بنور فاطمة اهتديت

الصفحة السابقة الصفحة التالية

بنور فاطمة اهتديت

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 65

عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (ع) وذلك في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أهل البيت وهو الحديث المعروف بحديث الكساء كما أنه اشتهر عند أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأهل العباءة أو الكساء وهذا من المتسالم عليه بين كل المسلمين خصوصا في مجتمعنا السوداني. وسنزيدك من المصادر التي تؤكد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليا وفاطمة والحسنين هم المقصودون بالآية في البحوث القادمة إن شاء الله ولكن دعنا الآن نتدبر الآية، ومن خلالها نتعرف على شخصية فاطمة (ع). إن المتأمل في كلمات الآية يتوصل إلى أن المخاطبين بهذه الآية، وفاطمة أحدهم مطهرون معصومون من كل رجس، وتقريب ذلك تصدير الآية بأقوى أدوات الحصر على الاطلاق (إنما) مما يعني أن هذا الأمر خاص بجماعة معينة محددة لا يتعداهم إلى غيرهم، ثم يأتي البحث عن الإرادة الإلهية التي ذكرت في الآية (إنما يريد الله...) هي إرادة المولى عز وجل (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول لك كن فيكون) فلا يمكن بحال تخلف إرادته تعالى. أما الرجس في اللغة فمعناه كل ما يلوث الإنسان سواء كان لوثا ظاهريا أو باطنيا والذي يعبر عنه بالإثم.. والرجس في هذه الآية هو اللوث والنجاسة الباطنية لأن الابتعاد والطهارة من النجاسة الظاهرية وظيفة دينية عامة لجميع المسلمين وذلك لشمول التكليف للجميع ولا خصوص لأهل البيت حتى ترد هذه الآية بحصرها وتوكيدها لنفي الرجس الظاهري عن أهل البيت. إنما جاءت لبيان فضيلة لهم خصهم بها الله سبحانه وتعالى وأخبر عنها في كتابه العزيز. ثم يأتي التأكيد (ويطهركم تطهيرا) إن النظرة العميقة للآية تجعلنا لا نشك لحظة واحدة في عصمة أهل البيت الذين ذكروا فيها ومنهم فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فهي معصومة مطهرة من كل رجس ظاهرا وباطنا وسيأتيك التأكيد

ص 66

على ذلك.

 

الآية الثانية:

 

قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (سورة الشورى: آية / 23). لقد جعل الله سبحانه وتعالى أجر الرسالة مودة أهل البيت ومنهم فاطمة الزهراء، فالآية نزلت في قربى الرسول وهم علي وفاطمة والحسن والحسين كما نقل ذلك أعلام الحديث والتفسير مثل الحاكم الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل ج 2 ص 130 والحاكم النيسابوري في المستدرك (1). إنها العظمة والرفعة.. لقد وزن الله تعالى الرسالة المهيمنة على كل الرسالات بمودة القربى.. لقد استحقت فاطمة هذا الوسام الإلهي بجدارة ويكفينا لتأكيد ذلك تسطيرها ضمن آيات الذكر الحكيم.. إنه رصيد يضاف لمناقب الزهراء وفضائلها وإلى المزيد.

 

الآية الثالثة:

 

قوله تعالى (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (سورة آل عمران: آية / 61). لم يختلف المسلمون أن هذه الآية أيضا من مختصات أهل البيت فهي نزلت يوم مباهلة نصارى نجران وقد أمر الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذ معه عليا وفاطمة والحسن والحسين (ع). فكانت هذه الآية وذلك مما ذكره مسلم في صحيحه كتاب الفضائل باب فضائل علي بن أبي طالب (1). وهكذا مثلت فاطمة كل نساء الأمة وكانت المباهلة بمثابة تثبيت للرسالة، ولأهمية الحديث وعظمته في مسيرة

(هامش)

(1) - كما أورد ذلك السيوطي في إحياء الميت والزمخشري في تفسيره الكشاف. والفخر الرازي في تفسيره والسيوطي في الدر المنثور والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة والبخاري وغيرها من المصادر. (1) - وجاء ذلك أيضا في مستدرك الصحيحين للحاكم ومسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 158 .

ص 67

الإسلام كان المباهل بهم مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هم علي وفاطمة وابناهما.. مع أن الآية ذكرت نساءنا بصيغة الجمع إلا أن التمثيل المقدس كانت فاطمة فقط دون غيرها من النساء ولا حتى نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فتأمل عزيزي القارئ وانطلق بعقلك لتدرك مكانة الزهراء وعظمتها وما أظنك بقادر.

 

آيات أخرى:

 

يقول تعالى (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا) إلى قوله تعالى (إن هذا كان لكم جزاءا وكان سعيكم مشكورا) (سورة الإنسان: آية / 5 - 22)، هذه الآيات نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين بمناسبة قصة صيامهم ثلاثة أيام وتصدقهم في تلك الأيام الثلاثة بطعامهم على المسكين واليتيم والأسير بينما هم في أشد الحاجة إلى الطعام لإفطارهم.. ولقد ذكر جمع كبير من المحدثين والمفسرين أن هذه الآيات نزلت في هؤلاء الأربعة. منهم الزمخشري في كشافه.. والفخر الرازي في تفسيره (1). إن نزول هذه الآيات في علي وفاطمة والحسنين ينبوع أخر لكرامتهم ومكانتهم عند الله.. إذ أن الخالق جل وعلا خاطبهم من عليائه بصيغة الأمر الذي أبرمه وفرغ منه (فوقاهم الله شر ذلك اليوم، ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا...) إلى آخر الآيات هذه هي حقيقة الزهراء فاطمة وتلك هي مكانتها عند الله. يطول بنا المقام لسرد كل ما جاء عن فاطمة في القرآن ولقد جمع أحد العلماء الآيات التي نزلت في فضل فاطمة وأهل البيت فبلغت (258) آية من الذكر الحكيم.

(هامش)

(1) - الكشاف ج 4 ص 670 ط بيروت، أسد الغابة لابن الأثير الشافعي ج 5 ص 530 - 531، تذكرة الخواص للسبط بين الجوزي وشواهد التنزيل للحاكم، الدر المنثور للسيوطي وغيرها من المصادر.

ص 68

ومع ذلك لو لم تأت إلا آية التطهير أو المباهلة لكفى بها موعظة لقوم يؤمنون فهذا قرآن عظيم في كتاب مكنون تنزيل العزيز الحميد.

 

فاطمة (ع) بلسان أبيها

 

ملاحظتان قبل الانطلاق في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن فاطمة:

 

الملاحظة الأولى:

 

إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما يتحدث عن فاطمة فإنه لا ينطلق من عاطفة الأبوة وهو القائل فيه البارئ عز وجل (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) في عموم حديثه عن الأشخاص لا يعطي أحدا أكثر مما يستحقه تبعا لعاطفته وحتى لو كان ذلك الإنسان ابنته. لأننا لو قلنا بذلك لطعنا في نبوته وكلماته القدسية التي نؤمن جميعا بأنها حجة لا زيغ فيها ولا هوى.. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنهتني قريش وقالوا تكتب كل شيء سمعته من رسول الله وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول الله فأومأ بأصبعه إلى فيه وقال: أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق . إن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق إلا صدقا وعدلا فلنضع كلماته عن الزهراء نصب أعيننا ونحن نقرأ عن موقفها بعد وفاته ولا نترك للشيطان سبيلا يتسلل منه.. لان فهمنا لهذه النقطة يمهد لنا السبيل لفهم موقف فاطمة (ع).

 

الملاحظة الثانية:

 

إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ركز في شخصية فاطمة على قدسيتها وخلوصها لله تعالى وقربها منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث يجعلك تأخذ الاحساس بأنها

ص 69

جزء منه ما يصيبه كأنما أصابها وما يصيبها كأنما أصابه وأنها تمثله جسدا وموقفا.. تعبر عنه وهو المعبر عن إرادة الله تعالى وذلك في مجمل أحاديثه عن فاطمة من أسخط فاطمة فقد أسخطني من أغضب فاطمة قد أغضبني ومن أغضبني فقد أغضب الله .. وعلى هذا المنوال. ولقد استوقفني كثيرا محور كلام الرسول عن ابنته والذي كان يدور حول غضبها وسخطها ورضاها وكأنه - بأبي وأمي - يلمح للأمة بمصيبتها وابتلائها في موقفها من الزهراء.. وهذا لا ولن يخفى على ذوي الألباب المتفتحة والقلوب المفعمة بحب النبي وآله فلماذا يا ترى كان التركيز على هذا المحور بالذات؟! هل يعقل أن يكون ذلك بلا سبب؟! ألا يحمل هذا في طياته دلالات عميقة وإشارات واضحات. لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبلغ العرب حين يتكلم وأكثر الناس حكمة حينما يفصح كما كان أحسنهم إنصافا للناس. لقد هيأ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس حتى يصدقوا الزهراء حين تنطق وهيأهم لأن يتحاشوا غضبها إذا غضبت وأخبرهم أن أذاها أذى له وهكذا مهمة الأنبياء تربية الأمم حاضرا أثناء حياتهم وتهيئتهم لاستقبال الحوادث المستقبلية بعد رحيلهم.. والنبي وهو أعظمهم خص الزهراء وهو الصادق الأمين بهالة قدسية تحرم على الآخرين هتكها.. ولم يكن ذلك لقرابتها منه بل لأنها أخلصت للحق وذابت في بوتقته فكانت مقياسا ومعيارا للذين سيأتون بعد أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) وتجلت حكمة الرسول في أحاديثه المختلفة للأمة التي كانت تنظر لواقع المستقبل وهي تحمل في طياتها بصائر تتضح من خلالها الرؤية، وتحكم بها على أحداث الواقع في أي زمان ومكان. والأمثلة على ذلك كثيرة، لقد تحدث النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) عن علي بن أبي طالب (ع) حينما قال علي مع القرآن والقرآن مع علي لأن معاوية سيأتي يوما ما ويرفع المصاحف على أسنة الرماح طالبا التحكيم بالقرآن كما حدث

ص 70

في صفين حينها ستعرف أين جهة الحق والصدق لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك المعيار فعلي والقرآن لا يفترقان.. كذلك عندما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمار تقتلك الفئة الباغية فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يترك مجالا للاعتذار لأولئك الذين قاتلوا في صف معاوية ضد علي ومعه عمار بن ياسر وهكذا أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تنطلق من الحاضر لتشخص داء الأمة في المستقبل. كل ذلك يجعلنا ننظر إلى غضب الزهراء بقدسية وإلى موقفها بتعقل. إنه غضب من أجل الحق وموقف صدق ضد الانحراف. إننا ننزه الزهراء من أن تغضب في سبيل شيء غير الحق إنه غضب مقدس وصرخة حق مدوية وبعد قليل سينكشف الغطاء وترى لماذا كان هذا الغضب. وإليك بعضا مما قاله المصطفى في ابنته ربيبة الوحي فاطمة الزهراء (ع): 1 - فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني . رواه البخاري في صحيحه باب مناقب قرابة الرسول ج 4 ص 281 دار الحديث القاهرة (1). 2 - إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها . رواه مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب فضائل فاطمة. وفي رواية فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها (2). 3 - قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة (ع): إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين كتاب مناقب الصحابة ص 154 وقال عنه حديث صحيح الإسناد ولم

(هامش)

(1) - ذكره ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 188. (2) - أورده ابن حجر في صواعقه أيضا ص 190 وقد جاء هذا الحديث بصيغ مختلفة تعبر عن نفس المعنى في كثير من المصادر مثل مسند أحمد بن حنبل وكنز العمال والإمامة والسياسة لابن قتيبة... وغيرها.

ص 71

يخرجاه (1). 4 - جاء في صحيح البخاري كتاب بدء الخليقة في باب علامات النبوة ج 4 ص 250 بسند عن عائشة قالت: أقبلت فاطمة تمشي ما تخرم مشيتها مشية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): مرحبا بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم أسر إليها حديثا فبكت فقلت لها لم تبكين؟! ثم أسر إليها حديثا فضحكت فقلت ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى قبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألتها فقالت: أسر إلي أن جبرائيل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحاقا بي فبكيت فقال: أما ترضي أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة فضحكت لذلك (2). وأورد الترمذي في سننه كتاب المناقب عن حذيفة قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فصليت معه المغرب فصلى حتى صلى العشاء ثم انفتل فتبعته فسمع صوتي فقال: من هذا حذيفة؟ قلت: نعم قال: ما حاجتك غفر الله لك ولأمك؟ ثم قال: إن هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (3). وجاء في المستدرك ج 2 ص 294 بسنده عن عائشة قالت لفاطمة: ألا أبشرك؟ إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول سيدات نساء أهل الجنة أربع

(هامش)

(1) - ورواه ابن الأثير في أسد الغابة ج 5 ص 522 ، وابن حجر في الإصابة ج 5  ص 156 .. كما جاء في ميزان الاعتدال للذهبي وغيرها من المصادر. (2) - وذكره أيضا في باب مناقب قرابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ج 4 ص  281 كما رواه مسلم في صحيحه وأحمد بن حنبل في مسنده. (3) - ورواه ابن حجر في الصواعق ص 191 والحاكم في المستدرك ج 3 ص 151 ، كتاب مناقب الصحابة وقال عنه صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

ص 72

مريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد، وآسيا بنت مزاحم . وقال عنه الحاكم النيسابوري حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه يقصد بخاري ومسلم . وجاء في كنز العمال ج 7 ص 111 أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة. وذكر محي الدين الطبري حديث أفضل أربع نساء فضلهم الله في ذخائر العقبى ص 44 وأضاف وأفضلهم فاطمة. 5 - عن عائشة أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قالت: ما رأيت أحدا كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي ولدها (1). 6 - أورد السيوطي في الدر المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام) قال: وأخرج الطبراني عن عائشة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أسري بي إلى السماء أدخلت الجنة فوقفت على شجرة من أشجار الجنة لم أر في الجنة أحسن منها ولا أبيض ورقا ولا أطيب ثمرة فتناولت ثمرة من ثمرتها فأكلتها فصارت نطفة في صلبي فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة فإذا أنا اشتقت إلى ريح الجنة شممت ريح فاطمة . وروى الحاكم في المستدرك ج 3 ص 156 بسنده عن سعد بن مالك قال: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): أتاني جبرئيل (ع) بسفرجلة من الجنة فأكلتها ليلة أسري بي فعلقت خديجة بفاطمة فكنت إذا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رقبة فاطمة . 7 - عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ابنتي فاطمة حوراء آدمية لم تحض ولم تطمث. وإنما سماها فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار، ذكره ابن حجر في صواعقه ص 160 كما أخرجه النسائي وجاء في تاريخ بغداد أيضا ج 12 ص 331 .

(هامش)

(1) - رواه الحاكم في مستدركه ج 3 ص 160 وقال حديث صحيح على شرط سلم.. كما ذكره ابن عبد البر في استيعابه ج 2 ص 751.

