شفاء السقام في زيارة خير الأنام - ص -

الصفحة السابقة الصفحة التالية

شفاء السقام في زيارة خير الأنام - ص -

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 1

بسم الله الرحمن الرحيم

ص 5

المؤلف 1 - قالوا فيه. 2 - مشايخه. 3 - تلامذته ورواته. 4 - أعماله ووظائفه. 5 - ابنه تاج الدين. 6 - مؤلفاته، وقائمة بأهمها. 7 - ترجمته بقلم الحافظ ابن حجر العسقلاني، وابن كثير الدمشقي. 8 - مصادر ترجمته.

ص 7

المؤلف

 علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام، الأنصاري الخزرجي، أبو الحسن، تقي الدين، السبكي المصري الشافعي، المولود بسبك من أعمال المنوفية (ثالث صفر 683) والمتوفى مسموما، بالقاهرة (رابع جمادى الآخرة 756) ودفن بها بصعيد السعداء بباب النصر.

1 - قالوا فيه

 شيخ الإسلام (1) الإمام، القاضي، العلامة، الفقيه، المحدث الحافظ، فخر العلماء. كان صادقا، متثبتا، خيرا، دينا، متواضعا، من أوعية العلم، يدري الفقه ويقرره، وعلم الحديث ويحرره، والأصول ويقرئها، والعربية ويحققها، وصنف التصانيف المتقنة.

(هامش)

(1) أطلقه عليه جماعة ومنهم ولده ونقله عن البرزالي أنه لم يكتب (شيخ الإسلام) إلا له ولابن تيمية وابن أبي عمر. (*)

ص 8

وقد بقي في زمانه الملحوظ إليه بالتحقيق والفضل، سمعت منه وسمع مني، وحكم بالشام وحمدت أحكامه، فالله يؤيده ويسدده، سمعنا معجمه بالكلاسة (1). قال فيه شيخه الدمياطي: إمام المحدثين، وقال ابن الرفعة: إمام الفقهاء، فلما بلغ ذلك الباجي فقال: وإمام الأصوليين (2). حجة المذاهب، مفتي الفرق، قدوة الحفاظ، آخر المجتهدين، قاضي القضاة، التقي البر، العلي القدر (3). الإمام الحافظ المجتهد النظار (4) العلامة ذي الفنون فخر الحفاظ، صاحب التصانيف، ثقة، جم الفضائل، حسن الديانة، صادق اللهجة، قوي الذكاء، من أوعية العلم، رفيقنا الإمام (5). الإمام الحافظ العلامة، قاضي القضاة، بقية المجتهدين، ممن طبق الممالك ذكره، ولم يخف على أحد خبره. ممن جمع فنون العلم من الفقه والأدب والنحو واللغة والشعر والفصاحة والزهد والورع والعبادة الكثيرة والتلاوة والشجاعة والشدة في دينه (6). شيخ الإسلام، وأحد الأئمة المجتهدين الأعلام (7). شيخ الإسلام، إمام العصر، وتصانيفه تدل على تبحره في الحديث (8).

(هامش)

(1) قال ذلك الذهبي في المعجم المختص، ونقله ولده في طبقات 10 / 148. (2) نقله ابن قاضي شهبة 3 / 41، وهو في طبقات السبكي 10 / 197. (3) قاله العمري في مسالك الأبصار نقله ولده في الطبقات 10 / 148. (4) الكتاني في فهرس الفهارس ص 1033، وعنه نقلنا ما في المصادر التالية. (5) الذهبي في المعجم المختص، لاحظ ما قاله الكتاني تعليقا عليه في المصدر السابق. (6) أبو المحاسن الحسيني الدمشقي، في ذيل طبقات الحفاظ للذهبي ص 39. (7) الحافظ ابن ناصر الدمشقي في طبقات الحفاظ ص 522. (8) السيوطي في طبقات الحفاظ ص 55. (*)

ص 9

الشيخ العالم الكبير، إمام من أئمة الشافعية، وعالم من كبار علماء الديار المصرية، ومن يعترف له بالرتب العلية، وله عدالة الأصل وأصالة القول، وإصابة النقل، ورزانة العقل، وجزالة القول والفعل، ومتانة الدين والفضل، إلى تحصيل ونفنن وتأصيل في المنقولات والمعقولات وتمكن نظر راجح وحفظ راسخ، وتقدم في الحديث والرواية عال شامخ. كريم: شهد له العيان، وإليه يعزى البيان، ومن بحره يخرج اللؤلؤ والمرجان إلى آداب غضة، وفضائل من فضة (1). كان أنظر من رأيناه من أهل العلم، ومن أجمعهم للعلوم، وأحسنهم كلاما في الأشياء الدقيقة، وأجلدهم على ذلك. وكان في غاية الإنصاف والرجوع إلى الحق في المباحث ولو على لسان آحاد المستفيدين منه مواظبا على وظائف العبادات، مراعيا لأرباب الفنون (2). تفقه به جماعة من الأئمة، وانتشر صيته وتواليفه، ولم يخلف بعده مثله (3). ومحاسنه ومناقبه أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر (4). وقد اعترف بفضله السلفية أتباع ابن تيمية: فقال ابن كثير: الإمام العلامة... قاضي دمشق... برع في الفقه والأصول والعربية وأنواع العلوم... انتهت إليه رئاسة العلم في وقته... وله كلام في صحة القراءات أبان فيه عن تحقيق وسعة اطلاع (5).

(هامش)

(1) أبو البقاء القاضي خالد بن أحمد البلوي الأندلسي في رحلته، نقله الكتاني في فهرس الفهارس ص 1035، وقال: لقاؤه في وسط أمره... فانظر ما يقول فيه لو لقيه آخره عمره؟ (2) الأسنوي في الطبقات، لاحظ الدرر الكامنة 3 / 170. (3) الحافظ العراقي كما في الدرر الكامنة 3 / 170. (4) طبقات ابن قاضي شهبة 3 / 41. (5) البداية والنهاية 1 / 551 رقم 2251. (*)

ص 10

وقال الزركلي الوهابي: شيخ الإسلام في عصره، وأحد الحفاظ المفسرين المناظرين (1). ولما نقل الكتاني كلام الذهبي فيه، قال: فقف على وصفه له ب‍ (فخر الحفاظ) وكونه (من أوعية العلم) وناهيك بذلك (2).

 2 - مشايخه

 جمعهم أبو الحسين أحمد بن أيبك الحسامي الدمياطي في (معجمه) في عشرين جزءا ولم يستوعبهم، سمعه عليه الحفاظ كالمزي والذهبي، وانتقى منه ولده أبو نصر أربعين حديثا حدث بها وبغيرها من المرويات، فمنهم: 1 - والده: تفقه عليه في صغره. 2 - نجم الدين ابن الرفعة: آخر من اشتغل عليه. 3 - علاء الدين الباجي: أخذ الأصلين وسائر المعقولات عنه. 4 - سيف الدين البغدادي: أخذ الخلاف والمنطق عنه. 5 - أبو حيان: أخذ النحو عنه. 6 - العراقي علم الدين: أخذ التفسير عنه. 7 - تقي الدين ابن الصائغ: أخذ القراءات عنه. 8 - الدمياطي الحافظ شرف الدين: أخذ الحديث عنه، ولازمه كثيرا. 9 - الحافظ إمام الفن سعد الدين الحارثي: أخذ الحديث منه وهو كبير. 10 - ابن عطاء الله تاج الدين: أخذ التصوف عنه. 11 - الشيخ عبد الله الغماري المالكي: أخذ الفرائض عنه.

(هامش)

(1) الأعلام 4 / 302. (2) فهرس الفهارس ص 1023. (*)

ص 11

12 - ابن مشرف: أخذ عنه بدمشق. 13 - يحيى بن الصواف: أخذ عنه بالإسكندرية. 14 - عبد الرحمن بن مخلوف بن جماعة: أخذ عنه بالإسكندرية. 15 - يحيى بن محمد بن عبد السلام: أخذ عنه بالإسكندرية. 16 - علي بن نصر بن الصواف، أخذ عنه بالقاهرة. 17 - علي بن عيسى بن القيم: أخذ عنه بالقاهرة. 18 - علي بن محمد بن هارون الثعلبي: أخذ عنه بالقاهرة. 19 - الرضي الطبري: أخذ عنه. 20 - ابن الموازيني أبي جعفر: أخذ عنه بدمشق. 21 - الذهبي: قال: كتب عني وكتبت عنه، وسمعته وسمع مني. 22 - الحافظ مسعود الحارثي: حدث عنه. 23 - أبو نصر الشيرازي: حدث عنه. 24 - ابن بنت الأعز: ذكره ولده، وابن قاضي شهبة. 25 - شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد: قال ولده: وقيل: إن والده دخل به إليه وعرض عليه التنبيه ولم يتحقق هو ذلك. 26 - الحسن بن عبد الكريم سبط زيادة، قال ابن كثير: سمع الشاطبية والرائية منه أخذ عنه بالقاهرة. 27 - عبد المؤمن بن خلف الدمياطي الحافظ: أخذ عنه بالقاهرة. 28 - شهاب بن علي المحسني: أخذ عنه بالقاهرة. 29 - موسى بن علي بن أبي طالب: أخذ عنه بالقاهرة. 30 - محمد بن عبد العظيم السقطي: كذلك. 31 - محمد بن المكرم الأنصاري: كذلك.

ص 12

32 - محمد بن محمد بن عيسى الصوفي: كذلك. 33 - محمد بن نصير بن أمين الدولة: كذلك. 34 - يوسف بن أحمد المشهدي: كذلك. 35 - عمر بن عبد العزيز الحسين بن رشيق: كذلك. 36 - شهدة بنت عمر بن العديم: كذلك. 37 - أبو بكر بن أحمد بن عبد الدائم: أخذ عنه بدمشق. 38 - أحمد بن موسى الدشتي: كذلك. 39 - إسحاق بن أبي بكر بن النحاس: كذلك. 40 - عيسى المطعم: كذلك. 41 - سليمان بن حمزة القاضي: كذلك. 42 - الرشيد بن أبي القاسم: أجاز له من بغداد. 43 - إسماعيل بن الطبال: أجاز له من بغداد. وغيرهم، خلق، وجمع معجمه الجم الغفير، والعدد الكثير (1).

3 - تلامذته ورواته

 قال الدمشقي الحسيني في ذيل طبقات الحفاظ ص 39: تخرج به طائفة من العلماء وحمل عنه أمم. منهم: 1 - ولده القاضي أبو نصر، عبد الوهاب صاحب (طبقات الشافعية). 2 - أبو المعالي ابن رافع. 3 - خالد بن أحمد البلدي الأندلسي: صاحب الرحلة: (تاج المفرق في تحلية علماء المشرق) قال: لقيته بمنزله في القاهرة، وسمعت عليه، ورسم لي الإجازة

(هامش)

(1) لاحظ طبقات السبكي 10 / 147، دار إحياء التراث العربي. (*)

ص 13

العامة بخطه. 4 - أبو محمد البرزالي، ذكره ابنه في الطبقات. 5 - الحافظ أبو الحجاج المزي. 6 - الحافظ الذهبي. ذكر سماعه عليه ابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية، وقد اعترف الذهبي بكتابته عنه، وسماعه منه. 7 - سراج الدين البلقيني. 8 - محمد بن يعقوب المقدسي، قرأ عليه القراءات. 9 - أحمد بن الغزي الشهير بالشريف الحسيني قرأ عليه القراءات. 10 - الأسنوي صاحب الطبقات، قال فيه: شيخنا. 11 - خليل بن أيبك الشيخ صلاح الدين الصفدي، قال السبكي: قرأ على الشيخ الإمام جميع كتاب (شفاء السقام في زيارة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام) (1). 12 - أبو البقاء. 13 - ابن النقيب. 14 - تقي الدين أبو الفتح. قال ابن قاضي شهبة: وأولاده، وغيرهم من الأئمة الأعلام.

4 - أعماله ووظائفه

* تولى مشيخة المعاد بالجامع الطولوني، بمصر. * تولى قضاء الشام عند شغوره بموت الجلال القزويني في جمادى الآخرة

(هامش)

(1) طبقات الشافعية 10 / 5 رقم 1352. (*)

ص 14

سنة (739) فباشر ذلك على ما يليق به واستمر إلى سنة (756). * قال ولده: سنة تسع وثلاثين وسبعمائة في تاسع عشر جمادى الآخرة منها، طلبه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وذكر له أن قضاء الشام قد شغر، وأراده على ولايته، فأبى، فما زال السلطان، فقبل الولاية: يا لها غلطة، أف لها، وورطة ليته صمم ولا فعلها! (1) قالوا: فما حفظ عنه في التركات، ولا في الوظائف ما يعاب عليه، وكان متقشفا في أموره، متقللا من الملابس، وكان لا يستكثر على أحد شيئا. ولما مات وجدوا عليه اثنين وثلاثين ألف درهم دينا (2). * درس في مدارس الشام بالغزالية، والعادلية الكبرى، والأتابكية، والمسرورية، والشامية البرانية - وليها بعد موت ابن النقيب -. * وولي بعد وفاة الحافظ المزي مشيخة دار الحديث الأشرفية. * وقد خطب بجامع دمشق مدة، وقال الذهبي في ذلك شعرا: ليهن المنبر الأموي لما علاه الحاكم البحر التقي شيوخ العصر أحفظهم جميعا وأخطبهم و(أقضاهم علي) (3) وانظر إلى قوله: (وأقضاهم علي) ففيه اقتباس جلي، ولذلك قال العمري في شأنه: سمي علي كرم الله وجهه، الذي هو باب العلم، ولا غرو أن كان هذا المدخل إلى ذلك الباب، والمستخرج من دقيق ذلك الفضل هذا اللباب والمستعير من تلك المدينة التي ذلك الباب بابها، والواقف عليها من سميه فذاك بابها وهذا بوابها (4).

(هامش)

(1) جاء ذلك في طبقات الشافعية الكبرى 10 / 168. (2) ذكره ابن قاضي شهبة في طبقاته. (3) الشعر رواه ولده السبكي في طبقاته 10 / 169 ونقله عنه ابن قاضي شهبة في طبقاته 3 / 40. (4) طبقات السبكي 10 / 148. (*)

ص 15

5 - ابنه تاج الدين: لقد خلف الإمام السبكي أولادا فضلاء، كلهم قضاة نابهون، إلا أن أنبههم وأشهرهم الإمام ابن السبكي: تاج الدين عبد الوهاب صاحب (طبقات الشافعية) الكبرى. ولد (728) وختم القرآن صغيرا وطلب العلم وهو ابن عشر سنين بدمشق، وعني بالحديث، وأجاز له الحجار، ولازم الذهبي، وسمع الكثير من شيوخ عصره، ومهر في الفنون، وولي قضاء دمشق بعد أبيه، وخرج له مع قصر عمره ما يتعجب منه، قاله ابن حجر في طبقات الحفاظ. وقال الذهبي في (المعجم المختص): وكتب عني أجزاء نسخها وأرجو أن يتميز في العلم، درس وأفتى وعني بهذا الشأن. وقال البوني في ثبته: الإمام المجمع على جلالة قدره وتمام بدره، بل لو قيل: (لو قدر إمام خامس مع الأئمة الأربعة لكان ابن السبكي). نقل كل هذا المحدث العلامة الكتاني في فهرس الفهارس والأثبات ص 1028 رقم 586، وقال: من تأمل ترجمة ابن السبكي هذا، بقلم الحافظ ابن حجر، مع ترجمة أبيه بقلم الحفاظ الأعلام: الذهبي وابن ناصر والحسيني والسيوطي في طبقات الحفاظ، يعلم عظمة الرجلين [السبكي وابنه]. لأن من ذكر - خصوصا الذهبي وابن ناصر - كانا كالخصمين لهم، لتشيعهما لابن تيمية وحزبه، خصوصا ابن ناصر: كان يعادي بعداوته، ويحب بحبه!! ومع ذلك ما وسعهما إلا الاعتراف للأب والابن، بما ذكر! قال الكتاني: لتعلم، أن الحق أحق بالاتباع. فما يتقوله بعض من لا علم له: (بأن السبكي إنما مجده وقدسه ولده في

ص 16

الطبقات!) هو الدليل بعينه على جهل قائله وكذبه! (1)

6 - مؤلفاته وقائمة بأهمه

 قال الذهبي: صنف التصانيف المتقنة. وقال السيوطي: صنف أكثر من مائة وخمسين مصنفا، تدل على تبحره في الحديث. وقال الحسيني الدمشقي: كتب بخطه المليح الصحيح المتقن شيئا كثيرا من سائر علوم الإسلام... وسارت بتصانيفه وفتاويه الركبان. قال ابن حجر: كان لا تقع له مسألة مستغربة أو مشكلة إلا ويعمل فيها تصنيفا يجمع فيه شتاتها، طال أو قصر، وذلك يبين في تصانيفه. وقال الحافظ ابن حجر: قد استوعب ولده عدة تصانيفه في ترجمته التي أفردها وأفرد مسائلها التي انفرد بتصحيحها أو باختيارها في كتابه (ترشيح التوشيح). وسنذكر نحن بعض ما ذكروه له، ولنقدم ما أورده المترجمون من المجاميع المنسوبة إليه: أ - قال الكتاني: وقد ظفرت في المكتبة الخالدية ببيت المقدس لما زرته عام (1324) بمجموعة بخط المترجم له الشيخ تقي الدين السبكي، اشتملت على عدة مؤلفات، منها: 1 - الأدلة في إثبات الأهلة. 2 - رسالة في مضار القصيدة النونية المتضمنة الرد على الأشاعرة.

(هامش)

(1) فهرس الفهارس والأثبات ص 1028 رقم 586: ابن السبكي الصغير. (*)

ص 17

وهي (25) ورقة في القالب الكبير، كتبت سنة (749). 3 - الاعتبار ببقاء الجنة والنار. كتبت (748) تتضمن تضليل من قال بفناء النار من أهل عصره (1). وغير ذلك، وهي مجموعة قيمة لا ثمن لها، من النفاسة بمكان (2). ب - وقال الزركلي الوهابي في أعلامه 4 / 302: ورأيت مجموعة أخرى كلها بخطه في الرباط (306 أوقاف) تشتمل على تسع رسائل له، منها: 1 - المحاورة والنقاط في المجاورة والرباط. 2 - مصمي الرماه في وقف حماه. وقال ولده: حج في سنة (716) ثم عاد، وألقى عصا السفر واستقر، وانتهت إليه رئاسة المذهب بمصر... وفي هذه المدة رد على الشيخ ابن تيمية في مسألتي الطلاق والزيارة، وألف غالب مؤلفاته المشهورة: كالتفسير، وتكملة شرح المهذب، وشرح المنهاج للنووي، وغير ذلك من مبسوط ومختصر (3). قائمة بأهم مؤلفاته: 1 - النكت على صحيح البخاري، في مجلد. قال الكتاني: وقفت عليه بمكتبة مكناسة. 2 - ضياء المصابيح في اختصار مصابيح البغوي. ذكره الكتاني. 3 - السيف المسلول على من سب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

(هامش)

(1) وهو ابن تيمية، راجع دفع الشبه للحصنى (ص 116). (2) فهرس الفهارس ص 1026 آخر ترجمة رقم 585 وقد ذكر الزركلي الوهابي هذه المجموعة وقال: رأيت مجموعة بخطه في مجلد ضخم، ولم يحدد موقعها! (3) الطبقات 10 / 167. (*)

ص 18

ذكره السبكي، والكتاني، والزركلي: له نسخ في تركيا: في السليمانية 24 (319) وعاشر أفندي 12 (161) وفيض الله 113 (2132) ولاله لي 38 (365) ويكي جامع 12 (209). 4 - إبراز الحكم من حديث رفع القلم. ذكره الكتاني، وذكره ولده السبكي وذكر بعده: الكلام على حديث رفع القلم، وكأنهما واحد. ومنه نسخة في دار الكتب بالقاهرة رقم (1616) و(1625) وله مختصر في الظاهرية رقم 294 مجموع (32). 5 - الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم. ذكره السبكي وذكره الزركلي، وقالا: لم يكمل، وله جهود تفسيرية متفرقة بين آيات خصص لها أجزاء صغار، سنعددها، وبين آيات متفرقة جمعت في بداية (فتاوى السبكي). 6 - إحياء النفوس في صنعة إلقاء الدروس. ذكره السبكي ولده، وذكره الزركلي. 7 - الإغريض في الحقيقة والمجاز والكناية والتعريض. ذكره السبكي، والزركلي. 8 - المسائل الحلبية في الفقه. ذكره السبكي، والزركلي. 9 - شفاء السقام في زيارة خير الأنام. ذكره ولده وهو كتابنا هذا، ردا على ابن تيمية في تحريمه زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويسمى (شن الغارة على مانع الزيارة) وسيأتي الكلام عنه مفصلا. 10 - المحاورة والنقاط في المجاورة والرباط. قال الزركلي: وجدتها في مجموعة بخطه في الرباط (306 أوقاف) ضمن تسع

ص 19

رسائل له. 11 - مصمي الرماه في وقف حماه. ذكره الزركلي مع المجموعة (306 أوقاف - في الرباط). 12 - الأدلة في إثبات الأهلة. ذكره الكتاني والزركلي، ضمن مجموعة بخطه، في المكتبة الخالدية، بالقدس الشريف. 13 - الاعتبار ببقاء الجنة والنار. ذكره ولده، وذكره الكتاني والزركلي، ضمن مجموعة الخالدية بالقدس. وهو مطبوع. 14 - السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل. رد على القصيدة النونية لابن قيم الجوزية الحنبلي السلفي، الموسومة بالكافية في العقائد ردا على الأشاعرة، رآها الكتاني والزركلي في مجموعة الخالدية بالقدس كما مر في بداية هذه القائمة، وهو مطبوع مع تكملة مهمة للإمام الكوثري. 15 - الابتهاج في شرح المنهاج في الفقه الشافعي. ذكره السبكي والزركلي. 16 - الفتاوى السبكية. ذكره ولده والزركلي، وذكر ابن حجر: أن ولده عبد الوهاب جمع فتاواه ورتبها في أربع مجلدات، طبع في مصر في مجلدين، وأعادته دار المعرفة - بيروت. 17 - التمهيد فيما يجب فيه التحديد. ذكره الزركلي وأشار إلى أنه مطبوع، وأنه في المبايعات والمقاسمات والتمليكات وغيرها. 18 - تكملة (المجموع في شرح المهذب للنووي)

ص 20

من باب الربا إلى التفليس، في خمس مجلدات، ذكره السبكي ولده. 19 - التحبير المذهب في تحرير المذهب. وهو شرح مبسوط على (المنهاج). ذكره السبكي، وقال: ابتدأ فيه من كتاب الصلاة، فعمل قطعة نفيسة. 20 - الابتهاج في شرح المنهاج للنووي. قال السبكي: وصل فيه إلى أوائل الطلاق. ثم كمله ابنه أحمد بهاء الدين، كما في كشف الظنون ص 1873. 21 - الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية. طبعت في الرسائل السبكية، وفي (التوفيق الرباني). 22 - التحقيق في مسألة التعليق. قال السبكي: وهو الرد الكبير على ابن تيمية في مسألة الطلاق. 23 - رافع الشقاق في مسألة الطلاق. قال السبكي: وهو الرد الصغير على ابن تيمية. وله رد ثالث مختصر باسم النظر المحقق، مطبوع في الفتاوى 2 / 309. وذكر ولده السبكي المؤلفات التالية له: 24 - أحكام (كل) وما عليه تدل. 25 - بيان حكم الربط في اعتراض الشرط على الشرط. 62 - الإقناع في الكلام على أن (لو) للامتناع. 27 - وشي الحلى في تأكيد النفي بلا. 28 - الكلام على حديث (إذا مات ابن آدم انقطع عمله). 29 - أجوبة سؤالات حديثية وردت من الديار المصرية حول بعض ما في (تهذيب الكمال) للمزي.

ص 21

وذكره الكتاني. 30 - تنزيل السكينة على قناديل المدينة. نشر في الفتاوى السبكية 1 / 274. 31 - مسألة فناء الأرواح. 32 - مسألة في التقليد في أصول الدين. 33 - المفرق في مطلق الماء والماء المطلق. 34 - أمثلة المشتق. وهي أرجوزة في الصرف ذكرها السبكي، وأوردها طابعو طبقات الشافعية في هوامش الصفحات ص 186 وما بعدها من الجزء (10) منها. 35 - القول الصحيح في تعيين الذبيح. 36 - القول المحمود في تنزيه داود. 37 - ورد العلل في فهم العلل. 38 - التهدي في معنى التعدي، في الصرف. 39 - بيان المحتمل في تعدية (عمل) وانظر الرقم 49). 40 - نيل العلا بالعطف بلا. 14 - الألفاظ: هل وضعت بإزاء المعاني الذهنية، أو الخارجية؟ 42 - أحاديث رفع اليدين، ذكره ولده، والكتاني. 43 - الاقتناص في الفرق بين الحصر، والقصر، والاختصاص، في علم البيان. 44 - نصيحة القضاة. 45 - كتاب بر الوالدين. وقد ذكر ولده من مؤلفاته ما يدخل ضمن التفسير، مثل: 46 - التعظيم والمنة في *(لتؤمنن به، ولتنصرنه)* الآية 81 من سورة آل عمران، وهو مطبوع في فتاوى السبكي 1 / 48.

ص 22

47 - الإقناع في تفسير قوله تعالى: *(ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)* الآية 18 من سورة غافر، ولاحظ فتاوى السبكي. 48 - الحلم والأناه في إعراب قوله: *(غير ناظرين إناه)* الآية 53 من سورة الأحزاب، طبع في فتاوى السبكي 1 / 105. 49 - تفسير: *(يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا)* الآية 51 من سورة المؤمنون. 50 - الكلام على قوله تعالى: *(لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن)* الآية 236 من سورة البقرة. هذا ما اخترناه من أسماء مؤلفاته التي تبلغ (150)، وقد أورد ولده السبكي أسماء ما يزيد على (125) منها في ترجمته في طبقات الشافعية 10 / 307 - 315 وأورد (18) رسالة ذات النصوص الصغار في الفتاوى السبكية، وجمع بعضها الأستاذ كمال أبو منى في (الرسائل السبكية) وهو مطبوع. ومما طبع أيضا في الفتاوى السبكية: 51 - بذل الهمة في إفراد العم وجمع العمة 1 / 97. 52 - الفهم السديد في إنزال الحديد 1 / 129. 53 - إشراق المصابيح في صلاة التراويح 1 / 165. 54 - الاعتصام بالواحد الأحد من إقامة جمعتين في بلد 1 / 181. 55 - مختصر: فصل المقال في هدايا العمال 1 / 213. 56 - حفظ الصيام من قوت التمام 1 / 230. 57 - قدر الإمكان المختطف في دلالة (كان إذا اعتكف) 1 / 242. 58 - نثر الجمان في عقود الرهن والضمان 1 / 309. 59 - منبه الباحث في دين الوارث 1 / 330.

ص 23

60 - الطريقة النافعة في الإجارة والمساقاة والمزارعة. 61 - مؤلف في مياه دمشق. 62 - الغيث المغدق في ميراث ابن المعتق 2 / 224. 63 - مؤلف في ترميم الكنائس 2 / 369. 64 - الدلالة على عموم الرسالة 2 / 594.

 7 - ترجمة المؤلف

بقلم الحافظ ابن حجر العسقلاني في (الدرر الكامنة) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن سوار بن سليم السبكي تقي الدين، أبو الحسن الشافعي. ولد بسبك العبيد، أول يوم من صفر سنة (683) وتفقه على والده، ودخل القاهرة، واشتغل على ابن الرفعة، وأخذ الأصلين عن الباجي، والخلاف عن السيف البغدادي، والنحو عن أبي حيان، والتفسير عن العلم العراقي، والقراءات عن التقي الصائغ، والحديث عن الدمياطي، والتصوف عن ابن عطاء الله (1) والفرائض عن الشيخ عبد الله الغماري. وطلب الحديث بنفسه، ورحل فيه إلى الشام، والإسكندرية والحجاز، فأخذ عن ابن الموازيني، وابن مشرف، وعن يحيى بن الصواف وابن القيم، والرضي الطبري، وآخرين يجمعهم معجمه الذي خرجه له أبو الحسين ابن أيبك. وولي بالقاهرة تدريس المنصورية، وجامع الحاكم والكهارية وغيرها.

(هامش)

(1) ابن عطاء. (*)

ص 24

وكان كريم الدين الكبير والجاي الدوادار وجنكلي بن البابا والجاولي وغيرهم من أكابر الدولة الناصرية يعظمونه ويقضون بشفاعته الأشغال. ولما توفي القاضي جلال الدين القزويني بدمشق، طلبه الناصر في جماعة ليختار منهم من يقرره مكانه، فوقع الاختيار على الشيخ تقي الدين، فوليها - على ما قرأت بخطه - في تاسع عشر جمادى الآخرة سنة 739، وتوجه إليها مع نائبها تنكز، فباشر القضاء بهمة وصرامة وعفة وديانة. وأضيفت إليه الخطابة بالجامع الأموي فباشرها مدة في سنة 742، ثم أعيدت لابن الجلال القزويني. وولي التدريس بدار الحديث الأشرفية، بعد وفاة المزي، وتدريس الشامية البرانية بعد موت ابن النقيب في أوائل سنة 46، وكان طلب في جمادى الأولى إلى القاهرة بالبريد ليقرر في قضائها فتوجه إليها وأقام قليلا ولم يتم الأمر وأعيد إلى وظائفه بدمشق، ووقع الطاعون العام في سنة 749 فما حفظ عنه في التركات ولا في الوظائف ما يعاب عليه. وكان متقشفا في أموره متقللا في الملابس، حتى كانت ثيابه في غير الموكب تقوم بدون الثلاثين درهما وكان لا يستكثر على أحد شيئا حتى أنه لما مات وجدوا عليه اثنين وثلاثين ألف درهم دينا، فالتزم ولداه تاج الدين وبهاء الدين بوفائها. وكان لا يقع له مسألة مستغربة أو مشكلة إلا وجعل فيها تصنيفا يجمع فيه شتاتها طال أو قصر، وذلك يبين في تصانيفه. وقد جمع ولده فتاويه ورتبها في أربع مجلدات. قال الصفدي: لم يرد أحد من نواب الشام ولا من غيرهم تعرض له فأفلح، بل يقع له إما عزل وإما موت، جربنا هذا وشاع وذاع حتى قلت له يوما في قضية: يا سيدي دع أمر هذه القرية فإنك قد أتلفت فيها عددا وملك الأمراء وغيره في ناحية

ص 25

وأنت وحدك في ناحية وأخشى أن يترتب على ذلك شر كثير فما كان جوابه إلا أنشد قوله: وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب قلت: رأيت بخطه عدة مقاطيع ينظمها في ذلك كأنه يتوسل بها إلى الله فإذا انقضت حاجته طمس اسم الذي كان دعا عليه. وقد استوعب ولده عدة تصانيفه في ترجمته التي أفردها وأفرد مسائلها التي انفرد بتصحيحها أو باختيارها في كتابه التوشيح (1). قرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي: كتب إلي أبو الفتح - يعني قرابته - ورقة بسبب شخص أن أكتب إلى شخص في حاجة له، وذلك قبل ولاية الشام بسنة فأجبته: (وقفت على ما أشرت إليه، والذي تقوله صحيح، وهو الذي يتعين على العاقل، ولكني ما أجد طباعي تنقاد إلى هذا بل تأبى منه أشد الإباء، والله خلق الخلق على طبائع مختلفة وتكلف ما ليس في الطبع صعب) إلى أن قال: (وأنا من عمري كله لم أجد ما يخرجني عن هذه الطريقة، فإني نشأت غير مكلف بشيء من جهة والدي وكنت في الريف قريبا من عشرين سنة وكان الوالد والديف نيابة الحكم بغير سؤال فصرت أتكلم الكلام بسببه وأما في حق نفسي فلا أكاد أقدم على سؤال أحد إلا نادرا بطريق التعريض اللطيف فإن حصل المقصود وإلا رجعت على الفور وفي نفسي ما لا يعلمه إلا الله، وأما في حق غيري من الأجانب فكانوا يلحون إلي فأتكلف فأقضي من حوائجهم ما يقدره الله، ولم أزل يكن معي عشرة أوراق أو أكثر ولا أتحدث فيها مع المطلوبة منه إلا معرفا وشغلت بذلك عن مصلحتي

(هامش)

(1) ترشيح التوشيح أظن هذا الصواب وقد جعله صاحب كشف الظنون كتابين. (*) /

ص 26 / ومصلحة أولادي لأن اجتماعي بهم كان قليلا يروح في حوائج الناس ولا ينقضي بها حاجة حتى يزيد نفور نفسي عن الحديث فيها وكان آخر ذلك أن طلبت حاجة تقي الدين الأقفهسي فأجابني المطلوب منه بجواب لا يرضاه فحلفت لا أسأله حاجة بعدها فمات بعد نحو نصف سنة وحصلت لي الراحة بترك السؤال ولكن استمر الوالد في نيابة المحلة فعرض من الجلال وولده ما يقتضي أن خاطري يغريه فحصل لي ضجر فقدر الله وفاة الوالد وماتت الوالدة بعده بأربعين يوما فعزفت نفسي عن الدنيا، وأنا الآن ابن اثنين وخمسين سنة، وقد تعبت نفسي في حوائج الناس مدة، فأريد أن أريح نفسي فيما بقي وأيضا فلي نحو عشر سنين لا أتحرك تحركة في الدنيا فأحمدها فأخاف إذا تحدثت لغيري أن لا ينجح فأندم ويتعب قلبي، فالعزلة أصلح) إلى أن قال: (وليعلم أن الإنسان إنما يفعل ذلك إما لطبع فطري أو مكتسب، وهما مفقودان عندي، أو لحامل عليه من إيجاب شرعي وليس من صورة المسألة، أو غرض دنيوي وأرجو أن لا يكون عندي، أو اكتساب أجر بأن يكون مندوبا، ومثل هذا: الظاهر أن تركه هو المندوب، ثم لو سلم فالنفس لا تنقاد إليه في أكثر الأحوال كما يترك الإنسان المندوب لطبع أو ضعف باعث والمندوب أن قل إن يعمل إلى المخالطة على جميعها وذلك بحسب قوة الباعث وضعفه والسلام انتهى ملخصه. وقرأت بخط الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنفي على جزء من تفسير الشيخ تقي الدين ما نصه، يقول (1): أتيت لنا من الدر النظيم * سلوكا للصراط المستقيم جمعت به العلوم فيا لفرد * حوى تصنيفه جمع العلوم

(هامش)

(1) وأورده ابنه في طبقات الشافعية 10 / 177. (*)

ص 27

وكان ينظم كثيرا وشعره وسط، فمنه ما وصى به ولده محمدا، قال: أبني لا تهمل نصيحتي التي * أوصيك واسمع من مقالي ترشد احفظ كتاب الله والسنن التي * صحت وفقه الشافعي محمد وتعلم النحو الذي يدني الفتى * من كل فهم في القرآن مسدد واعلم أصول الفقه علما محكما * يهديك للبحث الصحيح الأيد واسلك سبيل الشافعي ومالك * وأبي حنيفة في العلوم وأحمد ومنها قوله أيضا: واقطع عن الأسباب قلبك واصطبر * واشكر لمن أولاك خيرا وأحمد ومنها قوله أيضا: وخذ العلوم بهمة وتيقظ * وقريحة سمحاء ذات توقد ومنها قوله أيضا: واقف الكتاب ولا تمل عنه وقف * متأدبا مع كل حبر أوحد ومنها قوله أيضا: وطريقة الشيخ الجنيد وصحبه * والسالكين سبيلهم بهم اقتد واقصد بعلمك وجه ربك خالصا * تظفر سبيل الصالحين وتهتدي

ص 28

يقول في آخرها: هذي وصيتي التي أوصيكها * أكرم بها من والد متودد وعدتها نحو العشرين، هذا مختارها. وله أيضا: إن الولاية ليس فيها راحة * إلا ثلاث يبتغيها العاقل حكم بحق أو إزالة باطل * أو نفع محتاج سواها باطل وله أيضا: إذا أتتك يد من غير ذي مقة (1)* وجفوة من صديق كنت تأمله خذها من الله تنبيها وموعظة * بأن ما شاء لا ما شئت يفعله وقد كان نزل عن منصب القضاء لولده تاج الدين بعد أن مرض، فلما استقر تاج الدين وباشر، توجه الشيخ تقي الدين إلى القاهرة وأقام بها قليلا في دار على شط النيل وهو موعوك إلى أن مات في ثالث جمادى الآخرة سنة 756. فكانت إقامته بالقاهرة نحو العشرين يوما وكان وصول التقليد لتاج الدين في ثالث عشر شهر ربيع الأول ولبس الخلعة في النصف منه وباشر ثم عوفي أبوه وركب وحضر معه بعض الدروس وحكم بحضرته وسر به وتوجه إلى القاهرة في سادس عشري شهر ربيع الآخر من السنة. ثم لما مات سعى ولده أن يدفن عند الإمام الشافعي داخل القبة فامتنع شيخو من إجابة سؤاله فدفنه بسعيد السعداء.

(هامش)

(1) في نسخة: ثقة. (*)

ص 29

قال الأسنوي في (الطبقات) (1): كان أنظر من رأيناه من أهل العلم، ومن أجمعهم للعلوم وأحسنهم كلاما في الأشياء الدقيقة وأجلهم على ذلك، وكان في غاية الإنصاف والرجوع إلى الحق في المباحث ولو على لسان آحاد الطلبة، مواظبا على وظائف العبادات مراعيا لأرباب الفنون محافظا على ترتيب الأيتام في وظائف آبائهم. وقال شيخنا العراقي: طلب الحديث في سنة 703 ثم انتصب للإقراء وتفقه به جماعة من الأئمة، وانتشر صيته وتواليفه، ولم يخلف بعده مثله. ومن ماجرياته: أنه بحث مع ابن الكناني فنقل عن الشيخ أبي إسحاق شيئا في الأصول فلما رجع بعث إليه قاصدا يقول له: المسألة التي ذكرها، ما هي في (اللمع)! فكتب إليه: سمعت بإنكار ما قلته * عن الشيخ إذ لم يكن في اللمع ونقلي لذلك من شرحه * وخير خصال الفقيه الورع لو وقفت على شرح اللمع ما أنكرت النقل فانظر فيه فإنه كتاب مفيد. فلما وقف ابن الكناني على الجواب تألم تألما كثيرا، وكان أسن من السبكي بكثير، لكن تقدم السبكي واشتهر، واستمر هو على حالة واحدة. ولذا كان ابن عدلان وابن الأنصاري يمتعضان من السبكي لكونهما أسن منه وتقدم عليهما (2). ترجمة المؤلف بقلم ابن كثير الدمشقي المؤرخ المفسر علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام، الإمام

(هامش)

(1) طبقات الشافعية للأسنوي ص 75 رقم 666. (2) الدرر الكامنة في المائة الثامنة 3 / 63. (*)

ص 30

العلامة أبو الحسن السبكي الشافعي قاضي دمشق. ولد سنة (ثلاث وثمانين وستمائة) وبرع في الفقه والأصول والعربية وأنواع العلوم، وقرأ القراءات على الصائغ، وسمع الشاطبية والرائية من سبط زيادة، وقدم دمشق قاضيا سنة (تسع وثلاثين وسبعمائة) قرأ عليه القراءات محمد بن يعقوب المقدسي وأحمد بن الغزي الشهير بالشريف الحسيني، انتهت إليه رئاسة العلم في وقته، وله كلام في صحة القراءات العشر والرد على من طعن فيها أبان فيه عن تحقيق وحسن اطلاع. توفي سنة (سبع وخمسين وسبعمائة) بمصر (1). 8 - مصادر ترجمته: 1 - الدرر الكامنة في المائة الثامنة لابن حجر 3 / 63 وقد أوردناها بتصرف، في ما تقدم. 2 - فهرس الفهارس والأثبات للكتاني ص 1023 - 1037 رقم 585. 3 - الأعلام للزركلي الوهابي 4 / 302. 4 - البداية والنهاية لابن كثير 14 / 253 وقد أوردناها في مواضع متفرقة من هذا الجزء بمناسبات مختلفة. 5 - طبقات الشافعية، لولده عبد الوهاب تاج الدين 10 / 139 - 262 وفي طبعة الحسينية 6 / 146 وقد استفدنا منها كثيرا. 6 - حسن المحاضرة 1 / 177. 7 - غاية النهاية 1 / 55. 8 - الدارس في المدارس 1 / 4 / 134 9 - قضاة دمشق لابن طولون ص 101.

(هامش)

(1) البداية والنهاية 1 / 551. (*)

ص 31

10 - البدر الطالع 1 / 467 - 419. 11 - طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 3 / 37 - 42 رقم 603. 12 - طبقات الشافعية، للأسنوي ص 75 رقم 666. وقد ذكرها ابن حجر في الدرر وأثبتناها معه. 13 - النجوم الزاهرة 10 / 318. 14 - ذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي ص 352. 15 - بغية الوعاة للسيوطي 42. 16 - شذرات الذهب لابن العماد 6 / 180. 71 - مفتاح السعادة 2 / 221. 18 - هدية العارفين 1 / 720. 19 - مقدمة (فتاوى السبكي) طبعة مصر، أعادته دار المعرفة - بيروت. 20 - بروكلمان 2 / 86 وذيله 2 / 102. 21 - معجم المؤلفين لكحالة 7 / 127. 22 - وقد أفرد ولده عبد الوهاب صاحب الطبقات، ترجمة خاصة لوالده، ونسخة منها باسم (ترجمة تقي الدين السبكي) في دار الكتب المصرية رقم 1634 وصورتها في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية رقم (1494 تاريخ) كتبت سنة 764 وعليها خط المؤلف. 23 - وخصص تراجم آل السبكي، الأستاذ محمد الصادق حسين في كتاب (البيت السبكي) طبع بدار الكاتب المصري عام 1948 م.

ص 33

الكتاب 1 - الرد على ابن تيمية في منع الزيارة. 2 - شفاء السقام في نظر الأعلام. 3 - من هو ابن عبد الهادي صاحب الصارم المنكي. 4 - أهم ما في كتاب الصارم المنكي. 5 - الصارم المنكي في نظر العلماء. 6 - قاموس شتائم ابن عبد الهادي. 7 - نصيحة للمغترين بالسلفية في عصرنا. 8 - محتوى الكتاب ومادته. 9 - عملنا في الكتاب.

ص 35

1 - الرد على ابن تيمية في منع الزيارة

 قال ابن فضل الله العمري، في ترجمة السبكي: إمام ناضح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنضاله، وجاهد بحداله، ولم يلطخ بالدماء حد نصاله، حمى جناب النبوة الشريف، وبقيامه في نصره، وتسديد سهامه للذب عنه من كنانة مصره، فلم يخط على بعد الديار سهمه الراشق، ولم يخف مسام تلك الدسائس فهمه الناشق... قام حين خلط على ابن تيمية الأمر، وسول له قرينه الخوض في ضحضاح ذلك الجمر، حين سد باب الوسيلة... وأنكر شد الرحل لمجرد الزيارة. إلى أن يقول: كيف يزار المسجد، ويجفى صاحبه صلى الله عليه وآله وسلم؟ أو يخفيه الإبهام، أو تذاد عنه وهي تتراشق إليه كالسهام؟ ولولاه عليه الصلاة والسلام، لما عرف تفضيل ذلك المسجد؟ ولا يمم إلى ذلك المحل تأميل المغير ولا المنجد!؟ ولولاه لما قدس الوادي، ولا أسس على التقوى مسجد ذلك النادي؟! شكر الله له، قام في لزوم ما انعقد عليه الاجماع، وبعد الظهور بمخالفته على

ص 36

الأطماع. ورد القرن وهو ألد خصيم، وشد عليه وهو يشد على غير هزيم، وقابله وهو الشمس تغشي الأبصار، وقاتله - وكم جهد - ما يثبت البطل لعلي وفي يده ذو الفقار. إلى أن يقول: وانجلت غياهب ذلك العثبر: تبرق فيه صفحات الحق السوي، والحظ السعيد النبوي، والنصر المحمدي إلا أنه بالفتوح العلوي، بجهاد أيد صاحب الشريعة وآزره، ورد على من سد باب الذريعة وخذل ناصره (1). وقال ولده في الطبقات: ثم حج في سنة ست عشرة [وسبعمائة] وزار قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وعاد، وألقى عصا السفر واستقر وانتهت إليه رئاسة المذهب بمصر... وفي هذه المدة رد على الشيخ أبي العباس ابن تيمية في مسألتي الطلاق والزيارة (2). وذكر في الطبقات: ومما أورده ابن فضل الله [العمري] عنه في التاريخ: في كل واد بليلى واله شغف * ما إن تزال به من مسها وصب ففي بني عامر من حبها دنف * ولابن تيمية من عهدها سغب وكان قد قالهما وقد وجد إكثار ابن تيمية من ذكر ليلى وتمنيها، وأراد بعهد ليلى - ظاهرا - ما هوله، وباطنا يمينها، واليمين: العهد (3). ونقل ابنه: صح من طرق شتى عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية: أنه كان لا يعظم أحدا من أهل العصر كتعظيمه له، وأنه كان كثير الثناء على تصنيفه في الرد عليه (4).

(هامش)

(1) العمري في مسالك الأبصار، لاحظ طبقات السبكي 10 / 149 - 151. (2) الطبقات للسبكي 10 / 167. (3) الطبقات للسبكي 10 / 180. (4) الطبقات للسبكي 10 / 194. (*) /

ص 37

وقد رد الإمام السبكي على الفكر التيمي، بكتب: 1 - الدرة المضيئة. 2 - شفاء السقام (وهو كتابنا الذي نتحدث عنه بتفصيل). 3 - السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل - وهو ابن قيم الجوزية مقلد ابن تيمية -. 4 - التحقيق في مسألة التعليق، وهو الرد الكبير على ابن تيمية في مسألة الطلاق. 5 - رافع الشقاق في مسألة الطلاق، وهو الرد الصغير عليه. 6 - الاعتبار ببقاء الجنة والنار. 7 - النظر المحقق في الحلف بالطلاق المعلق، طبع في الفتاوى 2 / 309. وسيأتي التفصيل في ذكر مؤلفاته. ويظهر من طبقات السبكي أن ابن تيمية كتب كتابا ردا على ما كتبه الشيخ عليه في مسألة الطلاق (1) ولكنه لم يطق أن يرد عليه في مسألة الزيارة، بل كان يعظمه - مع أن ابن تيمية كان جسورا يعتدي على جميع علماء عصره، بل السابقين - إلا أنه كان يقر بفضل الإمام السبكي، ويعجبه ما كتبه في (شفاء السقام) ردا عليه في مسألة الزيارة، مع أنه رد بعنف على الإمام الاخنائي المالكي، كما ستعرف. ولاحظ بقية الحديث عن موقفه من ابن تيمية في عنوان: (محتوى الكتاب) في هذه المقدمة.

 2 - شفاء السقام في نظر الأعلام

 قال الحافظ أبو زرعة العراقي، وهو بصدد الكلام على المسائل التي انفرد ابن

(هامش)

(1) طبقات السبكي 10 / 195. (*) /

ص 38

/ تيمية بها: وما أبشع مسألتي ابن تيمية في الطلاق والزيارة وقد رد عليه فيهما معا: الشيخ تقي الدين السبكي، وأفرد ذلك بالتصنيف فأجاد وأحسن (1). وقال: وللشيخ تقي الدين ابن تيمية كلام بشع يتضمن منع شد الرحل للزيارة، وأنه ليس من القرب بل بضد ذلك، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في (شفاء السقام) فشفى صدور قوم مؤمنين (2). وأنشد الصلاح الصفدي - الذي قرأ الشفاء على مؤلفه (3) - في مدح الكتاب: لقول ابن تيمية زخرف * أتى في زيارة خير الأنام فجاءت نفوس الورى تشتكي * إلى خير حبر وأزكى إمام فصنف هذا، وداواهم * فكان يقينا (شفاء السقام) (4) وقال الإمام ابن حجر المكي في الفتاوى الحديثية، ما نصه: ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه وأذله، وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله، وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وبلاغه رتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي، وولده التاج (5). قال الإمام محمد بخيت المطيعي شيخ الإسلام: ولما تظاهر قوم في هذا العصر بتقليد ابن تيمية في عقائده الكاسدة وتعضيد أقواله الفاسدة... وجدنا كتاب الإمام الجليل والمجتهد الكبير تقي الدين أبي الحسن السبكي آتيا على ما قاله ابن تيمية، مقوضا لبنيانه،

(هامش)

(1) الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية ص 96 - 98. (2) طرح التثريب 6 / 43. (3) لاحظ طبقات الشافعية للسبكي 10. (4) الوافي بالوفيات 21 / 256. (5) الفتاوى الحديثية، لابن حجر المكي الهيتمي صاحب الصواعق. (*)

ص 39

مزعزعا لأركانه، ماحيا لآثاره، ماحقا لأباطيله، مظهرا لفساده، مبينا لعناده (1). وقال العلامة المعاصر المحمود السعيد الممدوح: إن كتاب (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) الذي دبجته يراعة الإمام التقي السبكي: أنفس كتاب صنف في هذا الباب، جمع فيه مؤلفه بين النقل والعقل. وزاد أبوابا في غاية الأهمية، كالتوسل، وحياة الأنبياء، والشفاعة، وغير ذلك. وكان عف اللسان، قوي الحجة، ناصع البرهان: وقد حقق الأقوال في مسألة الزيارة وغيرها من مباحث الكتاب تحقيقا ما عليه مزيد (2). إلا أن ابن عبد الهادي تصدى للرد على هذا الكتاب ومؤلفه؟! في كتاب باسم (الصارم المنكي)؟

 3 - من هو ابن عبد الهادي صاحب الصارم المنكي

 هو، محمد بن أحمد بن عبد الهادي من آل قدامة الحنابلة، الدمشقيين: ولد 704 ومات 744. ترجمه القليلون، وبالغ في ترجمته الحنابلة والشاميون المتعصبون كابن رجب فقال: (المقرئ الفقيه، المحدث الحافظ، الناقد، النحوي، المتفنن...). وأكثر فيه ابن كثير الشامي في تاريخه سنة 744 (14 / 244) وأطراه وقال: (... كان مستقيما على طريقة السلف! واتباع الكتاب والسنة...) يعني طريقة ابن تيمية وحزبه. وذكره أبو المحاسن والذهبي وابن حجر والسيوطي، وقال: أحد الأذكياء، مهر في الحديث والأصول والعربية.

(هامش)

(1) تطهير الفؤاد عن دنس الاعتقاد للمطيعي (ص 13) ط مصر. (2) رفع المنارة ص 13. (*)

ص 40

وقال الصفدي: (لو عاش كان آية، كنت إذا لقيته سألته عن مسائل أدبية وفوائد عربية، فينحدر كالسيل...). وذكروا له من المؤلفات: العقود الدرية في ترجمة ابن تيمية، مطبوع. والصارم المنكي، رآه ابن حجر، وذكر عنه في لسان الميزان 1 / 20 وفي ط. الهندية 1 / 14 قاعدة ابن حبان في التعديل، وقال: (وقد تصرف في عبارة ابن حبان). واتفقوا على ذكائه ومعرفته بطرق الحديث وحفظه لأسماء الرجال. واهتم سلفية عصرنا بطبع الصارم، فله طبعة بتحقيق إسماعيل الأنصاري. وطبعة بمؤسسة الريان - بيروت عام 1412 ه‍ بعمل عقيل اليماني، وهي التي اعتمدناها هنا.

 4 - أهم ما في كتاب الصارم المنكي؟!

 وبعدما عرفنا شخصية ابن عبد الهادي، فلنحط بأهم ما احتواه كتابه حتى نعرف مدى مقولة سفلية العصر من أنه أهم كتاب في باب الدفاع عن آرائهم حول منع زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والرد على شفاء السقام للإمام، فنقول: أهم ما في عمل ابن عبد الهادي أنه: أولا: يحاول إقناع القراء بأن (ابن تيمية لا يمنع من أصل زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل يقول باستحبابها، وبأن قبره أفضل القبور، وإنما ابن تيمية يمنع فقط من شد الرحال إلى زيارة القبر النبوي الشريف). ويؤكد على: (أن نسبة الإمام السبكي إلى ابن تيمية بأنه يمنع زيارة المصطفى عليه السلام، غير صحيحة). /

ص 41

ولذلك يحاول في (الصارم) إيراد عبارات طويلة ومكررة ينقلها عن مؤلفات ابن تيمية، ليثبت هذه المحاولة. لكنا: 1 - نجد نفس تلك العبارات التي نقلها ابن عبد الهادي، مليئة بجمل صريحة في أن ابن تيمية يعتقد أن: زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير ممكنة، لأن القبر غير ظاهر، ولأن الصحابة لم ينقل عن أحدهم القيام بزيارة القبر، ولأن زيارة القبر ممنوعة منهي عنها لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (لا تجعلوا قبري عيدا) وحتى شكك في استعمال لفظ الزيارة، وقال مرادهم (السلام). ولأن ذلك من فعل المشركين والنصارى وعبادة للقبر. وأمثال هذه التعليلات، منثورة في كلماته التي نقلها عبد الهادي نفسه. ومع ذلك كله: فإن عبد الهادي يدعي - بكل وقاحة - أن ابن تيمية لا يمنع الزيارة؟ واللطيف: أن ابن تيمية حينما يجد في عبارة الفقهاء وإجماعهم على استحباب (زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: المراد زيارة مسجده. ومع هذا: فإن عبد الهادي يقول: لا يمنع من أصل الزيارة!! وأما نسبة الإمام السبكي فتوى المنع إلى ابن تيمية: فهي ليست منفردة ولا محصورة بالإمام، بل كل من تعرض للمسألة نسب إلى ابن تيمية هذا القول البشع، فانظر: * إبراز الغي للإمام أبي الحسنات اللكهنوي. رف* المنارة للشيخ محمود ممدوح ص 92. * دفع شبه التشبيه للإمام الحصني. ثانيا: يحاول ابن عبد الهادي - تبعا لابن تيمية نفي كل نص يحتوي على لفظ

ص 42

(الزيارة لقبر النبي) ويناقش في أسانيد جميع الأحاديث والروايات، حتى يصل إلى النتيجة التي يؤكد عليها ابن تيمية: إنها مكذوبة بل موضوعة. وهذا الادعاء، لا بد أن يحكم فيه صيارفة نقد الحديث وجهابذة علم الجرح والتعديل، وقد حكموا بأن في أحاديث الزيارة المقدسة ما هو صحيح وحسن، أيضا، وإن كان فيها ما قيل فيه إنه من (قسم الضعيف) إلا أن من (الضعيف) ما يعمل به، خصوصا في المسائل والأحكام الفرعية العملية، والتي عمل الزيارة منها بلا ريب، وقد عمل بذلك المحدثون والفقهاء والأصوليون. فما هذه المخالفات لهم منكم؟! ثالثا: يحاول - تبعا لابن تيمية - تعميم النهي في حديث: (لا تجعلوا قبري عيدا ولا تتخذوه وثنا...) ليكون شاملا لما يفعله المسلمون الموحدون عند قبره الشريف من السلام والدعاء والتكريم والتعظيم، ناسبا جميع أفعال المؤمنين عند القبر إلى الشرك وعبادة القبر، وما إلى ذلك من الألفاظ المهولة! ومن الواضح لدى كل مسلم يزور قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ممتلئ بالإيمان بالله ورسوله، والحب لهما، ولا يدعوه إلى المجئ إلى ذلك القبر إلا محض التوحيد والإيمان، وامتلائه بالعقيدة الراسخة. ورابعا: حديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة...) وهو عمدة ابن تيمية وحزبه في منع الحجاج القاصدين بعد أداء حجهم إلى زيارة قبر نبيهم، وإزعاجهم في مقام ي - شفاء السقام - تقي الدين السبكي

ص 42

النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعند المقصورة الشريفة بالضرب واللعن والتشريك والتكفير والدفش، والتهديد. بدعوى: أن الحديث يدل على حرمة قصد زيارة القبر لمن يسكن بعيدا عنه من البلاد النائية. وقد انهالت الاعتراضات الإسلامية من المذاهب الفقهية، وعلى مستويات

ص 43

أهل العلم والفكر من المسلمين على هذه الفتوى البشعة (منع السفر إلى مرقد الرسول) منذ طلوع نباتها الخبيث من رأس الشيطان في القرن الثامن أعني شيخ حران، الممتلئ بمعاداة هذه الشعائر الإسلامية التي تدل على عظمة الرسول ومقامه في قلوب المؤمنين برسالته. وكثرت المؤلفات في عصر مبتدع تلك الفتوى ابن تيمية وإلى يومنا هذا، في الرد عليها وتفنيدها وتزييفها، وقد بلغت المئات، وجمعناها في كتاب (معجم المؤلفات الإسلامية في الرد على بدع ودعاوى السلفية والوهابية). وكتاب (شفاء السقام) للإمام التقي السبكي، هو من أهم وأقدم ما رد عليه في عصره. وقد عجز ابن تيمية من الإجابة عما فيه، بل كان يعظم الإمام السبكي ويعجبه كلامه في (شفاء السقام). وابن عبد الهادي جرو ابن تيمية، حاول - عبثا - في الصارم المنكي - من مواجهة الحجج والأدلة العلمية الواردة في شفاء السقام، لكنه أخفق! ولم يأت بطائل، بل قد أصبح ما ألفه وكتبه في (الصارم المنكي) محلا لنقد العلماء، وتصدوا له بالرد والتنكيل، كما ستقرأ في الفقرة التالية.

 5 - (الصارم المنكي) في نظر العلماء

 قال العلامة الكتاني في ترجمة ابن تيمية، وقوله بالمنع من زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للمسافر إليها: انتدب للكلام معه فيها جماعة من الأئمة الأعلام، فوقوا إليه بها السهام: كالشيخ تقي الدين السبكي، والكمال ابن الزملكاني، وناهيك بهما؟ وتصدى للرد على السبكي: ابن عبد الهادي الحنبلي ولكنه: ينقل الجرح

ص 44

ويغفل عن التعديل، وسلك سبيل العنف، والتشديد!؟ وقد رد عليه، وانتصر للسبكي، جماعة (1). وقال العلامة المحدث السيد عبد العزيز ابن الصديق الغماري: ابن عبد الهادي: سلك في الكتاب (= الصارم) مسلك الافراط الخارج عن قواعد أهل الحديث، فيجب الحذر منه (2). زيادة على سوء الأدب في التعبير مع التقي السبكي، الحافظ، الفاقه، وإتيانه في حقه بما لا يليق بأهل العلم سلوكه. يضاف إلى ذلك ما أتى به من القول الفاسد والرأي الباطل، والخروج عن سبيل السلف في ذلك! وإن زعم أنه ينصر عقيدتهم؟! ويكفيك من ذلك: أنه ذكر الخلاف في مسألة النزول (هل يخلو العرش من الرحمن)! عند نزوله في ثلث الليل؟ أو لا؟ (3) وهذا مما لا ينبغي (4) أن يذكره في كتاب، إلا بليد لا يفقه، ولا يدري ما يخرج من رأسه! وأين يوجد عن السلف هذا التشبيه؟ حتى يبنى عليه الخلاف في (خلو العشر) أو عدم خلوه؟ وهذا مما ينتقده أهل العلم على كثير من بلداء أهل الحديث، كما هو معلوم (5).

(هامش)

(1) فهرس الفهارس ص 277. (2) لكنه لم يرد في (كتب حذر منها العلماء) للسلغي المغمور! بل هو مما يرغب فيه السلفية!؟ (3) أنظر هذه السخافة في الصارم المنكي ص 230 وقبلها وبعدها ما لا يقل سخافة. (4) بل: لا يجوز، ويحرم ألبتة، والاستثناء التالي منقطع، فإن هذا لا ينبغي أن يدعى كتابا، وهو بهذه الدرجة من السقوط! كما هو أكثر مؤلفات السلفية المعاصرين. (5) راجع: التهاني في التعقب على الصغاني، لابن الصديق ص 42. (*)

ص 45

وقال العلامة المعاصر المحدث الشيخ محمود سعيد ممدوح: بعد النظر في (الصارم المنكي) رأيت الهول فيه، فتراه: 1 - يتعنت أشد التعنت في رد الأحاديث. 2 - تطويله للكلام يخرجه عن المقصود إلى اللغو والحشو مع التكرار الممل. 3 - يذكر أبحاثا خارجة عن المقصود. 4 - يطيل الكتاب جدا، ولو اختصر بحذف الخارج، لجاء في جزء صغير. 5 - أما تهجمه على الإمام المجتهد التقي السبكي، فحدث ولا حرج!؟ (1) 6 - وأحيانا يأتي بتعليلات للأحاديث، خارجة على قواعد الحديث. 7 - وقد أكثر في كتابه من الدعاوى على التقي السبكي، من غير برهان، وعند المحاققة نجد الحق مع الإمام المجتهد السبكي (2). 8 - يجزم الواقف عليه بأن عبد الهادي قد ظلمه بصارمه ولم يجب على كثير من مباحثه (3). وقال المعلق على ذيل تذكرة الحفاظ ص 352 عند ذكر الصارم المنكي لابن عبد الهادي: ولقد تهور فيه لابن تيمية في شذوذه، فوقع في أغلاط من حيث الكلام على الأحاديث والاستنباط منها. (ولم تدخل الهوى شيئا إلا أفسدته).

(هامش)

(1) إقرأ نماذج من شتائمه في الفقرة التالية: قاموس شتائم ابن عبد الهادي! (2) لاحظ: رفع المنارة في تخريج أحاديث التوسل والزيارة ص 10 - 11، وهو كتاب نفيس في موضوعه، واعتنى بالرد على الصارم المنكي، وحثالة حشوية العصر: بكر أبو زيد، وعثيمين، وأضرابهما من أجراء الوهابية، وأجرائهم. (3) رفع المنارة ص 13. (*) /

ص 46

الردود على الصارم المنكي: قال العلامة الكتاني: وقد رد عليه، وانتصر للسبكي جماعة، منهم: 1 - الإمام عالم الحجاز في القرن الحادي عشر، الشمس، محمد بن علي بن علان، الصديقي، المكي، له: المبرد المبكي في رد الصارم المنكي. 2 - ومن أهل عصرنا: البرهان إبراهيم بن عثمان السمنودي المصري سماه: نصرة الإمام السبكي برد الصارم المنكي. 3 - وكذا الحافظ ابن حجر، له: الإنارة بطرق حديث الزيارة (1). وقال الكتاني أيضا، في ترجمة أبي الحسنات عبد الحي اللكنهوي الأنصاري الهندي: خاتمة علماء الهند، وأكثرهم تأليفا، وأتمهم تحريرا واطلاعا وإنصافا، ولد (1264 ه‍) وكلامه كله جواهر ودرر، ومات (1304 ه‍). وله في مسألة زيارة القبر النبوي، وشد الرحال له، عدة مصنفات، منها: 4 - الكلام المبرم في نقض القول المحكم. 5 - الكلام المبرور في رد القول المنصور. 6 - السعي المشكور في رد المذهب المأثور. قال رحمه الله: ألفتها ردا لرسائل من حج ولم يزر قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحرم زيارة قبره المعهود في العصور الإسلامية. وكتبه هذه الثلاثة هي كالرد على (الصارم المنكي) لابن عبد الهادي الحنبلي الذي قال عنه: راجعته فوجدته منقلبا على نحر شيخه. ودعوى أنه لم يقدر أحد من المخالفين على معارضته! صادرة عن الغفلة! فقد

(هامش)

(1) فهرس الفهارس ص 277. (*)

ص 47

رده على أحسن وجه ابن علان، ورددت كثيرا من مواضعه في (السعي المشكور) (1). 7 - وفي عصرنا الحاضر (1418 ه‍) رد عليه الأستاذ المحدث الواعي الشيخ محمود سعيد ممدوح، أفضل رد وأحسنه في كتابه القيم (رفع المنارة في تخريج أحاديث التوسل والزيارة) وقد نقلنا عنه في تعاليقنا، وهو مطبوع طبعة ثانية في دار الإمام الترمذي - القاهرة 1418 ه‍. 8 - ورددنا عليه ردا مركزا مفحما في رسالة (زيارة القبر النبوي المعظم وفقنا الله لإصدارها.

6 - قاموس شتائم ابن عبد الهادي

 المتتبع في (الصارم المنكي) لا يجد فيه بعد المناقشات السندية المطولة، غير المنقول عن ابن تيمية في (الجواب الباهر) و(الرد على الاخنائي) كلاما من ابن عبد الهادي، غير ما أضافه من الشتائم والسباب. ولقد تعود المدعون للسلفية على التلفظ بألفاظ نابية ضد معارضيهم فهم لا يتورعون من كل ما هو قذف وسب وشتم، يربؤ المسلم بنفسه أن يتفوه به، ويتعاطاه السلفية! ويدعون مع ذلك اتباع السنة، لكن يخالفونها حيث يجدونها تصرح: (لا تكونوا سبابين). وقد أفرط ابن عبد الهادي الحنبلي التيمي - من أتباع ابن تيمية - في مواجهة الإمام الورع التقي السبكي، بكل ما جرى على فمه وخرج من رأسه، يحاول بذلك إرضاء نفسه، لما يجدها قاصرة من مواجهة حجج الإمام ومحكم أدلته:

(هامش)

(1) فهرس الفهارس ص 730. (*)

ص 48

ونحن نورد هنا قائمة ببعض ما أورده في الصارم المنكي، كي يتضح ذلك لكل مسلم ورع، ويعرف بذاءة منطق هؤلاء المتمسلفين المدعين لاتباع الكتاب والسنة (1): ونترك القراء ليقارنوا بين هذا وبينما قرأوه في صدر هذه المقدمة مما قاله العلماء في الإمام السبكي: قال ابن عبد الهادي (الصارم 13) لكون مؤلف الكتاب: رجلا، مماريا، معجبا برأيه، متبعا لهواه، ذاهبا في كثير مما يعتقده إلى الأقوال الشاذة، والآراء الساقطة، صائرا في أشياء مما يعتقده إلى الشبه المخيلة والحجج الداحظة وربما خرق الاجماع في مواضع لم يسبق إليها ولم يوافقه أحد من الأئمة عليها! يقول (ص 14) ما حكاه من الافتراء العظيم والإفك المبين والكذب الصراح! ويقول (الصارم 15): لكنه يطفف ويداهن ويقول بلسانه ما ليس في قلبه... اشتمل عليه [الكتاب] من الظلم والعدوان والخطأ والخبط والتخليط والغلو والتشنيع والتلبيس. ويقول (ص 21) متضمن للتحامل والهوى وسوء الأدب والكلام بلا علم. وقال (الصارم ص 44): هذا المعترض المخذول. وقال (الصارم ص 65) ارتكب أمرا يدل على جهله، أو على أنه رجل متبع لهواه. وقال (الصارم ص 66): كلام المعترض مشتمل على الوهم والإبهام والخبط

(هامش)

(1) لاحظ كتاب (قاموس شتائم الألباني تأليف العلامة الورع السيد حسن السقاف) والألباني واحد من دعاة السفلية البذيئة في عصرنا، ويبدو من اتحاد سيرته مع إمامه ابن تيمية وابن عبد الهادي أنهم خلقوا من طينة خبيثة واحدة، نعوذ بالله منها. (*) /

ص 49

والتخليط - والتلبيس... فهو جاهل مخطئ بالإجماع أو معاند صاحب هوى متبع لهواه، مقصوده الترويج والتلبيس وخلط الحق بالباطل. ويقول (ص 71): على ما في كلامه من الكذب وسوء الأدب... من الجور والعدوان والظلم.. مما وقع فيه من التخليط والتلبيس. (الصارم 87): كلام المعترض (مزوق غير محقق ولا مصدق، بل فيه من الوهم والإبهام والتلبيس والخبط والتخليط ودفع الحق وقبول الباطل). (الصارم ص 285) جرأة المعترض وإقدامه على تكذيب ما لم يحط بعلمه بغير برهان، بل بمجرد الهوى والتخرص، وليس هذا ببدع منه، فإنه قد عرف منه مثل ذلك في غير موضع... بل حمله فرط غلوه ومتابعته هواه على نسبة أمور عظيمة لا أحب ذكرها وهكذا عادته ودأبه يكذب النصوص الثابتة أو يعرض عنها، ويقبل الأشياء الواهية التي لم تثبت والأمور المجملة الخفية ويتمسك بها بكلتا يديه. ويقول (ص 295) صدرت منه عن الفهم الفاسد والهوى المتبع. ويقول (334) ما تضمنه من الغلو والجهل والتكفير بمجرد الهوى وقلة العلم أفلا يستحي من هذا مبلغ علم أن يرمي أتباع الرسول؟ ويقول (ص 334) هذا المعترض وأشباهه من عباد القبور!؟ ويقول (ص 341) في هذا الكلام من التلبيس والتمويه والغلو والتخليط والقول بغير علم! واعلم أن هذا المعترض من أكثر الناس تلبيسا وخلطا للحق بالباطل! إلى غير ذلك مما كاله ابن عبد الهادي وسود صحائف أعماله من الشتائم!! على الإمام السبكي الذي وصفوه بأنه (شيخ الإسلام) من أوعية العلم، كان صادقا متثبتا خيرا دينا متواضعا - وهذا كله من كلام الذهبي - التقي البر العلي القدر، جم

ص 50

الفضائل، حسن الديانة، صادق اللهجة، جمع الزهد والورع والعبادة الكثيرة،... والشدة في دينه، له عدالة الأصل وأصالة القول... ومكانة الدين والفضل! أهكذا تسبه، وتتجاوز على مقامه! يا بن عبد الهادي!

 7 - نصيحة للمغترين بالسلفية في عصرن

 وبعد معرفتنا بالعيان عظمة الإمام السبكي، وموقعه المقبول لدى طوائف الأمة من علمائها خاصة، ومؤرخيها عامة، حتى أعداءه وخصومه الحنابلة والتيمية، لم يجرءوا أن ينبسوا - ضده - ببنت شفه! وبعد معرفتنا بما أقدم عليه ابن عبد الهادي الحنبلي، في غمط حق السبكي مما أدى إلى تذمر العلماء. والفضلاء، وجميع القراء المنصفين، وذمهم لطريقته المتعنتة، والجافية، والخاطئة، فردوه وانتقدوه، وقد بتر الله عمره، لما تجاسر على شيخ الإسلام السبكي وإمام عصره! نرى من الواضح بطلان ما عليه سفلية العصر، من أجراء الوهابية وأجرائهم، من الاغترار بما لفقه ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) فنجدهم يرفعون عقيرتهم بما فيه، ويفتخرون به، كالعنين يفتخر بهن أبيه! ولكن نحن ندعو العقلاء، إلى الاعتبار من تاريخ ابن عبد الهادي وما خلفه بهذا الكتاب (= الصارم) لنفسه من العار والمذمة والشنار. كما بتر الله عمره، لما تجاسر على الحق وعلماء عصره، وخالف المسلمين كافة، بتوجيه الإهانة إلى زائري مرقد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم! ندعوهم أن يعتبروا بذلك، وأن يتركوا الجدال بالباطل، والتمادي في الغي، باتباع الحزب السلفي الجاهل. وأن يعودوا إلى صف الأمة الإسلامية، ويتأملوا - لا بعين السخط - كلمات

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

شفاء السقام في زيارة خير الأنام - ص -

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب