بنور فاطمة اهتديت

الصفحة السابقة الصفحة التالية

بنور فاطمة اهتديت

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 125

وبدون راع، وأشار عبد الرحمن بن عوف على عمر بذلك أيضا. والواقع العملي يثبت أن الخلفاء جاؤوا بالتنصيب وبلا شورى حتى شورى الستة كانت بالتعيين كما سترى.

 
 علي بن أبي طالب أول خليفة للنبي (ص)

 

طفحت كتب أهل السنة والجماعة بالأحاديث التي تبين أن أهل البيت (ع) هم خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحملة دين الله بعده، وغير المتمسك بهم ضال وذلك بإخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن اختيار الله تعالى لهم، وسنرى من خلال ما نستدل به أن الأمر لا ينحصر في حبهم فقط والتبرك بهم إنما موالاتهم واتباعهم والتسليم لهم. وكثيرا ما يقول لي البعض نحن نحب أهل البيت (ع)... أقول إن حب أهل البيت (ع) مجردا عن ترتيب أثر على ذلك لا يجدي، فحبهم يستتبع أن نسلك مسلكهم ونتبع منهجهم ونوالي أولياءهم هذا هو الحب يقول تعالى (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (سورة آل عمران: آية / 31) وأهل البيت (ع) هم حملة رسالة السماء وبهم يعرف الحق من الباطل والمتمسك بهم هو الملتزم بمنهجهم السائر على دربهم. والإمام علي (ع) هو الإمام الأول والخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)... ذلك ما توصلت إليه من خلال ما تواتر من الأحاديث حول تنصيبه إماما للأمة وعن أفضليته على جميع الصحابة، رغم أن أعداءه أخفوا مناقبه حسدا وأخفاها شيعته خوفا إلا أنه ظهر من بين ذلك ما ملأ الخافقين يقول أحمد بن حنبل ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب (1) ومع ذلك سأختار بعض الأحاديث التي تثبت له الولاية والخلافة:

(هامش)

(1) - مستدرك الحاكم ج 3 ص 107

ص 126

 

1 - حديث الغدير

 

في حديث طويل أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد جمع الناس يوم غدير خم (موضع بين مكة والمدينة - الجحفة) وذلك بعد رجوعه من حجة الوداع وكان يوما صائفا حتى أن الرجل ليضع رداءه تحت قدميه من شدة الحر، وجمع الرحال وصعد عليها وقال مخاطبا معاشر المسلمين: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاده وانصر من نصره واخذل من خذله. إن حديث الغدير من أوضح أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بيانا وأعمقها دلالة وأقواها بلاغة ولقد أورده السيوطي في الدر المنثور في ذيل الآية (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) لبيان أن ولاية علي (ع) التي قرنها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بولايته هي امتداد لها وكما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بالمؤمنين من أنفسهم كذلك علي بن أبي طالب، مما يدل على أن النبي ما أراد الولاية بمعنى الحب إنما أرادها بمعنى الإمامة لوجود القرينة المقالية فقد بدأ الحديث بولاية نفسه على المؤمنين ثم قرنها بولاية علي فالولاية بمعنى الأولى من المؤمنين بأنفسهم. هذا الحديث لا شبهة في صحته وهو من الأحاديث المتواترة التي لم يستطع علماء أهل السنة والجماعة رده فبحثوا له عن تخريج ومعنى يتناسب مع ما تهواه أنفسهم فاضطروا إلى تفسير الموالاة بمعنى الحب وهذا المعنى لا ينسجم ومفهوم الحديث القاضي بولايته وإمامته على الناس بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وخلافته له بصورة واضحة وجلية، ولا يمكن لشخص يملك عقلا سليما ووجدانا صحيحا أن يقنع بقول علماء أهل السنة والجماعة، فهم كأنما يقولون أن الرسول (صلى الله وآله وسلم) ومعه هذه الأعداد الهائلة من الحجاج والذين يبلغ عددهم ما يقارب المائة وعشرين ألف... أوقف من معه وأرسل في طلب من سبقه ليأتي راجعا وانتظر من كان بعده يوقفهم في تلك الصحراء والشمس تلفح الوجوه ليقول لهم

ص 127

أيها الناس أحبوا عليا فإنه ابن عمي وزوج ابنتي. أي أحمق هذا الذي يؤمن بهذا القول والله إنها لضحالة في التفكير وسذاجة في استعمال أساليب المكر والخداع وخبث ينم عن عداء حقيقي لعلي بن أبي طالب (ع). وقد تتبع صاحب موسوعة الغدير العلامة الأميني رواة هذا الحديث من الصحابة فبلغ عددهم 110 صحابي فيهم أبو هريرة وأسامة بن زيد وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله والزبير بن العوام وزيد بن الأرقم وغيرهم (1) ومن التابعين بلغ عدد الرواة (84) ولم يترك حتى العلماء في القرون الأولى وكذلك الشعراء (2). ولقد أورد الحديث أحمد بن حنبل في مسنده وأضاف فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئا يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة (3). كما أورده الحاكم في مستدركه ج 3 ص 110 وقال عنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ولأهمية أمر الإمامة والولاية في الرسالة وباعتبارها جزءا أساسيا لا تكتمل الرسالة بدونه جاء الأمر من الله تعالى بتبليغ ذلك للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان حديث الغدير كما جاء في تفسير الفخر الرازي في ذيل الآية (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) (سورة المائدة: آية / 67) قال: والعاشر - أي من الوجوه التي قالها المفسرون في نزول الآية: نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب (ع) ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده فقال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي (4).

(هامش)

(1) - الغدير ج 1 ص 14. (2) - المصدر ج 1 ص 62. (3) - مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 281. (4) - التفسير الكبير للرازي ج 12 ص 49.

ص 128

وبهذا تتضح أهمية الولاية كجزء من الرسالة من دونها تفقد الرسالة أهميتها كما تنطق الآية. ومما يؤكد قولنا اختصاص علي بالولاية دون غيره من الصحابة وذلك في قوله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (سورة المائدة: آية / 55) يقول الرازي والطبري المقصود من الذين آمنوا أمير المؤمنين علي (ع) كما أورده السيوطي في الدر المنثور وكذلك كنز العمال. والآية ظاهرة في إمامته ومعنى الولي في هذه الآية لا بد أن يلائم الحصر في الله عز وجل وفي رسوله وفي علي وظهور أداة: إنما في الحصر تشير إلى تفسير واحد لكلمة الولي وهو مالك الأمر ونحوه مما يناسب الاختصاص.

 

 2 - حديث المنزلة:

 

جاء في البخاري كتاب بدء الخلق في باب غزوة تبوك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إلى تبوك واستخلف عليا (ع) فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء، فقال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (1). ولا يخفى على المتأمل الدلالة الواضحة لخلافة علي (ع) والتي كخلافة هارون (ع) إلا أن النبوة ختمت بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ألمعنا في نقاشنا لقصص بني إسرائيل إلى وجه الشبه بين خلافة هارون لموسى (ع) وكيف أضل السامري القوم، وبين خلافة علي (ع) التي انقلب عليها المسلمون ووضعوا الأمر في غيره فتأمل.

 

 3 - حديث الانذار

 

لما نزلت آية (وأنذر عشيرتك الأقربين) على رسول الله (صلى الله عليه وآله

(هامش)

(1) - رواه مسلم أيضا في صحيحه كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل علي بن أبي طالب كما أورده أحمد بن حنبل وغيرهم.

ص 129

وسلم) جمع بني عبد المطلب على طعام ثم قال: إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي ووارثي فلم يقم أحد. قال علي: وقلت وإني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه قال النبي: إجلس، قال ثم قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لي اجلس حتى كانت الثالثة فأخذ برقبتي ثم قال إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (1). والحديث لا يحتاج مني إلى توضيح فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار.

 

4 - حديث الراية:

 

حاول أحدهم أن يثبت لي وهو يحاورني أفضلية الخلفاء الثلاثة على علي (ع) قلت له: هناك حديث واحد كاف لبيان الفرق بين علي (ع) وأبي بكر وعمر، روى ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر (رض) إلى بعض حصون خيبر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد ثم بعث عمر (رض) فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه كرارا ليس بفرار، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا وهو يومئذ أرمد فتفل في عينيه ثم قال: خذ الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك (2). من خلال هذه الرواية نستشف من هو الأفضل وإلا لماذا ميز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (ع) بهذه الصفات التي جاءت في الحديث وهو من أوتي جوامع الكلم وفصاحة اللسان وبلاغة اللسان وبلاغة التعبير خصوصا ما جاء في آخر الكلام ليس بفرار

(هامش)

(1) - تاريخ الطبري ج 2 ص 63 - 64. (2) - البداية والنهاية ج 4 ص 187.

ص 130

إشارة إلى فرار من سبقه من ساحة الوغى وقد استحى ابن كثير من ذكر ذلك فذكرها الطبري في تاريخه بكل وضوح عندما قال: فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يجبنه أصحابه ويجبنهم. ولقد أورد الحديث البخاري في كتاب الجهاد والسير باب ما قيل في لواء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وباب فضل من أسلم على يديه رجل. كما جاء في صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير غزوة ذي قرد وفي كتاب فضائل الصحابة باب فضائل علي. وأنا لا أريد أن أفضل أحدا على أحد دون دليل ولكني أرى نفسي ملزما بتفضيل من فضله الله، ولقد جاء في سيرة ابن هشام: عندما نزلت سورة براءة بعث بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر ثم أرسل عليا في أثره فأخذها منه فلما رجع أبو بكر قال: هل نزل في شيء؟ قال: لا ولكني أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي (1). ولأن الحديث عن فضائل علي ومكانته يطول سنورد ملخص ما جاء به ابن حجر العسقلاني المعروف عند أهل السنة والجماعة في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة: مما أورده: * حديث الراية المتقدم. * حديث الانذار. * عندما نزلت آية التطهير (إنما يريد الله أن.....) أخذ الرسول رداءه ووضعه على علي وفاطمة والحسن والحسين وتلى الآية. * نومه في فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما هاجر. * حديث المنزلة.

(هامش)

(1) - السيرة النبوية ابن هشام ج 4 ص 189 ومثله في المستدرك ج 3 ص 51 وتفسير الطبري.

ص 131

سد الأبواب إلا باب علي (ع) فيدخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق غيره. * قول الرسول من كنت مولاه فعلي مولاه. * قول عمر لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو حسن. * قول علي سلوني سلوني عن كتاب الله تعالى فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار. * قال معاوية لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسب أبا تراب يعني عليا ، فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم فلن أسبه سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي عليا فأتاه الحديث ونزلت الآية (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا وفاطمة والحسن والحسين فقال اللهم هؤلاء أهلي. * قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. * قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما تريدون من علي إن عليا مني وأنا من علي وهو ولي كل مؤمن بعدي. * قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن تؤمروا عليا وما أراكم فاعلين - أقول: صدق الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) - تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق المستقيم (1).

(هامش)

(1) - الإصابة في تمييز الصحابة ص 507 - 508.

ص 132

* مناظرة للمأمون العباسي في فضل علي (ع) (1). ولو أردنا التحدث عن مناقب وفضائل أمير المؤمنين علي (ع) لاحتاج ذلك إلى مجلدات وما أوردناه فيه الكفاية لذي عينين ونختم هذا المطلب بمناظرة الخليفة العباسي المأمون واحتجاجه على الفقهاء في زمانه حول فضل علي (ع) بالرغم من أن المأمون وكل الخلفاء العباسيين كانوا ممن ينصبون العداء لأهل البيت (ع) إلا أنهم في البداية عندما تسلموا زمام الأمور ولتوطيد أركان حكمهم كانوا ينادون بالرضا من آل محمد وكانت ثورتهم على الأمويين تحت هذا الشعار ولكن الملك عقيم.. ما إن استقر وضعهم حتى بدأوا في محاربة آل محمد (ع) وشيعتهم وكانوا أعظم من بني أمية في عداوتهم لأهل البيت (ع)، جاء في العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي: بعث المأمون إلى يحيى بن أكثم قاضي القضاة وعدة من العلماء وأمره أن يحضر معه مع الفجر أربعين رجلا كلهم فقيه يفقه ما يقال ويحسن الجواب، فأتموا العدد وغدوا عليه قبل طلوع الفجر وبدأ معهم الحوار في مواضيع شتى ثم قال: إنني لم أبعث إليكم لهذا ولكنني أحببت أن أنبئكم أن أمير المؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي هو عليه ودينه الذي يدين الله به، قالوا: فليفعل أمير المؤمنين وفقه الله فقال المأمون: إن أمير المؤمنين يدين الله على أن علي بن أبي طالب خير خلق الله بعد رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأولى الناس بالخلافة، قال إسحاق (أحد الفقهاء) قلت: يا أمير المؤمنين) إن فينا من لا يعرف ما ذكر أمير المؤمنين في علي وقد دعانا أمير المؤمنين للمناظرة، فقال يا إسحاق: اختر إن شئت أن أسألك وإن شئت أن تسأل قال إسحاق: فاغتنمتها منه، فقلت: بل أسألك يا أمير المؤمنين. قال: سل، قلت من أين قال أمير المؤمنين إن علي بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله وأحقهم بالخلافة بعده؟ قال: يا إسحاق أخبرني عن الناس بم يتفاضلون حتى يقال فلان أفضل

(هامش)

(1) - العقد الفريد ابن عبد ربه الأندلسي ج 5 ص 92 - 101.

ص 133

من فلان؟ قلت: بالأعمال الصالحة، قال: صدقت. قال: فأخبرني عمن فضل صاحبه على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم إن المفضول عمل بعد وفاة الرسول بأفضل من عمل الفاضل على عهد الرسول، أيلحق به؟ قال إسحاق: فأطرقت، فقال لي: يا إسحاق لا تقل نعم فإنك إن قلت نعم أوجدتك في دهرنا هذا من هو أكثر منه جهادا وحجا وصياما وصلاة وصدقة قلت: أجل يا أمير المؤمنين لا يلحق المفضول على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الفاضل أبدا، قال. يا إسحاق فانظر ما رواه لك أصحابك ومن أخذت عنهم دينك وجعلتهم قدوتك من فضائل علي بن أبي طالب فقس عليها ما أتوك به من فضائل أبي بكر وعمر فإن وجدت لهما من الفضائل ما لعلي وحده فقل إنهما أفضل منه، لا والله ولكن قس إلى فضائله فضائل أبي بكر وعمر وعثمان فإن وجدتها مثل فضائل علي فقل أنهم أفضل منه، لا والله، ولكن قس إلى فضائله فضائل العشرة الذين شهد لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجنة فإن وجدتها تشاكل فضائله فقل إنهم أفضل منه، ثم قال: يا إسحاق أي الأعمال كانت أفضل يوم بعث الله رسوله؟ قلت الإخلاص بالشهادة قال: أليس السبق إلى الإسلام؟ قلت: نعم قال أقرأ ذلك في كتاب الله تعالى: (والسابقون السابقون أولئك المقربون) إنما عنى من سبق إلى الإسلام، فهل علمت أحدا سبق عليا إلى الإسلام؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إن عليا أسلم وهو حديث السن لا يجوز عليه الحكم، وأبو بكر أسلم وهو مستكمل يجوز عليه الحكم، قال: أخبرني أيهما أسلم قبل؟ ثم أناظرك من بعده في الحداثة والكمال، قلت: علي أسلم قبل أبي بكر على هذه الشريطة فقال: نعم فأخبرني عن إسلام علي حين أسلم لا يخلو من أن يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعاه إلى الإسلام أو يكون إلهاما من الله، قال إسحاق: - فأطرقت فقال لي: يا إسحاق لا تقل إلهاما فتقدمه على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن رسول الله لم يعرف الإسلام حتى أتاه جبرئيل عن الله تعالى. قلت: أجل بل دعاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يا إسحاق، فهل يخلو

ص 134

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين دعاه إلى الإسلام من أن يكون دعاه بأمر الله أو تكلف ذلك من نفسه؟ قال: فأطرقت. فقال: يا إسحاق لا تنسب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى التكلف فإن الله يقول عن الرسول (وما أنا من المتكلفين) قلت: أجل يا أمير المؤمنين، بل دعاه بأمر الله، فقال: فهل صفة الجبار جل ذكره أن يكلف رسله دعاء من لا يجوز عليه حكم؟ قلت: أعوذ بالله! فقال: أفتراه في قياس قولك يا إسحاق إن عليا أسلم صبيا لا يجوز عليه الحكم، وقد كلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعاء الصبيان إلى ما لا يطيقونه، فهو يدعوهم الساعة ويرتدون بعد ساعة فلا يجب عليهم في ارتدادهم شيء ولا يجوز عليهم حكم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ أترى هذا جائزا عندك أن تنسبه إلى الله عز وجل؟ قلت أعوذ بالله قال: يا إسحاق فأراك إنما قصدت لفضيلة فضل بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا على هذا الخلق أبانه بها منهم ليعرف مكانه وفضله ولو كان الله تبارك وتعالى أمره بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا عليا؟ قلت: بلى قال: فهل بلغك أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا أحدا من الصبيان من أهله وقرابته، لئلا تقول إن عليا ابن عمه؟ قلت: لا أعلم، ولا أدري فعل أو لم يفعل. قال يا إسحاق، أرأيت ما لم تدره ولم تعلمه هل تسأل عنه؟ قلت: لا. قال: فدع ما قد وضعه الله عنا وعنك. ثم قال: أي الأعمال كانت أفضل بعد السبق إلى الإسلام؟ قلت: الجهاد في سبيل الله، قال: صدقت، فهل تجد لأحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما تجد لعلي في الجهاد؟ قلت: من أي وقت؟ قال: في أي الأوقات شئت؟ قلت: بدر قال: لا أريد غيرها، فهل تجد لأحد إلا دون ما تجد لعلي يوم بدر، أخبرني كم قتلى بدر؟ قلت نيف وستون رجلا من المشركين. قال: فكم قتلى علي وحده؟ قلت لا أدري. قال: ثلاثة وعشرون أو اثنان وعشرون والأربعون لسائر الناس. قلت يا أمير المؤمنين، كان أبو بكر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عريشه، قال: ليصنع ماذا؟ قلت: يدبر، قال: ويحك! يدبر دون رسول الله أو معه شريكا أم افتقارا

ص 135

من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى رأيه، قال: أي الثلاثة أحب إليك؟ قلت: أعوذ بالله أن يدبر أبو بكر دون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أن يكون معه شريكا أو أن يكون برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) افتقار إلى رأيه. قال: فما الفضيلة بالعريش إذا كان الأمر كذلك؟ أليس من ضرب بسيفه بين يدي رسول الله أفضل ممن هو جالس؟ قلت: يا أمير المؤمنين كل الجيش كان مجاهدا. قال: صدقت، كل مجاهد ولكن الضارب بالسيف المحامي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الجالس أفضل من الجالس، أما قرأت في كتاب الله (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما). قلت: وكان أبو بكر وعمر مجاهدين قال: فهل كان لأبي بكر وعمر فضل على من لم يشهد ذلك المشهد؟ قلت: نعم. قال: فكذلك سبق الباذل نفسه فضل أبي بكر وعمر. قلت: أجل قال: يا إسحاق، هل تقرأ القرآن؟ قلت: نعم قال: إقرأ علي: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) فقرأت منها حتى بلغت (يشربون من كأس كان مزاجها كافورا) إلى قوله: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) قال: على رسلك، فيمن أنزلت هذه الآيات؟ قلت: في علي. قال: فهل بلغك أن عليا حين أطعم المسكين واليتيم والأسير قال: إنما نطعمكم لوجه الله؟ قلت: أجل قال وسمعت الله وصف في كتابه أحدا بمثل ما وصف به عليا؟ قلت: لا قال: صدقت، لأن الله جل ثناؤه عرف سيرته، يا إسحاق ألست تشهد أن العشرة في الجنة؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين. قال: أرأيت لو أن رجلا قال: والله ما أدري هذا الحديث صحيح أم لا، ولا أدري إن كان رسول الله قاله أم لم يقله، أكان عندك كافرا، قلت: أعوذ بالله قال: أرأيت لو أنه قال ما أدري هذه السورة من كتاب الله أم لا أكان كافرا؟ قلت: نعم. قال: يا إسحاق أرى بينهما فرقا. يا إسحاق أتروي الحديث؟ قلت: نعم قال: فهل تعرف حديث الطير (1)؟ قلت: نعم قال: فحدثني به.

(هامش)

(1) - أهدي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طير مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك - فجاء علي فأكل معه أسد الغابة لابن الأثير ج 6 ص 601 ، وأورده أحمد بن حنبل والحاكم.

ص 136

قال فحدثته الحديث. يا إسحاق، إني كنت أكلمك وأنا أظنك غير معاند للحق، فأما الآن فقد بان لي عنادك، إنك توافق أن هذا الحديث صحيح قلت: نعم، رواه من لا يمكنني رده. قال: أفرأيت أن من أيقن أن هذا الحديث صحيح، ثم زعم أن أن أحدا أفضل من علي، لا يخلو من إحدى ثلاثة: من أن تكون دعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنده مردودة عليه، أو أن يقول: إن الله عز وجل عرف الفاضل من خلقه وكان المفضول أحب إليه، أو أن يقول: إن الله عز وجل لم يعرف الفاضل من المفضول، فأي الثلاثة أحب إليك؟ فأطرقت. ثم قال: يا إسحاق لا تقل منها شيئا، فإنك إن قلت منها شيئا استتبتك، وإن كان للحديث عندك تأويل غير هذه الثلاثة الأوجه فقله. قلت: لا أعلم، وإن لأبي بكر فضلا. قال: أجل، لولا أن له فضلا لما قيل إن عليا أفضل منه، فما فضله الذي قصدت إليه الساعة؟ قلت: قول الله عز وجل: (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) فنسبه إلى صحبته، قال: يا إسحاق، أما إني لا أحملك على الوعر من طريقك، إني وجدت الله تعالى نسب إلى صحبة من رضيه ورضي عنه كافرا، وهو قوله (فقال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) الآية. قلت: إن ذلك صاحب كان كافرا، وأبو بكر مؤمن. قال: فإذا جاز أن ينسب إلى صحبة من رضيه كافرا جاز أن ينسب إلى صحبة نبيه مؤمنا وليس بأفضل المؤمنين ولا الثاني ولا الثالث، قلت: يا أمير المؤمنين إن قدر الآية عظيم، إن الله يقول: (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) قال: يا إسحاق تأبى الآن إلا أن أخرجك إلى الاستقصاء عليك، أخبرني عن حزن أبي بكر، أكان رضى أم سخطا؟ قلت: إن أبا بكر إنما حزن من أجل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغما أن يصل إلى رسول الله شيء من المكروه قال: ليس هذا جوابي، إنما كان جوابي أن تقول: رضى الله أم سخطا؟ قلت: بل رضى لله. قال: فكأن الله جل ذكره بعث إلينا رسولا ينهى عن رضى الله عز وجل وعن طاعته، قلت: أعوذ بالله. قال: أو ليس قد زعمت أن حزن أبي بكر رضى لله؟ قلت: بلى قال: أو لم تجد أن القرآن يشهد أن

ص 137

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: لا تحزن نهيا له عن الحزن، قلت: أعوذ بالله. قال: يا إسحاق، إن مذهبي الرفق بك لعل الله يردك إلى الحق ويعدل بك عن الباطل لكثرة ما تستعيذ به. وحدثني عن قول الله (فأنزل سكينته عليه) من عنى بذلك: رسول الله أم أبا بكر؟ قلت: بل رسول الله قال: صدقت. قال فحدثني عن قول الله عز وجل: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم) إلى قوله (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) أتعلم من المؤمنون الذين أراد الله في هذا الموضع؟ قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين. قال: الناس جميعا انهزموا يوم حنين فلم يبق مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا سبعة نفر من بني هاشم: علي يضرب بسيفه بين يدي رسول الله، والعباس آخذ بلجام بغلة رسول الله، والخمسة محدقون به خوفا من أن يناله من جراح القوم شيء، حتى أعطى الله لرسوله الظفر فالمؤمنون في هذا الموضع علي خاصة ثم من حضره من بني هاشم. قال: فمن أفضل: من كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك الوقت وأنزل عليه السكينة، أم من انهزم عنه ولم يره الله موضعا لينزلها عليه؟ قلت: بل من أنزلت عليه السكينة! قال: يا إسحاق، من أفضل، من كان معه في الغار أم من نام على فراشه ووقاه بنفسه، حتى تم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أراد من الهجرة؟ إن الله تبارك وتعالى أمر رسوله أن يأمر عليا بالنوم على فراشه وأن يقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه، فأمره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك. فبكى علي رضي الله عنه. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما يبكيك يا علي أجزعا من الموت؟ قال: لا، والذي بعثك بالحق يا رسول الله، ولكن خوفا عليك، أفتسلم يا رسول الله؟ قال: نعم قال: سمعا وطاعة وطيبة نفس بالفداء لك يا رسول الله. ثم أتى مضجعه واضطجع، وتسجى بثوبه. وجاء المشركون من قريش فحفوا به، لا يشكون أنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أجمعوا أن يضربه من كل بطن من بطون قريش رجل ضربة بالسيف لئلا يطلب الهاشميون من البطون بطنا بدمه. وعلي يسمع ما القوم فيه من تلف النفس ولم يدعه ذلك إلى الجزع، كما

ص 138

جزع صاحبه في الغار، ولم يزل علي صابرا محتسبا. فبعث الله ملائكته فمنعته من مشركي قريش حتى أصبح فلما أصبح قام، فنظر القوم إليه فقالوا: أين محمد؟ قال: وما علمي بمحمد أين هو؟ قالوا: فلا نراك إلا كنت مغررا بنفسك منذ ليلتنا. فلم يزل علي أفضل، ما بدأ به يزيد ولا ينقص حتى قبضه الله إليه. يا إسحاق هل تروي حديث الولاية؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: أروه ففعلت. فقال: يا إسحاق، أرأيت هذا الحديث هل أوجب لعلي أبي بكر وعمر ما لم يوجب لهما عليه؟ قلت: إن الناس ذكروا أن الحديث إنما كان بسبب زيد بن حارثة لشيء جرى بينه وبين علي وأنكر ولاء علي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال: وفي أي موضع قال هذا؟ أليس بعد منصرفه من حجة الوداع؟ قلت: أجل قال: فإن زيد بن حارثة استشهد قبل الغدير، كيف رضيت لنفسك بذلك؟ أخبرني لو رأيت أبنا لك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول: مولاي مولى ابن عمي أيها الناس، فاعلموا ذلك. أكنت منكرا عليه تعريفه الناس ما لا ينكرون ولا يجهلون؟ فقلت: اللهم نعم. قال: يا إسحاق: أتنزه ابنك عما لا تنزه عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويحكم! لا تجعلوا فقهاءكم أربابا إن الله جل ذكره قال في كتابه: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) ولم يصلوا لهم ولا صاموا ولا زعموا أنهم أرباب، ولكن أمروهم فأطاعوا أمرهم يا إسحاق أتروي حديث أنت مني بمنزلة هارون من موسى ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قد سمعته وسمعت من صححه ومن جحده. قال: فمن أوثق عندك من سمعت منه فصححه أو من جحده؟ قلت: من صححه. قال: فهل يمكن أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مزح بهذا القول؟ قلت: أعوذ بالله. قال: فقال قولا لا معنى له فلا يوقف عليه؟ قلت أعوذ بالله. قال: أفما تعلم أن هارون كان أخا موسى لأبيه وأمه؟ قلت: بلى. قال فعلي أخو رسول الله لأبيه وأمه؟ قلت: لا. قال: أوليس هارون كان نبيا وعلي غير نبي؟ قلت: بلى. قال: فهذان الحالان معدومان من علي وقد كانا في هارون، فما معنى قوله أنت مني بمنزلة

ص 139

هارون من موسى قلت له: إنما أراد أن يطيب بذلك نفس علي لما قال المنافقون إنه خلفه استثقالا له. قال: فأراد أن يطيب نفسه بقول لا معنى له؟ قال فأطرقت قال: يا إسحاق له معنى في كتاب الله بين. قلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: قوله عز وجل حكاية عن موسى أنه قال لأخيه هارون: (اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) قلت: يا أمير المؤمنين إن موسى خلف هارون في قومه وهو حي، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خلف عليا كذلك حين خرج إلى غزاته. قال: كلا ليس كما قلت. أخبرني عن موسى حين خلف هارون، هل كان معه حين ذهب إلى ربه أحد من الصحابة أو أحد من بني إسرائيل؟ قلت: لا. قال: أوليس استخلفه على جماعتهم قلت: نعم قال: فأخبرني عن رسول الله حين خرج إلى غزاته، هل خلف إلا الضعفاء والنساء والصبيان؟ فأنى يكون مثل ذلك؟ وله عندي تأويل آخر من كتاب الله يدل على استخلافه عليا لا يقدر أحد أن يحاجج فيه. قلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: قوله عز وجل حين حكى عن موسى قوله: (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا) فأنت مني يا علي بمنزلة هارون من موسى، وزيري من أهلي، وأخي أشد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبح الله كثيرا ونذكره كثيرا أمر أن يدخل في هذا شيئا غير هذا؟ ولم يكن ليبطل قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن يكون لا معنى له. قال: فطال المجلس وارتفع النهار فقال يحيى بن أكثم القاضي: يا أمير المؤمنين قد أوضحت الحق لمن أراد الله به الخير وأثبت ما لا يقدر أحد أن يدفعه.

 

أهل البيت (ع) هم أولو الأمر بعد النبي (ص)

 

 

الحديث الأول:

 

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من سره أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال عليا من بعدي وليوال وليه، وليقتد بأهل

ص 140

بيتي من بعدي، فإنهم خلقوا من طينتي ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي (1) هل هنالك أوضح من ذلك حجة علينا... دلالة واضحة ومعان بينة وأوامر جازمة، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

 

الحديث الثاني:

 

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. وقال أيضا: يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه هدى ونور وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي وسئل زيد بن أرقم راوي الحديث ، فهل نساؤه من أهل بيته قال: لا. وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر أو الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده (2). ولو لم يكن لدينا سوى هذا الحديث لكفى لإثبات خلافة أهل البيت (ع) وإمامتهم وأنهم عدول القرآن لا يفترقون عنه وأن المتمسك بهما معا لن يضل أبدا والمفرط بهما أو بواحد منهما ضال بلا شك. وقد حاول البعض أن يضع في مقابله حديث كتاب الله وسنتي والعجب كل العجب أن علماءهم عندما يروون هذا الحديث يكتبون في ذيله متفق عليه والحال أن حديث... وسنتي حديث مرسل لا سند له، وأول من رواه مالك في موطئه مرفوعا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يروه غيره من أصحاب الصحاح

(هامش)

(1) - مستدرك الحاكم ج 3 ص 128 قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (2) - مسلم في صحيحه باب فضائل علي بن أبي طالب ورواه بثلاثة طرق مستدرك الحاكم كتاب معرفة الصحابة ص 27 ، مسند أحمد بن حنبل ج 3 ص 17 - ص 16 ، الترمذي ج 5 ص 663 - 662.

ص 141

المعتبرة بينما حديث كتاب الله وعترتي متواتر لدى الفريقين تسنده أحاديث أخرى بألفاظ مختلفة. والحق يقال إن واضعي الحديث المحترفين هذا الفن أبدعوا وأجادوا وهم يصنعون في مقابل كل حديث حول أهل البيت (ع) حديثا يرفع من شأن غيرهم والأمثلة كثيرة سنذكر بعضها إن شاء الله. ولا أدري كيف يتمسكون بهذا الحديث وأول من خالفه عمر بن الخطاب في رزية يوم الخميس المعروفة والتي سيأتي ذكرها.. حينما قال حسبنا كتاب الله وهو بنفسه الذي فرض حظرا على الصحابة في رواية أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كما أحرق أبو بكر الأحاديث المكتوبة حتى لا تختلط بالقرآن على حد زعمهم وغيرها من الحوادث التي تثبت عدم الاعتراف بالسنة كما هو متعارف عليه الآن. وحديث العترة يثبت فيما يثبت عصمة أهل البيت (ع) لأن الذي لا يفارق القرآن ولا يفترق عنه يعني لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مثل القرآن تماما، ولو كان هنالك ثمة احتمال ولو ضئيل جدا بافتراق أهل البيت (ع) عن القرآن لما أكد لنا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلامه أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وبهذا المعنى نفهم آية التطهير التي نزلت في أهل البيت (ع). (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ولقد أجمعت مصادر التفسير والحديث على نزول هذه الآية في خمسة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين كما جاء في صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أهل البيت (ع) (1). والآية ناطقة بعصمة أهل البيت (ع) مما يؤهلهم دون غيرهم للقيام بدور الإمامة لحفظ الشريعة الإسلامية وممارسة دور الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) القيادي في الأمة والذي لا يتأتى إلا لمعصوم مصطفى من السماء وهذا ما لخصته آية التطهير والتي

(هامش)

(1) - وجاء أيضا مثل ذلك في المستدرك ج 3 ص 147 وقال صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه.

ص 142

صدرت بأداة الحصر إنما وهي من أقوى أدوات الحصر، وفيها إذهاب الرجس عن أهل البيت (ع) والرجس يعني مطلق الذنوب والآثام والأدناس، والقيام بالتطهير بإرادة الله تعالى.. كل ذلك مؤداه عصمة أهل البيت (ع). ومن أوضح الواضحات التي لا تقبل الجدل عندنا في السودان أن أصحاب الكساء أو أصحاب العباءة هم الخمسة الذين نزلت فيهم آية التطهير كما تواتر في الأحاديث.

 

حوار حول العصمة في حديث الثقلين

 

جرى حوار بيني وبين أحد الأصدقاء حول عصمة الإمام قال لي: أنتم مغالون تبالغون في حب أهل البيت (ع) حتى ادعيتم أنهم معصومون ومفوضون بالتشريع ونحن لا نرى سوى عصمة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). قلت: أولا أهل السنة والجماعة لا يقولون بأن النبي معصوم في كل شيء بل في أمر التبليغ فقط، ولا ندري كيف يحددون ويصنفون الأمور الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي منها من الدين وأي من غيره وذلك بخلاف قول الشيعة الذين يقولون بعصمة النبي المطلقة ولا فرق في ذلك بين أمور التشريع وغيرها. أما عصمة أهل البيت فالآية واضحة في دلالتها يقول تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) الآية. أضف إلى ذلك مجموعة الأحاديث التي نستشف منها بوضوح دلائل العصمة وحسبك في ذلك حديث الثقلين بعد أن ثبتت صحته لدى جمهور المسلمين سنة وشيعة. قال: هذا الحديث لا يدل على العصمة فهو فقط يخبرنا بالرجوع لأهل البيت. قلت: بل الحديث أوضح من أن يبحث فيه عن العصمة إذ أن صحة الحديث يؤكد عصمتهم وإليك البيان، وسألته: - ما قولك في القرآن؟ قال: - ماذا تقصد؟! قلت: - هل يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه؟ قال: - لا. قلت: - إن اقتران أهل

ص 143

البيت (ع) بالكتاب والتصريح بعدم الافتراق عنه يدل على عصمتهم. إذ أن صدور أي مخالفة للشريعة منهم سواء كان عمدا أم سهوا أم غفلة يعتبر افتراقا عن القرآن، لو قلنا بأنهم يفترقون عنه ولو للحظة فهذا تكذيب للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أخبر عن الله عز وجل بعدم وقوع الافتراق وتجويز الكذب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متعمدا مناف لعصمته حتى في مجال التبليغ وقد أكد على الحديث في أكثر من موضع. أضف إلى ذلك أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتبر التمسك بهم عاصما من الضلالة دائما وأبدا كما هو مقتضى ما تفيده كلمة لن التأبيدية فإذا كان هنالك مجال لضلالتهم ولو للحظة فكيف يكون التمسك بهم عاصما. هذا عن العصمة أما ما قلته عن التفويض فلا أحد من الشيعة يقول به، إنما هو قول أعداء الدين الذين حاولوا تشويه الصورة النقية للتشيع، وأنت إذا أردت أن تتعرف على معتقدات الشيعة فيجب عليك الاطلاع عليها من كتبهم وأقوال علمائهم لا من كتب وأقوال المناوئين لهم الذين لا يتورعون عن الكذب والافتراء، ومعروف عند الشيعة أن الأئمة يقولون بما قاله الرسول (صلى الله عيه وآله وسلم)، وها هو الإمام أمير المؤمنين علي (ع) يقول علمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب فهم لا يقولون بالتفويض بل أهل السنة والجماعة هم الذين فوضوا الصحابة في التشريع حتى أمضوا اجتهادات الصحابة الواضحة مقابل النصوص المؤكدة. بعد هذا الحوار أخذ صاحبي يبحث له عن مخرج وبدأ يقفز بالحديث هنا وهناك ويحاول أن يجد ثغرة يصطادني بها وعندما لم يجد قال لي: - يا أخي أنا مفوض أمري إلى الله نحن أهل تسليم. قلت: - التسليم لا يكون إلا للحق، أما التفويض لله فلا يلغي إرادتك ويجمد عقلك. إذا كنت تصبوا إلى الحقيقة واصل بحثك عنها ثم فوض الأمر إلى الله يهديك

ص 144

إلى الصراط المستقيم، أما أن تكون لا تدري أعلى حق أنت أم على غيره ثم تفوض الأمر هذا تبرير لا يقبل شرعا ولا عقلا. وتركته وذهبت. بقي أن نبين بعض المصادر التي ذكر فيها حديث الثقلين: - * صحيح مسلم فضائل علي (ع). * صحيح الترمذي ج 5 ص 662 - 663. * صحيح أحمد بن حنبل ج 3 ص 17 - ج 5 ص 182 ومواضع متعددة. * مستدرك الحاكم ج 3 ص 109 وكتاب معرفة الصحابة ص 27 وغيرها من المصادر.

 

الحديث الثالث:

 

قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. مستدرك الحاكم ج 2 ص 343 وغيره من المصادر مثل كنز العمال وتاريخ البغدادي ورواية أخرى تعضدها جاءت في مستدرك الحاكم ج 3 ص 149 أهل بيتي أمان لأمتي ما أبلغ تعبير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الحديث الذي يشبه أهل البيت (ع) بسفينة نوح التي حملت المؤمنين برسالته ومن لم يؤمن بها أخذته أمواج الطوفان حتى ابنه الذي قال كما جاء في القرآن (... سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) (سورة هود: آية / 43) لم ينج من تلك الأمواج وأصبح من الهالكين، واليوم أمواج الفتن تتلاطم ويذهب ضحيتها أولئك الذين لم يركبوا في سفينة النجاة التي أخبر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)... وكل الذين يقدمون الأعذار والتبريرات لعدم تمسكهم بأهل البيت (ع) وركوبهم سفينة النجاة هم كابن نوح الذي اعتبر الجبل عاصما له من الغرق دون السفينة، والفرق أن الجبال تعددت في وقتنا الحاضر وأكثرها علوا عند من يفكر فيها جبل عدالة الصحابة فهل يا ترى يعصمهم من الأمواج الهادرة؟! وحتى نعطر أجواء هذا البحث نعرج على القرآن الكريم لنستضئ بنوره

ص 145

ونقتبس منه بعض المعاني يستفيد منها من يريد أن يصل إلى الحق.

 

الآية الأولى:

 

(فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (سورة آل عمران: آية / 61). تواتر لدى الفريقين نزول هذه الآية - كما بينا في حديثنا حول الزهراء (ع) - في علي وفاطمة والحسنين، جاء في صحيح مسلم ولما نزلت هذه الآية دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا وفاطمة والحسن والحسين فقال: اللهم هؤلاء أهلي. قال الفخر الرازي في تفسيره وأعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث (1) إن القرآن بدقته وبلاغته يعطي لأولي الألباب بصيرة وتوجيها من أقصر الطرق وأيسرها والآية المذكورة تحمل دلالات عظيمة وتفصل معاني الاصطفاء والاختيار الإلهي في أقصر العبارات وأبلغها. وكما جاء في الأحاديث لم يأخذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) معه أبا بكر وعمر كما أنه لم يأخذ عائشة أو غيرها من زوجاته.. لم يأخذ إلا هذه العصبة المباركة والتي لم يكن اختيارها اعتباطيا أو عاطفيا في وقت تمر فيه الرسالة بمنعطف تاريخي وهي تواجه نصارى نجران وتتحداهم إنما كان اختيارا ربانيا كما عبر عنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: لو علم الله تعالى أن في الأرض عبادا أكرم من علي وفاطمة والحسن والحسين لأمرني أن أباهل بهم، ولكن أمرني بالمباهلة مع هؤلاء فغلبت بهم النصارى. ويأتي البعض لإقناعنا بأن الصحابة أفضل من أهل البيت (ع) وكيف يكون ذلك وهذا الاقتران بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته من كل مورد وكما

(هامش)

(1) - التفسير الكبير للرازي ج 8 ص 80.

ص 146

ورد في الآيات مما يؤكد بأنهم الامتداد الرسالي له (صلى الله عليه وآله وسلم). وهنالك ملاحظة جديرة بالالتفات إليها، وأذكرها لأصحاب العقول المستنيرة الباحثة دوما عما هو أحق بالاتباع... وهي موقعية علي (ع) في آية المباهلة فهو ليس من أبناء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كالحسن والحسين كما أنه بالطبع لا يدخل في قائمة النساء ومع ذلك أتى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا نجد له مكانا إلا نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (وأنفسنا وأنفسكم) هذه المفردة القرآنية تعتبر عليا الحالة التجسيدية الكاملة لشخصية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا ما أكده الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديثه علي مني وأنا من علي فتدبر!!

 

الآية الثانية:

 

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم...) (1). لا يختلف اثنان من وجوب طاعة أولي الأمر كما جاء في هذه الآية التي قرنت طاعتهم بطاعة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهؤلاء القادة الواجبة طاعتهم على سبيل الجزم لا بد أن يكونوا في مصاف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من وجود الصفات والخصائص الربانية إلى وجوب الاقتداء والتمسك بهم وهذا يستوجب عصمتهم.. لأنه يستحيل أن يأمرنا الله تعالى على سبيل الجزم بطاعة من يحتمل خطؤه وعصيانه، لأنه مفترض الطاعة بلا استثناء ولا حدود، والاتباع في حالة الخطأ منهي عنه، فكيف يجتمع الأمر والنهي في فعل واحد باعتبار واحد؟ فيثبت من ذلك أن من أمر الله بطاعتهم على سبيل الجزم وجب أن يكونوا معصومين وذلك ما توصل إليه الفخر الرازي في تفسيره فأثبت عصمة أولي الأمر ولكنه في محاولة يائسة حاول صرف المعنى عن أهل البيت (ع) إلى أهل الحل والعقد ولا نجد من هو أجدر من أهل من الأمة والذين لم نجد لهم تعريفا ثابتا أو فهما

(هامش)

(1) - سورة النساء: الآية / 59.

ص 147

واضحا في الشرع الذي أمرنا بطاعتهم. البيت (ع) لما ذكرنا من أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لنا باتباعهم وأنهم معصومون وإلى غير ذلك مما تقدم ذكره فهم أولو الأمر المعنيون بالآية. وبهذا تكون الحقيقة قد تجلت لمن يريد الأخذ بها وإن معالم طريق الخلاص باتت واضحة وسبيل النجاة منحصر في اتباع أهل البيت (ع) وعلى الأقل فإن هذا ما قادني إليه الدليل - أهل البيت الذين اصطفاهم الله لحمل أعباء الرسالة بعد رسوله الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) مستحفظا بعد مستحفظ أوصياء معصومون يحافظون على سير الشريعة في خطها المستقيم وينفون عنها كل الشبهات ويقفون بقوة أمام محاولة تحريفها من قبل المنافقين والحاقدين، والتاريخ يشهد لهم بذلك وواقعنا أيضا وسنبين ذلك لاحقا. عندما كنت أحاور ذلك السلفي الذي أجريت معه المناظرة المذكورة في أول الكتاب وفي أثناء حوارنا لمعت عيناه فجأة وكأنه عثر على ضالته وفاجأني بسؤال معتقدا أنه سيضعني في زاوية حرجة... سؤال من ظن أنه بلغ منتهى العلم والحكمة، قال: من قال لكم أن الأئمة اثنا عشر ولماذا هذا العدد بالذات؟ وضحك!! قلت له: يا أخي بالنسبة للعدد فلو فتحنا هذا الباب لمعرفة الحكمة من العدد سأجر إليك أسئلة لا قبل لك بها فلماذا كان الخلفاء أربعة فقط؟ ولماذا اختار موسى سبعين رجلا لميقات ربه ولم يكونوا ثمانين؟ ولماذا خلق الله سبع سماوات وسبعا من الأرض ولم تكن كل واحدة منهما عشرة مثلا ولماذا كان عدد نقباء بني إسرائيل اثنا عشر ولماذا يقول تعالى (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما) ولم يكونوا خمسة عشر وهكذا... أضف إلى ذلك أن الآيات والروايات التي وردت عن أهل البيت (ع) كافية لتوجهنا للأخذ منهم ونحن لم نجد سوى الشيعة متمسكة بهم وهنالك تعلم بعدد الأئمة ولا ضرورة للاحتجاج عليك بعدد الأئمة من مصادركم لأن الموضوع فرعي ومع ذلك وبلطف من الله تعالى لإظهار الحق ولإقامة الحجة لم تخل مصادر أهل السنة والجماعة من

ص 148

الأحاديث التي تحدد عدد الأئمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وصدفة كنت أحمل أحد مجلدات موسوعة تجمع ما جاء في الصحاح الستة من أحاديث وفتحت باب الإمارة وقرأت عليه عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يكون بعدي اثنا عشر أميرا كلهم من قريش وقلت له: هل سمعت؟ فبهت الذي كفر.. وانتفض انتفاضة قوية وكأنه قد مس بطائف من الشيطان، وقال: من أين لك هذا الحديث؟! فذكرت له المصادر وأذكرها هنا تتمة للفائدة: * صحيح البخاري كتاب الأحكام ج 9 ص 729. * صحيح مسلم ج 3 كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش. * صحيح الترمذي ج 4 ص 501. * سنن أبي داوود كتاب المهدي ص 508. * مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 398. وهذا الحديث جعل علماء أهل السنة يعيشون في تخبط ومشكلة كبيرة لن يخرجوا منها ولن يجدوا لها حلا إلا عند أتباع أهل البيت (ع) وهم الشيعة المعروفون ب‍ الاثني عشرية.. ولقد حاول البعض أن يجد تفسيرا معقولا للحديث على أرض الواقع فمنهم من عد أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وتوقف، ومنهم من زاد عليهم الحسن بن علي ثم تحير، وبعضهم أضاف إليهم معاوية وبني أمية فلم يوفق لضبط العدد وآخر أصبح انتقائيا يختار كما يتراءى له وهكذا... والأمر لا غموض فيه ولا لبس عند شيعة أهل البيت ذلك بعد أن علمنا حقهم في الولاية والخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس من المعقول أن يخرج هذا العدد خارج دائرتهم وقد جاء في ينابيع المودة للقندوزي الحنفي الباب (94) عن المناقب بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا جابر إن أوصيائي وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف بالباقر ستدركه يا جابر فإذا لقيته

ص 149

فأقرئه مني السلام ثم جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم القائم اسمه اسمي وكنيته كنيتي محمد بن الحسن بن علي المهدي ذلك الذي يفتح الله تبارك وتعالى على يديه مشارق الأرض ومغاربها. أما النصوص الواردة من مصادر الشيعة عن طريق أهل البيت (ع) فهي متواترة وواضحة بخصوص هذا الشأن، ولم يرع أحد من الأمة أنه أحد الأئمة الاثني عشر كما قال أهل البيت (ع) عن أنفسهم والتاريخ يخبرنا عن سيرتهم بل أعداؤهم اعترفوا بمكانتهم السامية وعلمهم الغزير وأخلاقهم الرفيعة وهم كما جاء في الحديث آنف الذكر: 1 - علي بن أبي طالب. 2 - الحسن بن علي. 3 - الحسين بن علي. 4 - علي بن الحسين الملقب بزين العابدين والسجاد. 5 - ثم ابنه محمد بن علي الملقب بالباقر. 6 - ثم ابنه جعفر بن محمد الملقب بالصادق. 7 - ثم ابنه موسى بن جعفر الملقب بالكاظم. 8 - ثم ابنه علي بن موسى الملقب بالرضا. 9 - ثم ابنه محمد بن علي الملقب بالجواد. 10 - ثم ابنه علي بن محمد الملقب بالهادي. 11 - ثم ابنه الحسن بن علي الملقب بالعسكري. 12 - ثم ابنه محمد بن الحسن ويدعى المهدي والقائم والحجة. هؤلاء هم أولو الأمر الذين فرض الله علينا طاعتهم في القرآن (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وعرفنا منزلتهم (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) (سورة آل عمران: آية / 34).

ص 151

 
الفصل السادس : الانقلاب

 

(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) (سورة آل عمران: آية / 144)

ص 153

ماذا حدث؟

 

اختزلت الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع) ما حدث بكلمات بليغة في خطبتها الرائعة، قالت: فلما اختار الله لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) دار أنبيائه ومأوى أصفيائه، ظهرت فيكم حسكة النفاق وسمل جلباب الدين ونطق كاظم الغاوين ونبغ خامل الأقلين وهدر فنيق المبطلين فخطر في عرصاتكم وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين ثم استنهضكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم فألفاكم غضابا فوسمتم غير إبلكم وأوردتم غير مشربكم، هذا والعهد قريب والكلم رحيب والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر.... عبارات رصينة تلحظ الانقلاب الذي جرى بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لم يأل جهدا في بيان حدود الشريعة ولم يسكت عن أمر الخلافة وأوضح للأمة ما يجب أن تتمسك به بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى - كما بينا - ولكن أبى البعض إلا أن يخالف أوامر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليدخل الأمة في نفق مظلم ومتاهات تتخبط فيها إلى يومنا هذا اللهم إلا من أنعم الله عليه بمعرفة أهل البت (ع) حق المعرفة. وما أن تحاول الخوض في غمار أحداث الانقلاب إلا ويظهر لك من تمسح بلباس الدين ليخرج من جيبه بطاقة الفتنة ويشهرها في وجهك، أو يخرج لك صنم عدالة الصحابة ، لكي تتوجه إليه تاركا المقاييس الإلهية الحقيقية التي تميز بها الحق عن الباطل.. وعندما يضطر أحدهم لمناقشة قضية الخلافة يطوي هذه الصفحة سريعا قائلا: إن المسلمين والصحابة اتفقوا على خلافة أبي بكر التي كانت بالشورى الإسلامية! أقول بإمكانكم اليوم الهروب من الحقيقة بسبب العاطفة اللامنطقية والتعصب الأعمى ولكن لا بد أن يكشف الغطاء هنالك في يوم المحشر وحينها ستقولون (يا ليتني كنت ترابا).

ص 154

ومع هذا يسخر الله من يسبر أغوار التاريخ ليخرج لنا الحقيقة، وستكون كتب القوم شاهدة على وهن ما يعتمدونه من تصويب كل ما فعله الصحابة المقدسون. وقبل مناقشة ما جرى في السقيفة من أحداث الشورى المزعومة يجدر بنا أن نتحدث عن أهم نظرية أسس عليها أهل السنة والجماعة قاعدتهم التي انطلقوا منها لأخذ معالم دينهم وهي نظرية عدالة الصحابة وبئس ما أسسوا (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله والله لا يهدي القوم الظالمين) (1). هذه النظرية التي تخالف منطق القرآن والعقل بل وتناقض صريح الأحاديث الشريفة الواردة في كتب التاريخ والسيرة جعلت الأمة تتيه وتتخبط وأحيانا تجمد وتقف حائلا بين الناس والحق، فهؤلاء الصحابة بأنفسهم يهدمون هذه النظرية من أساسها بأقوالهم وأفعالهم، أما ما وضع من فضائل مكذوبة لهم فلا يحتاج أمرها إلى ذكاء خارق لمعرفة ضعفها ووهنها سندا ومتنا وذلك لمخالفتها الواقع، ولو لم تكن إلا هذه النظرية لكفى بها تمييعا وتضعيفا لمعتقد أهل السنة والجماعة الذي لا يفرق بين المسلم والكافر ولا بين المؤمن والمنافق.

 

مع عدالة الصحابة

 

الصحابي عند أهل السنة والجماعة هو كل من لقي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤمنا به ولو ساعة من النهار ومات على الإسلام، وبالطبع لم يبق بمكة والطائف أحد سنة عشر إلا أسلم وشهد مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حجة الوداع. وإنه لم يبق في الأوس والخزرج أحد في آخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا ودخل في الإسلام، وألحق بهذا الكم الهائل من أمروا في الفتوح بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كل هؤلاء يدخلون تحت مصطلح الصحابي بمفهوم

(هامش)

(1) - سورة التوبة: آية / 109.

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

بنور فاطمة اهتديت

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب