الرد على شبهات الوهابية

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الرد على شبهات الوهابية

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 3

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تعتبر مسألة الوحدة الإسلامية، واحدة من أهم المسائل التي تحتاجها الأمة الإسلامية اليوم، حيث نلاحظ وللأسف أن بعض الأفراد يحاولون جاهدين إثارة الخلاف بين المسلمين، وتضعيف القوى الإسلامية، وهؤلاء إما أن يكونوا جهالا أو عملاء، وقد يتوسل هؤلاء بالكذب والافتراء والبهتان لتحقيق مآربهم. وينبغي الالتفات هنا إلى أن البحث العلمي وتوضيح نقاط الخلاف والابهام وذكر الأدلة والبراهين على أساس التفاهم والأخوة، ليس فقط لا ينافي الوحدة الإسلامية، بل أنه يكون أحيانا خطوة موفقة في سبيل إزالة الاختلافات والتحرك نحو الوحدة الإسلامية. وقد وصل إلى أيدينا أخيرا منشور لم نعرف وللأسف كاتبه وناشره، وردت فيه مقارنة بين بعض عقائد أهل السنة، مع عقائد الشيعة الإمامية

ص 4

(وقد ذكروا بعبارة الرافضة). وبما أن مطالعة مثل هذه المنشورات من قبل عامة الناس الذين ليس لهم اطلاع على حقيقة الأمور، قد تكون منشأ لإثارة الشبهات والاضلال والانحراف، قررنا هنا بيان آراء الشيعة الإمامية حول ما جاء في ذلك المنشور، لصيانة قرائه عن الانحراف والضلال.

 القرآن الكريم

 تعتقد الشيعة الإمامية بأن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي لعامة المسلمين في العالم، أنزله الله عز وجل بواسطة جبرئيل على نبيه الأكرم محمد (ص)، وأن هذا الكتاب المقدس مصون ومحفوظ عن التحريف وقد تعهد عز وجل بهذا الحفظ بقوله تعالى (1): إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون .

(هامش)

1 - سور الحجر، الآية 9 (*)

ص 5

وعلى أساس هذا الضمان الإلهي، فالقرآن الكريم مصون من التحريم، ولهذا فإن المسلمين مخالفون لفكرة التحريف وقد وقفوا ضدها. ولا بد هنا من الإشارة إلى بعض النقاط:

 1 - المستفاد من بعض الروايات الواردة من طرق أهل السنة، هو أن آيات القرآن المجيد أكثر مما هي عليه الآن، وإن كثيرا من آياته قد حذفت أو سقطت. فقد جاء في كتاب الإتقان للسيوطي (1) نقلا عن معجم الطبراني، عن عمر بن الخطاب: إن القرآن المجيد يحتوي على (000 , 270 , 1) حرف، والقرآن الموجود الآن يحتوي على أقل من ثلث هذا الرقم، وهذا يعني أن أكثر من ثلثي القرآن قد حذف منه. كما ورد في الكتاب المذكور (2) عن عائشة بأن سورة الأحزاب في زمن الرسول محمد (ص) كانت تشتمل على (200) آية، ولما أراد عثمان في زمن خلافته جمع آيات القرآن، لم يعثر على أكثر مما هو

(هامش)

1 - الإتقان، ج 1، ص 220، دار ابن كثير دمشق بيروت. 2 - الإتقان، ج 2، ص 718، دار ابن كثير دمشق، بيروت. (*)

ص 6

موجود الآن. وهناك موارد أخرى (1) يستفاد منها بأن آيات القرآن الكريم كانت أكثر من المقدار الموجود الآن. كما أن المستفاد من بعض أحاديث الشيعة (2) بأن القرآن الكريم كان يشتمل على (17000) آية. وينبغي الالتفات إلى أن ذكر هذه الأحاديث في مصادر الحديث الإسلامية لا يجيز لنا نسبة التحريف إلى تلك المنابع، إذ لا يعني ذكر الأحاديث في تلك الكتب أنهم يقولون بحجيتها، هذا أو لا، وثانيا: قد توجه تلك الأحاديث بشكل يتلائم مع القول بعدم التحريف، كما ذكر شرح تلك الأحاديث والمراد منها بشكل تفصيلي في كتب الفريقين.

 2 - إن وجود عدة قليلة ممن يقول بنقصان القرآن، في مذهب من المذاهب، لا يعني أن نفس المذهب يتبنى هذا الرأي، وعليه فمع وجود من

(هامش)

1 - الإتقان، ج 2، ص 718، طبع دار ابن كثير - دمشق - بيروت. 2 - الكافي، ج 2، ص 463 ط، المكتبة الإسلامية. طهران. (*)

ص 7

يقول بتحريف القرآن بمعنى نقصان بعض آياته، لا يمكن اتهام المذهب الذي ينتمي إليه القائل، بالقول بالتحريف، اعتمادا على أن بعض علماء هذا المذهب يقولون بالتحريف، في حين أن جمهور علمائهم يخالفون هذا المعتقد، فنظر جمهور العلماء في هذه المسألة هو المعيار.

 3 - إن بعض من طالع أحاديث مصحف فاطمة (عليها السلام) في كتب الشيعة، ظن أن الشيعة عندهم قرآن آخر، وذلك لأن كلمة مصحف وردت في هذه الأحاديث فصار ذلك سببا لتوهم هؤلاء، في حين أن كلمة المصحف تعني في اللغة (1) الصحيفة والكتاب وما بين الدفتين، وما جاء في بعض تلك الأحاديث من أن ما في مصحف فاطمة (عليها السلام) قد جاء به جبرئيل وأن عليا (ع) كان يكتب ذلك، لا يدل على أن محتواه كان قرآنا، إذ ورد في تلك الأحاديث أن المصحف المذكور ليس قرآنا، وإنما هو في الحوادث والوقائع المستقبلية (2)، ووجود المحدث (الذي تحدثه

(هامش)

1 - لسان العرب ج 7، ص 291 ط، دار إحياء التراث العربي، بيروت. القاموس المحيط، ج 3، ص 161 ط، دار المعرفة، بيروت. 2 - بحار الأنوار، ج 26، ص 41 ط، مؤسسة الوفاء بيروت. (*)

ص 8

الملائكة) بعد الرسول الأكرم (ص)، ثابت ومسلم في نظر الأحاديث الشيعية والسنية، ولا ينكره أحد. (1) وبناء على ذلك، فإن مصحف فاطمة (عليها السلام) ليس قرآنا، فقرآن الشيعة نفس القرآن الموجود عند الآخرين وهو الموجود حاليا في أيدي المسلمين والذي يتلوه الجميع، ويقيمون المسابقات في حفظه وتلاوته وتفسيره كما في ايران وغيرها من الدول الإسلامية، فليس للشيعة إلا هذا القرآن، وهو الذي يستند العلماء والمحققون عليه في كتاباتهم وخطاباتهم ويستندون إلى آياته. ولا نجد اختلافا في نقل آياته أبدا، فلو كان للشيعة قرآن آخر غير هذا، لسمعنا هم يتلونه في محافلهم، ويستندون إلى آياته في أبحاثهم وتفاسيرهم، والحال أن شيئا من ذلك لم يسمع ولم يشاهد منهم. وعليه، فإن أولئك الذين يدعون بأن للشيعة قرآنا آخر غير هذا القرآن

(هامش)

1 - صحيح البخاري، ج 5، ص 72، كتاب فضائل أصحاب النبي (ص) باب مناقب عمر بن الخطاب، ج 208، دار القلم، بيروت. (*)

ص 9

الموجود بين أيدي المسلمين، لا يريدون إلا إثارة الفتن والاختلافات بين المسلمين.

 4 - إن الشيعة الإمامية، ترى بأن آيات القرآن الكريم تدل دلالة واضحة على مذهب التشيع، وقد أوضحت هذه الدلالة في كتب التفسير والحديث والكلام الشيعية، وحمل هذه الآيات على غير هذا المعنى الظاهر، نوع من التحريف (التحريف المعنوي) الذي لا بد أن يجتنب جدا.

 الحديث

تعتبر السنة الشريفة أحد مصادر التشريع عند الشيعة إلى جنب القرآن الكريم، وهي عندهم بمعنى قول أو فعل أو تقرير (إمضاء) المعصوم، والحديث إنما يحكي عن السنة إذا كان بضوابط ومعايير معينة وموجودة في علم الرجال والرواية. وعلى هذا الأساس، فإن الحديث إنما يكون معتبرا عندهم فيما إذا كان جميع رواته من الثقاة، وأما الحديث المرسل، أو كان أحد رواته ضعيفا أو

ص 10

مجهولا، فغير معتبر عندهم. وعليه فالأحاديث الواردة بسند صحيح عن النبي الأكرم (ص)، هي الحجة، وكذا الأحاديث الواردة عن أئمة الشيعة المعصومين (عليهم السلام)، لأن الشيعة الإمامية تعتقد وبالاستناد إلى أدلة قاطعة ذكرت في كتبهم الكلامية بعصمة الأئمة الاثني عشر، وأن كلامهم هو سنة رسول الله (ص). وللشيعة عشرات الكتب الرجالية، كتبت لاهتمامهم بأمر سند الأحاديث ومعرفة الرواة. وعلى هذا، فإن ما نسب للشيعة من عدم اهتمامهم بسند الأحاديث، واعتمادهم على الأحاديث المرسلة، لا يعدو كونه افتراءا محظا، نعم توجد بعض الأحاديث المرسلة والضعيفة السند في مصادرهم الحديثية كما يوجد ذلك في كتب حديث أهل السنة، وذكر حديث في كتاب لا يعني اعتبار ذلك الحديث، إلا إذا ورد من الخارج دليل على أن صاحب الكتاب لم يذكر في كتابه الحديث الضعيف.

 

ص 11

 الصحابة

 أن الشيعة الإمامية تكرم الصحابة وتمجدهم وتثني عليهم، استنادا إلى الكتاب والسنة، والصحابة عندهم هم أولئك الذين آمنوا بالنبي (ص)، ولم يبخلوا بأموالهم وأنفسهم عنه، والذين آثروا وجاهدوا وثبتوا على الصراط المستقيم إلى آخر حياتهم ولم ينحرفوا، وهذا المعنى وإن تحقق في جمع غفير من الصحابة، إلا أن الصحابة لم يكونوا بأجمعهم كذلك، فقد عد القرآن المجيد بعض الصحابة متخلفين عن الجهاد (1) أو فاسقين (2) أو كاذبين (3) كما أنه ورد في بعض منابع الحديث السنية وفي صحاحهم أن بعض الصحابة ارتدوا بعد النبي (ص) (4) أو أنهم أحدثوا (5) في الدين، أو بدلوا فيه، (6) ولذا

(هامش)

1 - سورة التوبة، الآية 39. 2 - سورة الحجرات / 6، سورة السجدة / 18، الإستيعاب ج 4، ص 1554 - 1553، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع - مصر - القاهرة. 3 - سورة النور / 13. 4 - صحيح البخاري ج 4، ص 142، باب الحوض، ط، دار المعرفة بيروت. 5 - صحيح البخاري ج 4، ص 141. 6 - الموطأ، ح 1، ص 28 ط، دار إحياء التراث العربي. (*)

ص 12

فإنهم يطردون عن الحوض يوم القيامة. وقد ذكرنا في كتب الرجال أسماء بعض الصحابة الذين كانوا قد ارتكبوا المعاصي والذنوب مرارا، وقد أجري الحد عليهم (1)، وقد فصل هذا الأمر في كراس سيطبع وينشر إنشاء الله، كما أن كتبا ألفت في هذا المجال. (2) وما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن الشيعة وطبقا للأدلة القاطعة (3) يعتقدون بأن عليا (ع) منصوب من قبل الله عز وجل خليفة لرسول الله (ص)، ويعتقدون بأن إمامة الخلفاء الذين جاءوا قبل علي (ع) ليست مشروعة. وترى الشيعة بأن اعتقاد أهل السنة المبني على عدالة كل الصحابة لا يستند إلى الأصول وإنه بعيد عن مفاهيم القرآن والسنة، وأن هذا

(هامش)

1 - الإستيعاب، ج 4، ص 1530 ط، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع. أسد الغابة ج 5، ص 352، دار الشعب. 2 - ومن جملتها كتاب (ثم اهتديت) القيم وكتاب نظرية عدالة الصحابة . 3 - كآية الولاية، وآية أولي الأمر، وحديث الغدير، وحديث الثقلين، وحديث المنزلة وأدلة كثيرة أخرى لا يسعها هذا المختصر. (*)

ص 13

الأسلوب في عدم أعمال التحقيق الرجالي في مورد الصحابة وعدم البحث في وثاقتهم أو عدم وثاقتهم - كما هو المعمول به عندهم - غير صحيح.،

 التوحيد

 يعتقد الشيعة الإمامية بالتوحيد على أساس حكم العقل والكتاب والسنة القطعية، وينزهون الله تعالى عن كل محدودية وحاجة ويعتقدون بأن صفات الكمال كالعلم والقدرة والحياة هي عين الذات المقدسة، وأن كل موجودات العالم مخلوقة ومحتاجة للذات المنزهة، وليس لها تأثير في الكون بنحو الاستقلال، وأن تأثير كل مؤثر إنما يكون بأذن ومشية الله عز وجل، وأن الله عز وجل هو الذي يستحق العبادة دون غيره، كما يعتقدون أن الذي يملك ضر ونفع الإنسان هو الله عز وجل، والاعتقاد بأن ذلك بغير الله، شرك ويعتبر عبادة لغير الله وهي محرمة. ولما كانت الأدلة القطعية تدل على أن الأنبياء والأئمة المعصومين

ص 14

وأولياء الله يعيشون بعد رحلتهم عن هذا العالم، حياة برزخية هي أكمل من الحياة المادية، وأن لهم منزلة وجاها عند الله تعالى، لذلك فالشيعة يعتقدون بجواز التوسل بهم في قضاء الحوائج وطلب الشفاعة. (1) وعليه، فإن من ينسبون الشرك إلى الشيعة أو غيرهم من المسلمين لقولهم بجواز التوسل بالأئمة (عليهم السلام) والنبي (ص) بهذا المعنى، لم يدركوا معنى الشرك بشكل دقيق، إذ لا فرق بالتوسل بغير الله، وطلب العون والشفاعة منه، بين أن يكون ميتا أو حيا ما دام ذلك لا يعني القول باستقلال في التأثير، فإن الإنسان لو اعتقد الأصالة والاستقلال بالتأثير لشخص حي فهو مشرك، ولو طلب العون من الأرواح، التي لها حياة، ولكن لا بعنوان أنها مستقلة بذاتها، فلا يكون مشركا، ولا يكون ذلك منافيا للتوحيد. كما أنه لا مانع في النذر، أو التضحية والذبح، أن يذكر اسم النبي (ص) أو الولي بأن ينذر لله تعالى ويهدي ثواب النذر إلى روح

(هامش)

1 - سورة المائدة / 35. (*)

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الرد على شبهات الوهابية

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب