الغالب في هذه الفرق أن يشار إلى أوصافهم ليحذر منها، ويبقى الأمر في تعيينهم مرجى. ولعل عدم تعيينهم هو الأولى الذي ينبغي أن يلتزم، ليكون سترا على الأمة. وقد أمرنا بالستر على المذنبين . وإذا أمرنا بالستر على من خرج من الإسلام، فهل يجب التقبيح والتشنيع على من هم من الإسلام في الصميم؟! وغريب أن يقول عالم كالشاطبي: إن النبي أخرج الخوارج من الإسلام، ثم يزعم أن أمرهم مرجى إلى الله، ويوصي بالستر عليهم، والسكوت عنهم. أليس معنى هذا قال النبي، وأقول؟!

ص 70

أحمد أمين يعترف في أيامه الأخيرة

 هاجم أحمد أمين في كتاب فجر الإسلام وضحاه الإمامية هجوما عنيفا، ورد عليه يومذاك علماؤهم ردا منطقيا، وأثبتوا بشهادة التاريخ وكتبهم العقائدية أنه أحل العاطفة محل العقل، والتعصب محل العدل، والخيال محل الواقع. ومن الذين تصدوا للرد عليه المرحوم كاشف الغطاء في كتاب أصل الشيعة وأصولها . وبعد مضي عشرين عاما، أو أكثر على مهاجمته تلك أصيب بنظره، وعجز عن القراءة والكتابة، وفي أيامه الأخير - سنة 1952 - استعان بغيره، وأملى عليه كتابا أسماه يوم الإسلام اعترف فيه من حيث لا يحس ولا يشعر بما كان قد أنكره على الإمامية، من ذلك: استنكاره مبدأ النص على خليفة الرسول، وزعمه بأنه بدعة استوردها الشيعة من الخارج، وأن النبي أقر مبدأ الشورى والانتخاب. ثم ناقض نفسه، ورد عليها بنفسه، حيث اعترف في كتاب يوم الإسلام بأن النبي (ص) أراد أن يكتب في مرضه الذي مات فيه كتابا يعين من يلي الأمر بعده، فحال عمر دون إرادته. وهذا ما قاله صاحب فجر الإسلام بالحرف الواحد في كتابه الأخير يوم الإسلام ص 41 طبعة 1958: أراد رسول الله (ص) في مرضه الذي مات فيه أن يعين من يلي الأمر بعده، ففي الصحيحين - البخاري ومسلم - أن رسول الله لما احتضر قال: هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده وكان في البيت رجال منهم عمر بن الخطاب، فقال

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الشيعة في الميزان

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب