روائع نهج البلاغة

الصفحة السابقة الصفحة التالية

روائع نهج البلاغة

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

 

ص 95

قول القائل وعتب العاتب. وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا!

الحق لا يبطله شيء

 من خطبة رائعة له خطب بها الناس ثاني يوم من بيعته بالمدينة، وهي في ما رده على الناس من قطائع (1) الخليفة الثالث، وفي المال الذي كان عثمان قد أعطاه من مال العامة:

أيها الناس، إنما أنا رجل منكم، لي ما لكم وعلي ما عليكم. ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال فإن الحق القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج به النساء وملك الإماء وفرق في البلدان لرددته. فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق (2) أيها الناس، ألا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فامتلكوا العقار وفجروا الأنهار وركبوا الخيل واتخذوا الوصائف المرققة، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا! ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله يرى أن الفضل له على سواه بصحبته، فإن الفضل غدا عند الله. فأنتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية ولا فضل فيه لأحد على أحد!

(هامش)

1 - ما أعاد للناس من الأراضي. 2 - من عجز عن تدبير أمره بالعدل فهو بالجور أشد عجزا. (*)

ص 96

أسفلكم أعلاكم

 من كلام له لما بويع بالمدينة: ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم صلى الله عليه وسلم (1). والذي بعثه بالحق لتغربلن غربلة ولتساطن سوط القدر (2) حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سابقون كانوا قد قصروا، وليقطرن سباقون كانوا قد سبقوا. والله ما كتمت وشمة (3) ولا كذبت كذبة! ألا وإن الخطايا خيل شمس (4) حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار! ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة. حق وباطل، ولكل أهل! هلك من ادعى وخاب من افترى ومن أبدى صفحته للحق هلك (5) وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره. فاستتروا في بيوتكم وأصلحوا ذات بينكم، والتوبة من ورائكم ولا يحمد حامد إلا ربه، ولا يلم لائم إلا نفسه!

(هامش)

1 - إن بلية العرب التي كانت محيطة بهم يوم بعث محمد هي بلية الفرقة والتباعد والعصبية وظلم القوي للضعيف والغني للفقير. فتلك الحالة التي هي مهلكة للأمم قد صاروا إليها بعد مقتل عثمان. 2 - لتغربلن: لتقطعن من. ساط، من السوط، وهو أن تجعل شيئين في القدر وتضربهما بيدك حتى يختلطا وينقلب أعلاهما أسفلهما وأسفلهما أعلاهما. 3 - الوشمة: الكلمة. 4 - شمس، جمع شموس، وهو الجامح الذي يمنع ظهره أن يركب. 5 - من أبدى صفحته للحق، أي: من كاشف الحق مخاصما له مصارحا له بالعداوة. (*)

ص 97

عفا الله عما سلف

 من خطبة له خطبها بعد مقتل عثمان في أول خلافته: أيها الناس، إن الدنيا تغر المؤمل لها والمخلد إليها (1)، ولا تنفس (2) بمن نافس فيها، وتغلب من غلب عليها. وأيم الله، ما كان قوم قط في غض نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها، لأن الله ليس (بظلام للعبيد). ولو أن الناس حين تنزل بهم النقم وتزول عنهم النعم، فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم ووله من قلوبهم، لرد عليهم كل شارد وأصلح لهم كل فاسد. وإني لأخشى عليكم أن تكونوا في فترة (3) وقد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة، كنتم فيها عندي غير محمودين، ولئن رد عليكم أمركم إنكم لسعداء. وما علي إلا الجهد، ولو أشاء أن أقول لقلت: عفا الله عما سلف! الرشوة من كتاب له إلى أمراء الأجناد لما استخلف: أما بعد، فإنما أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الناس الحق

(هامش)

1 - المخلد إليها: الراكن إليها. 2 - تنفس، مضارع نفس: تضن. ومعنى العبارة: إن الدنيا لا تضن بمن يباري غيره في اقتنائها وعدها من نفائسه، ولا تحرص عليه بل تهلكه. 3 - الفترة، هنا كناية عن الجهل والغرور. (*)

ص 98

فاشتروه (1) وأخذوهم بالباطل فاقتدوه (2) إن لم تستقيموا من كتاب له إلى أمرائه على الثغور: أما بعد، فإن حقا على الوالي أن لا يغيره على رعيته فضل ناله ولا طول خص به (3) وأن يزيده ما قسم الله له من نعمه دنوا من عباده وعطفا على إخوانه. ألا وإن لكم عندي أن لا أؤخر لكم حقا عن محله، وأن تكونوا عندي في الحق سواء. فإذا فعلت ذلك وجبت لله عليكم النعمة ولي عليكم الطاعة وأن لا تنكصوا عن دعوة (4) ولا تفرطوا في صلاح، وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق (5)، فإن أنتم لم تستقيموا على ذلك لم يكن أحد أهون علي ممن اعوج منكم، ثم أعظم له العقوبة ولا يجد عندي فيها رخصة!

(هامش)

1 - أي: حجبوا عن الناس حقهم فاضطر الناس لشراء الحق منم بالرشوة... 2 - أي كلفوهم بإتيان الباطل فأتوه، وصار الباطل قدوة يتبعها الأبناء بعد الآباء. 3 - الطول: عظيم الفضل. أي: من الواجب على الوالي إذا خص بفضل أن يزيده ذلك قربا من الناس إخوانه وعطفا عليهم، وليس من حقه أن يتغير. 4 - أي: أن لا تتأخروا إذا دعوتكم. 5 - الغمرات: الشدائد. (*)

ص 99

أنصفوا الناس من كتاب له إلى عما له على الخراج: أنصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم فإنكم خزان الرعية (1) ووكلاء الأمة. ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتملون عليها (2). ولا تضربن أحدا سوطا لمكان درهم، ولا تمسن مال أحد من الناس مصل ولا معاهد (3).

أأطلب النصر بالجور

 من كلام له لما عوتب على التسوية في العطاء: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور في من وليت عليه؟ والله ما أطور به ما سمر سمير وما أم نجم في السماء نجما (4). لو كان المال لي لسويت.

(هامش)

1 - المقصود هو أن الولاء يجب أن يخزنوا أموال الرعية في بيت المال لتنفق في مصالح الرعية وحاجاتها. 2 - يقول: لا تضطروا الناس لأن يبيعوا لأجل أداء الخراج شيئا من كسوتهم، ولا من الدواب اللازمة لأعمالهم في الزرع والحمل. 3 - المعاهد: غير المسلم من أهل الكتاب. يقول لا تلجأوا إلى السوط تحصيلا للمال. ولا تمسوا مال أحد من المسلمين أو أهل الكتاب بالمصادرة. 4 - ما أطور به: ما آمر به ولا أقاربه. وما سمر سمير، أي: مدى الدهر. (*)

ص 100

بينهم، فكيف وإنما المال مال الله! ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف.

 الناس متساوون في الحق

من كلام له كلم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا من ترك مشورتهما، والاستعانة في الأمور بهما لقد نقمتما يسيرا وأرجأتما كثيرا (1). ألا تخبراني أي شيء لكما فيه حق دفعتكما عنه؟ وأي قسم استأثرت عليكما به؟ أم أي حق رفعه ألي أحد من المسلمين ضعفت عنه أم جهلته أم أخطأت بابه؟! والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة (2). ولكنكم دعوتموني إليها، فلما أفضت إلي نظرت إلى كتاب الله، فلم أحتج في في ذلك إلى رأيكما ولا رأي غيركما، ولا وقع حكم جهلته فأستشيركما وإخواني المسلمين، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما. أما ما ذكرتما من أمر الأسوة (3)، فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي ولا وليته هوى مني، بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله (ص) قد فرغ منه فلم أحتج إليكما في ما قد فرغ الله من قسمه. أخذ الله بقلوبنا

(هامش)

1 - أي غضبتما ليسير، وأخرتما مما يرضيكما كثيرا لم تنظرا إليه. 2 - الإربة: الغرض، والطلبة. 3 - الأسوة، هنا: التسوية بين الناس في قسمة الأموال، وكان ذلك قد أغضب طلحة والزبير على ما روي. (*)

ص 101

وقلوبكم إلى الحق، وألهمنا وإياكم الصبر. ورحم الله امرأ رأى حقا فأعان عليه، أو رأى جورا فرده، وكان عونا بالحق على صاحبه! إلى أصحاب الجمل من كتاب له بعث به إلى طلحة والزبير وعائشة قبل موقعة الجمل: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى طلحة والزبير وعائشة، سلام عليكم. أما بعد، يا طلحة والزبير، فقد علمتما أني لم أرد البيعة حتى أكرهت عليها، وأنتما ممن رضي بيعتي. فإن كنتما بايعتما طائعين فتوبا إلى الله وارجعا عما أنتما عليه. وإن كنتما بايعتما مكرهين فقد جعلتما لي السبيل عليكما، بإظهاركما الطاعة وكتمانكما المعصية. وأنت يا طلحة، شيخ المهاجرين، وأنت يا زبير، فارس قريش، دفعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه قبل إقراركما. وأنت يا عائشة، فإنك خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله تطلبين أمرا كان عنك موضوعا، وتزعمين أنك تريدين الإصلاح بين الناس! فخبريني ما للنساء وقود الجيوش، والبروز للرجال! وطلبت، على زعمك، دم عثمان، وعثمان من بني أمية وأنت من تيم. ثم أنت بالأمس تقولين في ملأ من أصحاب رسول الله: (اقتلوا نعثلا، قتله الله فقد كفر!) ثم تطالبين اليوم بدمه! فاتقي الله وارجعي إلى بيتك، واسبلي عليك سترك والسلام

ص 102

أخرج من حجرك من كتاب له إلى أبي موسى الأشعري، وهو عامله على الكوفة، وقد بلغه عنه تثبيطه الناس على الخروج إليه لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. أما بعد، فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك. فإذا قدم رسولي عليك فارفع ذيلك واشدد مئزرك واخرج من جحرك وأندب من معك (1). إعقل عقلك (2) واملك امرك وخذ نصيبك وحظك. فإن كرهت فتنح إلى غير رحب ولا في نجاة! والله إنه لحق مع محق، وما أبالي ما صنع الملحدون!

 قيام الحجة

من كلام له كلم به بعض العرب - واسمه كليب الجرمي - وقد أرسله قوم من اهل البصرة ليعلم لهم من الامام حقيقة حاله مع

 *(الهامش)*

 1 - رفع الذيل وشد المئزر: كناية عن التشمير للجهاد. الجحر، هنا: كناية عن المقر. اندب: أدع. 2 - قيده بالعزيمة ولا تدعه يذهب مذاهب التردد. (*)

ص 103

أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم. فبين له الإمام من أمره معهم ما علم به أنه على الحق، ثم قال له: بايع! فقال الرجل: إني رسول قوم ولا أحدث حدثا حتى أرجع إليهم. فقال الإمام هذا القول الرائع: أرأيت لو أن الذين وراءك بعثوك رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث فرجعت إليهم وأخبرتهم عن الكلإ والماء فخالفوا إلى المعاطش والمجادب (2) ما كنت صانعا؟ قال الرجل: كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلإ والماء فقال الإمام: فامدد إذا يدك! فقال الرجل: فوالله ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجة علي، فبايعته عليه السلام! وقيل للإمام ذات مرة: بأي شيء غلبت الأقران؟ فأجاب: ما لقيت رجلا إلا أعانني على نفسه!

 أراد أن يغالط

 من كلامه الزاخر بالمنطق في طلحة وموقفه من قضية عثمان، قبل مقتله وبعده: قد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب. والله ما استعجل

(هامش)

1 - مساقط الغيث: المواضع التي يسقط فيها المطر فتخضر وتزدهر. 2 - المعاطش، جمع معطش، وهو: مكان العطش، أي الذي لا ماء فيه. والمجادب، جمع مجدب، وهو مكان الجدب، أي القحط والمحل. (*)

ص 104

متجردا (1) للطلب بدم عثمان إلا خوفا من أن يطالب بدمه لأنه مظنته، ولم يكن في القوم أحرص عليه منه (2) فأراد أن يغالط بما أجلب ليلبس الأمر (3) ويقع الشك! ووالله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث: لئن كان ابن عفان ظالما، كما كان يزعم، لقد كان ينبغي له أن يؤازر قاتليه أو أن ينابذ ناصريه. ولئن كان مظلوما لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه (4) والمعذرين فيه (5). ولئن كان في شك من الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله ويركد جانبا (6) ويدع الناس معه فما فعل واحدة من الثلاث، وجاء بأمر لم يعرف بابه ولم تسلم معاذيره! وإني لصاحبهم * * *

 قال عبد الله بن العباس: دخلت على أمير المؤمنين (ع) بذي قار (1) وهو يخصف نعله (2) فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟ فقلت: لا قيمة لها. فقال عليه السلام: والله

(هامش)

1 - كأنه سيف تجرد من غمده. 2 - أحرص عليه أي على دم عثمان، بمعنى سفكه. 3 - يلبس الأمر: يجعله ملبسا، أي مشتبها. 4 - نهنهه عن الأمر: كفه وزجره عن إتيانه. 5 - المعذرين فيه: المعتذرين عنه في ما نقم منه. 6 - يسكن في جانب عن القاتلين والناصرين. 7 - بلد بين واسط والكوفة، وهو قريب من البصرة. 8 - يخرزها. (*)

ص 105

لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا. ثم خرج فخطب الناس فقال (وذلك عند خروجه لقتال أهل البصرة في وقعة الجمل): ما ضعفت ولا جبنت، وإن مسيري هذا لمثلها (1)، فلأنقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه (2). ما لي ولقريش! والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين، وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم!

 إلام أجيب؟

 من كلام له في أصحاب الجمل: ألا وإن الشيطان قد ذمر حزبه واستجلب جلبه (3) ليعود الجور

(هامش)

1 - ضمير (لمثلها) يعود إلى المعارك التي خاضها الإمام ضد قريش في حروب الإسلام ضد المشركين، وقد أشار إليها في كلام سابق لهذا الكلام. والمعنى: أنه يسير اليوم الجهاد في سبيل الحق كما سار قديما. 2 - الباطل يبادر البصيرة فيشغلها عن الحق ويقوم حجابا مانعا لها عنه، فكأنه شيء اشتمل على الحق فستره. والكلام تمثيل رائع لحال الباطل مع الحق، وحال الإمام في كشف الباطل وإظهار الحق. 3 - ذمر: حث. الجلب: ما يجلب من بلد إلى بلد. (*)

ص 106

إلى أوطانه ويرجع الباطل إلى نصابه (1)! والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا (2). وإنهم ليطلبون حقا هم تركوه ودما هم سفكوه. فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم لنصيبهم فيه، ولئن كانوا ولوه دوني فما التبعة إلا عندهم، وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم! يا خيبة الداعي! من دعا؟ وإلام أجيب؟ (3) وإني لراض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم، فإن أبوا أعطيتهم حد السيف وكفى به شافيا من الباطل وناصرا للحق! ومن العجب بعثهم إلي أن أبرز للطعان وأن أصبر للجلاد! هبلتهم الهبول (4) لقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب، وأني على يقين من ربي وغير شبهة من ديني.

(هامش)

1 - النصاب: الأصل، أو المنبت وأول كل شيء. وفي كلامه هذا إشارة صريحة إلى رغبة من يعنيهم في إعادة الأثرة والظلم واقتناص المغانم إلى إدارة الدولة كما كانت في عهد بطانة الخليفة الثالث، ولا يتأتى لهم ذلك إلا بتأليب الناس على الخليفة الجديد، وهو الإمام، الذي لا يطمعون في أيامه بأن يعود إليهم ما ألفوه في السابق من حرية التصرف بأموال الدولة وأحوال الناس. 2 - النصف: العدل، أي: لم يحكموا العدل بيني وبينهم. 3 - من: استفهامية. وما (في إلام) استفهامية أيضا وقد حذفت منها الألف لدخول (إلى) عليها. ويقصد بالداعي أحد قادة خصومه في موقعة الجمل إذ دعا الإمام إلى أن يبرز للطعان وكأنه يهدده بالحرب ونتائجها. وقوله (من دعا؟) استفهام عن الداعي ودعوته، استهانة بهما. 4 - هبلتهم: ثكلتهم. والهبول: المرأة التي لا يبقى لها ولد. وهو دعاء عليهم بالهلاك لعدم معرفتهم بأقدار أنفسهم... أبالحرب يهدد ابن أبي طالب؟! (*)

ص 107

في لجة بحر

 من كلام له في ذم أهل البصرة بعد موقعة الجمل: كنتم جند المرأة وأتباع البهيمة (1): رغا فأجبتم، وعقر فهربتم. أخلاقكم دقاق وعهدكم شقاق ودينكم نفاق وماؤكم زعاق (2)، والمقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه، والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه. وأيم الله لتغرقن بلدتكم حتى كأني أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ طير في لجة بحر (3)

 قتلوهم صبرا وغدرا

من خطبة له في ذكر أصحاب الجمل: فخرجوا يجرون حرمة رسول الله (4) صلى الله عليه وآله، متوجهين بها إلى البصرة: فحبسوا نساءهم في بيوتهم وأبرزوا حبيس رسول الله (ص) لهم ولغيرهم في جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة طائعا غير مكره، فقدموا على عاملي بها وخزان بيت مال المسلمين وغيرهم من أهل: فقتلوا طائفة صبرا (5) وطائفة غدرا! فوالله لو لم يصيبوا من

(هامش)

1 - يريد الجمل. 2 - دقة الأخلاق: دنائتها. زعاق، مالح. 3 - الجؤجؤ: الصدر. 4 - حرمة رسول الله كناية عن زوجته، وأراد بها السيدة عائشة. 5 - القتل صبرا: أن تحبس الشخص ثم ترميه حتى يموت. (*)

ص 108

المسلمين إلا رجلا واحدا معتمدين لقتله بلا جرم جره، لحل لي قتل ذلك الجيش كله!

 الذين قاتلوني

من كلام له في معنى وقعة الجمل: بليت في حرب الجمل بأشد الخلق شجاعة. وأكثر الخلق ثروة وبذلا، وأعظم الخلق في الخلق طاعة، وأوفى الخلق كيدا وتكثرا: بليت بالزبير لم يرد وجهه قط. وبيعلى بن منية يحمل المال على الإبل الكثيرة ويعطي كل رجل ثلاثين دينارا وفرسا على أن يقاتلني. وبعائشة ما قالت قط بيدها هكذا إلا واتبعها الناس. وبطلحة لا يدرك غوره ولا يطال مكره!

 بكم ذوو كلام

 من خطبة له في تقريع أصحابه بالكوفة: ولئن أمهل الظالم فلن يفوت أخذه وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه. أما والذي نفسي بيده ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم أولى بالحق منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم وإبطائكم عن حقي. ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي: استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سرا وجهرا فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا. أشهود كغياب (1)

(هامش)

1 - شهود، جمع شاهد وهو الحاضر. (*)

ص 109

وعبيد كأرباب؟! أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها، وأعظكم بالموعظة فتتفرقون عنها، وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتى على آخر القول حتى أراكم متفرقين أيادي سبا ترجعون إلى مجالسكم وتتخادعون عن مواعظكم. أيها الشاهدة أبدانهم الغائبة عقولهم المختلفة أهواؤهم المبتلى بهم أمراؤهم، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه! لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم. يا أهل الكوفة، منيت منكم بثلاث واثنتين: صم ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، وعمي ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء ولا ولا إخوان نقة عند البلاء! لا تنتقم من عدو من كتاب له إلى عبد الله بن عباس عامله على البصرة، وكان عباس قد اشتد على بني تميم لأنهم كانوا مع طلحة والزبير يوم الجمل، فأقصى كثيرا منهم، فعظم ذلك على الإمام علي الذي يأبى قلبه الكبير الانتقام، فكتب إلى عباس يردعه ويؤنبه ويقرر حقيقة نتجاهلها اليوم... وهي أن رأس الدولة مسؤول هو أيضا عن أعمال موظفيه الذين ولاهم أمور الناس... قال: حادث أهلها بالإحسان إليهم واحلل عقدة الخوف عقدة الخوف عن قلوبهم!

ص 110

وقد بلغني تنمرك لبني تميم (1) وغلظتك عليهم، فأربع (2) أبا العباس، رحمك الله، في ما جرى على لسانك ويدك من خير وشر، فإنا شريكان في ذلك، وكن عند صالح ظني بك، ولا يفيلن (3) رأيي فيك!

 النساء

 من خطبة له بعد حرب الجمل في ذم النساء: فاتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر. ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر!

 أرباب سوء

 من خطبة في التحذير من بني أمية: ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة. وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي كالناب

(هامش)

1 - تنمرك: تنكر أخلاقك. 2 - أربع: أرفق وقف عند حد ما تعرف. يريد الإمام أمره بالتثبت في جميع ما يعتمده فعلا وقولا من خير وشر وإلا يعجل به لأنه شريكه به، فإنه عامله ونائب عنه. 3 - قال رأيه: ضعف. (*)

ص 111

الضروس (1) تعذم بغيها وتخبط بيدها وتزبن برجلها (2) وتمنع درها، لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم. ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربه والصاحب من مستصحبه (3) ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية (4) وقطعا جاهلية!

 لا مدر ولا وبر

 من كلام له في بني أمية: والله لا يزالون حتى لا يدعوا لله محرما إلا استحلوه، ولا عقدا إلا حلوه، وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله ظلمهم (5) وحتى يقوم الباكيان يبكيان: باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه، وحتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيده، إذا شهد أطاعه، وإذا غاب اغتابه!

(هامش)

1 - الناب: الناقة المسنة. الضروس: السيئة الخلق تعض حالبها 2 - تعذم: تأكل بخفاء وتعض. تزبن: تضرب. 3 - التابع من متبوعه، أي: انتصار الأذلاء، وما هو بانتصار. 4 - شوهاء: قبيحة المنظر. مخشية: مرعبة. 5 - بيوت المدر: المبنية من طين. وبيوت الوبر: الخيام. (*)

ص 112

رحب البلعوم

 من كلام له لأصحابه: أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم مندحق البطن (1) يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد! ألا وإنه سيأمركم بسببي والبراءة مني. أما السب فسبوني، فإنه لي زكاة ولكم نجاة. وأما البراءة فلا تتبرأوا مني، فإني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة! نهم الأثرياء من كتاب له إلى معاوية، وفيه نظرة الإمام الصائبة إلى أصحاب الثراء الذين لا يزيدهم المال إلا نهما وحرصا على الاستزادة منه: أما بعد، فإن الدنيا مشغلة عن غيرها، ولم يصب صاحبها منها شيئا إلا فتحت له حرصا عليها ولهجا بها (2). ولن يستغني صاحبها بما نال فيها عما لم يبلغه منها. ومن وراء ذلك فراق ما جمع ونقض ما أبرم. ولو اعتبرت بما مضى حفظت ما بقي، والسلام.

(هامش)

1 - مندحق البطن: عظيم البطن بارزه كأنه لعظمه مندلق من بدنه يكاد يبين عنه. والواضح أن المقصود بهذا الكلام هو معاوية. 2 - لهجا: ولوعا وشدة حرص. (*)

ص 113

مع الحق كتب معاوية إلى الإمام علي يطلب إليه أن يترك له الشام، فكتب إليه الإمام جوابا جاء فيه: فأما طلبك إلي الشام، فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس وأما قولك (إن الحرب قد أكللت العرب إلا حشاشات أنفس بقيت) ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة، ومن أكله الباطل فإلى النار. وأما استواؤنا في الحرب والرجال فلست بأمضى على الشك مني على اليقين! ناقل التمر إلى هجر من كتاب له إلى معاوية أيضا جوابا: أما بعد، فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله محمدا صلى الله عليه لدينه، وتأييده إياه بمن أيده من أصحابه، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله عندنا ونعمته علينا في نبينا، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر أو داعي مسدده إلى النضال (1)

(هامش)

1 - هجر: مدينة في البحرين كثيرة النخيل. المسدد: معلم رمي السهام. النضال: المراماة. يقول: كنت في ذلك كمن ينقل التمر إلى مصدره ويدعو معلمه في الرمي إلى المناضلة، وهما مثلان لناقل الشيء إلى معدنه والمتعالم على معلمه. (*)

ص 114

ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان، فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه (1) فأينا كان أعدى له وأهدى إلى مقاتله (2)، أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفه (3)؟ أم من استنصره فتراخى عنه وبث المنون إليه (4) حتى أتى قدره عليه؟ وما كنت لأعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثا (5)، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له، فرب ملوم لا ذنب له. اتق الله من كتاب له إلى معاوية أيضا: فاتق الله ما لديك، وانظر في حقه عليك، وارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته. وإن نفسك قد أولجتك شرا وأقحمتك غيا (6) وأوردتك المهالك وأوعرت عليك المسالك.

(هامش)

1 - أي لقرابتك منه يصح الجدال معك في أمره. 2 - أعدى: أشد عدوانا. المقاتل: وجوه القتل. 3 - استقعده واستكفه: طلب إليه أن يقعد عن نصرته وأن يكف عن مساعدته. والذي بذل النصرة هو الإمام. والذي استقعد الإمام واستكفه هو عثمان. 4 - المعنى هو أن عثمان استنصر بعشيرته من بني أمية كمعاوية، فخذلوه وخلوا بينه وبين الموت فكأنهم أفضوا بالموت إليه. 5 - نقم عليه: عاب عليه. الأحداث: جمع حدث، وهو هنا البدعة. 6 - أولجتك: أدخلتك. أقحمتك غيا: رمت بك في الضلال. (*)

ص 115

أرديت جيلا من الناس من كتاب له إلى معاوية أيضا: وأردت جيلا من الناس كثيرا: خدعتهم بغيك وألقيتهم في موج بحرك تغشاهم الظلمات وتتلاطم بهم الشبهات فجازوا عن وجهتهم (1) ونكصوا على أعقابهم (2) وتولوا على أدبارهم وعولوا على أحسابهم إلا من فاء من أهل البصائر (3). خدعة الصبي ومن كتاب له إلى معاوية جوابا: وذكرت أني قتلت طلحة والزبير وشردت بعائشة ونزلت المصرين (4) وذلك أمر غبت عنه فلا عليك، ولا العذر فيه إليك. وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل في ما دخل فيه الناس (5) ثم حاكم

(هامش)

1 - جازوا عن وجهتهم: بعدوا عن جهة قصدهم، أي كانوا يقصدون حقا فمالوا إلى باطل. 2 - نكصوا: رجعوا. 3 - علوا: اعتمدوا. أي: اعتمدوا على شرف قبائلهم فتعصبوا تعصب الجاهلية ونبذوا نصرة الحق. فاء: رجع (إلى الحق) 4 - شرد به: طرده وفرق أمره. المصران: الكوفة والبصرة. 5 - ما دخل فيه الناس هو: البيعة. (*)

ص 116

القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله تعالى. وأما تلك التي تريد (1) فإنها خدعة الصبي عن اللبن (2). سبحان الله يا معاوية من كتاب له إلى معاوية أيضا: فسبحان الله! ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة، مع تضييع الحقائق. فأما إكثارك الحجاج في عثمان وقتلته (3، فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك وخذلته حيث كان النصر له (4) والسلام؟

 يغدر ويفجر

 من كلام له في مسلكه ومسلك معاوية: والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر. ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس!

(هامش)

1 - تلك التي تريد: ولاية الشام. وكان الإمام يأبى أن يبقى معاوية في هذه الولاية. 2 - خدعة يصرف بها الصبي أول فطامه عن اللبن. والمقصود هنا: ما تصرف به عدوك عن قصدك به في الحروب وما إليها من أحوال الخصومة. 3 - الحجاج: الجدال. 4 - نصرت عثمان بعد مقتله... حيث كان في الانتصار له فائدة لك تتخذه ذريعة لجمع الناس إلى أغراضك. أما وهو حي، وكان انتصارك له يفيده، فقد خذلته وأبطأت عنه. (*)

ص 117

ثمن البيعة

من خطبة له: ولم يبايع حتى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمنا (1)! فلا ظفرت يد البائع، وخزيت أمانة المبتاع. فخذوا للحرب أهبتها وأعدوا لها عدتها! آكلة الرشا وقد ورد مثل المعنى السابق أيضا في كتاب بعث به الإمام إلى جماعة من أصحابه. قال: إنما تقاتلون أكلة الرشا وعبيد الدنيا والبدع والأحداث. لقد نمي إلي أن ابن الباغية (2) لم يبايع معاوية حتى شرط عليه أن يأتيه أتاوة هي أعظم مما في يديه من سلطان، فصفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا، وتربت يد هذا المشتري نصرة غادر فاسق بأموال الناس!

(هامش)

1 - ضمير (يبايع) يعود إلى عمرو بن العاص، فإنه شرط على معاوية أن يوليه مصر لو تم له الأمر. وهذا ما كان بعد ذلك. 2 - المقصود هو عمرو بن العاص. (*)

ص 118

أذهبت دنياك وآخرتك من كتاب له إلى عمرو بن العاص يوم لحق بمعاوية: فإنك قد جعلت دينك تبعا لدنيا امرئ ظاهر غيه مهتوك ستره يشين الكريم بمجلسه ويسفه الحليم بخلطته، فاتبعت أثره وطلبت فضله اتباع الكلب للضرغام (1): يلوذ إلى مخالبه وينتظر ما يلقي إليه من فضل فريسته، فأذهبت دنياك وآخرتك! ولو بالحق أخذت أدركت ما طلبت. فإن يمكني منك ومن أبي سفيان أجزكما بما قدمتما. لأشدن عليك من كتاب له إلى زياد بن أبيه وهو على البصرة: وإني أقسم بالله قسما صادقا لئن بلغني أنك خنت من فيء المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا (2) لأشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر (3) ثقيل الظهر ضئيل الأمر، والسلام.

(هامش)

1 - الضرغام: الأسد. 2 - الفيئ: المال من غنيمة أو خراج. 3 - لأشدن عليك شدة: لأحملن عليك حملة. الوفر المال. (*)

ص 119

متمرغ في النعيم ومن كتاب له إلى زياد بن أبيه أيضا: أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبرين؟ وتطمع، وأنت متمرغ في النعيم تمنعه الضعيف والأرملة، أن يوجب لك ثواب المتصدقين؟ وإنما المرء مجزي بما أسلف (1) وقادم على ما قدم. إحذر معاوية من كتاب له إلى زياد بن أبيه أيضا وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه: وقد عرفت أن معاوية كتب إليك يستزل لبك ويستفل غربك (2) فاحذره، فإنما هو الشيطان يأتي المؤمن من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ليقتحم عليه غفلته ويستلب غرته (3).

(هامش)

1 - أسلف: قدم في سالف أيامه. 2 - يستزل: يطلب به الزلل، وهو الخطأ. الغرب: الحدة والنشاط. يستفل غربك: يطلب ثلم حدتك. 3 - يقتحم غفلته: يدخل غفلته بغتة فيأخذه فيها. وتشبيه الغفلة بالبيت يسكن فيه الغافل، من روائع التشببه. الغرة خلو العقل من ضروب الحيل، والمراد منها العقل الغر والساذج. (*)

ص 120

الناس عندنا أسوة من كتاب له إلى سهل بن حنيف الأنصاري، وهو عامله على المدينة في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية: أما بعد، فقد بلغني أن رجالا ممن قبلك 1) يتسللون إلى معاوية فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ويذهب عنك من مددهم، فكفى لهم غيا ولك منهم شافيا (2). وقد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه، وعلموا أن الناس عندنا أسوة فهربوا إلى الأثرة (3) فبعدا لهم وسحقا (4) إنهم والله لم ينفروا من جور ولم يلحقوا بعدل!

 يا أشباه الرجال

 من خطبة له بعد أن غزا سفيان بن عوف من بني غامد، بلدة الأنبار على الشاطئ الشرقي للفرات. وقد بعثه معاوية لشن الغارات على أطراف العراق تهويلا على أهله.

(هامش)

1 - قبلك: عندك. 2 - يتسللون: يذهبون واحدا بعد واحد. غيا: ضلالا. يقول: فرارهم كاف في الدلالة على ضلالهم. والضلال داء شديد في بنية الجماعة، وقد كان فرار هؤلاء الضالين شفاء للجماعة من هذا الداء. 3 - الأثرة: اختصاص النفس بالمنفعة وتفضيلها على غيرها بالفائدة 4 - السحق، بضم السين: البعد البعيد. (*)

ص 121

وهذا أخو غامد وقد وردت خيله الأنبار وقد قتل حسان بن حسان البكري وأزال خيلكم عن مسالحها (1). وقتل منكم رجالا صالحين. ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة (2) فينتزغ حجلها (3) وقلبها (4) وقلائدها ورعاثها (5) ما تمنع منه إلا بالاسترجاع (6) والاسترحام ثم انصرفوا وافرين (7) ما نال رجلا منهم كلم ولا أريق لهم دم. فلو أن امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما بل كان به جديرا. فيا عجبا، والله، يميت القلب ويجلب الهم اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، فقبحا لكم وترحا (8) حين صرتم غرضا يرمى: يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون! فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الصيف قلتم: هذه حمارة القيظ (9) أمهلنا يسبخ عنا الحر (10)! وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم هذه صبارة القر (11) أمهلنا

(هامش)

1 - جمع مسلحة، وهي: الثغر والمرقب حيث يخشى طرق الأعداء. 2 - المعاهدة: الذمية، أي الداخلة في ذمة المسلمين وفي حمايتهم. وأهل الذمة هم أهل الكتاب من غير المسلمين. 3 - الحجل: الخلخال. 4 - القلب، بالضم، كقفل: السوار. 5 - الرعاث جمع رعثة: القرط. 6 - الاسترجاع: ترديد الصوت بالبكاء. 7 - وافرين: تامين على كثرتهم لم ينقص عددهم. 8 - ترحا: هما وحزنا. 9 - حمارة القيظ، بتشديد الراء: شدة الحر. 10 - يسبخ: يخفف ويسكن. 11 - صبارة الشتاء، بتشديد الراء، شدة برده. والقر: البرد، وفي كتب فقه اللغة أن (القر) هو برد الشتاء خاصة، أما (البرد) فعام فيه وفي بقية الفصول. (*)

ص 122

ينسلخ عنا البرد! كل هذا فرارا من الحر والقر، فأنتم والله من السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال! حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال (1) لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم! معرفة والله جرت ندما وأعقبت سدما (2)! قاتلكم الله! لقد شحنتم صدري غيظا وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: إن ابن طالب أبي رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب! لله أبوهم! وهل أحد منهم أشد لها مراسا وأقدم فيها مقاما مني؟! لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين (3) ولكن لا رأي لمن لا يطاع!!

 لو ضربته بسيفي

من كلام له: لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني. ولو صببت الدنيا بجماتها (4) على المنافق على أن يحبني ما أحبني!

(هامش)

1 - ربات الحجال: النساء. 2 - السدم: الهم مع الأسف والغيظ. 3 - ذرفت على الستين: زدت عليها. 4 - جمات، جمع جمة، بفتح الجيم، وهي من السفينة مجتمع الماء المترشح من ألواحها، أي: لو كفأت عليه الدنيا بجليلها وحقيرها. (*)

ص 123

أقولا بغير علم...!?

 من خطبة له في تأنيب المتخاذلين من أصحابه: أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصم الصلاب وفعلكم يطمع فيكم الأعراء (1)! ما عزت دعوة من دعاكم ولا استراح قلب من قاساكم! أي دار بعد داركم تمنعون؟ ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فقد فاز بالسهم الأخيب! أصبحت والله لا أصدق قولكم ولا أطمع في نصركم ولا أوعد العدو بكم! ما بالكم؟ ما دواؤكم؟ ما طبكم؟ القوم رجال أمثالكم! أقولا بغير علم؟ وغفلة من غير ورع؟ وطمعا في غير حق؟!

 لا أصلحكم بإفساد نفسي

 ومن كلام له في تأنيب المتخاذلين من أصحابه أيضا: كم أداريكم كما تدارى الثياب المتداعية كلما حيصت من جانب

(هامش)

1 - الصم، جمع أصم، وهو من الحجارة الصلب. والصلاب: الشديدة، أي تقولون من الكلام ما يفلق الحجر بشدته وقوته، ثم يكون فعلكم من الضعف والاختلال بحيث يطمع فيكم العدو. (*)

ص 124

تهتكت من آخر (1)! أكلما أطل عليكم منسر من مناسر (2) أهل الشام أغلق كل رجل منكم بابه، وانجحر انجحار الضبة في جحرها والضبع في وجارها (3)؟! الذليل والله من نصرتموه! وإنكم والله لكثير في الباحات قليل تحت الرايات، وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم (4) ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي!

 الرأي مع الأناة

من كلام له وقد أشار عليه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جريرا بن عبد الله البجلي إلى معاوية: إن استعدادي لحرب أهل الشام وجرير عندهم إغلاق للشام، وصرف لأهله عن خير إن أرادوه. والرأي عندي مع الأناة. ولقد ضربت أنف هذا الأمر وعينه (5) وقلبت ظهره وبطنه، فلم أر

(هامش)

1 - المتداعية: الخلقة التمخرقة. ومداراتها: استعمالها بالرفق التام. 2 - المنسر: القطعة من الجيش تمر أمام الجيش الكثير. 3 - انجحر: دخل الجحر أو الوجار 4 - أودكم: إعوجاجكم. 5 - مثل تقوله العرب في الاستقصاء في البحث والتأمل. (*)

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

روائع نهج البلاغة

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب