الجمل

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الجمل

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 176

وانشد شعرا يمدح الحسن (1).

 خطبة طلحة:

 قال فلما بلغ طلحة والزبير خطبة الحسن (ع) ومدح المادح له قام طلحة خطيبا في أصحابه وقال: يا أهل البصرة قد ساق الله اليكم خير ما ساقه إلى قوم قط: امكم وحرمة نبيكم وحواري رسول الله وابن عمته ومن وقاه بيده، ان عليا غصب الناس انفسهم بالحجاز وتهيأ للشام يريد سفك دماء المسلمين والتغلب على بلادهم فلما بلغه مسيرنا اليكم وقصدنا قصدكم وقد اجتمع معه منافقوا مضر وأنصار ربيعة ورجالة اليمن فإذا رأيتم القوم فاقصدوا قصدهم ولا ترعووا عنهم وتقولوا ابن عم رسول الله وهذه معكم زوجة الرسول وأحب الناس إليه وابنة الصديق الذي كان أحب الخلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. فقام إلى طلحة رجل يقال له خيران بن عبد الله من أهل الحجاز كان قدم البصرة وهو غلام فقال: يا طلحة والله ما تركت جنبا صحيحا عليه بشتمك ربيعة ومضر واليمن وان كان القول كما تقول فانا لمثلهم وهم منا ونحن منهم وما يفرق بيننا وبينهم غيرك وغير صاحبك ولقد سبقت الينا من على (ع) بيعة ما ينبغي لنا ان ننقضها وانا لنعلم حالكم اليوم وحالكم أمس. فهم القوم به فمنعهم بنو أسد فخرج منهم ولحق بمنزل ابن صهبان مستخفيا إشفاقا على دمه منهم. وقام الاسود بن عوف لما سمع طلحة يشتم الاحياء من ربيعة ومضر واليمن فقال يا هذا ان الله لا يفرق بيننا وبين مضر وان اهل الكوفة من

(هامش)

(1) ذكر الشعر ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج 1 ص 49) (*)

ص 177

كمن شهد الاخ إلى الاخ وانما خلفنا القوم في هو ان فاعفنا مما ترى. ثم خرج فلحق بعمان ولم يشهد الجمل ولا صفين.

 خطبة أمير المؤمنين:

 وبلغ أمير المؤمنين عليه السلام لغط القوم واجتماعهم على حربه. فقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال: أيها الناس ان طلحة والزبير قدما البصرة وقد اجتمع أهلها على طاعة الله وبيعتي فدعواهم إلى معصية الله تعالى وخلافي فمن أطاعهما منهم فتنوه ومن عصاهما قتلوه وقد كان من قتلهما حكيم بن جبلة ما بلغكم وقتلهم السبابجة وفعلهما بعثمان بن حنيف ما لم يخف عليكم وقد كشفوا الآن القناع واذنوا بالحرب وقام طلحة بالشتم والقدح في أديانكم وقد أرعد وصاحبه وأبرقا وهذان أمرءان معهما الفشل ولسنا نريد منكم ان تلقوهم ليظنوا ما في نفوسكم عليهم ولا ترون ما في انفسكم لنا ولسنا نرعد حتى نوقع ولا نسيل حتى نمطر وقد خرجوا من هدى إلى ضلال ودعوناكم إلى الرضا ودعونا إلى السخط فحل لنا ولكم ردهم إلى الحق والقتال وحل لهم بقصاصهم القتل وقد والله مشوا اليكم ضرارا وأذاقوكم أمس من الجمر فإذا لقيتم القوم غذا فاعذروني الدعاء وأحسنوا في التقية واستعينوا بالله واصبروا ان الله مع الصابرين. فقام إليه حكيم بن مناف حتى وقف بين يديه وقال: أبا حسن أيقضت من كان نائما * وما كل من يدعى إلى الحق يسمع وما كل من يعطى الرضا يقبل الرضا * وما كان من أعطيته الحق يقنع وأنت امرء أعطيت من كل وجهة * محاسنها والله يعطي ويمنع وما منك بالأمر المؤلم غلطة * وما فيك للمرء المخالف مطمع وان رجالا بايعوك وخالفوا * هداك واجروا في الضلال فضيعوا

ص 178

لاهل لتجريد الصوارم فيهم * وسمر العوالي والقنا تتزعزع فاني لارجو ان تدور عليهم * رحى الموت حتى يسكنوا ويصرعوا وطلحة فيها والزبير قرينه * وليس لما لا يدفع الله مدفع فان يمضيا فالحرب أضيق حلقة * وان يرجعا عن تلك فالسلم اوسع وما بايعوه كارهين لبيعة * وما بسطت منهم إلى الكره اصبع ولا بطيا عنها فراقا ولا بدا * لهم احد بعد الذين تجمعوا على نقضها ممن له شد عقدها * فقصراهما منه أصابع أربع خروج بام المؤمنين وغدرهم * وعيب على من كان في القلب اشجع وذكرهم قتل ابن عفان خدعة * وهم قتلوه والمخادع يخدع فعود علي نبعة هاشمية * وعودهما فيما هما فيه (خروع)

 

الحرب:

 ثم ان أمير المؤمنين عليه السلام أنظرهم وأنذرهم ثلاثة أيام ليكفوا ويرعوا فلما علم اصرارهم على الخلاف قام في أصحابه وقال: عباد الله انهدوا إلى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم فانهم نكثوا بيعتى وقتلوا شيعتي ونكلوا بعاملي وأخرجوه من البصرة بعد ان ألموه بالضرب المبرح والعقوبة الشديدة وهو شيخ من وجوه الانصار والفضلاء ولم يرعوا له حرمة وقتلوا السبابجة رجالا صالحين وقتلوا حكيم بن جبلة ظلما وعدوانا لغضبه لله تعالى ثم تتبعوا شيعتي بعد ان ضربوهم وأخذوهم في كل عايبة وتحت كل رابية يضربون أعناقهم صبرا ما لهم قاتلهم الله أنى يؤفكون فانهدوا إليهم عباد الله وكونوا اسودا عليهم فانهم شرار ومساعدوهم على الباطل شرار فالقوهم صابرين محتسبين موطنين انفسكم انكم منازلون ومقاتلون قد وطنتم انفسكم على الضرب والطعن ومنازلة الاقران فأي امرئ احس من نفسه

ص 179

رباطة جأش عند الفزع وشجاعة عند اللقاء ورأى من أخيه فشلا أو وهنا فليذب عنه أي عن اخيه الذي فضله الله عليه كما يذب عن نفسه فلو شاء الله لجعله مثله. فقام إليه شداد بن شمر العبدي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فانه لما كثر الخطأون وتمرد الجاحدون فزعنا إلى آل نبينا الذين بهم ابتدانا بالكرامة وهدانا من الضلالة الزموهم رحمكم الله ودعوا من اخذ يمينا وشمالا فان اولئك في غمرتهم يعمهون وفي ضلالهم يترددون. قال ثم ان أمير المؤمنين عليه السلام رحل بالناس إلى القوم غداة الخميس لعشر مضين من جمادي الأولى وعلى ميمنته الاشتر وعلى ميسرته عمار بن ياسر وأعطى الراية محمد بن الحنفية ابنه (1) وسار حتى وقف موقفا ثم نادى في الناس لا تعجلوا حتى اعذر إلى القوم ودعا عبد الله ابن العباس فأعطاه المصحف وقال امض بهذا المصحف إلى طلحة والزبير وعائشة وادعهم إلى ما فيه وقل لطلحة والزبير ألم تبايعاني مختارين فما الذي دعاكما إلى نكث بيعتى وهذا كتاب الله بيني وبينكما

(هامش)

(1) كان لمحمد يوم البصرة عشرون سنة لان ولادته سنة (16) للهجرة نعرف ذلك من قول المسعودي في التنبيه والاشراف ص 283 وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص 169 وابن كثير في البداية (ج 9 - ص 38) انه توفى سنة احدى وثمانين عن خمس وستين سنة. ولا بدع في ابن (حيدرة) إذا كانت له مواقف محمودة في الجمل وصفين والنهروان وكانت الراية معه فأبلى بلاء حسنا سجله له التاريخ وشكره الإسلام بعد ما يحدث النبي صلى الله عليه وآله عن اغرز الصفات الحميدة في الطالبين وهي الشجاعة فيقول صلى الله عليه وآله: (لو ولد الناس ابو طالب - (*)

ص 180

قال عبد الله بن العباس فبدأت بالزبير وكان عندي أبقاهما علينا وكلمته في الرجوع وقلت له ان أمير المؤمنين (ع) يقول لك ألم تبايعني طائعا فبم تستحل قتالي؟ وهذا المصحف وما فيه بيني وبينك فان شئت تحاكمنا إليه قال ارجع إلى صاحبك فانا بايعنا كارهين ومالي حاجة في محاكمته فانصرفت عنه إلى طلحة والناس يشتدون والمصحف في يدي فوجدته قد لبس الدرع وهو محتبي بحمائل سيفه ودابته واقفة فقلت له ان أمير المؤمنين يقول لك ما حملك على الخروج وبما استحللت نقض بيعتي والعهد عليك قال خرجت اطلب بدم عثمان أيظن ابن عمك انه قد حوى على الكوفة وقد والله كتبت إلى المدينة يؤخذ لي بمكة فقلت له اتق الله يا طلحة فانه ليس لك ان تطلب بدم عثمان وولده أولى بدمه منك هذا ابان بن عثمان ما ينهض في طلب دم ابيه قال طلحة نحن اقوى على ذلك منه قتله ابن عمك وابتز امرنا فقلت له اذكرك الله في المسلمين وفي دمائهم وهذا المصحف بيننا وبينكم والله ما انصفتم رسول الله إذ حبستم نساءكم في بيوتكم وأخرجتم حبيسة رسول الله فأعرض عني ونادى بأصحابه ناجزوا القوم فانكم لا تقومون لحجاج ابن ابي طالب فقلت

(هامش)

- كلهم لكانوا شجعانا) كما نص عليه الوطواط في غرر الخصائص ص 17 في باب حفظ الجوار وخطبته التي ارتجلها يوم صفين في مدح أبيه (ع) وهو واقف بين الصفين تشهد له بالفصاحة والبلاغة على أتم معانيها فهو جليل القدر عظيم المنزلة وعدم حضوره في مشهد الطف اما لان الحسين أذن له بالبقاء ليكون عينا له كما في مقتل محمد بن ابي طالب الحائري أو للمرض كما يراه العلامة الحلي واعترافه بامامة السجاد يدل على حسن رأيه ومعذوريته في التأخر على كل حال وان لم نعرف السبب على التفصيل ولعل الحسين (ع) لاحظ مهمة دقيقة وهي كف الاذى عن آل ابي طالب وحرمهم من الامويين بوجود ابن الحنفية.

ص 181

يا أبا محمد أبا لسيف تخوف ابن ابي طالب اما والله ليعاجلنك السيف فقال ذلك بيننا وبينكم. قال فانصرفت عنهما إلى عائشة وهي في هودج وقد دفف بالدروع على جملها (عسكر) وكعب بن شور القاضي اخذ بخطامه وحولها الازد وضبة فلما رأتني قالت ما الذي جاء بك يا ابن عباس؟ والله لا سمعت منك شيئاً ارجع إلى صاحبك وقل له ما بيننا وبينك إلا السيف وصاح من حولها ارجع يا ابن عباس لئلا يسفك دمك. فرجعت إلى أمير المؤمنين (ع) فأخبرته الخبر وقلت ما تنتظر والله لا يعطيك القوم إلا السيف فاحمل عليهم قبل ان يحملوا عليك. فقال (ع) نستظهر بالله عليهم قال ابن عباس فوالله ما رمت من مكاني حتى طلع علي نشابهم كأنه جراد منتشر فقلت ما ترى يا امير المؤمنين إلى ما يصنع القوم مرنا ندفعهم فقال حتى اعذر إليهم ثانية ثم قال من يأخذ هذا المصحف فيدعوهم إليه وهو مقتول وانا ضامن له على الله الجنة فلم يقم احد إلا غلام عليه قباء ابيض حدث السن من عبد القيس يقال له مسلم كاني اراه فقال انا اعرضه يا امير المؤمنين عليهم وقد احتسبت نفسي عند الله فأعرض عنه إشفاقا ونادى ثانية: من يأخذ هذا المصحف ويعرضه على القوم وليعلم انه مقتول وله الجنة فقال مسلم بعينه وقال انا اعرضه ونادى ثالثة ولم يقم غير الفتى فدفع المصحف إليه وقال إمض إليهم واعرضه عليهم وادعهم إلى ما فيه فأقبل الغلام حتى وقف بازاء الصفوف ونشر المصحف وقال هذا كتاب الله وامير المؤمنين يدعوكم إلى ما فيه. فقالت عائشة اشجروه بالرماح فقبحه الله فتبادروا إليه بالرماح فطعنوه من كل جانب وكانت امه حاضرة فصاحت وطرحت نفسها عليه وجرته من موضعه ولحقها جماعة من عسكر امير المؤمنين (ع)

ص 182

اعانوها على حمله حتى طرحته بين يدى امير المؤمنين وهى تبكي وتقول (1) يا رب ان (مسلما) دعاهم * يتلو كتاب الله لا يخشاهم فخضبوا من دمه قناهم * وامهم قائمة تراهم تأمرهم بالقتل لا تناهم فلما رأى امير المؤمنين ما قدم عليه القوم من العناد واستحلوه من سفك الدم لحرام رفع يديه إلى السماء وقال اللهم اليك شخصت الابصار وبسطت الايدي وافضت القلوب وتقربت اليك بالاعمال ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين ثم دعا ابنه محمد بن الحنفية فأعطاه الراية وهي راية رسول الله (ص) وقال يا بني هذه راية لا ترد قط ولا ترد أبدا قال محمد فأخذتها والريح تهب عليها فلما تمكنت من حملها صارت الريح على طلحة والزبير واصحاب الجمل فأردت ان امشي بها فقال امير المؤمنين قف يا بني حتى آمرك. ثم نادى ايها الناس لا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تهيجوا امرأة ولا تمثلوا بقتيل فبينا هو يوصي قومه إذ اظلنا نبل القوم فقتل رجل من اصحاب امير المؤمنين فلما رآه قتيلا قال اللهم اشهد ثم رمي ابن عبد الله بن بديل فقتل فحمله ابوه عبد الله ومعه عبد الله بن العباس حتى وضعناه بين يدي امير المؤمنين فقال عبد الله بن بديل حتى متى يا امير المؤمنين ندلي نحورنا للقوم يقتلوننا رجلا رجلا قد والله اعذرت ان كنت تريد الاعتذار ثم قال محمد بن الحنفية فقال امير المؤمنين رايتك يا بني قدمها وبعث في الميمنة والميسرة ودعا بدرع رسول الله فلبسه وحزم بطنه بعصابة اسفل من سرته ودعا ببغلته الشهباء وهي بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله فاستوى على ظهرها

(هامش)

تاريخ الطبري (ج 5 - ص 205) وفي روايته للرابع والخامس خلاف ما هنا. (*)

ص 183

ووقف امام صفوف اصحابه فوقفت بين يديه باللواء وهو للحرب مستعد فجاء قيس بن عبادة وانشأ يقول: هذا اللواء الذي كنا نحف به * مع النبي وجبريل لنا مددا ما ضر من كانت الانصار عيبته * ان لا يكون له من غيرها أحدا قوم إذا حاربوا طالت اكفهم * بالمشرفية حتى يفتحوا البلدا وصف أصحاب عائشة صفوفهم وجاؤا بالجمل وعليه الهودج وفيه عائشة وخطامه في يد كعب بن شور وقد تقلد بالمصحف والازد وبنو ضبة قد احاطوا بالجمل وعبد الله بن الزبير بين يدي عائشة ومروان بن الحكم عن يمينها والزبير يدير العسكر وطلحة على الفرسان ومحمد بن طلحة على الرجالة فقال محمد بن الحنفية قال لي ابي حين رأى القوم قد زحفوا نحونا قدم اللواء فقدمته وزحف المهاجرون والانصار فلما رأى القوم قد زحفت باللواء بارزا عن اصحابي رشقوني رشقة رجل واحد فوقفت مكاني وايقنت منهم وقلت ينقضي رشقهم في مرة أو مرتين ثم اتقدم فلم اشعر إلا وأمير المؤمنين (ع) قد ضرب بين كتفي بيده ثم اخذ اللواء مني بيده ونادى (يا منصور أمت) فوالله ما سمعت القوم حتى رأيتهم قد زلزلت أقدامهم وارتعدت فرائصهم والتقى بعضهم ببعض وتزايلوا لترى عائشة موضع كل فريق منهم وتقدم عمار ومالك الاشتر مصلتين سيفهما نحو القوم ونادى أمير المؤمنين يا محمد بن ابي بكر ان صرعت عائشة فوارها وتول امرها فتضعضع القوم حين سمعوا ذلك واضطربوا وامير المؤمنين واقف في موضعه ثم تراجعوا بعد تضعضعهم ورجعت إليهم نفوسهم ونادوا البراز فتقدم رجل من بني عدي امام الجمل وبيده السيف وهو يقول: اضربكم ولا ارى عليا * عممته ابيض مشرفيا * اريح منه قومنا عديا فشد عليه رجل من اصحاب امير المؤمنين (ع) يقال له امية

ص 184

العبدي وهو يقول: هذا علي والهدى سبيله * والرشد فيه والتقى دليله من يتبع الحق يكن خليله ثم اختلفت بينهما ضربتان فأخطاه العدوي وضربه العبدي فقتله فقام مقامه رجل يقال له ابو الحرباء عاصم بن مرة من اصحاب الجمل وهو يقول: انا ابو الحرباء واسمي عاصم * وامنا ام لها محارم فشد عليه رجل من اصحاب امير المؤمنين وهو يقول: اليك اني تابع عليا * وتارك امكم مليا إذ عصت الكتاب والنبيا * وارتكبت من امرها فريا وضربه فقتله فقام مقامه رجل من اصحاب الجمل يقال له الهيثم بن كليب الازدي وهو يقول: نحن نوالي امنا الرضية * وننصر الصحابة المرضية فشد عليه رجل من اصحاب امير المؤمنين وهو يقول: دليلكم عجل بني امية * وامكم خاسرة شقية * هاوية في فتنة عمية وضربه ففلق هامته وخر صريعا إلى الارض وبرز من بعده عمرو ابن يثربي (1) وكان من شياطين اصحاب الجمل فنادى هل من مبارز فبرز إليه علباء بن الهيثم فاختلفت بينهما ضربتان فقتل علباء رحمه الله فقام مقامه هند بن المرادي فبادره بالسيف فاتقاه وضربه عبد الله بن الزبير وشغله بنفسه وثناه هند بن يثري فقتلاه جميعا فبرز مقامه زيد بن صوحان العبدي فتضاربا وجاء فارس من اصحاب الجمل ووقف بجنب

(هامش)

(1) في تاريخ الطبري (ج 5 - ص 317) هو اخو عميرة القاضى وفي ابن الاثير (ج 3 - ص 98) ان عميرة لم يقتل وبقى حتى تولى قضاء البصرة لمعاوية. (*)

ص 185

عمرو يحميه فطعنه زيد في خاصرته طعنة أثخنه بها وبدر إليه عمرو فضربه فقضى منها وبدأ عمرو يفتخر ويقول: انا لمن ينكرني ابن يثربي * قاتل علباء وهند الجملي وابن لصوحان على دين علي فبرز إليه مالك الاشتر فضربه على وجهه ضربة وقع بها على الارض وحماه اصحابه فنهض وقد تراجعت نفسه وهو يقول لابد من الموت فدلوني على علي بن أبي طالب فلئن بصرت به لاملان سيفي من هامته فبرز إليه عمار بن ياسر (1) وهو يقول: لا تبرح العرصة يابن يثربي * حتى اقاتلك على دين علي نحن وبيت الله أولى بالنبي وضربه ضربة هلك منها وخر صريعا فأكب قومه عليه فاحتملوه إلى معسكرهم. ولما راى أمير المؤمنين عليه السلام جرأة القوم على القتال وصبرهم على الهلاك نادى اصحاب ميمنته ان يميلوا على ميسرة القوم ونادى اصحاب ميسرته ان يميلوا على ميمنتهم ووقف عليه السلام في القلب فما كان بأسرع من ان تضعضع القوم واخذت السيوف من هاماتهم مأخذها فانكشفوا وقد قتل منهم ما لا يحصى كثرة واصيب من اصحاب أمير المؤمنين نفر كثير واحاطت الازد بالجمل يقدمهم كعب بن شور

(هامش)

(1) في تاريخ الطبري (ج 5 - ص 217) كان عمار بن ياسر ضعيفا قصيفا حمش الساقين فاسترجع الناس حين رأوه بارزا فضربه ابن يثربي فنشب في جحفته ثم ضربه عمار فصرعه ورموه أصحاب علي بالحجارة حتى أثخنوه وفيه ص 210 وابن الاثير (ج 3 - ص 98) كان لعمار يومئذ تسعون سنة فضرب ابن يثربي على رجليه فقطعهما وجيئ به إلى علي (ع) أسيرا فأمر به فقتل. (*)

ص 186

وخطام الجمل بيده واجتمع إليهم من كان انفتل بالهزيمة ونادت عائشة يا بني الكرة الكرة اصبروا فاني ضامنة لكم الجنة فحفوا بها من كل جانب واستقدموا حتى دنوا من عسكر أمير المؤمنين ولفت عائشة نفسها ببردة كانت معها وقلبت يمينها على منكبها الايسر والايسر إلى الايمن كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يفعل عند الاستسقاء ثم قالت ناولوني كفا من تراب فناولوها فحثت به وجوه اصحاب أمير المؤمنين وقالت شاهت الوجوه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله بأهل بدر قال وجر كعب بن شور بالخطام وقال اللهم ان اردت ان تحقن الدماء وتطفى هذه الفتنة فاقتل عليا ولما فعلت عائشة من السب المبرح وحصب اصحاب امير المؤمنين قال عليه السلام وما رميت إذ رميت ولكن الشيطان رمى وليعودن وبالك عليك انشاء الله وأنشدت ام ذريح العبدية من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام عائش ان جئت لتهزمينا * وتنشري البر لتغلبينا وتقذفى بالحصبات فينا * تصادفي ضربا وتنكرينا بالمشرفيات إذا غزينا * نسفك من دمائكم ماشينا فقال محمد بن الحنفية رحمه الله قال لي أمير المؤمنين (ع) يا بني تقدم باللواء وصف اصحابه فجعل الحسن في الميمنة والحسين في الميسرة وكان في ميمنة اهل الجمل هلال بن وكيع وفي ميسرتهم صبرة بن عثمان وتزاحف الفريقان بعضهم إلى بعض قال فوالله لقد رأيت أول قتيل من القوم كعب بن شور بعد ان قطعت يمينه التي كان فيها الخطام فأخذه بشماله وقتل بعد ذلك وقتل معه اخوه وابناه ثم اخذ بخطام الجمل بعده رجل وهو يقول شعرا: يا امنا عائش لا تراعي * كل بنيك بطل شجاع فما برح حتى قطعت يداه وطعن فهلك فقام مقامه آخر منهم فقطعت يمينه وضرب على رأسه فهلك فما زال كل من اخذ بخطام الجمل رجل

ص 187

قطعت يده وجذ ساقه حتى هلك منهم ثمانمائة رجل وقيل ذلك اليوم قتل سبعون رجل من قريش وكان آخر من اخذ بزمام الجمل رجل من بني ضبة فجعل يقول (1): نحن بني ضبة اصحاب الجمل * ننعي ابن عفان بأطراف الاسل ردوا الينا شيخنا ثم نحل فبرز إليه الاشتر وهو يقول: كيف نرد نعثلا وقد نحل وضربه على هامته ففلقها فخر صريعا فلاذ بالجمل عبد الله بن الزبير وتناول خطامه بيده فقالت عائشة من هذا الذي اخذ بخطام جملي؟ قال انا عبد الله ابن اختك فقالت واثكل اسماء ثم برز الاشتر إليه فخلى الخطام من يده واقبل نحوه فقام مقامه في الخطام عبد اسود واصطرع عبد الله والاشتر فسقطا إلى الارض فجعل ابن الزبير يقول وقد اخذ الاشتر بعنقه ينادى اقتلوني ومالكا واقتلوا مالكا معي. قال الاشتر فما سرني إلا قوله مالكا ولو قال الاشتر لقتلوني فوالله لقد تعجبت من حمق عبد الله إذ ينادي بقتله وقتلي وما كان ينفعه المشوم ان قتلت وقتل هو معي ولم تلد امرأة من النخع غيري فأفرجت عنه فانهزم وبه ضربة مثخنة في جانب وجهه. فلما تفرق الناس عن الجمل اشفق امير المؤمنين عليه السلام ان يعود إليه فتعود الحرب فقال عرقبوا الجمل فتبادر إليه اصحاب علي (ع) فعرقبوه ووقع لجنبه وصاحت عائشة صيحة أسمعت من في العسكرين وقد جاءت الروايات من مبارزة القوم وارتجازهم بما يطول شرحه وانما اقتصرنا على بعضه للايجاز والاختصار فيما كان من امر الجمل وقطع

(هامش)

(1) في ابن الاثير (ج 3 - ص 98) والطبري (ج 5 ص 210) الابيات لوسيم بن عمرو بن ضرار الضبي. (*)

ص 188

ايدي الآخذين بخطامه وجذ اقدامهم. ما رواه مسلم بن عمارة وقال بشر العامري اقبلت من نحو المدينة اريد الكوفة في زمن عثمان فلقيت علجا قد جعل على وجه حماره ورقة فيها قرآن فأعظمت ذلك واخذت العلج وشتمته فقال لي ما تريد مني؟ قلت ما هذا الذي صنعت؟ ويلك تحمل على وجه حمارك ورقة من القرآن فقال ويحك ان هذا ومثله مطروح على الكناسات والحشوش عندنا كتب صاحبك تمزق وتلقى في الحشوش قال فلقيت حذيفة فأخبرته قال قد فعلوا ذلك كأنى بهم وقد ساروا بها والذي بعث محمدا بالحق نبيا والازد وضبة قد حضروهما جذ الله اقدامهم قال فأتيت الوقعة في البصرة فنظرت إلى تميم وضبة حول الجمل ونظرت إلى الازد وقد قطعت اقدامهم من العراقيب واسفل قال ولما قتل كعب بن شور تقدم غلام من الحذان يقال له وائل بن عمر وهو يبكي ويقول: يا رب فارحم سيد القبائل * كعب بن شور غرة القبائل وخير حاف منهم وناعل * وخير مقتول وخير قاتل ابشر بخير يا كعيب كامل * بنصرك الحق وترك الباطل فخرج إليه رجل يقال له عبد الرحمن بن هاشم وهو يقول: لا رحم الله بن شور إذ مضى * ولا تولاه بعفو ورضى فقد قضى بالجور فيما قد قضى * ودان بالكفر ولم يعص الهوى واتبع الضلال من اهل العمى * فصار بالفتنة مع من قد هوى ثم ضرب وائل بن عمر فقتله وبرز رجل من بنى قشير يقال له حنتمة ابن الاسود وهو يقول: نحن صحاب الجمل المكرم * ومانعوا هودجه المعظم وناصروا زوج النبي الاكرم * ذلك دين الله فينا الاقدم فخرج إليه رجل من شيعة امير المؤمنين يقال له عبيد الله بن سالم

ص 189

وهو يقول: نحن مطيعون جميعا لعلي إذ أنت ساع في الفساد يا شقي ان الغوي تابع امر الغوي * قد خالفت زوج النبي للنبي وخرجت من بيتها مع من هوي ثم ضرب يده بالسيف فقطعها ووقع لجنبه فرام اصحابه تخليصه وازدحموا عليه فوطؤه. وروى الواقدي قال حدثني عبد الله بن الفضيل عن ابيه عن محمد ابن الحنفية قال لما نزلنا البصرة وعسكرنا بها وصففنا صفوفنا دفع ابى علي (ع) إلي باللواء وقال لا تحدثن شيئاً حتى يحدث فيكم ثم نام فنالنا نبل القوم فأفزعته ففزع وهو يمسح عينيه من النوم واصحاب الجمل يصيحون يا لثارات عثمان فبرز (ع) وليس عليه إلا قميص واحد ثم قال تقدم باللواء فتقدمت وقلت يا ابه في مثل هذا اليوم بقميص واحد قال (احرز امرء اجله) والله قاتلت مع النبي صلى الله عليه وآله وانا حاسر اكثر مما قاتلت وانا دارع ثم دنا كل من طلحة والزبير فكلمهما ورجع وهو يقول: يأبى القوم إلا القتال فقاتلوهم فقد بغوا ودعا بدرعه البتراء ولم يلبسها بعد النبي إلا يومئذ فكان بين كتفيه منها متوهيا قال وجاء امير المؤمنين وفي يده شسع نعل فقال له ابن عباس ما تريد بهذا الشسع يا امير المؤمنين؟ فقال عليه السلام اربط بها ما قد توهى من هذا الدرع من خلفي فقال له ابن عباس أفي مثل هذا اليوم تلبس مثل هذا؟ فقال (ع) لم؟ قال اخاف عليك قال (ع) لا تخف ان اوتى من ورائي والله يا ابن عباس ما وليت في زحف قط ثم قال له البس يا ابن عباس فلبس درعا سعديا ثم تقدم إلى الميمنة وقال احملوا ثم إلى الميسرة وقال احملوا وجعل يدفع في ظهري ويقول تقدم يا بني فجعلت اتقدم وكانت اياها حتى انهزموا من كل وجه.

ص 190

وروى الواقدي عن هشام بن سعد عن شيخ من مشايخ اهل البصرة قال لما صف علي بن ابى طالب صفوفه أطال الوقوف والناس ينتظرون أمره فاشتد عليهم ذلك فصاحوا حتى متى فصفق باحدى يديه على الاخرى ثم قال عباد الله لا تعجلوا فانى كنت ارى رسول الله صلى الله عليه وآله يستحب ان يحمل إذا هبت الرياح قال فامهل حتى زالت الشمس وصلى ركعتين ثم قال ادعوا ابني محمدا فدعي له محمد بن الحنفية فجاء وهو يومئذ ابن تسع عشرة سنة فوقف بين يديه ودعى بالراية فنصبت فحمد الله واثنى عليه وقال: اما هذه الراية لم ترد قط ولا ترد أبدا وانى واضعها اليوم في أهلها ودفعها إلى ولده محمدا وقال تقدم يا بنى فلما رآه القوم قد أقبل والراية بين يديه فتضعضعوا فما هو إلا أن الناس التقوا ونظروا إلى غرة أمير المؤمنين ووجدوا مس السلاح حتى انهزموا. وروى الواقدي قال حدثنى عبد الله بن عمر عن علي بن ابى طالب قال لما سمع أبى أصواب الناس يوم الجمل وقد ارتفعت فقال لابنه محمد ما يقولون؟ قال يقولون يا لثارات عثمان قال فشد عليهم وأصحابه يهشون في وجهه يقولون ارتفعت الشمس وهو يقول الصبر أبلغ حجة.

 خطبة علي عليه السلام يوم الجمل:

 ثم قام خطيبا يتوكأ على قوس عربية فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه وقال: اما بعد فان الموت طالب حثيث لا يفوته الهارب ولا يعجزه فاقدموا ولا تتكلوا وهذه الاصوات التي تسمعوها من عدوكم فشل واختلاف انا كنا نؤمر في الحرب بالصمت فعضوا على الناجذ واصبروا لوقع السيوف فوالذي نفسي بيده لالف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على فراشي فقاتلوهم صابرين محتسبين فان الكتاب معكم والسنة معكم ومن

ص 191

كنا معه فهو القوي اصدقوهم بالضرب فأي امرء احس من نفسه شجاعة واقداما وصبرا عند اللقاء فلا يبطرنه ولا يرى ان له فضلا على من هو دونه وان رأى من أخيه فشلا وضعفا فليذب عنه كما يذب عن نفسه فان الله لو شاء لجعله مثله. ثم دعا بدرعه فلبسه حتى إذا وقع موقعه من بطنه فأمر ابنه محمد يحزمهما بعمامته ثم انتضى سيفه فهزه حتى رضى به وغمده وتقلده والناس على صفوفهم وأصحاب الجمل قد دنوا فأمر أمير المؤمنين عليه السلام بتسوية الصفوف حتى إذا اعتدلت دفع الراية إلى محمد بن الحنفية وقال تقدم بالراية واعلم ان الراية امام أصحابك فكن متقدما يلحقك من خلفك فان كان لمن يتقدم من اصحابك جولة رجع اليك. وجعل عليه السلام الناس أثلاثا مضر في القلب واليمن في الميمنة وعليهم مالك الاشتر وفي الميسرة عمار بن ياسر. وصف أصحاب الجمل صفوفهم فجعلوا على حنظلة هلال بن وكيع وعلى بني عمرو وبني تميم عمير بن عبد الله بن مرقد وعلى بني سعد زيد ابن جبلة بن مردان وعلى بني ضبة والرباب عمرو بن يثربى وراية الازد مع عمرو بن الاشرف العتكي. قال محمد بن علي (ع) فالتقينا وقد عجل أصحاب الجمل وزحفوا علينا فصاح أبى امضض فمضيت بين يديه أخطوا بالراية خطوا سرعان ان يلحقوا أصحابنا فلاذ أصحاب الجمل ونشب القتال واختلفت السيوف وأبي خلفي يقول تقدم فقلت ما أجد متقدما إلا على الاسنة فغضب (ع) وقال أقول لك تقدم تقول على الاسنة ثق بالله يا بني وتقدم بين يدى على الاسنة. وتناول الراية مني وتقدم يهرول بها فأخذتني حدة فلحقته وقلت اعطني الراية فقال لي خذها وقد عرفت ما وصف لي.

ص 192

ثم تقدم بين يدى وجرد سيفه وجعل يضرب به ورأيته قد ضرب رجلا فأبان زنده وقال الزم رايتك يا بني فان هذا ستكفاه فرمقت لضرب أبي ولحظته وإذا هو يورد السيف ويصدره ولا أرى فيه دما وإذا هو يسرع اصداره فيسبق الدم وأحدقنا بالجمل وصار القتل حوله واضطربنا أشد اضطراب رآه راء حتى ظننت انه القتل وصاح أبي يا ابن أبى بكر اقطع البطان فقطعه وتلقوا الهودج فكأن والله الحرب جمرة عليها صب الماء. وروى الواقدي قال ابن جريح كان محمد بن الحنفية يحمل راية أمير المؤمنين أبيه يوم الجمل ورأى منه بعض النكوص فأخذ الراية منه قال محمد فأدركته وعالجته على ان يردها فأبى علي طويلا ثم ردها وقال خذها احسن حملها وتوسط اصحابك ولا تخفض عاليها واجعلها مستشرفة يراها اصحابك ففعلت ما قال لي فقال عمار يا أبا القاسم ما احسن ما حملت الراية اليوم فقال له امير المؤمنين عليه السلام بعد ماذا؟ فقال عمار ما العلم إلا بالتعلم. وروى ابراهيم بن نافع عن سعيد بن أبى هند قال اخبرنا اصحابنا ممن حضر القتال يوم البصرة ان عليا قاتل يومئذ اشد القتال وسمعوه وهو يقول تبارك الله الذي اذن لهذه السيوف تصنع ما تصنع ونظر يومئذ إلى سفيان بن حويطب بن عبد العزي وهو يسترجع من الخوف وما التحم من الشر فقال له امير المؤمنين (ع) انحز إلى أصحابي ولا تقتل فانحاز إليهم إلى أن حمل أصحاب الجمل على امير المؤمنين (ع) حملة فإذا هو قد صار في حيزهم فحمل عليه رجل من همدان وعلي يصيح كف عنه والهمداني لا يفهم حتى قطعه إربا إربا فقال عليه السلام يا ويحه ان لفته السيوف وقد كان مقتله بيغضا. وروى أبو الزياد عن هشام بن عروة عن أبيه عبد الله بن الزبير

ص 193

قال لم يأخذ بزمام جمل عائشة يوم الجمل إلا قتل وكان كلما جاء انسان يأخذ بخطام جملها قالت من أنت؟ حتى اتيتها وكنت آخر من اخذه حين لم أجد أحدا يأخذه فقالت من أنت؟ فقلت ابن اختك فقالت واثكل اسماء فأقبل الاشتر إلى فتصارعنا فجعلت اقول اقتلوني ومالكا معي وجعل يقول اقتلوني وعبد الله ولو قال ابن الزبير لقتلت ولو قلت الاشتر لقتلنا جميعا فاثقلني الجراح حتى سقطت وانا مجروح مطروح في القتلى. فأتاني الاسود بن ابي البختري فوجدني صريعا فأخذني بالعرض على فرسه وسار بي فجعل إذا أبصر انسانا من أصحاب علي القاني وإذا لم ير احدا حملني حتى مر به رجل يعرفني فحمل عليه فأخطاه واصاب رجل فرسه ثم حملني فانطلق بي حتى انزلني على رجل من بني ضبة له امرأتان تميمية وبكرية من شيعة عثمان فغسلت جراحتي وحشتها كافورا فوالله ما فاح منها شيء. وجعلت عائشة تسأل عني فلا تخبر عنى بشيء حتى إذا برأت جراحتى قلت لصاحب منزلي انطلق إلى عائشة وأخبرها بي واياك ان يراك محمد ابن أبي بكر وقلت له انه قصير ووصفته له فانطلق فأخبرها وقال لها انه قد امرني ان لا يراني محمد بن أبي بكر قالت كلا فانطلق إلى محمد بن ابى بكر وادعه إلى وذلك بعد هزيمتنا ووضع الحرب اوزارها فانطلقت إليه فدعوته وجاءها فقالت له يا أخي ما تراك فاعلا في أمر آمرك به؟ قال ما هو؟ قالت انطلق إلى عبد الله بن الزبير فجيئ به فجاء محمد إلى موضعي فدخل على عبد الله فلما رآه خافه وقال مالك فعل الله بك وفعل قال له محمد لا تعجل ثم اخبره الخبر. قال ابن الزبير فخرجت معه فتأخر لي عن الفرس فركبت بين يديه وجعل يكف ثيابه لا يصيبني وانا اوخر ثيابي عنه لا تصيبه ولم يزل

ص 194

يسير بى حتى اتينا عائشة فسمعت سب عثمان علانية فبكيت وقلت لا اقيم ببلد يسب فيه عثمان علانية فامتنعت منهم واخذت راحلة منهم فإذا رجل يحيد مني وانا احيد منه فإذا هو عبد الرحمن بن الحرث وأبصرت رجلا مغلولا لفرسه فقلت هذا والله فرس الزبير فأردت قتله فقال عبد الرحمن لا تعجل عليه فانه لن يفلتنا فإذا هو غلام الزبير قد اقبل فقلت له أين الزبير؟ فقال لا أدري فعلمت ان الزبير قد قتل. وروى محمد بن عبد الله بن عبيد الله عن عمر بن دينار عن صفوان قال لما تصاف الناس يوم الجمل صاح صايح من اصحاب امير المؤمنين علي بن ابى طالب يا معاشر شباب قريش اراكم قد لححتم وغلبتم على امركم هذا وانى انشدكم الله ان تحقنوا دماءكم ولا تقتلوا انفسكم اتقوا الاشتر النخعي وجندب بن زهير العامري فان الاشتر يشمر درعه حتى تتبعوا اثره وان جندبا يخرم درعه حتى يشمر عنه وفى رايته علامة حمراء فلما التقى الناس اقبل الاشتر وجندب قبال الجمل يرفلان في السلاح حتى قتلا عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد ومعبد بن زهير بن خلف بن امية وعمد جندب لابن الزبير فلما عرفه قال أتركك لعائشة. وروى محمد بن عبد الله بن عبيد بن وهب قال قطعت يوم الجمل يد عبد الرحمن وفيها الخاتم فأخذه بشر فطرحه باليمامة فأخذه اهل اليمامة واقتلعوا حجره وكان ياقوتا فابتاعه رجل منهم بخمسمائة دينار فقدم به مكة فباعه بربح عظيم. وروى محمد بن موسى عن محمد بن ابراهيم عن ابيه قال سمعت معاذ ابن عبد الله التميمي وكان قد حضر الجمل يقول لما التقينا واصطففنا نادى منادي علي بن ابي طالب يا معاشر قريش اتقوا الله على انفسكم فانى اعلم انكم قد خرجتم وظننتم ان الأمر لا يبلغ إلى هذا فالله الله في انفسكم فان السيف ليس له بقيا فان احببتم فانصرفوا حتى نحاكم هؤلاء

ص 195

القوم وان احببتم فالي انكم آمنون بأمان الله قال فاستحيينا اشد الحياء وابصرنا ما نحن فيه ولكن الحفاظ حملنا على الصبر مع عائشة حتى قتل من قتل منا فوالله لقد رأيت اصحاب علي وقد وصلوا إلى الجمل وصاح منهم صايح اعقروه فعقروه ونادى علي (ع) من طرح السلاح فهو آمن ومن دخل بيته فهو آمن فوالله ما رأيت اكرم عفوا منه. وروى سليمان بن عبد الله بن عويمر الاسلمي قال قال ابن الزبير انى لواقف في يمين رجل من قريش إذ صاح صايح يا معاشر قريش احذركم الرجلين جندب العامري والاشتر النخعي قال وسمعت عمارا يقول لاصحابنا ما تريدون وما تطلبون؟ فناديناه نطلب بدم عثمان فان خليتم بيننا وبين قتلته رجعنا عنكم فقال عمار لو سألتمونا ان ترجعوا عنا بئس الفخار فانه الام الغنم فحلا وشرها لحما ما اعطيناكموهم ثم التحم القتال وناديناهم مكنونا من قتلة عثمان ونرجع عنكم فنادانا عمار قد فعلنا هذه عائشة وطلحة والزبير قتلوه عطشا فأبدوا بهم فإذا فرغتم منهم تعالوا الينا نبذل لكم الحق فأمسك والله اصحاب الجمل كلهم. وروى عبد الله بن رياح مولى الأنصاري عن عبد الله بن زياد مولى عثمان قال خرج عمار بن ياسر يوم الجمل الينا فقال يا هؤلاء على أي شيء تقاتلونا؟ فقلنا على ان عثمان قتل مؤمنا فقال عمار نحن نقاتلكم على انه قتل كافرا قال وسمعت عمارا يقول والله لو ضربتمونا حتى نبلغ سعفات هجر لعلمنا انا على الحق وانكم على الباطل وسمعته والله يقول ما نزل في تأويل هذه الآية إلا اليوم: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه). قال ولما جال الناس تلك الجولة قتل بينهم خلق كثير وسمع اصوات السيوف في الرؤوس كأنها مخاريق قال الراوي والله مررت بعد الوقعة بالبصرة فدنوت من دير النصارى فسمعت الشبات على الحجارة فشبهتها

ص 196

بالاصوات التي كانت من السيوف على الرؤوس يومئذ وفي تلك الجولة قتل طريف بن عدي بن حاتم وفقأت عين عدي. وروى محمد بن عبد الله بن عمر بن دينار قال قال امير المؤمنين لابنه محمد خذ الراية وامض وعلي (ع) خلفه فناداه يا أبا القاسم فقال لبيك يا أبة فقال يا بني لا يستفزنك ما ترى قد حملت الراية وانا اصغر منك فما استفزني عدوى وذلك انى لم ابارز احدا إلا حدثتني نفسي بقتله فحدث نفسك بعون الله تعافى بظهورك عليهم ولا يخذلك ضعف النفس من اليقين فان ذلك أشد الخذلان قال قلت يا أبة أرجو أن أكون كما تحب ان شاء الله قال فالزم رايتك فان اختلفت الصفوف قف في مكانك وبين أصحابك فان لم تبين من أصحابك فاعلم انهم سيرونك قال والله انى لفي وسط أصحابي فصاروا كلهم خلفي وما بيني وبين القوم احد يردهم عني وأنا أريد أن أتقدم في وجوه القوم فما شعرت إلا بأبى خلفي قد جرد سيفه وهو يقول لا تقدم حتى اكون امامك فتقدم بين يدي يهرول ومعه طائفة من اصحابه فضرب الذين في وجهه حتى نهضوهم ولحقتهم بالراية فوقفوا وقفة واختلط الناس وكدت السيوف ساعة فنظرت إلى ابى يفرج الناس يمينا وشمالا ويسوقهم امامه فأردت ان اجول فكرهت خلافه ووصيته لي لا تفارق الراية حتى انتهى إلى الجمل وحوله اربعة آلاف مقاتل من بني ضبة والازد وتميم وغيرهم وصاح اقطعوا البطان فأسرع محمد بن أبى بكر فقطعه واطلع الهودج فقالت عائشة من انت؟ قال ابغض اهلك اليك قالت ابن الخثعمية؟ قال نعم ولم تكن دون امهاتك قالت لعمري بل هي شريفة دع عنك هذا الحمد لله الذي سلمك قال قد كان ذلك ما تكرهين قالت يا أخي لو كرهته ما قلت ما قلت قال كنت تحبين الظفر وانى قتلت قالت قد كنت احب ذلك لكنه ما صرنا إلى ما صرنا أحببت سلامتك لقرابتي منك فاكفف ولا تعقب

ص 197

الأمور وخذ الظاهر ولا تكن لومة ولا عذلة فان أباك لم يكن لومة ولا عذلة قال وجاء علي (ع) فقرع الهودج برمحه وقال يا شقيراء بهذا وصاك رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قالت يا ابن ابى طالب قد ملكت فاسجح. وجاءها عمار فقال لها يا اماه كيف رأيت ضرب بنيك اليوم دون دينهم بالسيف؟ فصمتت ولم تجبه. وجاءها مالك الاشتر رحمه الله وقال لها الحمد لله الذي نصر وليه وكبت عدوه جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا كيف رأيت صنع الله بك يا عائشة؟ فقالت من أنت ثكلتك امك؟ فقال أنا ابنك الاشتر قالت كذبت لست بامك قال بلى وان كرهت فقالت انت الذي اردت ان تثكل اختي اسماء بابنها، فقال المعذرة إلى الله واليك والله لولا انني كنت طاويا ثلاثا لارحتك منه وأنشأ يقول بعد الصلاة على الرسول. أعائش لولا اننى كنت طاويا * ثلاثا لالفيت ابن اختك هالكا غدات ينادى والرماح تنوشه * بأضعف صوت (اقتلوني ومالكا) فركبت وقالت فخرتم وغلبتم وكان امر الله قدرا مقدورا. ونادى امير المؤمنين عليه السلام محمد بن ابى بكر فقال سلها هل وصل إليها شيء من الرماح والسهام فسألها قالت نعم وصل إلى سهم خدش رأسي وسلمت من غيره الله بينى وبينكم فقال محمد والله ليحكمن عليك يوم القيامة ما كان بينك وبين امير المؤمنين (ع) حتى تخرجين عليه وتؤلبين الناس على قتاله وتنبذي كتاب الله وراء ظهرك فقالت دعنا يا محمد وقل لصاحبك يحرسنى وكان الهودج كالقنفذ من النبل فرجعت إلى امير المؤمنين عليه السلام وأخبرته بما جرى بيني وبينها وما قلت وما قالت. فقال عليه السلام هي امرأة والنساء ضعاف العقول فتول امرها

ص 198

واحملها إلى دار عبد الله بن خلف حتى ننظر في امرها فحملتها إلى الموضع وان لسانها لا يفتر من السب لي ولعلي والترحم على اصحاب الجمل. وروى الواقدي قال حدثنا هشام بن سعد عن عباس بن عبد الله ابن معبد عن معاذ بن عبد الله التميمي قال لما قدمنا البصرة مع عائشة وأقمنا ما اقمنا ندعوا الناس إلى نصرتنا والقيام معنا فالقابل لما ندعوا إليه والآبي له ونحن على ما نحن عليه نقول إلا نقاتل علي بن ابى طالب ابدا إلى ان قيل قد نزل علي (ع) فما ادرى حتى نشبت الحرب نشبها الصبيان واوقدها العبيد وإذا الجمل رحل والناس يهوون إلى القتال وإذا عسكر علي قد تحرك فبادر اصحابنا فرموا وجبلوا وصيحوا واكثروا فسمعت عائشة تقول هذا اول الفشل وعلي (ع) وعسكره لا يثنون ثم صف علي اصحابه وولى الرايات موضعها واعطى ابنه محمدا الراية العظمى راية بيضاء تملا الرمح ثم وقف علي (ع) في القلب وحمل سرعان الميمنة والميسرة وحمل سرعان القلب فاسمع عليا ينادي محمدا تقدم بالراية وتوسط القلب فينكر من تقدمك وان جالوا أو دفعوا يلحقك من خلفك ثم سمعته يقول اصحابك امامك تقدم تقدم وتقدم علي والراية بين كتفيه وجرد سيفه وضرب رجلا فابان زنده ثم انتهى إلى الجمل وقد اجتمع الناس حوله واختلطوا واحدقوا به من كل جانب واستجن الناس تحت بطان الجمل فانظروا لله إلى علي يصيح بمحمد بن ابى بكر اقطع البطان وارى عليا قد قتل ممن اخد بخطام الجمل عشرة بيده وكلما قتل رجلا مسح سيفه في ثيابه ثم جاوزت حتى صرنا في ايديهم كأننا اغنام نساق فانصرفنا حينئذ وتلاومنا وندمنا. وروى الواقدي قال حدثنى محمد بن عبد الله بن عبيد بن عكرمة ابن خالد قال قال عبد الرحمن بن الحرث بن هشام كنت انا والاسود ابن ابى البختري وعبد الله بن الزبير قد تواعدنا وتعاهدنا بالبصرة لئن

ص 199

لقينا القوم لنموتن أو لنقتلن عليا واصحاب علي لم يكونوا عدلوا صفوفهم ثم نظرنا إليهم وقد عدلوا صفوفهم ميمنة وميسرة قال عبد الرحمن كنت واقفا عند عبد الله بن الزبير والاسود بن البختري فقلت ما وراءكما؟ قالا نحن على ما كنا عليه إلى ان مالت ميسرته على ميمنتنا فهزمهم ومالت ميمنته على ميسرتنا ففعلوا مثل ذلك ورأيت عليا وراء ابنه محمد وقد تقدم يحمل علما اسودا عظيما وعلي شاهر سيفه فلقى رجلا من ضبه فقتله ثم ضرب آخر فقتله ثم خلص الينا ووقف عند رجلين فلاذ كل بصاحبه وجعل الاسود يقول هل من مهرب وتقدم ابن الزبير فأخذ الجمل فكان آخر من اخذه فانظر إلى علي وقد انتهى إلى الجمل والسيف يرعف دما وهو واضعه على عاتقه وهو يصيح لمحمد بن ابى بكر اقطع البطان فكانت الهزيمة فلم نر مثل لزوم السواد الاكبر فلما انهزمنا خرجنا خائفين من مسالح علي (ع) فما زلنا نخاف الطلب حتى سرنا مراحل. وروى عن ابن الزبير قال خرجت عائشة يوم البصرة وهي على جملها (عسكر) قد اتخذت عليه خدرا ودقته بالدروع خشية ان يخلص إليها النبل وسار إليهم علي بن ابى طالب حتى التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا واخذ بخطام الجمل يومئذ سبعون رجلا من قريش كلهم قتل وخرج مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير ورأيتهما جريحين فلما قتلت تلك العصابة من قريش اخذ رجال كثير من بني ضبة بخطام الجمل فقتلوا عن آخرهم ولم يأخذ بخطامه احد إلا قتل حتى غرق الجمل بدماء القتلى وتقدم محمد بن ابى بكر فقطع بطان الجمل واحتمل الخدر ومعه اصحاب له وفيه عائشة حتى انزلوها بعض دور البصرة وولى الزبير منهزما فأدركه ابن جرموز فقتله. ولما رأى مروان توجه الأمر على أصحاب الجمل نظر إلى طلحة

ص 200

وهو يريد الهرب فقال والله لا يفوتني ثاري من عثمان فرماه بسهم فقطع اكحله فسقط بدمه وحمل من موضعه وهو يقول: إنا لله هذا والله سهم لم يأتني من بعد ما اراه إلا من معسكرنا لله ما رأيت مصرع شيخ اضيع من مضرعي ثم لم يلبث أن هلك (1). وروى الواقدي أيضا عن موسى بن عبد الله عن الحسين بن عطية عن ابيه قال شهدت الجمل مع علي (ع) فلقد رأيت جمل عائشة وعليه هودجها وعليه دروع الحديد ثم لقد رأيت فيه من النبل والنشاب أمرا عظيما ثم عقر فما سمعت كصوته شيء قط ونادى أصحاب علي عليكم الجمل فاعقروه فشدت عليه رجال فعقروه فوقع لحينه. وروى يزيد عن أبى زياد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال نظرت الهودج يوم الجمل كأنه قنفذ من النشاب والنبل. وروى ابن أبى ميرة عن علقمة بن أبى علقمة عن ابيه قال جعلنا الهودج من خشب فيه مفاتيح الحديد وفوقه دروع من حديد وفوقها طيالسة من خز أخضر وفوق ذلك ادم أحمر وجعلنا لعائشة منه منظر العين فما أغنى ذلك عنها من القوم. وروى الواقدي عن رجاله العثمانية عن عائشة ذكر الحال وهزيمة القوم في الحرب وشرح الصورة ورأيها فكان ما كان من ذلك فقال حدثنا محمد بن حميد عن حميدة بنت ابن رفاعة عن امها كبشة بنت كعب قالت كان أبى لقي على عثمان حربا عظيما وبكاه ولم يمنعه من الخروج إلا أن بصره ذهب ولم يبايع عليا ولم يقر به بغضا له ومقتا. وخرج علي (ع) من المدينة فلما قدمت عائشة منصرفة من البصرة جاءها أبى فسلم على الباب ثم دخل وبينها وبينه حجاب فذكرت له بعض

(هامش)

(1) ابن الاثير (ج 3 - ص 96) وفي الطبري (ج 5 ص 215) مات في خربة من دور البصرة لبني سعد ودفن فيها. (*)

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الجمل

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب