(هامش)
(1) - مستدرك الحاكم ج 3 ص 107
ص 126
1 - حديث الغدير
في حديث طويل أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد جمع الناس
يوم غدير خم (موضع بين مكة والمدينة - الجحفة) وذلك بعد رجوعه من حجة الوداع وكان
يوما صائفا حتى أن الرجل ليضع رداءه تحت قدميه من شدة الحر، وجمع الرحال وصعد عليها
وقال مخاطبا معاشر المسلمين: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت
مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاده وانصر من نصره واخذل من خذله.
إن حديث الغدير من أوضح أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بيانا وأعمقها
دلالة وأقواها بلاغة ولقد أورده السيوطي في الدر المنثور في ذيل الآية (النبي أولى
بالمؤمنين من أنفسهم) لبيان أن ولاية علي (ع) التي قرنها النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) بولايته هي امتداد لها وكما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بالمؤمنين من
أنفسهم كذلك علي بن أبي طالب، مما يدل على أن النبي ما أراد الولاية بمعنى الحب
إنما أرادها بمعنى الإمامة لوجود القرينة المقالية فقد بدأ الحديث بولاية نفسه على
المؤمنين ثم قرنها بولاية علي فالولاية بمعنى الأولى من المؤمنين بأنفسهم. هذا
الحديث لا شبهة في صحته وهو من الأحاديث المتواترة التي لم يستطع علماء أهل السنة
والجماعة رده فبحثوا له عن تخريج ومعنى يتناسب مع ما تهواه أنفسهم فاضطروا إلى
تفسير الموالاة بمعنى الحب وهذا المعنى لا ينسجم ومفهوم الحديث القاضي بولايته
وإمامته على الناس بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وخلافته له بصورة واضحة
وجلية، ولا يمكن لشخص يملك عقلا سليما ووجدانا صحيحا أن يقنع بقول علماء أهل السنة
والجماعة، فهم كأنما يقولون أن الرسول (صلى الله وآله وسلم) ومعه هذه الأعداد
الهائلة من الحجاج والذين يبلغ عددهم ما يقارب المائة وعشرين ألف... أوقف من معه
وأرسل في طلب من سبقه ليأتي راجعا وانتظر من كان بعده يوقفهم في تلك الصحراء والشمس
تلفح الوجوه ليقول لهم
ص 127
أيها الناس أحبوا عليا فإنه ابن عمي وزوج ابنتي. أي أحمق هذا الذي يؤمن بهذا
القول والله إنها لضحالة في التفكير وسذاجة في استعمال أساليب المكر والخداع وخبث
ينم عن عداء حقيقي لعلي بن أبي طالب (ع). وقد تتبع صاحب موسوعة الغدير العلامة
الأميني رواة هذا الحديث من الصحابة فبلغ عددهم 110 صحابي فيهم أبو هريرة
وأسامة بن زيد وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله والزبير بن العوام وزيد بن الأرقم
وغيرهم (1) ومن التابعين بلغ عدد الرواة (84) ولم يترك حتى العلماء في القرون
الأولى وكذلك الشعراء (2). ولقد أورد الحديث أحمد بن حنبل في مسنده وأضاف فلقيه
عمر بعد ذلك فقال له: هنيئا يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة
(3). كما أورده الحاكم في مستدركه ج 3
ص 110
وقال عنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ولأهمية أمر الإمامة والولاية في
الرسالة وباعتبارها جزءا أساسيا لا تكتمل الرسالة بدونه جاء الأمر من الله تعالى
بتبليغ ذلك للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان حديث الغدير كما جاء في تفسير
الفخر الرازي في ذيل الآية (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل
فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) (سورة المائدة: آية / 67) قال: والعاشر - أي
من الوجوه التي قالها المفسرون في نزول الآية: نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب
(ع) ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده فقال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه
وعاد من عاداه فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي
ومولى كل مؤمن ومؤمنة وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي (4).
(هامش)
(1) - الغدير ج 1
ص 14. (2) - المصدر ج 1
ص 62. (3) - مسند أحمد بن حنبل ج 1
ص 281. (4) - التفسير الكبير للرازي ج 12
ص 49.
ص 128
وبهذا تتضح أهمية الولاية كجزء من الرسالة من دونها تفقد الرسالة أهميتها كما تنطق
الآية. ومما يؤكد قولنا اختصاص علي بالولاية دون غيره من الصحابة وذلك في قوله:
(إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم
راكعون) (سورة المائدة: آية / 55) يقول الرازي والطبري المقصود من الذين آمنوا أمير
المؤمنين علي (ع) كما أورده السيوطي في الدر المنثور وكذلك كنز العمال. والآية
ظاهرة في إمامته ومعنى الولي في هذه الآية لا بد أن يلائم الحصر في الله عز وجل وفي
رسوله وفي علي وظهور أداة: إنما في الحصر تشير إلى تفسير واحد لكلمة الولي وهو مالك
الأمر ونحوه مما يناسب الاختصاص.
2 - حديث المنزلة:
جاء في البخاري كتاب بدء
الخلق في باب غزوة تبوك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إلى تبوك
واستخلف عليا (ع) فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء، فقال: ألا ترضى أن تكون مني
بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (1). ولا يخفى على المتأمل الدلالة
الواضحة لخلافة علي (ع) والتي كخلافة هارون (ع) إلا أن النبوة ختمت بمحمد (صلى الله
عليه وآله وسلم) وقد ألمعنا في نقاشنا لقصص بني إسرائيل إلى وجه الشبه بين خلافة
هارون لموسى (ع) وكيف أضل السامري القوم، وبين خلافة علي (ع) التي انقلب عليها
المسلمون ووضعوا الأمر في غيره فتأمل.
3 - حديث الانذار
لما نزلت آية (وأنذر عشيرتك
الأقربين) على رسول الله (صلى الله عليه وآله
(هامش)
(1) - رواه مسلم أيضا في صحيحه كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل علي بن أبي طالب كما
أورده أحمد بن حنبل وغيرهم.
ص 129
وسلم) جمع بني عبد المطلب على طعام ثم قال: إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء
قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله تعالى
أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي ووارثي فلم يقم أحد.
قال علي: وقلت وإني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا: أنا يا
نبي الله أكون وزيرك عليه قال النبي: إجلس، قال ثم قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه
فيقول لي اجلس حتى كانت الثالثة فأخذ برقبتي ثم قال إن هذا أخي ووصيي وخليفتي
فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك
وتطيع (1). والحديث لا يحتاج مني إلى توضيح فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار.
4
- حديث الراية:
حاول أحدهم أن يثبت لي وهو يحاورني أفضلية الخلفاء الثلاثة على علي
(ع) قلت له: هناك حديث واحد كاف لبيان الفرق بين علي (ع) وأبي بكر وعمر، روى ابن
كثير في كتابه البداية والنهاية: بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر (رض)
إلى بعض حصون خيبر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد ثم بعث عمر (رض) فقاتل ثم رجع
ولم يكن فتح فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): لأعطين الراية غدا رجلا يحبه
الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه كرارا ليس بفرار، فدعا رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) عليا وهو يومئذ أرمد فتفل في عينيه ثم قال: خذ الراية
فامض بها حتى يفتح الله عليك (2). من خلال هذه الرواية نستشف من هو الأفضل وإلا
لماذا ميز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (ع) بهذه الصفات التي جاءت في
الحديث وهو من أوتي جوامع الكلم وفصاحة اللسان وبلاغة اللسان وبلاغة التعبير خصوصا
ما جاء في آخر الكلام ليس بفرار
(هامش)
(1) - تاريخ الطبري ج 2
ص 63
- 64. (2) - البداية والنهاية ج 4
ص 187.
ص 130
إشارة إلى فرار من سبقه من ساحة الوغى وقد استحى ابن كثير من ذكر ذلك فذكرها الطبري
في تاريخه بكل وضوح عندما قال: فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم) يجبنه أصحابه ويجبنهم. ولقد أورد الحديث البخاري في كتاب
الجهاد والسير باب ما قيل في لواء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وباب فضل من
أسلم على يديه رجل. كما جاء في صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير غزوة ذي قرد وفي كتاب
فضائل الصحابة باب فضائل علي. وأنا لا أريد أن أفضل أحدا على أحد دون دليل ولكني
أرى نفسي ملزما بتفضيل من فضله الله، ولقد جاء في سيرة ابن هشام: عندما نزلت سورة
براءة بعث بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر ثم أرسل عليا في أثره
فأخذها منه فلما رجع أبو بكر قال: هل نزل في شيء؟ قال: لا ولكني أمرت أن أبلغها أنا
أو رجل من أهل بيتي (1). ولأن الحديث عن فضائل علي ومكانته يطول سنورد ملخص ما
جاء به ابن حجر العسقلاني المعروف عند أهل السنة والجماعة في كتابه الإصابة في
تمييز الصحابة: مما أورده: * حديث الراية المتقدم. * حديث الانذار. * عندما نزلت
آية التطهير (إنما يريد الله أن.....) أخذ الرسول رداءه ووضعه على علي وفاطمة
والحسن والحسين وتلى الآية. * نومه في فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما
هاجر. * حديث المنزلة.
(هامش)
(1) - السيرة النبوية ابن هشام ج 4
ص 189
ومثله في المستدرك ج 3
ص 51
وتفسير الطبري.
ص 131
سد الأبواب إلا باب علي (ع) فيدخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق غيره. * قول
الرسول من كنت مولاه فعلي مولاه. * قول عمر لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو
حسن. * قول علي سلوني سلوني عن كتاب الله تعالى فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم
أنزلت بليل أو نهار. * قال معاوية لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسب أبا تراب
يعني عليا ، فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
لعلي لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم فلن أسبه سمعت رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا
نبوة بعدي وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله
ورسوله فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي عليا فأتاه الحديث ونزلت الآية (فقل تعالوا ندع
أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) فدعا رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) عليا وفاطمة والحسن والحسين فقال اللهم هؤلاء أهلي. * قول الرسول (صلى
الله عليه وآله وسلم) لعلي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. * قول الرسول
(صلى الله عليه وآله وسلم) ما تريدون من علي إن عليا مني وأنا من علي وهو ولي كل
مؤمن بعدي. * قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن تؤمروا عليا وما أراكم فاعلين
- أقول: صدق الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) - تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم
الطريق المستقيم (1).
(هامش)
(1) - الإصابة في تمييز الصحابة
ص 507
- 508.
ص 132
* مناظرة للمأمون العباسي في فضل علي (ع) (1). ولو أردنا التحدث عن مناقب وفضائل
أمير المؤمنين علي (ع) لاحتاج ذلك إلى مجلدات وما أوردناه فيه الكفاية لذي عينين
ونختم هذا المطلب بمناظرة الخليفة العباسي المأمون واحتجاجه على الفقهاء في زمانه
حول فضل علي (ع) بالرغم من أن المأمون وكل الخلفاء العباسيين كانوا ممن ينصبون
العداء لأهل البيت (ع) إلا أنهم في البداية عندما تسلموا زمام الأمور ولتوطيد أركان
حكمهم كانوا ينادون بالرضا من آل محمد وكانت ثورتهم على الأمويين تحت هذا الشعار
ولكن الملك عقيم.. ما إن استقر وضعهم حتى بدأوا في محاربة آل محمد (ع) وشيعتهم
وكانوا أعظم من بني أمية في عداوتهم لأهل البيت (ع)، جاء في العقد الفريد لابن عبد
ربه الأندلسي: بعث المأمون إلى يحيى بن أكثم قاضي القضاة وعدة من العلماء وأمره أن
يحضر معه مع الفجر أربعين رجلا كلهم فقيه يفقه ما يقال ويحسن الجواب، فأتموا العدد
وغدوا عليه قبل طلوع الفجر وبدأ معهم الحوار في مواضيع شتى ثم قال: إنني لم أبعث
إليكم لهذا ولكنني أحببت أن أنبئكم أن أمير المؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي
هو عليه ودينه الذي يدين الله به، قالوا: فليفعل أمير المؤمنين وفقه الله فقال
المأمون: إن أمير المؤمنين يدين الله على أن علي بن أبي طالب خير خلق الله بعد
رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأولى الناس بالخلافة، قال إسحاق (أحد الفقهاء)
قلت: يا أمير المؤمنين) إن فينا من لا يعرف ما ذكر أمير المؤمنين في علي وقد دعانا
أمير المؤمنين للمناظرة، فقال يا إسحاق: اختر إن شئت أن أسألك وإن شئت أن تسأل قال
إسحاق: فاغتنمتها منه، فقلت: بل أسألك يا أمير المؤمنين. قال: سل، قلت من أين قال
أمير المؤمنين إن علي بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله وأحقهم بالخلافة بعده؟
قال: يا إسحاق أخبرني عن الناس بم يتفاضلون حتى يقال فلان أفضل
(هامش)
(1) - العقد الفريد ابن عبد ربه الأندلسي ج 5
ص 92
- 101.
ص 133
من فلان؟ قلت: بالأعمال الصالحة، قال: صدقت. قال: فأخبرني عمن فضل صاحبه على عهد
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم إن المفضول عمل بعد وفاة الرسول بأفضل من
عمل الفاضل على عهد الرسول، أيلحق به؟ قال إسحاق: فأطرقت، فقال لي: يا إسحاق لا تقل
نعم فإنك إن قلت نعم أوجدتك في دهرنا هذا من هو أكثر منه جهادا وحجا وصياما وصلاة
وصدقة قلت: أجل يا أمير المؤمنين لا يلحق المفضول على عهد رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) الفاضل أبدا، قال. يا إسحاق فانظر ما رواه لك أصحابك ومن أخذت عنهم دينك
وجعلتهم قدوتك من فضائل علي بن أبي طالب فقس عليها ما أتوك به من فضائل أبي بكر
وعمر فإن وجدت لهما من الفضائل ما لعلي وحده فقل إنهما أفضل منه، لا والله ولكن قس
إلى فضائله فضائل أبي بكر وعمر وعثمان فإن وجدتها مثل فضائل علي فقل أنهم أفضل منه،
لا والله، ولكن قس إلى فضائله فضائل العشرة الذين شهد لهم رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) بالجنة فإن وجدتها تشاكل فضائله فقل إنهم أفضل منه، ثم قال: يا إسحاق أي
الأعمال كانت أفضل يوم بعث الله رسوله؟ قلت الإخلاص بالشهادة قال: أليس السبق إلى
الإسلام؟ قلت: نعم قال أقرأ ذلك في كتاب الله تعالى: (والسابقون السابقون أولئك
المقربون) إنما عنى من سبق إلى الإسلام، فهل علمت أحدا سبق عليا إلى الإسلام؟ قلت:
يا أمير المؤمنين، إن عليا أسلم وهو حديث السن لا يجوز عليه الحكم، وأبو بكر أسلم
وهو مستكمل يجوز عليه الحكم، قال: أخبرني أيهما أسلم قبل؟ ثم أناظرك من بعده في
الحداثة والكمال، قلت: علي أسلم قبل أبي بكر على هذه الشريطة فقال: نعم فأخبرني عن
إسلام علي حين أسلم لا يخلو من أن يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعاه
إلى الإسلام أو يكون إلهاما من الله، قال إسحاق: - فأطرقت فقال لي: يا إسحاق لا تقل
إلهاما فتقدمه على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن رسول الله لم يعرف
الإسلام حتى أتاه جبرئيل عن الله تعالى. قلت: أجل بل دعاه رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) قال: يا إسحاق، فهل يخلو
ص 134
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين دعاه إلى الإسلام من أن يكون دعاه بأمر
الله أو تكلف ذلك من نفسه؟ قال: فأطرقت. فقال: يا إسحاق لا تنسب رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم) إلى التكلف فإن الله يقول عن الرسول (وما أنا من المتكلفين)
قلت: أجل يا أمير المؤمنين، بل دعاه بأمر الله، فقال: فهل صفة الجبار جل ذكره أن
يكلف رسله دعاء من لا يجوز عليه حكم؟ قلت: أعوذ بالله! فقال: أفتراه في قياس قولك
يا إسحاق إن عليا أسلم صبيا لا يجوز عليه الحكم، وقد كلف رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) دعاء الصبيان إلى ما لا يطيقونه، فهو يدعوهم الساعة ويرتدون بعد ساعة
فلا يجب عليهم في ارتدادهم شيء ولا يجوز عليهم حكم الرسول (صلى الله عليه وآله
وسلم)؟ أترى هذا جائزا عندك أن تنسبه إلى الله عز وجل؟ قلت أعوذ بالله قال: يا
إسحاق فأراك إنما قصدت لفضيلة فضل بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا
على هذا الخلق أبانه بها منهم ليعرف مكانه وفضله ولو كان الله تبارك وتعالى أمره
بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا عليا؟ قلت: بلى قال: فهل بلغك أن الرسول (صلى الله
عليه وآله وسلم) دعا أحدا من الصبيان من أهله وقرابته، لئلا تقول إن عليا ابن عمه؟
قلت: لا أعلم، ولا أدري فعل أو لم يفعل. قال يا إسحاق، أرأيت ما لم تدره ولم تعلمه
هل تسأل عنه؟ قلت: لا. قال: فدع ما قد وضعه الله عنا وعنك. ثم قال: أي الأعمال كانت
أفضل بعد السبق إلى الإسلام؟ قلت: الجهاد في سبيل الله، قال: صدقت، فهل تجد لأحد من
أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما تجد لعلي في الجهاد؟ قلت: من أي وقت؟
قال: في أي الأوقات شئت؟ قلت: بدر قال: لا أريد غيرها، فهل تجد لأحد إلا دون ما تجد
لعلي يوم بدر، أخبرني كم قتلى بدر؟ قلت نيف وستون رجلا من المشركين. قال: فكم قتلى
علي وحده؟ قلت لا أدري. قال: ثلاثة وعشرون أو اثنان وعشرون والأربعون لسائر الناس.
قلت يا أمير المؤمنين، كان أبو بكر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في
عريشه، قال: ليصنع ماذا؟ قلت: يدبر، قال: ويحك! يدبر دون رسول الله أو معه شريكا أم
افتقارا
ص 135
من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى رأيه، قال: أي الثلاثة أحب إليك؟ قلت:
أعوذ بالله أن يدبر أبو بكر دون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أن يكون
معه شريكا أو أن يكون برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) افتقار إلى رأيه. قال:
فما الفضيلة بالعريش إذا كان الأمر كذلك؟ أليس من ضرب بسيفه بين يدي رسول الله أفضل
ممن هو جالس؟ قلت: يا أمير المؤمنين كل الجيش كان مجاهدا. قال: صدقت، كل مجاهد ولكن
الضارب بالسيف المحامي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الجالس أفضل من
الجالس، أما قرأت في كتاب الله (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر
والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على
القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما).
قلت: وكان أبو بكر وعمر مجاهدين قال: فهل كان لأبي بكر وعمر فضل على من لم يشهد ذلك
المشهد؟ قلت: نعم. قال: فكذلك سبق الباذل نفسه فضل أبي بكر وعمر. قلت: أجل قال: يا
إسحاق، هل تقرأ القرآن؟ قلت: نعم قال: إقرأ علي: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر
لم يكن شيئا مذكورا) فقرأت منها حتى بلغت (يشربون من كأس كان مزاجها كافورا) إلى
قوله: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) قال: على رسلك، فيمن أنزلت
هذه الآيات؟ قلت: في علي. قال: فهل بلغك أن عليا حين أطعم المسكين واليتيم والأسير
قال: إنما نطعمكم لوجه الله؟ قلت: أجل قال وسمعت الله وصف في كتابه أحدا بمثل ما
وصف به عليا؟ قلت: لا قال: صدقت، لأن الله جل ثناؤه عرف سيرته، يا إسحاق ألست تشهد
أن العشرة في الجنة؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين. قال: أرأيت لو أن رجلا قال: والله
ما أدري هذا الحديث صحيح أم لا، ولا أدري إن كان رسول الله قاله أم لم يقله، أكان
عندك كافرا، قلت: أعوذ بالله قال: أرأيت لو أنه قال ما أدري هذه السورة من كتاب
الله أم لا أكان كافرا؟ قلت: نعم. قال: يا إسحاق أرى بينهما فرقا. يا إسحاق أتروي
الحديث؟ قلت: نعم قال: فهل تعرف حديث الطير (1)؟ قلت: نعم قال: فحدثني به.
(هامش)
(1) - أهدي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طير مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب
خلقك إليك - فجاء علي فأكل معه أسد الغابة لابن الأثير ج 6
ص 601
، وأورده أحمد بن حنبل والحاكم.
ص 136
قال فحدثته الحديث. يا إسحاق، إني كنت أكلمك وأنا أظنك غير معاند للحق، فأما الآن
فقد بان لي عنادك، إنك توافق أن هذا الحديث صحيح قلت: نعم، رواه من لا يمكنني رده.
قال: أفرأيت أن من أيقن أن هذا الحديث صحيح، ثم زعم أن أن أحدا أفضل من علي، لا
يخلو من إحدى ثلاثة: من أن تكون دعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنده
مردودة عليه، أو أن يقول: إن الله عز وجل عرف الفاضل من خلقه وكان المفضول أحب
إليه، أو أن يقول: إن الله عز وجل لم يعرف الفاضل من المفضول، فأي الثلاثة أحب
إليك؟ فأطرقت. ثم قال: يا إسحاق لا تقل منها شيئا، فإنك إن قلت منها شيئا استتبتك،
وإن كان للحديث عندك تأويل غير هذه الثلاثة الأوجه فقله. قلت: لا أعلم، وإن لأبي
بكر فضلا. قال: أجل، لولا أن له فضلا لما قيل إن عليا أفضل منه، فما فضله الذي قصدت
إليه الساعة؟ قلت: قول الله عز وجل: (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا
تحزن إن الله معنا) فنسبه إلى صحبته، قال: يا إسحاق، أما إني لا أحملك على الوعر من
طريقك، إني وجدت الله تعالى نسب إلى صحبة من رضيه ورضي عنه كافرا، وهو قوله (فقال
له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) الآية.
قلت: إن ذلك صاحب كان كافرا، وأبو بكر مؤمن. قال: فإذا جاز أن ينسب إلى صحبة من
رضيه كافرا جاز أن ينسب إلى صحبة نبيه مؤمنا وليس بأفضل المؤمنين ولا الثاني ولا
الثالث، قلت: يا أمير المؤمنين إن قدر الآية عظيم، إن الله يقول: (ثاني اثنين إذ
هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) قال: يا إسحاق تأبى الآن إلا أن
أخرجك إلى الاستقصاء عليك، أخبرني عن حزن أبي بكر، أكان رضى أم سخطا؟ قلت: إن أبا
بكر إنما حزن من أجل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغما أن يصل إلى رسول
الله شيء من المكروه قال: ليس هذا جوابي، إنما كان جوابي أن تقول: رضى الله أم
سخطا؟ قلت: بل رضى لله. قال: فكأن الله جل ذكره بعث إلينا رسولا ينهى عن رضى الله
عز وجل وعن طاعته، قلت: أعوذ بالله. قال: أو ليس قد زعمت أن حزن أبي بكر رضى لله؟
قلت: بلى قال: أو لم تجد أن القرآن يشهد أن
ص 137
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: لا تحزن نهيا له عن الحزن، قلت:
أعوذ بالله. قال: يا إسحاق، إن مذهبي الرفق بك لعل الله يردك إلى الحق ويعدل بك عن
الباطل لكثرة ما تستعيذ به. وحدثني عن قول الله (فأنزل سكينته عليه) من عنى بذلك:
رسول الله أم أبا بكر؟ قلت: بل رسول الله قال: صدقت. قال فحدثني عن قول الله عز
وجل: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم) إلى قوله (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى
المؤمنين) أتعلم من المؤمنون الذين أراد الله في هذا الموضع؟ قلت: لا أدري يا أمير
المؤمنين. قال: الناس جميعا انهزموا يوم حنين فلم يبق مع رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) إلا سبعة نفر من بني هاشم: علي يضرب بسيفه بين يدي رسول الله، والعباس
آخذ بلجام بغلة رسول الله، والخمسة محدقون به خوفا من أن يناله من جراح القوم شيء،
حتى أعطى الله لرسوله الظفر فالمؤمنون في هذا الموضع علي خاصة ثم من حضره من بني
هاشم. قال: فمن أفضل: من كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك الوقت
وأنزل عليه السكينة، أم من انهزم عنه ولم يره الله موضعا لينزلها عليه؟ قلت: بل من
أنزلت عليه السكينة! قال: يا إسحاق، من أفضل، من كان معه في الغار أم من نام على
فراشه ووقاه بنفسه، حتى تم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أراد من
الهجرة؟ إن الله تبارك وتعالى أمر رسوله أن يأمر عليا بالنوم على فراشه وأن يقي
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه، فأمره رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم) بذلك. فبكى علي رضي الله عنه. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
ما يبكيك يا علي أجزعا من الموت؟ قال: لا، والذي بعثك بالحق يا رسول الله، ولكن
خوفا عليك، أفتسلم يا رسول الله؟ قال: نعم قال: سمعا وطاعة وطيبة نفس بالفداء لك يا
رسول الله. ثم أتى مضجعه واضطجع، وتسجى بثوبه. وجاء المشركون من قريش فحفوا به، لا
يشكون أنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أجمعوا أن يضربه من كل بطن من
بطون قريش رجل ضربة بالسيف لئلا يطلب الهاشميون من البطون بطنا بدمه. وعلي يسمع ما
القوم فيه من تلف النفس ولم يدعه ذلك إلى الجزع، كما
ص 138
جزع صاحبه في الغار، ولم يزل علي صابرا محتسبا. فبعث الله ملائكته فمنعته من مشركي
قريش حتى أصبح فلما أصبح قام، فنظر القوم إليه فقالوا: أين محمد؟ قال: وما علمي
بمحمد أين هو؟ قالوا: فلا نراك إلا كنت مغررا بنفسك منذ ليلتنا. فلم يزل علي أفضل،
ما بدأ به يزيد ولا ينقص حتى قبضه الله إليه. يا إسحاق هل تروي حديث الولاية؟ قلت:
نعم يا أمير المؤمنين. قال: أروه ففعلت. فقال: يا إسحاق، أرأيت هذا الحديث هل أوجب
لعلي أبي بكر وعمر ما لم يوجب لهما عليه؟ قلت: إن الناس ذكروا أن الحديث إنما كان
بسبب زيد بن حارثة لشيء جرى بينه وبين علي وأنكر ولاء علي، فقال رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم): من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه
قال: وفي أي موضع قال هذا؟ أليس بعد منصرفه من حجة الوداع؟ قلت: أجل قال: فإن زيد
بن حارثة استشهد قبل الغدير، كيف رضيت لنفسك بذلك؟ أخبرني لو رأيت أبنا لك قد أتت
عليه خمس عشرة سنة يقول: مولاي مولى ابن عمي أيها الناس، فاعلموا ذلك. أكنت منكرا
عليه تعريفه الناس ما لا ينكرون ولا يجهلون؟ فقلت: اللهم نعم. قال: يا إسحاق: أتنزه
ابنك عما لا تنزه عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويحكم! لا تجعلوا
فقهاءكم أربابا إن الله جل ذكره قال في كتابه: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من
دون الله) ولم يصلوا لهم ولا صاموا ولا زعموا أنهم أرباب، ولكن أمروهم فأطاعوا
أمرهم يا إسحاق أتروي حديث أنت مني بمنزلة هارون من موسى ؟ قلت: نعم يا أمير
المؤمنين، قد سمعته وسمعت من صححه ومن جحده. قال: فمن أوثق عندك من سمعت منه فصححه
أو من جحده؟ قلت: من صححه. قال: فهل يمكن أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
مزح بهذا القول؟ قلت: أعوذ بالله. قال: فقال قولا لا معنى له فلا يوقف عليه؟ قلت
أعوذ بالله. قال: أفما تعلم أن هارون كان أخا موسى لأبيه وأمه؟ قلت: بلى. قال فعلي
أخو رسول الله لأبيه وأمه؟ قلت: لا. قال: أوليس هارون كان نبيا وعلي غير نبي؟ قلت:
بلى. قال: فهذان الحالان معدومان من علي وقد كانا في هارون، فما معنى قوله أنت
مني بمنزلة
ص 139
هارون من موسى قلت له: إنما أراد أن يطيب بذلك نفس علي لما قال المنافقون إنه
خلفه استثقالا له. قال: فأراد أن يطيب نفسه بقول لا معنى له؟ قال فأطرقت قال: يا
إسحاق له معنى في كتاب الله بين. قلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: قوله عز وجل
حكاية عن موسى أنه قال لأخيه هارون: (اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)
قلت: يا أمير المؤمنين إن موسى خلف هارون في قومه وهو حي، وإن رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم) خلف عليا كذلك حين خرج إلى غزاته. قال: كلا ليس كما قلت. أخبرني عن
موسى حين خلف هارون، هل كان معه حين ذهب إلى ربه أحد من الصحابة أو أحد من بني
إسرائيل؟ قلت: لا. قال: أوليس استخلفه على جماعتهم قلت: نعم قال: فأخبرني عن رسول
الله حين خرج إلى غزاته، هل خلف إلا الضعفاء والنساء والصبيان؟ فأنى يكون مثل ذلك؟
وله عندي تأويل آخر من كتاب الله يدل على استخلافه عليا لا يقدر أحد أن يحاجج فيه.
قلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: قوله عز وجل حين حكى عن موسى قوله: (واجعل لي
وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا
إنك كنت بنا بصيرا) فأنت مني يا علي بمنزلة هارون من موسى، وزيري من أهلي، وأخي أشد
به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبح الله كثيرا ونذكره كثيرا أمر أن يدخل في هذا شيئا
غير هذا؟ ولم يكن ليبطل قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن يكون لا معنى له.
قال: فطال المجلس وارتفع النهار فقال يحيى بن أكثم القاضي: يا أمير المؤمنين قد
أوضحت الحق لمن أراد الله به الخير وأثبت ما لا يقدر أحد أن يدفعه.