ص 73

8 - في صحيح الترمذي ج 2 ص 319 عن عائشة أم المؤمنين قالت: ما رأيت أحدا أشبه سمتا ودلا وهديا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).. قالت: وكانت إذا دخلت على النبي قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها الحديث. رواه أيضا أبو داوود في صحيحه ج 33 في باب ما جاء في القيام. ورواه الحاكم أيضا في مستدرك الصحيحين ج 3 ص 154 . 9 - جاء في مسند أحمد بن حنبل ج 5 ص 275 كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا سافر جعل آخر عهده فاطمة وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة.. وذكر ذلك الحاكم في المستدرك ج 1 ص 489 ورواه البيهقي في سننه. 10 - قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي وفاطمة والحسنين: أنا سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم رواه أحمد بن حنبل في مسنده ج 2 ص 442 والحاكم في المستدرك ص 149 وابن الأثير في أسد الغابة ج 3 ص 11 وج 5 ص 523 . 11 - في الصواعق المحرقة لابن حجر ص 190 أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد على الصراط فتمر مع سبعين ألف جارية من الحور العين كمر البرق ذكره الحاكم في المستدرك ج 3 ص 153 . كانت جولتنا مع أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حول فاطمة قصيرة مقارنة بما ورد في حقها ولكن هذا القدر يكفي للعاقل حتى يتعرف على الزهراء (ع) التي أحاطتها العناية الإلهية من قبل ميلادها وكانت في جنة الخلد... هنالك كان المبدأ كما في رواية الإسراء والجنة هي النهاية كما علمت وما بين الانطلاقة الأولى من الجنة والمنتهى فيها كانت حياة الزهراء عظيمة تنبض بكل معاني القيم النبيلة.. فهل من

ص 74

الممكن أن يكون هناك نشاز في منتصف الطريق؟! يقينا لا، لذلك أوصى الرسول بفاطمة كثيرا وحذر الناس من غضبها الذي يعني غضبه بل وغضب الله عز وجل كما مر وشهدت لها عائشة بأنها أصدق الناس لهجة فهي الصديقة كما أن العناية الإلهية كان لها الدور المباشر في صياغة شخصية الزهراء فصار أذاها أذى الرسول الذي يعني أذى الرسالة ونزل الوحي يجلجل بالتطهير كما جاء في آية التطهير وتأكيدا على قدسية المسير ومباركة الرب لعمل فاطمة وأهل بيتها كانت سورة الإنسان.... وحتى نزداد يقينا بارتباط الزهراء بالوحي واستقامتها كانت المباهلة ثم الزواج المبارك الذي تم في السماء قبل أن يتم في الأراض بأمره سبحانه وتعالى. ورعاية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الخاصة بفاطمة حتى إنه عند قدومها يقبلها ويجلسها في مجلسه وكذا العكس.. ولا يخرج (صلى الله عليه وآله وسلم) في سفر إلا أن يكون آخر من يودعه ابنته وأول من يسلم عليه عندما يعود.. هي سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة، إذا كل فعل تفعله هو فعل أهل الجنة وكل موقف تقفه هو موقف أهل الجنة ولو نظرت في الجنة لرأيت نعيما وملكا كبيرا ويأتي المنادي غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة وتستقر في مقام محمود منه انطلقت وإليه تعود. هذه المسيرة المقدسة، وهذه العظمة ألا تدفعنا للوقوف إجلالا وإعظاما لشخصية قدستها السماء وبارك مسيرتها أبوها صاحب رسالة السماء؟ كل ذلك ألا يجعلنا نتوقف قليلا أمام مواقفها؟ يبدوا لي أننا حتى نستوعب كل ذلك نحتاج إلى عقل سليم وقلب مفرغ من الغرور والاستكبار والهوى لقد جسدت الزهراء تعاليم الوحي.. وسارت وفق هداه فكانت من الجنة إلى الجنة وما بين ذلك غضبها هو غضب الله فتأمل وتفكر وتدبر.

ص 75

 

موقف الزهراء (ع) هو الفيصل

 

في الأحداث التاريخية يلعب العقل دورا كبيرا في استخلاص النتائج والاعتبار بها والاستفادة منها ومن ثم الانطلاق لتحديد موقف معين تجاه تلك الأحداث. والتاريخ الإسلامي كتاب الثقافة الذي حفظ لنا تراثا ضخما، ما زالت الأمة تعيش على معينه.. وطوال تاريخ أمتنا الإسلامية مرت أحداث عظام مثلت منحى لهذه الحضارة التي قامت أسسها على تعاليم الوحي بشقيه القرآن والسنة. وبما أن التاريخ ثبت لنا مجموعة من الأحداث يجب علينا نحن اليوم النظر فيها بعين الإنصاف، كما يجب علينا التعقل لنستخلص منها عبرا تعيننا لتحديد اتجاه السير الصحيح خصوصا وأن الأمة وبعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) شهدت اختلافا كبيرا امتدت آثاره إلى يومنا هذا. وقضية الزهراء (ع) ومأساتها لم تكن لتنفك عن أمر الرسالة الإسلامية، وموقف الزهراء (ع) لا يمكن أن يمر عليه العاقل المهتم بأمر الإسلام مرور الغافلين، بل لا بد من التوقف عنده والسؤال، هل كان موقف فاطمة (ع) يعني شيئا في مسيرة تحديد هويات الاتجاهات المختلفة؟ ذلك ما سنعرفه الآن، ولكن هناك مقدمة ضرورية قبل الإجابة على هذا السؤال وهي: نحن في تحديدنا للمواقف المتعددة يجب وقبل كل شيء معرفة صاحب الموقف معرفة تامة لأن ذلك يعيننا لتشخيص وتحليل الموقف تماما وهذا شيء طبيعي وعقلائي، فمثلا عندما يقف الرسول موقفا معاديا لشخص آخر فإننا تلقائيا ندين الطرف الآخر الذي وقف منه الرسول موقفا عدائيا لأننا على يقين بأن الرسول هو المقياس للفصل بين الحق والباطل وبالتالي إذا وقف في وجه شخص آخر فذلك الشخص على خطأ لا يحتاج منا إلى بيان ولكن هذا احتاج منا إلى مقدمات تجاوزناها سلفا وهي عصمة الرسول وحجية قوله وفعله وتقريره وهذه الحجية لا تكون إلا إذا كان قوله (صلى الله

ص 76

عليه وآله وسلم) وفعله وتقريره حقا ولا يمكن أن يكون بحال من الأحوال باطلا لأن القول بخطأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يستلزم الطعن في القرآن الذي أمر بطاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون قيد أو شرط، بل ليس الطاعة فقط وعدم المخالفة إنما عدم الحرج في قضائه (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).. من هذه الخلفية نكون على اطمئنان بكل موقف يقفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أن معرفتنا للشخصية تجعلنا نقيم الأحداث بشكل سليم بأفضل ما يكون. والزهراء (ع) رفضت أن تبايع الخليفة.. وعارضته بأشد ما يكون وتركت آثار معارضتها إلى الآن إذ أنها أمرت بدفنها ليلا وسرا (ولم يكشف عن مكان قبرها إلى الآن)، فما مدى تأثير هذا الموقف الذي جوبه بأشد أنواع العنف، في سير الرسالة وما مدى حجيته علينا نحن المسلمين اليوم. وإن ذلك يستدعي التعرف على شخصية الزهراء بصورة تفصيلية خصوصا فيما يختص بالحجية يعني هل فعلها حجة لها أم عليها وذلك من الناحية التشريعية وإلا قد مر عليك فضائل الزهراء ومناقبها.

 

عصمة الزهراء (ع)

 

المتتبع للنصوص الواردة في القرآن والسنة الشريفة عن أهل البيت (ع) بما فيهم الزهراء (ع) لا يجد سوى الاقرار بعصمتهم وعلو شأنهم عن الذنوب والمعاصي، وإليك لمحات من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة التي تثبت عصمة أهل البيت (ع) وطهارتهم وقد مر عليك ذكر بعضها. لقد مرت عليك عزيزي القارئ آية التطهير ودلالتها على عصمة أهل البيت المقصودين في الآية وفاطمة منهم ونورد الأدلة التالية تعزيزا لقولنا بعصمة فاطمة (ع): 1 - قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها إن الله يغضب لغضبها

ص 77

ويرضى لرضاها ، هذا القول للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تلازمه العصمة لأنه من المستحيل أن يناط غضب الزهراء بغضب الله سبحانه وهي غير معصومة... لأن القول بعدم عصمتها يعني إمكانية وقوعها في الزلل والخطأ وربما تغضب لغير الحق، والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلامه إطلاق بلا تقييد يعني أن الزهراء (ع) لن تغضب إلا لشيء يغضب الله بسببه ومن كان غضبه يعني غضب الله فهو لن يفعل إلا الحق ولن يخطئ أو يميل إلى الباطل طرفة عين وبالتالي يمثل غضبه الحق، وفي الواقع إن هذا الحديث يدلل أن للزهراء مكانة عظيمة لا تدرك بالعقول. ولبيان هذه العظمة التي من تجلياتها عصمتها (ع) أكد الرسول تكرارا عليها كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويريبني ما رابها (1). إن أذى الرسول يعني أذى الرسالة، أذى القيم والمبادئ، لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو محور الحق بل هو الحق الذي يجب أن نقتبس منه، إن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يمثل الإرادة الإلهية وهو قطب الرحى الذي به يعرف الموحد من المشرك والكافر إذ أن الله تعالى غيب لا ندركه بعقولنا وأوهامنا والارتباط به تعالى يكون عبر رسله وأنبيائه. لذلك كان مبعث الأنبياء وتولية الأوصياء. ولذلك لا يكون الرسول إلا معصوما حتى لا يفترق عن الحق لحظة واحدة وبالتالي تكون كل تصرفاته حق وأذيته تعني التحدي للرسالة والإرادة الإلهية ولبيان هذه الحقيقة يقول القرآن الكريم (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) (سورة الأحزاب: آية / 57) وأكرر القول إن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما يتحدث عن شخص أو يدلى بأي حديث فمن منطلق مسؤوليته تجاه الرسالة وبالتالي يستبعد أي مجاملات أو تقريظ بلا حق، والمتفق عليه أن قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفعله وتقريره حجة يعني شرع نتعبد به قربة إلى الله تعالى. وقد قال عليه وآله الصلاة

(هامش)

(1) - لمعرفة مصادر هذه الأحاديث يرجى مراجعة فضائل الزهراء في هذا الكتاب. (*)

ص 78

والسلام فاطمة بضعة مني يعني هي جزء لا يتجزأ من كيانه وروحه وهو كما قلنا محور الحق والشرع وبالتالي تكون الزهراء (ع) أيضا كذلك، لذلك جعل الرسول أذاها أذاه وكل شيء يريبها يريبه وهو المعصوم الذي لا تميل به الأهواء ومن يكون جزءا منه يؤذيه ما يؤذيه فهو أيضا مؤهل أن يكون معصوما. وبهذا التقريب نرى عصمة الزهراء (ع) جلية وواضحة فقط تحتاج إلى وجدان صاف سليم وعقل مستنير. 2 - قوله تعالى (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) إن كل الأنبياء السابقين لم يطلبوا أجرا من أقوامهم إنما كان قولهم (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين) لقد ذكر ذلك في القرآن على لسان الأنبياء نوح وهود وصالح ولوط وشعيب (1). ولكن نبينا الأعظم أمره الله عز وجل بأن يسأل أمته المودة في القربى ولكن لا لكي يستفيد هو بل لتستفيد أمته، لأنه ليس بدعا من الرسل ليطالب بأجر لرسالته من دون الرسل، كما أنه ليس من المتكلفين كما جاء على لسانه قوله تعالى (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين) (2)، ودليلنا على أن الفائدة من هذا الأجر الذي طلبه منا تعود علينا نحن قوله تعالى (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله) (3)، وبنظرة أخرى إلى آيات القرآن الحكيم نجد أن هذا الأجر المتمثل في مودة القربى هو السبيل إلى الله تعالى في قوله عز وجل (ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا) (4)، وهو الذكرى للعالمين كما يقول تعالى (قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى

(هامش)

(1) - مراجعة الآيات 109 - 127 - 132 - 145 - 164 - 180) من سورة الشعراء. وقد جاء في صحيح البخاري في المناقب ج 4 ص 219 عن ابن عباس قال: إلا المودة في القربى، القربى قربى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). (2) - سورة ص: آية / 86. (3) - صورة سبأ: آية / 47. (4) - سورة الفرقان: آية / 57. (*)

ص 79

للعالمين) (1). إذا مودة القربى هي الذكرى وهي السبيل الذي يقول عنه تعالى (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) والسبيل إلى الله لا بد أن يكون قويما لا عوج فيه يعني باتباعه نضمن أننا على الصراط المستقيم ونهايتنا الجنة بمعنى أقرب لا بد أن يكون معصوما وقد تجسد في القربى وهم أهل البيت (ع) كما هو المسلم به عند جميع المسلمين فيما يرتبط بنزول الآية في أهل البيت (ع) وفاطمة عماد ذلك البيت فوجب أن تكون معصومة لأنها أحد مصاديق ذلك السبيل. 3 - فاطمة (ع) ومريم (ع): فيما سبق من روايات وضح لنا أن فاطمة الزهراء (ع) هي سيدة نساء العالمين وهي سيدة نساء الجنة. وما إليه من أحاديث تثبت أن الزهراء (ع) أفضل النساء من الأولين والآخرين، ومن جملة النساء الكمل مريم الصديقة (ع) أم النبي عيسى (ع) لقد ارتقت مريم سلم الكمال حتى اصطفاها الله تعالى وطهرها، بل وخاطبها الوحي كما جاء في القرآن الكريم يقول تعالى (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) (سورة آل عمران: آية / 42) لقد طهر الله مريم واصطفاها وهذه هي العصمة بعينها، ولا يمكن بمجال أن يكون الفاضل أقل درجة من المفضول فإذا ثبتت عصمة مريم (ع) فبالأولى إثبات عصمة الزهراء (ع) لأنها أعلى رتبة وأخص درجة بما عرفت عنها ومدح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لها. لقد أوردنا ما أوردناه لإثبات عصمة الزهراء (ع) أو لا أقل بيان قدسيتها بحيث يمتنع صدور فعل قبيح منها يخالف الشرع أو يرضي طموحا شخصيا لها. ورغم قناعتي بأن الكثير من المسلمين لا يحتاجون إلى مزيد من الكلام حول طهارتها وقدسيتها إلا أنني تأكيدا للحجة على المعاندين والمغالطين أطلت الحديث عن هذا الموضوع ولأنه سيكون المعتمد الأساسي في الإجابة على سؤال عريض سيواجهنا وتجب الإجابة عليه.

(هامش)

(1) - سورة الأنعام: آية / 90.

ص 80

ألا وهو أين نقف نحن بالنسبة لموقف الزهراء من أبي بكر؟ وكيف المخرج؟ هل يجوز لنا القول بأن الزهراء (ع) مخطئة؟ أما بالنسبة للسؤال الأخير فلا يحق لنا ذلك بل إن القول به يعني الكفر بالله وبآياته وبرسوله، ويبدو لي أن الإجابة على بقية الأسئلة واضحة ولا تحتاج إلى كبير عناء. ولكن قبل أن أنهي الحديث عن هذا الموضوع، الذي أترك فيه المجال لأصحاب العقول المنيرة والضمائر الحية ليحددوا فيه الموقف، أعرج على حديث شغلني كثيرا وأنا أقيم موقف الزهراء (ع) من الخليفة أبي بكر وغضبها وعدم السماح له ولعمر بالصلاة عليه حتى وهي ميتة، ألا وهو الحديث المشهور (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). حسنا لقد أصبح أبو بكر خليفة للمسلمين بعد انتقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى. والخليفة هو الإمام وقد جاء في الحديث أن من لم يعرفه يموت ميتة كميتة الجاهلية. وفاطمة (ع) ليس فقط لم تعرف الخليفة بل عارضته وهاجمته وغضبت عليه وأمرت أن لا يصلي عليها فكيف المخرج من هذه المعضلة؟! فإما أن تكون فاطمة ماتت ميتة جاهلية والعياذ بالله وهذا ما لا يقول به مؤمن برسالة أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) وإما أن تكون في موقفها على حق وبالتالي تنسف كل شرعية للخلافة القائمة آنذاك وهو ما قامت عليه الأدلة والبراهين فثبتت نقلا وعقلا كما بينا وسنبين المزيد إن شاء الله تعالى.

 

بماذا طالبت الزهراء (ع)؟

 

لقد جاء في البخاري ومسلم وغيرهما من المصادر أن الزهراء طالبت بفدك ولا شك ولا ريب أنها كانت تطالب بشيء تعتبره ملكا لها أو حقا شرعيا خاصا بها. لقد طالبت فاطمة بالإضافة إلى فدك بحقوق أخرى سنذكرها.. لكنها أظهرت

ص 81

فدك باعتبار أن ملكيتها آلت إليها بوجود الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبل وفاته وبالتالي لا ربط لها بقضية الميراث التي زعموا أن الرسول خارج عنها. أما فدك فقد قال عنها ياقوت هي قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة وفيها عين فوارة ونخيل كثير (1) وقصتها أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث إلى أهل فدك وهو بخيبر منصرفه منه يدعوهم إلى الإسلام فأبوا فلما فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من خيبر قذف الله الرعب في قلوبهم فبعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصالحونه على التصرف فقبل منهم (2). وفي فتوح البلدان: فكان نصف فدك خالصا لرسول الله لأنه لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب. لقد كانت فدك ملكا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعلوم أن من حقه التصرف في ملكه وقد كان ذلك حينما منحها لقرة عينيه فاطمة كما جاء في شواهد التنزيل للحسكاني وميزان الاعتدال للذهبي ومجمع الزوائد للهيثمي والدر المنثور للسيوطي واللفظ للأول عن أبي سعيد الخدري: لما نزلت (وآت ذا القربى حقه) دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة وأعطاها فدك (3). إذا فدك كانت ملكا وحقا لفاطمة الزهراء ولا يجوز بحال من الأحوال منعها هذا الحق وهي هي كما علمت.. فكيف يجرؤ أحد على منعها ما أعطاه لها الرسول بأي حق كان ذلك؟ لقد قالوا أن الأنبياء لا تورث - ورغم عدم ثبوت ذلك فإن فدك لم تكن من التركة حتى يحتج عليها بهذا الحديث، ولقد تدرجت الزهراء في

(هامش)

(1) - بمادة (فدك) من معجم البلدان. (2) - سيرة ابن هشام 3 / 408 مغازي الواقدي ص 706 / 707 وشرح النهج 4 / 78. (3) - تفسير الآية 26 من سورة بني إسرائيل في شواهد التنزيل 1 / 338 - 341، والدر المنثور 4 / 177 وميزان الاعتدال 2 / 228 ومجمع الزوائد والكشاف وتاريخ ابن كثير 2 / 36، تفسير الطبري ج 15 ص 72 ط 2 ينابيع المودة.

ص 82

مطالبتها بحقوقها حتى تتضح الأمور لذي عينين غير أن بعض الأحاديث جاءت مجملة غير مفصلة تختلط فيها لدى القارئ أوراق القضية فيظن أن فدكا كانت ميراثا وكذلك سهم ذي القربى في حين أن كل ذلك غير الميراث، وحتى تتضح الرؤية دعنا نفصل بعض الشيء في هذا الأمر. لقد طالبت فاطمة أولا بما أعطاه لها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ثانيا بإرث الرسول وثالثا بسهم ذي القربى، بسهم ذي القربى، وإليك بعض الكلام في هذه المطالبات.

 

أولا: المطالبة باسترداد فدك التي لها ملكيتها.

 

جاء في فتوح البلدان: إن فاطمة (رض) قالت لأبي بكر الصديق (رض) أعطني فدك فقد جعلها رسول الله لي، فسألها البينة فجاءت بأم أيمن ورباح مولى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فشهدا لها بذلك، فقال: إن هذا الأمر لا تجوز فيه إلا شهادة رجل ومرأتين (1). وفي رواية أخرى: شهد لها علي بن أبي طالب فسألها شاهدا أخر فشهدت لها أم أيمن ، وإن عشت أراك الدهر عجبا فاطمة (ع) التي نزلت آيات القرآن تطهرها وتعصمها تكذب وتسأل البينة. إنها سيدة نساء العالمين. الصديقة الطاهرة التي بلغت درجة من العصمة والطهارة حتى صار غضبها غضب الرب ورضاها، رضاه لقد قبل المسلمون شهادة أبي بكر في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نحن معاشر الأنبياء لا نورث فكيف لا يقبلون ادعاء الزهراء بأن فدكا ملكها؟ لقد تجلت حكمة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما أكد على مكانة الزهراء وصدقها في الأحاديث المتقدمة خاصة ما جاء على لسان عائشة بنت أبي بكر لقد قالت ما رأيت أحدا كان أصدق لهجة منها أي فاطمة (ع). لقد وقفت حائرا أمام هذا الموقف! أين أقف؟! هل أضرب بكلام الوحي وقول

(هامش)

(1) - فتوح البلدان: 1 / 34 - 35.

ص 83

الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن فاطمة عرض الحائط، وأؤيد تكذيب القوم لها! أم ماذا أفعل؟ بلا شك لن أجعل كلام الرسول هذرا ولن أضعه وراء ظهري كما أنني لن أبرر ما فعلوه حينما صدوا الزهراء عن حقها.. لقد استولى أبو بكر على فدك كما استولى على غيرها من الأملاك والحقوق الخاصة بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).. ولا أرى مبررا وجيها يدعوه لمنع الحق عن أصحابه إلا أن يكون هنالك أمر آخر ربما خفي علي وعليك أيها القارئ العزيز لكن مجريات الأحداث ستبين لك ما هو غامض!!

 

ثانيا: مطالبتها بإرث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

 

عن أبي الطفيل بمسند أحمد بن حنبل وسنن أبي داوود وتاريخ الذهبي وتاريخ ابن كثير وشرح النهج واللفظ للأول قال: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أنت وارث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أم أهله؟ قال: فقال: لا، بل أهله ، قالت: فأين سهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1). وفي رواية عن أبي هريرة في سنن الترمذي: أن فاطمة جاءت إلى أبي بكر وعمر (رض) تسأل ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالا: سمعنا رسول الله يقول إني لا أورث ، قالت والله لا أكلمكما أبدا، فماتت ولا تكلمهما (2). وغيرها من الروايات الكثيرة التي تتحدث عن منع أبي بكر فاطمة ميراثها من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أبيها، بما في ذلك الحديث الذي بدأنا به هذا البحث.

(هامش)

(1) - مسند أحمد 1 / 4 الحديث 14، وسنن أبي داوود 3 / 5 كتاب الخراج وتاريخ ابن كثير 5 / 289، وشرح النهج 4 / 81، وتاريخ الذهبي. (2) - سنن الترمذي 7 / 111، أبواب السير كما جاء في تركة الرسول كما جاءت بمسند أحمد بن حنبل عن أبي هريرة أيضا ج 1 / 10 الحديث 60.

ص 84

 

ثالثا: المطالبة بسهم ذي القربى.

 

لقد منعوها ملكها الخالص فدك وجاؤوها بحديث الأنبياء لا يورثون الذي قال فيه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة المشهور أنه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلا أبو بكر وحده وقال إن أكثر الروايات أنه لم يرو هذا الخبر إلا أبو بكر وحده، ذكر ذلك أعظم المحدثين حتى أن الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم بالخبر برواية الصحابي الواحد، وقال شيخنا أبو علي: لا يقبل في الرواية إلا رواية اثنين كالشهادة، فخالفه المتكلمون والفقهاء كلهم، واحتجوا بقبول الصحابة رواية أبي بكر وحده نحن معاشر الأنبياء لا نورث (1). عندما لم يجيبوها في كل ذلك طالبتهم بسهم ذي القربى، فقد جاء عن أنس بن مالك أن فاطمة أتت أبا بكر فقالت لقد علمت الذي ظلمتنا أهل البيت من الصدقات وما أفاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربى. ثم قرأت عليه قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) فقال لها أبو بكر بأبي أنت وأمي السمع والطاعة لكتاب الله ولحق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحق قرابته وأنا أقرأ من كتاب الله الذي تقرأين منه، ولم يبلغ علمي منه أن هذا السهم من الخمس مسلم إليكم كاملا قالت: فلك هو ولأقربائك؟! قال: لا، بل أنفق عليكم منه وأصرف الباقي في مصالح المسلمين، قالت: ليس هذا حكم الله (2). وفي فتوح البلدان وطبقات ابن سعد وتاريخ الإسلام للذهبي وشرح النهج عن أم هاني قالت: إن فاطمة بنت رسول الله أتت أبا بكر (رض) فقالت: من يرثك إذا مت؟ قال: ولدي وأهلي، قالت: فما بالك ورثت رسول الله دوننا؟! قال: يا بنت رسول الله ما ورث أبوك ذهبا ولا فضة، فقالت: سهمنا بخيبر وصافيتنا فدك.

(هامش)

(1) - شرح النهج 4 / 82 - 85. (2) - تاريخ الإسلام للذهبي 1 / 347، شرح النهج 4 / 81.

ص 85

ولفظ طبقات ابن سعد: فسهم الله الذي جعله لنا وصافيتنا بيدك. وفي لفظ ابن أبي الحديد وتاريخ الإسلام للذهبي: قال: ما فعلت يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت: بلى إنك عمدت إلى فدك وكانت صافية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذتها، وعمدت إلى ما أنزل الله من السماء فرفعته عنا (1). لقد طالبت الزهراء (ع) بحقوقها كاملة فلم تحصل منها على شيء ولا أدري لماذا منعت وردت! إما لأنها كذبت في دعواها وحاشا لمن وعى كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآمن بالوحي حقا أن يدعي عليها مثل هذه الفرية وقد علمت حرص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث عن فاطمة (ع) حتى لا تذهب المذاهب بالقوم وكيف يمكن أن تكذب وهي المطهرة بنص القرآن والمعصومة والصادقة في سيرتها كما جاء في الروايات وهي التي يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها؟ إنها الزهراء (ع) ميزان الحق الذي به يعرف الباطل وأي خطأ وخطل يرتكب من يحاول أن يشكك في حقها الذي طالبت به؟ لأن ذلك يعني الشك في قول الله تعالى وقول رسوله. وليس هناك مجال لمدح يدعي أنها كانت جاهلة بحقوقها وأنها ربما لم تسمع بأنها لن ترث أباها وأن ملكها يمكن أن يتصرف فيه الخليفة كيف يشاء. إذ أن من المستحيل أن يغفل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيان ذلك لابنته الزهراء (ع)، وهي المعنية بالأمر في الدرجة الأولى دون سائر المسلمين.. وزوجها هو علي بن أبي طالب الذي قال عنه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا مدينة العلم وعلي بابها (2)، وقد أكد علي (ع) دعوى فاطمة (ع) حينما قال أبو بكر: قال

(هامش)

(1) - فتوح البلدان 1 / 35 وطبقات ابن سعد 2 / 314 - 315 وشرح النهج 4 / 81 وتاريخ الإسلام للذهبي 1 / 346. (2) - أسد الغابة ج 4 ص 22 ، مستدرك الحاكم وشواهد التنزيل وتاريخ ابن عساكر وغيرها من المصادر.

ص 86

رسول الله لا نورث ما تركناه صدقة فقال علي: (وورث سليمان داوود) وقال يرثني ويرث من آل يعقوب) قال أبو بكر: هو هكذا وأنت والله تعلم مثل ما أعلم فقال علي: هذا كتاب الله ينطق! فسكتوا وانصرفوا (1). إذا فاطمة كانت تدرك تماما ما تفعله وعن علم كامل بحقوقها وإلا لماذا استمر غضبها إلى حين وفاتها ولم تتراجع بل احتجت على أبي بكر بأن الأنبياء يورثون من القرآن الحكيم في خطبتها التي خطبتها أمام الخليفة الأول وذلك بعد منعها منحتها وإرثها وحقها في الخمس. جاء في شرح النهج وبلاغات النساء لأحمد بن طاهر البغدادي: لما بلغ فاطمة إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها على رأسها واشتملت جلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء وارتج المجلس ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم افتتحت كلامها بالحمد لله عز وجل والثناء عليه والصلاة على رسول الله ثم قالت: أنا فاطمة بنت محمد أقول عودا على بدء، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم وأخا ابن عمي دون رجالكم، ثم استرسلت في خطبتها إلى قولها: ثم أنتم الآن، تزعمون أن لا إرث لنا أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون يا ابن أبي قحافة! أترث أباك ولا أرث أبي لقد جئت شيئا فريا فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله والزعيم محمد والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون.

(هامش)

(1) - طبقات ابن سعد 2 / 315 وكنز العمال 5 / 365 كتاب الخلافة مع الإمارة من قسم الأفعال.

ص 87

وفي معرض خطبتها الغراء تواصل الزهراء احتجاجها بما جاء من القرآن عن ميراث الأنبياء فقالت: أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول الله تبارك وتعالى: (وورث سليمان داوود) وقال الله عز وجل في ما قص من خبر زكريا (رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) وقال عز ذكره (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) وقال (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) وقال (إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين) وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي أفخصكم الله بآية أخرج نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) منها أم تقولون: أهل ملتين لا يتوارثان. أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة أم أنتم أعلم بخصوص القرآن من أبي وابن عمي أفحكم الجاهلية تبغون... (1). إن للزهراء من منازل القدس عند الله عز وجل ورسوله والمؤمنين ما يوجب الثقة التامة في صحة ما تدعي والطمأنينة الكاملة بكل ما تنطق به، ولا تحتاج - عليها السلام - في كلامها إلى شاهد... ودعواها بمجردها تكشف عن صحة المدعى به كشفا تاما بلا نقصان.. ومع ذلك فقد جاءت - كما ذكرنا - بشاهد لا أظن أنهم يحتاجون إلى شاهد معه وهو علي (ع) أخو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لا يفارق الحق والقرآن أبدا.. ولكن رفضت شهادته ولعمري إن شهادة علي أولى من شهادة خزيمة التي جعلها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كشهادة عدلين... ولو تنازلنا فسلمنا أن شهادة علي (ع) كشهادة رجل واحد من عدول المؤمنين فلماذا لم يطلب أبو بكر من فاطمة اليمين فإن حلفت وإلا ردت دعواها؟! لوجوب الحكم بالشاهد واليمين كما رواه مسلم في أول كتاب الأقضية عن ابن عباس قال: قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيمين وشاهد، ونقل في الكنز عن الدارقطني عن ابن عمار قال: قضى الله في الحق بشاهدين، فإن جاء بشاهدين أخذ حقه وإن جاء

(هامش)

(1) - بلاغات النساء: 12، 15، 16، 17.

ص 88

بشاهد واحد حلف معه. ومما يحير الألباب أن تكذب فاطمة وترد دعواها ولا تقبل شهادة علي كل ذلك حرصا منهم على منعها منحة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن جعلوها من متروكات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يعني من حق ورثته. لكنهم جاؤوا بحديث الأنبياء لا يورثون واحتجت عليهم الزهراء في خطبتها بأنها تستحق ميراث رسول الله فذكرت من الأدلة القرآنية ما يروي الظمأ ويبين الحق وتلت الآيات التي ورث فيها الأنبياء وكون حكمها عاما يشمل ابنة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم عرجت على آيات الميراث العامة والتي خوطب بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان الأولى أن تطبق عليه ثم على سائر المسلمين، يقول السيد عبد الحسين الموسوي: إن توريث الأنبياء منصوص عليه بعموم قوله عز من قائل (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) وقوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) إلى آخر آيات المواريث وكلها عامة تشمل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فمن دونه من سائر البشر فهي على حد قوله عز وجل (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم). وقوله سبحانه وتعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) الآية. ونحو ذلك من آيات الأحكام الشرعية يشترك فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكل مكلف من البشر لا فرق بينه وبينهم، غير أن الخطاب فيها متوجه إليه ليعمل به وليبلغه إلى من سواه، فهو من هذه الحيثية أولى في الالتزام بالحكم من غيره كذلك آيات الميراث تخص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كغيره من سائر الناس عملا بظاهر الآيات الكريمة (1). أما كون الأنبياء السابقين قد ورثوا المال فهذا ما نجده في ظاهر الآيات التي

(هامش)

(1) - النص والاجتهاد السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي فقرة توريث الأنبياء.

ص 89

تحدثت عن زكريا (ع) وغيره من الأنبياء كما ذكرت الزهراء في الخطبة ولعل هنالك من يدعي أن ميراث الأنبياء كان العلم دون المال ولكن ذلك خلاف الظاهر من الآيات إذ أن لفظ الميراث في اللغة والشريعة لا يطلق إلا على ما ينتقل من الموروث إلى الوارث كالأموال ولا يستعمل في غير المال إلا على طريق المجاز والتوسع، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة وقرينة... وبالجملة لا بد من حمل الإرث في الآيات القرآنية التي تتحدث عن ميراث الأنبياء على إرث المال دون العلم وشبهها حملا للفظ يرثني على معناه الحقيقي المتبادر إلى الذهن إذ لا قرينة على كون المراد في الآيات توريث العلم ومن يدعي ذلك عليه الإثبات وعلى فرض أن الأنبياء ورثوا العلم لأبنائهم وذويهم فهلا سمعوا العلم عمن ورثه عن النبي (صلى الله عليه وآله سلم) وأخذوا بكلام هؤلاء الورثة ورثة علم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين هم أعلم بأحكام الدين من غيرهم واتبعوهم أمنا من الضلال إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي . ومما يثير التساؤل ميراث زوجات النبي في بيوته التي اختص بها نساءه، عائشة كيف تسنى لها البقاء في بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أنه وعلى حسب مدعاهم لا يورث ولم يثبت أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ملكها هذا البيت في حياته كما أن أباها الخليفة الأول لم يطالبها ببينة وانتقلت إليها ملكية البيت بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصبحت هي المتصرفة فيه حتى أن أبا بكر وعمر طلبا منها الإذن حتى يدفنا بجوار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما أنها منعت من دفن من هو أكثر نصيبا منها على فرض أنه من الميراث لأنها ترث التسع من الثمن باعتبارها إحدى تسع أزواج مات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهن في عصمته، وللزوجة كما هو معلوم ثمن الميراث إن كان له ولد بينما يرث الحسن (ع) عن طريق أمه فاطمة (ع) أكثر منها ومع ذلك ينقل لنا اليعقوبي في حادثة وفاة الحسن بن علي (ع) ثم أخرج نعشه يعني الحسن يراد به قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله

ص 90

وسلم)، فركب مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص فمنعا من ذلك حتى كادت تقع الفتنة وقيل أن عائشة ركبت بغلة شهباء، وقالت: بيتي لا آذن فيه لأحد (1). والقرآن الحكيم يثبت أن هذه البيوت التي أودع فيها زوجاته هي له دون الزوجات في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) (سورة الأحزاب: آية / 53) فنسبة البيوت إلى النبي واضحة فهو الأصل وزوجاته عرض على هذه البيوت ولا يعترض قائل بأن الله تعالى يقول أيضا (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) لأن كلمة (بيوتكن) هنا تشمل البيت الذي كان في زمن حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي تنتقل إليه الزوجة عادة بعد وفاة زوجها... فالزوجة إما ترجع إلى بيت أهلها أو تبقى في بيت زوجها والأخير لا يتم إلا عن أحد طريقين إما أنها تملكته في حياة زوجها أو أنها ورثته عنه والثاني غير ممكن بالنسبة لزوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند من يؤمن بحديث لا نورث أما الأول فلم يثبت أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نحل البيوت لأزواجه، في حين أن فدكا نحلت لفاطمة الزهراء كما جاء في تفسير آية (وآت ذا القربى حقه) قالوا لما نزلت هذه الآية دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة وأعطاها فدك (2). إذا كلمة (بيوتكن) لا دلالة فيها على ملكية زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لبيوته بل الآية الأولى واضحة في نسبة البيوت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي المقيدة للآية الثانية في حال حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). لقد طالبوا الصديقة الطاهرة بالبينة ولم يطالبوا غيرها بذلك... ما السبب؟! ذلك ما ستكشف عنه الأحداث كما سنفصل.

(هامش)

(1) - تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 225 . (2) - بتفسير الآية من سورة الإسراء في شواهد التنزيل 1 / 338 - 341 بسبعة طرق، والدر المنثور 4 / 177 وميزان الاعتدال 2 / 225 ط أولى وكنز العمال 2 / 158 ط أولى ومنقحة، والكشاف 2 / 446، وتاريخ ابن كثير 3 / 36.

ص 91

 

فدك الرمز

 

تعرفنا على الزهراء من خلال القرآن فكانت المثال الأعلى للإيمان والتقوى والورع والزهد والعصمة.. تجلت لنا أسمى معاني الايثار في الزهراء ومع أهل البيت (ع).. يجودون بطعامهم للمسكين واليتيم والأسير لقد مدحها الله مع أبيها وبعلها وبنيها فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ووصفهم بأنهم الموفون بالنذر الخائفون من يوم كان شره مستطيرا وهو تعالى القائل عن لسانهم (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا) ثم جعل سبحانه وتعالى مودتهم أجرا للرسالة والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يتحدث عن ابنته فتفيض كلماته لتعطي الزهراء (ع) هالة من القدسية يتوقف عندها كل القديسين والأولياء إجلالا لعظمتها، فاطمة (ع) هذه الشامخة المدركة تماما أنها ما خلفت إلا للآخرة.. إنها كانت من الصنف الذي لا يقيم لحطام الدنيا وزنا وهي التي أهدت حتى ثياب عرسها لسائلة مسكينة ليلة زفافها كما جاء في التاريخ (1)... وهي من علمت أخي القارئ من خلال استعراض آيات الذكر الحكيم التي نزلت فيها إضافة إلى كلام أبيها وسيرتها العطرة... فاطمة الزهراء (ع) التي عرفتها هي أكبر من أن تطالب بقطعة أرض. يا ترى لماذا كان إصرارها على المطالبة بحقوقها المادية المتمثلة في فدك وغيرها من الخمس والميراث؟! إنها لم تكن حريصة على امتلاك شيء مآله إلى الزوال في هذه الدنيا ومن المستحيل أن ندعي على الزهراء بأنها قلبت الدنيا على الخليفة الأول من أجل شيء يرتبط بالدنيا.. لا سيما أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبرها بقرب موتها وسرعة لحاقها به. لا بد من أن يكون هنالك شيء عظيم استهدفته الزهراء من مطالبتها بفدك، من مجمل الأحداث التي اطلعت عليها أثناء بحثي توصلت إلى مغزى مطالبة فاطمة بفدك

(هامش)

(1) - روى ذلك الشيخ عبد الرحمن الصفوري الشافعي في نزهة المجالس ج2  ص 226 ط القاهرة.

ص 92

ومن ثم اتخاذها ذلك الموقف من الخلفاء وغضبها ودفنها ليلا وسرا. بعيد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة حدث الاختلاف حول الخلافة، البعض ينادي بخلافة علي (ع) وأهل البيت وآخرون يرون شرعية ما جرى في السقيفة من تولية لأبي بكر.. إن الأحداث بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذت بعدا آخر ولم تكن فدك فيها إلا حلقة من حلقات الصراع بين أصحاب السقيفة وأهل البيت (ع) المعارضين لها بقيادة علي وفاطمة (ع).. وكان بيت فاطمة هو ملتقى تلك المعارضة يقول ابن قتيبة في تاريخه إن أبا بكر رضي الله عنه تفقد قوما تخلفوا عن بيعته في دار علي وفاطمة فأبوا أن يخرجوا فدعا عمر بالحطب، يريد منهم أن يبايعوا بالإكراه والقوة، وقال: والذي نفس عمر بيده. لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها. فقيل له يا أبا حفص إن فيها فاطمة فقال: وإن.. فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضرا منكم تركتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقنا (1). لقد أطلقت فاطمة (ع) صوت المعارضة وحملت مشعل الحقيقة لتبين للجماهير التي اشتبه عليها الأمر وطالبت بفدك وأثبتت بذلك للتاريخ كله أن خلافة تقوم في أول خطوة لها بالاعتداء على أملاك رسول الله صلى ليست امتدادا له بقدر ما هي انقلاب عليه كما هو الشأن في كل الانقلابات التي تتم في العالم حيث تتم مصادرة أملاك السابقين وأي شخص يتجرد من العصبية المذهبية ويفهم أوليات السياسة يدرك مغزى مصادرة (فدك) وإخراج عمال فاطمة منها وبالقوة أو كما يعبر صاحب الصواعق المحرقة انتزاع فدك من فاطمة . ولم تكن فدك قطعة الأرض، هي مقصد فاطمة (ع) بل الخلافة الإسلامية التي كانت حقا لزوجها علي بن أبي طالب كما سنبين ويمكن

(هامش)

(1) - تاريخ الخلفاء ج 1 ص 12.

ص 93

تلخيص أسرار المطالبة بفدك في الآتي: 1 - إن فاطمة كغيرها من البشر تطالب بحقها سواء كان ذلك نحلة أو هبة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ميراثا أو حقوقا شرعية كالخمس، ومن هذا الحق الطبيعي انطلقت الزهراء لتعري القوم وتكشف عن حقيقتهم، والحكمة كانت تقتضي أن تكون المبادرة من الزهراء (ع) بعد أن استولى الحاكم الجديد على جميع امتيازات الهاشميين.. وكانت مطالبة علي بن أبي طالب وبقية الهاشميين بحقوقهم صعبة في ظل تلك الظروف التي رفض فيها هؤلاء مبايعة الخليفة وإمضاء ما جرى في السقيفة وأي محاولة منهم للتحرك كانت تعني إعطاء الطرف الآخر المبرر للتصفية التي كانت تلوح في الأفق من خلال كلمات جماعة السقيفة وهم يتشاورون ويبحثون عن طريقة يجبرون بها الهاشميين وعلى رأسهم علي (ع) على البيعة. 2 - لقد رأت الزهراء في المطالبة بفدك فرصة طيبة للإدلاء برأيها حول الخلافة وكانت لا بد من أن تدلي بتصريحاتها أمام الجماهير فاختارت المسجد المكان المناسب حيث معقل الخلافة هنالك وحيث كان أبوها يلقي الحديث تلو الحديث عن فضلها ومكانتها عند الله وصدقها وزهدها وقدسيتها، ولذلك عرفت نفسها في الخطبة قائلة واعلموا أني فاطمة وأبي محمد وانطلقت في مهمتها الرسالية لتظهر حال ومآل الخلافة، وتكشف الحقائق ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. 3 - كانت الخلافة المغتصبة هي محط أنظار البتول الطاهرة (ع) فجاءت مطالبتها الحثيثة بفدك وغيرها من الحقوق وبعدها يفسح لها المجال لتطالب بالأمر الذي اختص به زوجها وهو ولاية أمر المسلمين.. وأصبحت فدك ترتبط بالخلافة بلا فاصل كما تحول محتواها وكبر معناها فلم ينحصر في قطعة الأرض المحدودة بل صار معناها الخلافة والبلاد الإسلامية كاملة.. وذلك ما وضحه حفيدها الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) حينما ألح عليه

ص 94

الرشيد العباسي في أخذ فدك، قال له الإمام: ما آخذها إلا بحدودها، قال الرشيد: وما حدودها، قال (ع): الحد الأول عدن والحد الثاني سمرقند والحد الثالث إفريقية والحد الرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية فقال له الرشيد، فلم يبق لنا شيء فتحول من مجلسي - أي إنك طالبت بالرقعة الإسلامية في العصر العباسي بكاملها - فقال الإمام: قد أعلمتك أني إن حددتها لم تردها. فدك إذا هي التعبير الثاني عن الخلافة الإسلامية والزهراء (ع) جعلت فدك مقدمة للوصول إلى الخلافة. ذكر ابن الحديد في شرحه قال: سألت علي بن الفارقي مدرس مدرسة الغربية ببغداد فقلت له: أكانت فاطمة صادقة؟ قال: نعم قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة؟ فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها، لجاءت إليه غدا وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمكنه الاعتذار والمدافعة بشيء، لأنه يكون قد سجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود (1) ومما يؤكد دعوانا في أن الخلافة كانت في الهدف الأساسي ما جاء في الإمامة والسياسة من قول ابن قتيبة.. وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله لقد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر، ما عدلنا به فقال علي كرم الله وجهه: أفكنت أدع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم (2).

(هامش)

(1) - شرح النهج ج 16 ص 284 . (2) - الإمامة والسياسة ج 1 ص 12.

الصفحة السابقة الصفحة التالية

بنور فاطمة اهتديت

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب