بنور فاطمة اهتديت

الصفحة السابقة الصفحة التالية

بنور فاطمة اهتديت

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 95

لقد كان لفاطمة (ع) موقف واضح من الخلافة حتى أن بيتها كان عند جماعة السقيفة هو مركز المعارضة حتى قال عمر في روايته لما جرى في السقيفة بعد أن ذكر أنها فتنة ولكن الله وقى شرها المسلمين يقول: وإن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة (1). تجمع الهاشميون في بيت فاطمة (ع) وأعلنوا معارضتهم لما جرى في السقيفة ومعهم بعض الأنصار الذين كانوا يهتفون: لا نبايع إلا عليا كما ينقل ابن الأثير ثم يقول وتخلف علي وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة، وقال الزبير: لا أغمد سيفا حتى يبايع علي فقال عمر: خذوا سيفه واضربوا به الحجر (2). وجاء في تاريخ اليعقوبي أن البراء بن عازب جاء فضرب الباب على بني هاشم وقال: يا معشر بني هاشم بويع أبو بكر فقال بعضهم: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه ونحن أولى بمحمد. فقال العباس: فعلوها ورب الكعبة (3). وينقل أيضا أنه قد تخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع علي بن أبي طالب منهم العباس والفضل بن العباس والزبير والمقداد وسلمان وعمار وبلغ أبا بكر وعمر أن هذه الجماعة قد اجتمعت مع علي في منزل الزهراء فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار (4). إذا لقد تابعت الزهراء أحداث المعارضة بكل تفاصيلها لأنها انطلقت من بيتها، وكما هو معلوم تختلف أدوار المعارضة من شخص إلى آخر، واتكأت فاطمة (ع) على شخصيتها الطاهرة المقدسة التي عرفهم بها القرآن والرسول فأعلنت المعارضة كما هو

(هامش)

(1) - الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 325 . (2) - المصدر ج 2 ص 327 .(3) - تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 124 . (4) - تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 125 - 126.

ص 96

واضح من النصوص التاريخية التي استعرضناها، وكانت المطالبة بفدك، لكن القوم أبوا إلا أن يسدوا كل المنافذ التي كانت تفتح لإيصال كلمة الحق للناس، ومع ذلك يظل موقف الزهراء نورا به يستكشف الحق لمن أراده حقيقة. لقد كانت الفترة ما بين وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حين وفاة ابنته فاطمة الزهراء (ع) منحنى خطيرا في تاريخ الأمة الإسلامية ترك بصماته واضحة لمن ألقى السمع وهو شهيد. وكان لفاطمة (ع) الدور الرئيسي في هذه الفترة وفي مقابل ذلك لم يسكت أصحاب السقيفة مكتوفي الأيدي وهم يرون الزهراء (ع) تفعل ما تفعل فكان لا بد لهم من محاولة إسكات هذه الصرخة فجرت الأحداث ساخنة كما تذكرها كتب التاريخ والسير.

 

الخلفاء واقتحام الدار

 

بلغ الصراع أعلى قمة له بين أصحاب السقيفة والهاشميين ومن نادى بخلافة علي (ع) حينما تحصنوا بدار فاطمة (ع) وأعلنوا رفض الخلافة وكان لا بد للسلطة آنذاك أن تتخذ خطوات عملية أكثر تطورا حتى لا تتفاقم الأمور وتسير على غير ما يشتهون خصوصا وأن الطرف المقابل المعارض وعلى رأسه علي وفاطمة (ع) له من القدسية ما يلهب في الآخرين الحماس والتحرك لمواجهة الحكومة. وفي مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث مقر الحكم بدأت المشاورات والتخطيط لإجبار المعارضين على البيعة وكما هو معلوم فإن بيت فاطمة يفتح مباشرة على المسجد ولا باب لهم إلا هذا كما سيأتي في حديث سد الأبواب إلا باب علي (ع). لقد كانت فكرة أصحاب السقيفة تتلخص في ضرورة إجبار هؤلاء على البيعة حتى لو اضطرهم ذلك لقتالهم وقتلهم.

ص 97

جاء في كتاب الإمامة والسياسة .. فأتى عمر أبا بكر فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك يعني علي (ع) بالبيعة؟ فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له: إذهب فادع لي عليا، قال فذهب إلى علي فقال له ما حاجتك؟ فقال: يدعوك خليفة رسول الله، فقال علي لسريع ما كذبتم على رسول الله فرجع فأبلغ الرسالة قال: فبكى أبو بكر طويلا فقال عمر: لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة... (1). لقد كان الاصرار قويا من عمر وهو يلفت نظر أبي بكر إلى تخلف علي (ع) عن البيعة حتى أنهم هددوه بالقتل يقول ابن قتيبة فقالوا له: بايع، فقال: إن لم أفعل فمه قالوا: إذا والله الذي لا إله هو نضرب عنقك! (2). لقد استفحل الأمر بين الجبهتين حتى أنه وكما ينقل لنا اليعقوبي لو وافى عليا أربعون من المخلصين لكان لأمر الخلافة حديث آخر ولكن لم يجد علي من يعينه، يقول اليعقوبي وكان خالد بن سعيد غائبا فقدم فأتى عليا فقال هلم أبايعك، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك واجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له، فقال لهم: أغدوا علي غدا محلقين الرؤوس فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر (3). ولم تبق وسيلة أمام السلطة إلا اقتحام الدار وإجبار من فيها حتى ولو كانت هذا الدار هي تلك الدار المقدسة التي يقطنها أهل البيت (ع) ولم يشفع أهل الدار دون أن تحرق وتنتهك حرمتها، وهذا ما جرى عندما تفقد أبو بكر قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده: لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها فقيل له يا أبا حفص: إن فيها فاطمة؟ قال: وإن (4).

(هامش)

(1) - تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج 1 ص 13 . (2) - نفس المصدر ص 13 . (3) -تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 126 . (4) - الإمامة والسياسة ج 1 ص 12.

ص 98

لقد حاولوا أن يلفتوا انتباه الخليفة الثاني الذي كان شديدا في الأخذ لبيعة أبي بكر ولكنه كان في كامل وعيه وهو ينوي الاحراق وإشعال النار في بيت بنت المصطفى، لقد نظم الشاعر حافظ إبراهيم الحادثة قائلا: وقولة لعلي قالها عمر * أكرم بسامعها أكرم بملقيها أحرقت دارك لا أبقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها من كان غير أبي حفص يفوه بها * أمام فارس عدنان وحاميها لقد استقبلتهم الزهراء (ع) من وراء الباب صارخة إلى أين يا بن الخطاب؟ أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم (1). لم يكن أمام القوم إلا الخلافة، فاقتحموا تلك الدار وأدخلوا فيها الرجال. يقول اليعقوبي وبلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله، فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار (2). لا أدري كيف طاوعتهم أنفسهم لهتك ستر هذه الدار التي كان الرسول يقبض حلقتها عند كل صلاة صائحا الصلاة يا أهل البيت، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (3). من أين أتتهم الجرأة لكشف ذلك البيت الذي كان يخرج رسول الله في أسفاره منه ثم يكون أول محطة له عند عودته. هذا البيت الذي كان يقدسه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويأمر الناس بتقديسه.. ولكنها الخلافة.. الرئاسة... الملك. لقد أغلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كل الأبواب التي كانت تفتح على مسجده إلا باب هذا البيت.. فكيف يكون هو نفسه هدف الهجوم من

(هامش)

(1) - تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 164 . (2) - تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 126 . (3) - المستدرك للحاكم ج 3 ص 158 ، مسند أحمد بن حنبل تفسير الطبري، شواهد التنزيل وغيرها من المصادر.

ص 99

الرجال.. لقد جرى كل شيء على مرأى ومسمع الخليفة أبي بكر إذ أن المنبر ليس ببعيد عن موقع الأحداث التي جرت في بيت فاطمة (ع) بل إن أبا بكر يعترف بأن الدار قد تم اقتحامها بأمره ويعتبرها إحدى أفعاله التي تمنى لو أنه لم يقم بها، يقول في مرض موته: إني لا آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على حرب (1). في اليعقوبي: ... وليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال ولو كان أغلق على حرب (2). في هذين النصين يبرز واضحا اعتراف الخليفة الأول بأن دار فاطمة قد اقتحمت بأمره ولعل كلمتي أكشف وأفتش دلالتهما بينة خصوصا وأن الدار المقصودة معقل المعارضة، وملتقى الهاشميين فالكشف والتفتيش أقرب المعاني المعبرة عن مراد السلطة آنذاك والكشف معناه كما في لسان العرب لابن منظور رفعك الشيء عما يواريه ويغطيه وبالتأكيد على حسب كلام أبي بكر لم يكن ذلك برضاهم وإلا لتغير التعبير لأن رفع الشيء عما يواريه وإظهاره يكون من جانب الكاشف، والمكشوف هنا بيت العصمة والطهارة بيت فاطمة التي قالت لأبي بكر وعمر عندما التقيا بها أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تعرفانه وتعملان به؟ قالا نعم فقالت نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني، قالا نعم، سمعناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قالت فإني أشهد الله

(هامش)

(1) - تاريخ الطبري ج 2 ص 619 . (2) - تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 115.

ص 100

وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأشكونكما إليه فبكى أبو بكر. حتى كادت نفسه تزهق وهي تقول: والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها (1). شيء عظيم هذا الذي فعلوه مع الزهراء حتى أصبحت تدعو على الخليفة الأول في كل صلاة لقد تفننوا في إرعاب قلب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، عندما جاء عمر والرجال لإحراق الدار وجمعوا الحطب كانت أول من تلقتهم خلف الباب وصرخت ونادت بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة (2). ومع ذلك اقتحموا الدار وخلف الباب فاطمة، وذلك ما أقر به أبو بكر في قوله وليتني لم أفتش بيت فاطمة وأدخله الرجال ولا ينفع الندم لأن فاطمة (ع) حينما قال أبو بكر هذا كانت قد وصلت إلى أبيها وشكت إليه لأنها ماتت وهي واجدة عليه كما مر. لقد ظلل على الأجواء التوتر ورائحة الدم تملأ المدينة وشبح التصفية يطارد أهل البيت (ع) وفاطمة رمز المعارضة لا يبعد أن يصيبها وابل من غضب أصحاب السقيفة، وهذا ما جرى للأسف الشديد فهم اقتحموا الدار وفيه فاطمة، وأحرقوا الباب وخلفه فاطمة. وأنا أتابع هذه الأحداث أثناء بحثي لم يهمني إلا فاطمة.. ولضبابية الرؤية التي كانت في كتب القوم صرت أبحث بتلهف هنا وهناك وأتصيد المعلومات لأن الذين كتبوا التاريخ لا بد لهم من أن يحفظوا ماء وجه المقدسين لديهم فلا يبرزوا إلا بعض الحقائق عنهم. وكان يهمني مصير فاطمة، لأنها عندي كانت تعني مصير الرسالة، ووجدت الطامة الكبرى، واكتملت لدي الصورة عندما رجعت إلى أحفادها أهل البيت (ع)

(هامش)

(1) - الإمامة والسياسية ج 1 ص 13 - 14. (2) - المصدر السابق.

ص 101

وعرفت ما جرى ولكن قبل أن أصل إلى هذه الحقيقة لفت انتباهي أن جمهرة من العلماء ذكرت اسم المحسن كأحد أبناء الإمام علي من فاطمة لكن بعضهم اكتفى بذكره دون إشارة إلى موته والبعض الآخر قال أنه مات صغيرا أو حين ولادته وثالث قال أنه ولد سقطا في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتساءلت عن سبب هذه الضبابية والتعتيم على زمن وكيفية وفاة المحسن بعد أن ثبت كونه من جملة أولاد علي من فاطمة الزهراء (ع)، وتبين لي مع الأسف أن كل ذلك - من هؤلاء المؤرخين - كان محاولة منهم للجمع بين حقيقة كونه من جملة أولاد الزهراء من جهة وصرف مسألة العنف الذي بسببه أسقطت الزهراء محسنا، فكانت الضبابية، ولكن تواتر الأحداث مضافا إليها الروايات القائلة بإسقاط الزهراء أثناء الهجوم يؤكد حقيقة واحدة وهي أن فاطمة كانت تحمل في بطنها جنينا سماه النبي محسنا وهو في بطن أمه.. هذا الجنين لم ير النور قط، وإليك الأحاديث التي جمعناها في هذا الصدد: * - قال الطبري وابن الأثير ... وقد ذكر أنه كان له (الإمام علي) منها (فاطمة) ابن آخر يقال له محسن وأنه توفي صغيرا (1). * - قال يونس: سمعت ابن إسحاق يقول: فولدت فاطمة لعلي حسنا وحسينا ومحسنا، فذهب محسن صغيرا . وقال ابن إسحاق، فولدت فاطمة لعلي حسنا وحسينا ومحسنا مات صغيرا (2). * - قال ابن حزم الأندلسي: تزوج فاطمة علي بن أبي طالب فولدت له الحسن والحسين، والمحسن مات المحسن صغيرا (3). * - جاء في تاج العروس ولسان العرب: شبر وشبير ومشبر هم أولاد هارون

(هامش)

(1) - الكامل لابن الأثير ج 3 ص 397 ، وتاريخ الأمم والملوك للطبري ج 5 ص 153 . (2) - دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 161 . (3) - جمهرة أنساب العرب ص 16 - 37. وذكر مثل ذلك كثير من الأعلام أمثال المحب الطبري في ذخائر العقبى وابن الأثير في أسد الغابة ج 4 ص 308 والعسقلاني في الإصابة ج 4 ص 471 واليعقوبي في تاريخه.

ص 102

وبها سمى علي (رض) أولاده يعني حسنا وحسينا ومحسنا (1). وهناك روايات تتحدث عن إسقاط المحسن قال المسعودي وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسنا (2). إنه ولد ثالث للزهراء اسمه محسن، كما يذكر صاحب ذخائر العقبى في مودة القربى ويقول عنه أنه مات صغيرا .. واسم محسن جديد على مسامعي لم أسمع به وما ورد في الحسن والحسين غير قليل فلماذا لم يرد شيء تفصيلي عن الابن الثالث لفاطمة الزهراء (ع)؟! بعد التنقيب والبحث اكتشفت لماذا يذكر المحسن كثيرا.. إذ أن ذكره يستتبع أمورا تهد الجبال هدا.. وإليك شذرات مما وجدته وبعدها نحاول ربط الأحداث ببعضها لتتعرف على سر المحسن بن علي ثم نعرج على أهل البيت (ع) لنرسم الصورة كاملة: جاء في كتاب الملل والنحل للشهرستاني: قال إبراهيم بن سيار بن هاني النظام إن عمر ضرب بطن فاطمة حتى ألقت الجنين من بطنها وكان يصيح: احرقوا دارها بمن فيها (3). وقال ابن حجر العسقلاني في ترجمة أحمد بن محمد بن السري بن يحيى أبي دارم المحدث أبو بكر الكوفي، قال محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ بعد أن أرخ موته: كان مستقيم الأمر عامة دهره ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب حضرته ورجل يقرأ عليه أن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن (4). إذا لقد أسقطت فاطمة عليها السلام الابن الثالث محسن وذلك يعني أنه قتل ولم يمت..

(هامش)

(1) - تاج العروس ج 3 ص 389 ، ولسان العرب ج 4 ص 393 . (2) - إثبات الوصية ص 143 . (3) - الملل والنحل ج 1 ص 57 إبراهيم بن سيار أحد أقطاب المعتزلة. (4) - لسان الميزان ج 1 ص 268 . وأورده أيضا صلاح الصفدي في (الوافي بالوفيات) ج 6 ص 7 وقال ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان وينقل عن محمد بن أحمد بن حماد الكوفي بعد أن أرخ موته (كان مستقيم الأمر عامة دهره ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب الخ كما نقلنا. (*)

ص 103

في الواقع إن الأحداث الساخنة التي كانت آنذاك كان لا بد من أن يتخللها مثل هذه المصائب الفظيعة التي لم يذكرها المؤرخون السنة صراحة والسبب معلوم كما ذكرنا ولكن شعاع الحق يرفض إلا أن يتسلل من بين ثنايا ذكر ما جرى أو بالأحرى ذكر ما يحبون ذكره مما جرى. لقد ذكروا كما رأينا أن عمر كان يصر على أبي بكر أن يأخذ المتخلفين عن البيعة بالقوة ثم إنه هو الذي أخذ الرجال إلى باب دار فاطمة ومعه الحطب لحرق الدار إن هم رفضوا الخروج وعند وصولهم إلى باب الدار كان أول ما تلقتهم فاطمة (ع) خلف الباب كما ذكرت آنفا وللتأكيد أورد لك هذين النصين وعليك عزيزي القارئ أن تنتقل بروحك وعقلك إلى تلك الفترة التاريخية لتتصور ما يمكن أن يجري، قال أحمد بن يحيى البلاذري: إن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة فتلقته فاطمة على الباب فقالت: يا ابن الخطاب أتراك محرقا علي بابي؟ قال: نعم (1). وعن نفس الحادثة ينقل ابن عبد ربه الأندلسي: بعث إليهم - يعني المتخلفين عن البيعة - أبو بكر عمر ليخرجوا من بيت فاطمة وقال له: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطاب: أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم (2). لقد تصدت فاطمة (ع) لعمر من خلف الباب لعل قلوب الرجال تخشع عندما تسمع صوت امرأة قال عنها الرسول أنها سيدة نساء العالمين وربما لتكون عليهم الحجة أبلغ لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): من آذى فاطمة فقد آذاني ولذلك صرخت كما ينقل ابن قتيبة: يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك.

(هامش)

(1) - أنساب الأشراف ج 1 ص 586 . (2) - العقد الفريد ج 5 ص 13.

ص 104

ومع ذلك اقتحموا الدار بشهادة أبي بكر في تأسفه على الثلاثة اللاتي ود أنه لم يفعلهن.. وقال ... وأدخله الرجال كما، مر، قال اليعقوبي فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار ولو لم يتم الهجوم ما كان هنالك داع لتأسف أبي بكر الذي جاء متأخرا. لقد اقتحموا وإن شئت فقل هجموا على دار البتول الزهراء (ع) وكانت أول من تلقاهم خلف الباب، والهجوم والاقتحام عادة يكون بلا استئذان ولا رحمة ومما لا شك أن كل شيء يعترض تلك الهجمة الشرسة لا بد أن يتحطم ويبعد عن الطريق.. ولكن بكل أسى ولوعة كان ذلك الشيء بضعة الرسول ووصيته فاطمة (ع) فضربت حتى أسقط جنينها، هذه هي الحقيقة التي حاول القوم إخفاءها فتسللت من بين مجريات الأحداث وظهرت على صفحة التاريخ نقطة سوداء في جبين الأمة.. كان هذا القدر كاف لكي أجمع باقي خيوط القضية كاملة منذ وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حين موت الزهراء (ع)، أو استشهادها.. نعم لقد انتقلت إلى جوار ربها مظلومة مقهورة بسبب ما جرى لها من ضرب ورفس أدى إلى إسقاط جنينها المحسن ومن ثم مرضت إلى أن لحقت بأبيها تشكو له ما جرى عليها. بعد ذلك توجهت إلى أحفادها لكي استمع منهم تفاصيل ما جرى وهم أدرى بما جرى لجدتهم الزهراء (ع) وهناك تجلت لي الحقائق.. ولكن كانت تكمن عقدتي في أن ذلك يجعلني ألجأ إلى الروايات عن أهل البيت (ع) عن طريق الشيعة. فسألت نفسي.. ولماذا لا آخذ بقولهم لقد عرفت من كتب السنة أن فاطمة غضبت على الخليفتين حتى ماتت ولم تأذن لأبي بكر أن يصلي عليها ثم إنها طالبت بالخلافة لعلي (ع)، وكان بيتها مركز المعارضة.. كما علمت أن بيتها كان مستهدفا من السلطة التي قررت إجبار من في البيت على البيعة وإن أبوا فالقتل والإحراق ونفذوا ما خططوه وهجموا على الدار وكان خلف الباب الزهراء تذكرهم برسول

ص 105

الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصاياه ومع ذلك اقتحموا الدار وفاطمة تصرخ ورأيت بين طيات نفس الكتب أن هنالك من يقول بأن فاطمة ضربت وأسقط جنينها كما مر ومهما يكن صنف القول فتسلسل الأحداث يرجح وقوع ما جرى. لكل ذلك لم أجد أن عقلي يمانع في الأخذ بقول الأئمة من أهل البيت (ع) حول ما جرى من أحداث أدت إلى وفاة فاطمة (ع) فكتب السنة ليست أولى بالأخذ منها بكتب الشيعة لأن هذا أول الكلام الذي يحتاج إلى دليل لسنا في صدده الآن. وسأنقل لك عزيزي القارئ تمام الأحداث كما تراءت لي عند أهل البيت (ع)، لقد تحدث أحفاد الزهراء وبينوا مفصلا ما جرى بعد أحداث السقيفة.. رواياتهم تقطر ألما وحسرة على هذه الأمة التي لم تحفظ رسول الله في أهله.. أغضبت الزهراء وأسقطت ابنها المحسن وقتلت زوجها غدرا وابنها الأكبر المجتبى الحسن سما وابنها الحسين ذبحا. يقول الإمام جعفر بن محمد الصادق حفيد الزهراء سليل النبوة ولا يوم كيوم محنتنا بكربلاء، وإن كان يوم السقيفة وإحراق النار على باب أمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة وزينب وأم كلثوم وفضة، وقتل محسن بالرفسة أعظم وأدهى وأمر . إنني لن أستعرض كل ما ذكره أئمة أهل البيت (ع) حول الأحداث التي جرت بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن ذلك يحتاج منا إلى مجلدات، لقد أكثر أهل البيت في بيان ذلك حتى تتعرف الأمة على أصل المأساة التي سببت الفرقة والشتات.. وسآخذ بعضا من هذه الروايات لتكتمل الصورة أمام القارئ العزيز. لقد جرت أحداث السقيفة وتنصيب الخليفة أبي بكر وأهل البيت مشغولون بمصابهم في وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالذات الإمام علي (ع) الذي أوصاه الرسول ألا يلي غسله غيره. انتهى أمر الخلافة التي لم يشارك في مشاوراتها علي بن أبي طالب فكان موقفه

ص 106

الذي علمته وسيأتيك مزيد من التفصيل عنه، فلقد رفض البيعة وبدأ يذكر الناس بالعهود والمواثيق، يقول سلمان الفارسي فلما أن كان الليل حمل علي (ع) فاطمة على حمار وأخذ بيدي ابنيه الحسن والحسين فلم يدع أحدا من أهل بدر من المهاجرين ولا من الأنصار إلا أتاه في منزله فذكرهم حقه ودعاهم إلى نصرته فما استجاب له منهم إلا أربعة وأربعون رجلا، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رؤوسهم معهم سلاحهم ليبايعوا على الموت فأصبحوا فلم يواف منهم أحد إلا أربعة: أنا وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام، فعل ذلك مرتين وعندما رأى غدرهم وقلة وفائهم له لزم بيته وأقبل على القرآن يجمعه (1). ورفض أن يبايع. أرسلوا إليه ليبايع وبدأت من هنا المواجهة الساخنة بعد أن أمر عمر بجمع الحطب أمام بيت فاطمة مهددا بالإحراق إن لم يبايع علي، جاؤوا ليجبروا أهل البيت على البيعة، وقفت فاطمة خلف الباب لعل القوم يراعوا حرمتها وحريمها فلم ينفع فيهم ذلك قال الإمام الكاظم (ع) وهو موسى بن جعفر الصادق - وهو يصف ما جرى - لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الوفاة دعا الأنصار وقال يا معشر الأنصار لقد حان الفراق إلى أن قال: ألا إن فاطمة بابها بابي وبيتها بيتي فمن هتكه فقد هتك حجاب الله . قال الراوي فبكى الإمام الكاظم أبو الحسن (ع) طويلا وقطع بقية كلامه وقال: هتك - والله - حجاب الله هتك والله حجاب الله، هتك والله حجاب الله (2). كما جاء عن الإمام الباقر (ع) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو يتحدث عن الزهراء: وحملت بالحسن فلما رزقته حملت بعد أربعين يوما بالحسين ثم رزقت زينب وأم كلثوم وحملت بمحسن فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله

(هامش)

(1) - كتاب سليم بن قيس الهلالي ص 31 . (2) - بحار الأنوار: ج 22 ص 476 - 477.

ص 107

وسلم) وجرى ما جرى يوم دخول القوم عليها دارها. أسقطت ولدا تماما - وهو محسن - وكان ذلك أصل مرضها ووفاتها صلوات الله عليها. وورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: لما أسري بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قيل له: إن الله يختبرك في ثلاث وصار يعددها إلى أن قال: وأما ابنتك فتظلم وتحرم ويؤخذ حقها غصبا الذي تجعله لها وتضرب وهي حامل ويدخل عليها وعلى حريمها ومنزلها بغير إذن ثم يمسها هوان ولا تجد، مانعا وتطرح ما في بطنها من الضرب وتموت من ذلك الضرب . ويقول الإمام الصادق (ع) واصفا بعض ما جرى: وضرب سلمان الفارسي، وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين لإحراقهم بها وضرب فاطمة ورفس بطنها وإسقاط محسنها . وقوله (ع) وهو يصف ما جرى لأهل البيت في رواية طويلة أخرى يتحدث فيها عما فعله القوم.. .. وجمعهم الجزل والحطب على الباب لإحراق بيت أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وإضرامهم النار على الباب وخروج فاطمة إليهم وخطابها لهم من وراء الباب: ويحكم ما هذه الجرأة على الله ورسوله ، قال عمر: ما علي إلا كأحد المسلمين فاختاري إن شئت خروجه لبيعة أبي بكر أو إحراقكم جميعا . وهجومهم على الدار وركل عمر للباب برجله حتى أصاب بطنها وهي حامل لستة أشهر وإسقاطه إياه وصياح أمير المؤمنين لفظة: يا فضة مولاتك فاقبلي منها ما يقبله النساء، فقد جاء المخاض من الرفسة ورد الباب فأسقطت محسنا، وقال (ع): فإنه لاحق بجده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيشكو له (1).

(هامش)

(1) - بحار الأنوار موسوعة أحاديث لأهل البيت (ع) ج 53 ص 18 - 19. وأغلب الأحاديث التي أوردناها في هذا المجال من المصادر الحديثية لأهل البيت وكتاب مأساة الزهراء شبهات وردود للسيد جعفر مرتضى العاملي.

ص 108

 

استشهاد الزهراء (ع)

 

ما أقسى لحظات فراق الأحبة، خصوصا إذا كان للعلاقة جذور تضرب في عمق القيم والمثل وتسقى بالوحي.. علاقة لا كسائر العلاقات.. علاقة بين نبي عظيم وابنة صديقة طاهرة من لحمه ودمه، ابنة ذابت في حب أبيها وليس حبا للأبوة فقط إنه حب من نوع آخر لا ندرك كنهه أنا وأنت.. لماذا؟! لأنها متبادلة بين أب اختاره الله باعتباره أعظم وأشرف خلق الله وهو المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وابنة طهرها الله وعصمها إذا هو حب منشؤه حب الله وطاعة الله.. لقد انفصمت عرى هذه العلاقة بانتقال الأب والمربي إلى الرفيق الأعلى، وترك الرسالة الإلهية من خلفه وقد أناط استمرارها تلك بالطرف الباقي الآخر، الابنة الزكية التي تدخلت الإرادة الإلهية مباشرة حتى في زواجها فكان الزوج عليا بن أبي طالب أفضل من يحفظ الرسالة في شخص فاطمة (ع) وغيرها. لكن القوم ما فهموا معنى الرسالة والرسول، وما وعوا معنى النبوة والوحي بل لم يقدروا الله حق قدره فاعترضوا على حكمه وتجاوزوا قوله.. ومن ثم اعتدوا على مقام النبوة، وأبوا إلا يجرعونا وكل المحبين لله ولرسوله الغصة تلو الأخرى، وتأبى الدمعة إلا أن تتسلل مصحوبة بألم هائل، إنها الزهراء وما أدراك ما الزهراء!! من يوم ما تعرفت على مأساتها وأنا أشعر بمسحة كآبة تمر بوجداني وحزن عميق يلفني عند ذكر اسمها فالقوم لم يراعوا فجيعتها بأبيها فاغتصبوا حقها وقبل ذلك ارتقوا مركبا صعبا هم ليسوا أهلا له ثم أرادوا إتمام ذلك ولو بالقوة فكان ما كان. بقيت الزهراء حزينة منكسرة في بيتها تبكي وتشكو همها إلى الله عز وجل وتنتظر يومها الموعود فقد أخبرها المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنها أول أهل بيته لحوقا به كما مر... فضلت تبكي وتبكي إلى أن جاء شيوخ أهل المدينة يظهرون لعلي انزعاجهم وتأذيهم من بكاء فاطمة ويطالبونه بأمرها بالكف عن ذلك

ص 109

أو تخييرها بين البكاء ليلا فقط أو نهارا فقط، فبنى لها أمير المؤمنين علي (ع) بيتا خارج المدينة سمي بيت الأحزان . هناك واصلت مأساتها. ويوما فيوما راحت تذبل تلك الزهرة اليانعة. وأخذ المرض منها مأخذا، يقول الإمام الصادق (ع)... (فأسقطت محسنا ومرضت من ذلك مرضا شديدا وكان ذلك هو السبب في وفاتها).. كيف لا يكون كذلك وهي ابنة ثمانية عشر عاما.. لقد اكتملت عليها المصائب بضربها واقتحام دارها فكانت البداية والنهاية... وصارت طريحة الفراش تنتظر أجلها الذي اقترب منها سريعا وبجانبها علي (ع)، يقول الإمام زين العابدين (ع) عن أبيه الحسين (ع) قال: لما مرضت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصت علي بن أبي طالب (ع) أن يكتم أمرها ويخفي خبرها ولا يؤذن أحدا بمرضها، وكان يمرضها بنفسه وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس على استمرار بذلك. لقد يئست الزهراء من أهل المدينة الذين طلبت نصرتهم فلم ينصروها لقد سئمتهم وزهدت في مروءتهم فبلغ بها الأمر ألا تريد رؤيتهم في مرضها الأخير.. يكفيها علي (ع) ليقف بجانبها وهي على هذه الحالة. في اليوم الأخير قبيل رحيلها نامت الزهراء (ع) في ساعة من ساعات ذلك اليوم وإذا بها ترى أباها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام في قصر من الدر الأبيض فلما رآها (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: هلمي إلي بنية فإني إليك مشتاق!! فقالت: والله إني لأشد شوقا إليك فقال لها: أنت الليلة عندي. انتبهت من غفوتها وبدأت الاستعداد للحوق بأبيها.. إن هي إلا ساعات تقضيها في هذه الدنيا الفانية ويتحقق قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لها قبيل انتقاله... وأكده لها بعد انتقاله إنها النبوة ومن ذلك كان يقين فاطمة بقرب النهاية.. بينما الفرح يغمرها لارتحالها إلى العالم الأبدي حيث الرضوان الأكبر وجنة

ص 110

عرضها السماوات والأرض يعتصرها ألم من ناحية أخرى. سوف تترك الزهراء (ع) الزواج العطوف وحيدا بعدها، وفراخا لم تنبت أجنحتهم بعد وزهورا لم تتفتح. إنهم أفلاذ كبدها... ستغادرهم وتتركهم لهذه الحياة التي تحمل الكثير الكثير من المأسي خصوصا لهؤلاء، إنهم آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر الناس بلاء وأعظمهم امتحانا.. وإن بعض شذاذ الآفاق ونبذة الكتاب يتربصون بهم.. ستودعهم وهي تنظر إلى ذلك المستقبل غير المجهول لأبنائها وزوجها.. إنها تنظر بعين أبيها الباصرة بإذن الله إلى الغيب حيث يضرب علي بالسيف غيلة وهو في محرابه ويقتل الحسن سما والحسين تمزيقا بسيوف بدأ سلها في وجه أهل البيت (ع) منذ وفاة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم). كل ذلك يدور في خلد الزهراء وهي تمشي نحو الماء متكئة على الحائط من شدة الضعف لتغسل أطفالها وثيابهم أخر غسلة وهي ترتعش وكأنها تودعهم.. لا أدري عمق شعورها آنذاك، إن من جملة أسمائها (الحانية) لأنها كانت القمة في الحنان والعطف على أبنائها. دخل الإمام علي (ع) البيت ووجدها على رغم علتها تمارس أعمالها وتخدم في البيت. رق لها قلب الإمام وهي بهذه الحالة فأخبرته بأنه آخر أيامها وأخبرته بما رأته وسمعته من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أثناء نومها وعادت إلى فراشها ثم قالت له: يا ابن عم!! إنه قد نعيت إلي نفسي وإنني لا أدري ما بي إلا أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة وأنا أوصيك بأشياء في قلبي... قال لها علي (ع): أوصني بما أحببت يا بنت رسول الله فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت، قالت: يا ابن عم! ما عهدتني كاذبة ولا خائنة، ولا خالفتك منذ عاشرتني.. فقال علي (ع) معاذ الله! أنت أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفا من الله من أن أوبخك بمخالفتي وقد عز علي مفارقتك وفقدك إلا أنه أمر لا بد منه، والله لقد جددت علي مصيبة رسول الله وقد

ص 111

عظمت وفاتك وفقدك فإنا لله وإنا إليه راجعون وبكيا جميعا ساعة، وأخذ الإمام رأسها وضمها إلى صدره ثم قال: أوصني بما شئت، فإنك تجدينني وفيا أمضي لما أمرتني به وأختار أمرك على أمري. فقالت: جزاك الله عني خير الجزاء.. يا ابن عم، أوصيك أولا: أن تتزوج بابنة أختي أمامة، فإنها تكون لولدي مثلي، فإن الرجال لا بد لهم من النساء ثم قالت، وأوصيك إذا قضيت نحبي فغسلني ولا تكشف عني فإني طاهرة مطهرة وحنطني بفاضل حنوط أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصل علي، وليصل معك الأدنى فالأدنى من أهل بيتي وادفني ليلا لا نهارا إذا هدأت العيون ونامت الأبصار، وسرا لا جهارا وعف موضع قبري ولا تشهد جنازتي أحدا ممن ظلمني. لقد أرادت الزهراء (ع) مواصلة الجهاد بعد مماتها فكانت وصيتها الاعلان الأخير لموقفها الصامد والمستمر من وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحتى مرضها وتريده باقيا إلى ما شاء الله.. تدفن بنت المصطفى سرا. ليلا لا يصلي عليها إلا أهل بيتها والمخلصون لهم!!. في لحظاتها الأخيرة طلبت ثيابا جديدة ثم دعت سلمى امرأة أبي رافع وقالت لها هيئي لي ماء وطلبت منها أن تسكب لها الماء وهي تغتسل ثم لبست ملابسها الجديدة وأمرت أن يقدم سريرها إلى وسط البيت واستلقت عليه مستقبلة القبلة وقالت إني مقبوضة الآن، فلا يكشفني أحد. تقول أسماء بنت عميس: لما دخلت فاطمة البيت انتظرتها هنيئة ثم ناديتها فلم تجب فناديت: يا بنت محمد المصطفى، يا بنت أكرم من حملته النسا، يا بنت خير من وطأ الحصى، يا بنت من كان من ربه قاب قوسين أو أدنى، فلم تجب، فدخلت البيت وكشفت الرداء عنها فإذا بها قد قضت نحبها شهيدة صابرة مظلومة محتسبة ما بين

ص 112

المغرب والعشاء فوقعت عليها أقبلها، وأقول يا فاطمة إذا قدمت على أبيك (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقرئيه مني السلام. فبينا هي كذلك وإذا بالحسن والحسين دخلا الدار وعرفا أنها ميتة فوقع الحسن يقبلها ويقول: يا أماه كلميني قبل أن تفارق روحي بدني، والحسين يقبل رجلها ويقول يا أماه أنا ابنك الحسين، كلميني قبل أن ينصدع قلبي فأموت. ثم خرجا إلى المسجد وأعلما أباهما بشهادة أمهما فأقبل أمير المؤمنين إلى المنزل وهو يقول: بمن العزاء يا بنت محمد؟ وقال: (اللهم إنها قد أوحشت فآنسها، وهجرت فصلها، وظلمت فاحكم لها يا أحكم الحاكمين). وخرجت أم كلثوم متجللة برداء وهي تصيح: يا أبتاه يا رسول الله الآن حقا فقدناك فقدا لا لقاء بعده، وكثر الصراخ في المدينة على ابنة رسول الله، واجتمع الناس ينتظرون خروج الجنازة، فخرج إليهم أبو ذر وقال: انصرفوا إن ابنة رسول الله أخر إخراجها هذه العشية. وأخذ أمير المؤمنين في غسلها، وعلل ذلك حفيدها الإمام الصادق (ع) يقول: إنها صديقة فلا يغسلها إلا صديق كما أن مريم لم يغسلها إلا عيسى (ع)، وقال (ع): إن عليا أفاض عليها من الماء ثلاثا وخمسا وجعل في الخامسة شيئا من الكافور، وكان يقول: اللهم إنها أمتك وبنت رسولك وخيرتك من خلقك، اللهم لقنها حجتها، وأعظم برهانها وأعل درجتها، وأجمع بينها وبين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). وحنطها من فاضل حنوط رسول الله الذي جاء به جبرائيل إذ أخبرهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سابقا: يا علي ويا فاطمة هذا حنوط من الجنة دفعه إلي جبرئيل وهو يقرئكما السلام ويقول لكما.. اقسماه واعزلا منه لي ولكما، فقالت فاطمة: ثلثه لك والباقي ينظر فيه علي (ع) فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وضمها إليه وقال: إنك موفقة رشيدة مهدية ملهمة، يا علي قل في الباقي، فقال: نصف منه لها، والنصف لمن ترى يا رسول الله قال هو لك.

ص 113

وكفنها في سبعة أثواب، وقبل أن يعقد الرداء عليها نادى: يا أم كلثوم، يا زينب، يا فضة، يا حسن، يا حسين، هلموا وتزودوا من أمكم الزهراء، فهذا الفراق واللقاء الجنة. حقا إنها لحظات وداع لشمعة انطفأت وطالما احترقت لتنير للآخرين.. ما أعظم الرزية وما أجل المصيبة. أقبل الحسنان (ع) يقولان: واحسرة لا تنطفئ من فقد جدنا محمد المصطفى وأمنا الزهراء؟ إذا لقيت جدنا فأقرئيه منا السلام وقولي له: إنا بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا. قال أمير المؤمنين (ع) وإذا بهاتف من السماء ينادي يا أبا الحسن ارفعهما عنها، فلقد أبكيا والله ملائكة السماء فرفعهما عنها وعقد الرداء عليها. وجاءت أهم اللحظات.. لحظة تنفيذ بند الوصية المهم ذلك البند الذي سيظل شاهدا على موقف الزهراء إلى القيامة. إنها لحظات الدفن التي يجب أن تكون سرا وقبلها الصلاة على الجنازة الذي كان محددا فيها ألا يكون فيه شخص ممن ظلم الزهراء. هكذا كانت الوصية. جن الليل.. نامت العيون وهدأت الأبصار. وجاء في جوف الليل نفر قليل من الهاشميين ومن المحبين الذين وقفوا مع علي وفاطمة موقفا إيجابيا وهم سلمان وأبو ذر والمقداد وعمار، صلى عليها الإمام علي (ع) ومعه هذه العصبة القليلة المباركة.. ثم دفنها ولما وضعها في اللحد قال: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله محمد بن عبد الله، سلمتك أيتها الصديقة إلى من هو أولى بك مني، ورضيت لك بما رضي الله لك. ثم قرأ (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى). ثم إنه (ع) سوى في البقيع سبع قبور، أو أربعين قبرا لكي يضيع بينها قبر

ص 114

الزهراء (ع)، ولما عرف شيوخ المدينة دفنها، وفي البقيع قبور جدد أشكل عليهم الأمر فقالوا: هاتوا من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور لنخرجها ونصلي عليها، فبلغ ذلك عليا (ع) فخرج مغضبا عليه قباؤه الأصفر الذي يلبسه عند الكريهة وبيده ذو الفقار، وهو يقسم بالله لئن حول من القبور حجر ليضعن السيف فيهم، فتلقاه عمر ومعه جماعة فقال له: ما لك، والله يا أبا الحسن لننبشن قبرها ونصلي عليها. فقال علي (ع) وهو غاضب: أما حقي فتركته مخافة أن يرتد الناس عن دينهم، وأما قبر فاطمة فوالذي نفسي بيده لئن حول منه حجر لأسقين الأرض من دمائكم، فتفرق الناس (1). وأسدل الستار عن أول محطة سقطت الأمة في امتحانها، وغادرت الزهراء مشتاقة للقاء ربها وأبيها ذهبت وهي تحمل جراحات مثخنة وآلاما عظاما.. انتقلت لتشكو إلى الله سبحانه وتعالى ليحكم لها على من ظلمها وتركت لنا أعلام هداية ومنارات فرقان.. رحلت وخلفت فينا سرها. سرها الذي دفن في قبرها الذي دفنت فيه سرا. إنه سر سهل ممتنع لا تطوله كل العقول ولا يمتنع عن جميع العقول، سر لا يطوله إلا من أشرق في قلبه نور فاطمة وارتشف من ضياه عقله فانفتح على الحق والخير ونفر من الظلم والانحراف. ورغم أنني تجرعت كأس ألمها إلا أنه بالنسبة لي كان ممزوجا بالحلاوة. شربت منه فأشرقت لي فاطمة بنورها فكانت الدليل إلى الصراط المستقيم. وما أعظم شأنها. حقا إنها فاطمة بنت محمد زوج علي.

 

الزهراء صرخة مدوية عبر التاريخ

 

لقد انتقلت الزهراء (ع) إلى بارئها هناك حيث جنة عرضها السماوات والأرض تنتظر يوم القيامة يوم الحساب.. ولكنها تركت صرخة تجلجل وتدوي لتحرك

(هامش)

(1) - فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى أحمد الهمداني. (*)

ص 115

الضمائر الميتة وتهز الوجدان وتنفض غبار الغفلة والشهوات والتكبر عن العقول.. صرخة ألم ولوعة أما صرخة الألم فهو نتاج ما لحقها من أذى وضرب وإسقاط جنين وأما اللوعة فهي مما اقترفته الأمة تجاه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ورسالته التي لم تحفظ.. لقد غادرت الزهراء وتركت سهمين في صدر التاريخ ينزفان دما الأول انتقالها وهي لم تكمل عقدها الثاني أما الآخر فهو دفنها ليلا سرا حتى أن قبرها الذي تهفو إليه قلوب الملايين لا يعرف له موضع.. حسرة وما أعظمها من حسرة إنها إشارة الزهراء لننطلق في تلمس الحقائق، ثمانية عشر ربيعا فقط وكانت أول أهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم) لحوقا به.. ترى لماذا... صحيح أن الموت حق على كل العباد ولكن ألا يقفز إلى الذهن السؤال عن سبب الموت؟ كلنا عندما نفقد عزيزا في ريعان شبابه ويأتينا الخبر بموته نسأل مباشرة وكيف مات؟! وهذا ما يريده الله عز وجل منا لنصل إلى عمق المأساة، سؤال فطري.. ما الذي جعل الزهراء (ع) تنتقل بهذه السرعة وغيرها يمتد به العمر إلى ما شاء الله.. وعندما نسأل أنفسنا هذه الأسئلة سنكتشف الحقيقة... أولا حزنا على فقد الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم على غصب الحقوق ثم اعتداء وضرب وإسقاط الحقوق حقوقها وحقوق زوجها وأبنائها وحقوق الأمة الإسلامية ويتوج ذلك كله الاعتداء الصارخ بالإحراق والضرب والرفس ومن ثم إسقاط المحسن ألا يكفي هذا لأن تهد الجبال هدا.. إن الزهراء (ع) قاست كل ذلك لا لكي تجني فائدة شخصية ولكن لتثبيت دعائم الإسلام.. هكذا يريد الله تعالى أن يكشف لنا عن الحقائق عبر حياة أوليائه. والسهم الآخر دفنها سرا.. إن الزهراء (ع) بنت النبوة ربيبة الوحي تخدم الرسالة حية وميتة.. لقد أمرت ألا يصلي عليها رمز الشرعية في السقيفة وأن تدفن ليلا سرا حتى لا يعلم قبرها فيبقى التساؤل عن سر ذلك قائما حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.. كل الشخصيات الهامة، وكل الصالحين نعرف قبورهم ويقصدها من يقصدها إلا الصديقة الطاهرة أم أبيها ترى لماذا؟!! إنها أيضا رسالة الرسالة لمن يؤمن بالرسالة وذكرى لقوم يعقلون.

ص 117

الفصل الخامس :الإمامة والخلافة

 

ص 119

تمهيد

 

لم أكن أتصور بأنني سأجد هذا الزخم الهائل من الأحاديث والآيات التي تؤيد وتدعم دعوى الشيعة. فبعد حواري مع ابن عمي، والذي أخذ منحى آخر معي متوخيا الحذر بعد أن علمت بظلامة الزهراء (ع)... أعطاني ثلاثة كتب قرأتها، كان الأول لدكتور أعلن ولاءه لأئمة أهل البيت (ع) بعد أن كان من علماء أهل السنة والجماعة، والكتاب الثاني المراجعات وهو مناظرة قيمة جرت بين عالم شيعي وهو السيد عبد الحسين شرف الدين وآخر سني كان زعيما للأزهر الشريف هو الشيخ سليم البشري، وكتاب آخر عن تأريخ الشيعة وظلم الحكام لهم على امتداد التاريخ، وحقا كان لكتاب ثم اهتديت للدكتور التيجاني السماوي الدور الأكبر في تحفيزي للبحث كما أنه كان دافعا لقراءة كتاب المراجعات بدقة وعناية ولا أظنني سأجد كتابا على أديم الأرض أكثر قوة وحجة ومنطقا من كتاب المراجعات الذي أماط اللثام وأبطل كل حجج الشيخ البشري بأدب ووقار. وأذكر ذات يوم أن أحد الأشخاص استعار كتاب المراجعات من أحد الأصدقاء وبعد فترة وجيزة جاء بالكتاب وهو يقول - محاولا الاستهزاء به كردة فعل طبيعية إنه مختلق وإن هذه المناظرة أساسا لم تقم، فأجابه الأخ: - يا شيخنا فلنفرض جدلا أن هذه المناظرة لم تكن، وأن هذه الشخصيات لا وجود لها في الحقيقة ما رأيك فيما ورد في الكتاب من الأدلة، نحن كلامنا ليس حول الشخصيات وما يهمنا محتوى الكتاب إذا كنت تملك ردا عليه فتفضل (هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وإلا فالزم الصمت... فصمت صاحبنا. والحال إننا نثق بأن هذه المناظرة والحوار بين السيد عبد الحسين والشيخ سليم حدثت حقيقة، والشخصيتان علمان بارزان في سماء الأوساط الدينية عند الشيعة والسنة. وسوف أقدم مجموعة من الأدلة تأخذ بأعناقنا شئنا أم أبينا إلى اتباع أهل البيت (ع) والاقتداء بهم دون غيرهم من الخلق لأنهم خلفاء رسول الله (صلى الله عليه

ص 120

وآله وسلم) وإن الهدى في اتباعهم وأخذ الدين منهم وموالاتهم وإن الضلالة في موالاة غيرهم ولن آتي بدليل من خارج الكتب المعتمدة لدى أهل السنة والجماعة حتى نلزمهم بما ألزموا به أنفسهم. وموضوع بحثنا كما هو واضح الإمامة والخلافة التي قيل فيها: لم يسل سيف في الإسلام كما سل في الإمامة، وهي جذر الخلاف القائم بين الشيعة والسنة ومن عندها تفرع حتى وصل إلى أصغر الجزئيات فهل الإمامة نص وتعيين أم هي شورى واختيار من قبل المحكومين؟.

 

بالشورى أم بالتعين؟!

 

 

مفهوم الشورى عند أهل السنة والجماعة غير واضح:

 

الحق إن الكلام حول خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غير واضح عند الإخوة أهل السنة فتارة يقولون بالشورى وأخرى يعطون الشرعية للنص، ومع ذلك لا نجد مستندا شرعيا ولا دليلا يؤيد دعواهم، وقد تمسكوا بآيتين وردتا في القرآن الكريم اشتبه على القوم سبيل فهمهما كما سنبين. ولم نجد عندهم مفهوما واضحا للشورى ولا حدودا ولا تفاصيل سواء من القرآن أو السنة، لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) انتقل إلى الرفيق الأعلى ولم يوضح شيئا - كما يظنون - عن أخطر فتنة يمكن أن تتعرض لها الأمة وهي الخلافة بحسب منهجهم، وهو الذي يحمل على عاتقه تبليغ خاتمة الرسالات ولم يترك فيها كبيرة ولا صغيرة يحتاجها الناس إلا وبينها لهم حتى أحكام التخلي فكيف بقيادة الأمة ونظام الحكم في الإسلام؟ بل إن القول في الشورى عندهم عبارة عن اجتهادات لعلماء رسموا مفهومها الديني بناء على ما جرت عليه الأحداث، فقالوا يجوز لولي الأمر أن يعين خليفته كما فعل أبو بكر، ويمكن أن تنعقد البيعة لأحدهم بمبايعة فرد واحد

ص 121

كما بايع العباس عليا بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكما بايع عمر أبا بكر، ومنهم من قال إن الشورى تنعقد بأهل الحل والعقد ولكن دون توضيح من هم أهل الحل والعقد ومن الذي يعينهم، وبعضهم جمع بين كل ذلك وتاه في ظلمات بعضها فوق بعض... وكل ذلك تقول على الدين لا يؤيده دليل عقلي ولا نقلي اللهم إلا الآيتان الشريفتان وهما أجنبيتان عن المقام ولا يمكن تثبيت هذه الشورى المزعومة بهما.

 

الآية الأولى:

 

قوله سبحانه وتعالى: (وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله) (سورة آل عمران: آية / 159). استدلوا بهذه الآية على أصل الشورى وقالوا إن الخلافة والإمامة بالشورى في حين أن الآية واضحة في خلاف مرادهم إذ أنها تخاطب الحاكم الذي استقرت حكومته وتوجهه لمشاورة الرعية لأنه هو الذي يشاور، ونفس الآية تشير إلى أن هنالك ثمة رئيس (حاكم) بعد أن يمحص الآراء والأفكار يأخذ بالنافع منها ثم يعزم هو على ما ارتآه بعد المشاورة متوكلا على الله.. كذلك تبين الآية أن الأمر هنا غير الحكومة، فبدون الحاكم لا وجود للشورى لأنها تحتاج إلى حاكم يكون قيما عليها ليعزم ويتوكل على الله، وبناء على هذه الآية لا تتم الشورى إلا بولي الأمر الذي يفصل في موضوعها، وعلى ذلك لا دلالة للآية على الشورى التي بها يتم اختيار ولي الأمر لأن وجوده مكمل لنفس الشورى، ويتوقف اختياره على وجوده ضمن الجماعة المكونة للشورى، وهذا يلزم الدور وهو باطل، والدور يعني تثبيت وجود شيء بوجود شيء آخر يتوقف وجوده على وجود الشيء الأول مثل قضية الدجاجة والبيضة أيهما أول فالبيضة يتوقف وجودها على الدجاجة وكذلك الدجاجة وما أشبه!!

 

الآية الثانية:

 

قوله تعالى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم) (سورة الشورى: آية / 38) إن الآية الكريمة حثت على الشورى فيما يمت إلى شؤون

ص 122

المؤمنين بصلة، لا فيما هو خارج عن حوزة أمورهم، أما كون تعيين الإمام داخلا في أمورهم فهو أول الكلام، إذ لا ندري هل هو من شؤونهم أم من شؤون الله سبحانه وتعالى وعلى فرض أن ذلك من شؤونهم فمع هذا لا يصح الاستدلال بهذه الآية في موضوع تعيين الإمام والخليفة إذ لا يقال أنه يجوز قيام الشورى الشرعية دون ولي الأمر كما ذكرنا في الاستدلال بالآية السابقة، والآية في الواقع عامة تولت تفصيلاتها آية (وشاورهم في الأمر...) أما الآية موضع البحث فقد جاءت تتحدث عن صفات المؤمنين والرسول (صلى الله عليه وآله) أحدهم بل أكملهم وأتقاهم وهو ولي الأمر المستقر له الوضع، فلا يمكن أن لا تكون له كلمة الفصل، وواضح من الآية أنها نزلت بلحاظ وجود ولي الأمر بينهم لا بعدم لحاظه ومن يدعي غير ذلك فعلية الإثبات. إذا علمت ذلك نقول أنه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إما كان هناك ولي أمر فلا داعي للشورى لتنصيبه، وإما لم يكن فيحتاج إلى شورى شرعية حتى يتم تنصيبه. والشورى الشرعية تحتاج إلى ولي أمر قيم عليها يأخذ بالنافع بعد المشاورة ويعزم عليه وبدونه تكون الشورى غير شرعية فلا يلزم بها أحد من المسلمين. وبناء على ذلك لا بد من النص على الإمام (ولي الأمر) وهذا ما يثبته التاريخ والعقل ومرويات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن وفيها ما يشبعك.

 

 التعيين ضرورة:

 

جاء في سيرة ابن هشام. لما دعا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بني عامر للإسلام وقد جاؤوا في موسم الحج إلى مكة قال رئيسهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):

ص 123

الأمر لله، يضعه حيث يشاء (1). لقد بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الأمر لله تعالى وهذا القرآن الذي نتلوه ليل نهار يؤكد ذلك أيضا بقوله تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) (2). والاصطفاء الإلهي لحمل عب ء تبليغ الرسالة والحفاظ عليها سنة إلهية لن تتغير ولن تتبدل، قال الله سبحانه وتعالى (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) (3) ويقول جل وعلا (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (4)، ويؤكد سبحانه وتعالى أن الأمر ليس بيد أحد مهما بلغ من الوعي فأضاف إلى نفسه تعالى الاختيار والجعل يقول تعالى (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) (5) (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) (6). وهذا الجعل ليس بأمر الأمة بل بأمر الله (بأمرنا) ولا يعقل أن يكون الضمير في أمرنا شامل للأمة إذ ليست هي التي توحي إلى الأئمة فعل الخيرات وإقام الصلاة... كما أن الأمة ليست هي المعبودة (وكانوا لنا عابدين) ولا هي صاحبة الآيات (بآياتنا يوقنون). وضرورة التعيين أمر يعلمه كل إنسان بوجدانه وعقله، لضرورة وجود خليفة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوم مقامه في كل واجباته، ويكاد يكون ذلك من

(هامش)

(1) - السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 424 . (2) - سورة الأنعام: آية / 124. (3) - سورة آل عمران: آية / 33 - 34. (4) - سورة فاطر: آية / 32. (5) - سورة الأنبياء: آية / 73. (6) - سورة السجدة: آية / 24. (*)

ص 124

البديهيات وإلا أي ضمانة يمكن لها أن تحفظ لنا ديننا وتمثل بوصلة لبيان الانحراف الذي ربما يحدث بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما حدث في الأمم السابقة؟ من الذي تركن إليه الأمة ليواصل مسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكيف يتأتى للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينتقل للرفيق الأعلى دون أن يعين خليفته؟ أمن العقل أن يترك أمر الخلافة والإمامة في أيدي الناس الذين قد تتغلب عليهم شهوة السلطة والزعامة؟ ذلك لأن طبيعة البشر تهوي به إلى أسفل ولا يكفيها وجود شريعة محفوظة في الكتب، بل لا بد من تجسيد تلك الشريعة في إنسان يتمتع بتفوق تشريعي (معصوم) يعطيه صلاحية تطبيق الشريعة على الناس (منصوص عليه) إذ لا بد لكل قانون من مطبق نافذ الكلمة وإلا عاد القانون حبرا على الورق (1). إن الخالق الذي من أجل كمال كل مخلوق وفر له الوسائل الضرورية وغيرها كي يعبر من حدود النقص والضعف إلى منازل الكمال، كيف يمكن أن يستثني من ذلك القيادة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والتي تعتبر عاملا مهما لرقي الإنسان معنويا وروحيا. والتعيين أمر تنبه له أبو بكر عندما كتب وصيته التي نصب فيها عمر خليفة من بعده وأمر الناس بالسمع والطاعة له... ومع أنه كان على فراش الموت عند كتابته لذلك إلا أن عمر كان حريصا على تنفيذ الوصية في حين أنه كان المعترض الأول على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما أراد كتابة وصيته وهو مريض وقال إنه يهجر ويقول أمير المؤمنين علي (ع) في شأن تعيين أبي بكر لعمر فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشد ما تشطرا ضرعيها . كما أن عائشة أقرت بضرورة التعيين عندما ضرب عمر وبقي على الفراش ينتظر الأجل المحتوم إذ أرسلت إليه أن أوص من يخلفك ولا تترك أمة محمد بعدك هملا.

(هامش)

(1) - الفكر الإسلامي مواجهة حضارية - العلامة السيد محمد تقي المدرسي ص 250

الصفحة السابقة الصفحة التالية

بنور فاطمة اهتديت

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب