أجوبة الشبهات العقائدية

الصفحة السابقة

أجوبة الشبهات العقائدية

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 325

 

الفصل العاشر: في جواب شبهة ما يتعلق بالشفاعة والتوسل بالنبي والأئمة

 

ص 326

 

الكلام في الشفاعة

 

منعت الوهابية طلب الشفاعة من الأنبياء والصالحين وجعلوه شِركاً وكفراً تحلّ به دماء المستشفعين وأموالهم قال محمد بن عبد الوهاب: إنّ طلب الشفاعة من النبي عبادة له وكل عبادة لغير الله شرك فطلب الشفاعة من النبي شرك.

الجواب

عن هذه الشبهة يتوقف على مقدمة وهي أنّ الشفاعة في اللغة من الشفع وهو وإنْ كان بمعنى زوج في مقابل فرد، إلا أنّه في الاصطلاح عبارة عن طلب العفو عن الذنوب والجرائم من الأنبياء والصالحين لكي يخفّف أو يسقط عقاب تلك الذنوب. ومحل الكلام في المقام هو الشفاعة بهذا المعنى، فالشفاعة توجب رفع العقاب عن العبد بعد استحقاقه له، ولا تتحقق الشفاعة المصطلحة إلا في الحياة الأخروية وتظهر نتيجتها فيها فيكون ظرف الشفاعة هو الآخرة والدليل على ذلك ما ورد في القرآن الكريم حيث عرّف ظرفها اليوم الآخر قال تعالى: (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا

ص 327

شَفَاعَةٌ)(335) إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أنّ الكلام يقع في الأمور التالية: 1- أثر الشفاعة. 2- فلسفة الشفاعة. 3- مبررات تشريع الشفاعة. 4- كلمات علماء الإسلام في الشفاعة. 5- شرائط شمول الشفاعة. 6- الإشكالات حول الشفاعة. 7- جواز طلب الشفاعة من الأنبياء والأولياء. 1- الكلام في أثر الشفاعة هل هو إسقاط العذاب أو زيادة الثواب؟. اختلف المسلمون في أثر الشفاعة هل هو حطّ ذنوب المذنبين وإسقاط العقاب عنهم أو هو زيادة الثواب ورفع الدرجات للمؤمنين؟. والثاني هو مذهب المعتزلة والأوّل هو مذهب جمهور المسلمين وهذا هو الحق لوجوه: الأوّل: إنّ مفهوم الشفاعة ليس إلا إسقاط العقاب عن المذنبين. الثاني: مما نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله: (ادّخرت شفاعتي لأهل

(هامش)

(335) سورة البقرة آية 48.

> ص 328

الكبائر من أمّتي)(336) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الله يخرج قوماً من النار بالشفاعة)(337) الثالث: إنّ الشفاعة هي للمحتاج الذي هو الفاسق، وأمّا المؤمن المستغني فالشفاعة له عبث. 2- أمّا فلسفة الشفاعة فهي ما يلي: 1- بعث الأمل ومواجهة روح اليأس، ومن المعلوم أنّ الأمل بالشفاعة يساعد على الكفّ عن إرتكاب المزيد من الذنوب والعودة إلى الصلاح والتقوى. 2- إيجاد العلاقة المعنوية مع أولياء الله، لأن الشفاعة مرهونة بوجود نوع من العلاقة بين الشفيع والمشفوع له. ومن المؤكد أنّ مرتجي الشفاعة يسعى دائماً لإقامة نوع من العلاقة مع الشفعاء وفعل ما يرضيهم. 3- الاهتمام بسلسلة الشفعاء وتحصيل القرب معهم لئلّا يحرم من شفاعتهم. 3-مبررات تشريع الشفاعة، ولتشريع الشفاعة مبررات:

(هامش)

(336) سنن ابن ماجه ج2 ص1441 ح4310، مسند أحمد ج3 ص213 (337) صحيح مسلم ج1 ص122، صحيح البخاري ج7 ص202 .

ص 329

منها: ابتلاء الناس بالذنب والتقصير. ومنها: سعة رحمته سبحانه وتعالى لكل شيء إذ أنّ التدبّر في الآيات القرآنية يبين أنّ رحمة الله سبحانه واسعة تسع كل الناس إلا من بلغ إلى حدٍّ لا يقبل الغفران كما قال تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ)(338). ومنها: الآثار البناءة والتربوية للشفاعة. وذلك أنّ تشريع الشفاعة والاعتراف بها في النظام الإسلامي إنّما هو لأجل غايات تربوية تترتّب على ذلك التشريع والاعتقاد به. وذلك، لأنّ الاعتقاد بالشفاعة المقيدة بشروط معقولة من شأنه بعث الأمل في نفوس العصاة والمذنبين ويدفعهم إلى العودة عن سلوكهم الإجرامي، وإعادة النظر في منهج حياتهم الشريرة ويمسكهم عن الاستمرار فيما هم عليه من التمرّد والعصيان؛ وذلك لأنّهم إذا رأوا أنّ الرجوع عن منتصف الطريق الباطل إلى طريق الحق والصواب سينقذهم فيقومون في إصلاح أنفسهم حتى يكونوا قابلين للشفاعة. 4-كلمات علماء الإسلام في الشفاعة: وأمّا كلمات علماء الإسلام في الشفاعة فهي ما يلي: 1- قال الشيخ المفيد (رحمه الله): (اتفقت الإمامية على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمّته، وأنّ أمير

(هامش)

(338) سورة النساء آية 48.

ص 330

المؤمنين (عليه السلام) يشفع لأصحاب الذنوب من شيعته، وأنّ أئمّة آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يشفعون كذلك وينجي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك وزعمت أنّ شفاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للمطيعين دون العاصين وأنه لا يشفع في مستحق العقاب من الخلق أجمعين)(339). 2- قال الشيخ الطوسي: (حقيقة الشفاعة عندنا أن يكون في إسقاط المضار دون زيادة المنافع والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيشفعه الله ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصراط لما روي من قوله( (ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي) والشفاعة ثبتت عندنا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ص) وكثير من أصحابه ولجميع الأئمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين(340) 3- يقول القاضي عياض من أهل السنة بجواز الشفاعة عقلاً ووجوبها نقلاً بصريح الآيات وبالخبر الصادق، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين وقد أجمع السلف الصالح عليها(341). 4- قال الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير المالكي في كتابه (الانتصاف) (وأمّا من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها، وأمّا من آمن بها وصدّقها وهم أهل السنة والجماعة فأولئك يرجون رحمة الله،

(هامش)

(339) أوائل المقالات ص 15 (340) التبيان ج1 ص213 - 214 (341) شرح صحيح مسلم 3 ص35.

ص 331

ومعتقدهم أنّها تنال العصاة من المؤمنين وإنّما ادخرت لهم - إلى أن قال - وأدلة ثبوتها لا تحصى كثرةً ورزقنا الله الشفاعة)(342). 5- قال نظام الدين القوشجي في شرحه على (تجريد الاعتقاد) (اتّفق المسلمون على ثبوت الشفاعة لقوله تعالى (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً)(343). 6- قال الفاضل المقداد في شرحه (منهج المسترشدين): وأما ثبوت الشفاعة فلوجوه: الأول: الإجماع، والثاني: قوله تعالى (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)والفاسق مؤمن فوجب دخوله في من يستغفر له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)(344). 8- قال المحقق الدواني: الشفاعة لدفع العذاب ورفع الدرجات حق لمن أذن له الرحمن من الأنبياء والمؤمنين بعضهم لبعض لقوله تعالى (يَوْمَئِذٍ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً)(345) وهناك أقوال كثيرة تركنا ذكرها تجنباً للإطالة فأجمعت الأمّة الإسلامية على ثبوت الشفاعة في الآخرة.

(هامش)

(342) الانتصاف بهامش الكشاف ج1 ص214 (343) سورة الإسراء آية 79 (344) إرشاد الطالبين ص206 (345) سورة طه آية 109، شرح العقائد العضدية ج2 ص270

ص 332

 

5- شرائط شمول الشفاعة:

 

ونكتفي بذكر بعض شرائطها كما وردت في الروايات: 1-عدم الشرك بالله شيئاً قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (شفاعتي نائلة إن شاء الله من مات ولا يشرك بالله شيئاً)(346). 2-شهادة الشهادتين بإخلاص، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (شفاعتي لمن يشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً يصدّق قلبه لسانه ولسانه قلبه)(347). 3-عدم الغشّ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (من غشّ العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودّتي)(348). 4- عدم نصب العداء لأهل البيت (عليهم السلام)، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إن المؤمن ليشفع لحميمه إلا أن يكون ناصباً ولو أنّ ناصباً شفع له كل نبي مرسل وملك مقرّب ما شفعوا)(349). 5- عدم الاستخفاف بالصلاة، قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لمّا حضر أبي الإمام الصادق قال لي: (يا بنيّ إنّه لا ينال

(هامش)

(346)  مسند أحمد ج5 ص222 (347) مسند أحمد ج2 ص307 (348) مسند أحمد ج1 ص72 ، وسنن الترمذي ج5 ص381 والمراد من العرب المسلمون لأن المسلمون يوم ذاك كانوا منحصرين في العرب (349) ثواب الأعمال للصدوق ص251.

ص 333

شفاعتنا من استخفّ بالصلاة)(350). 6- عدم التكذيب بشفاعة رسول الله، قال علي بن موسى الرضا( قال أمير المؤمنين ( (من كذب بشفاعة رسول الله لم تنله(.

 

6-الإشكالات حول الشفاعة:

 

الإشكال الأوّل:

لا شك في أنّ الشفاعة لا تشمل جميع ألوان الجرائم والمعاصي وعامّة أنواع العصاة والمجرمين، وإنما الشفاعة في بعض الأنواع، ومن هنا يأتي الإشكال ويقال حينئذٍ يصبح قانون الشفاعة باطلاً لاستلزامه التفريق بين المجرمين ولازم ذلك هو الترجيح من غير مرجح؛ إذ عندئذ يطرح هذا السؤال ويقال: أنّ حقيقة كل جرم هي التجاوز على الحدود وكل مجرم يتعدّى على حدود الله وإذن فما معنى أن يقع بعض أقسام الجرم والمجرمين في إطار الشفاعة دون البعض مع اشتراك الجميع في هدم الحدود والجميع تجاوزٌ وعدوان أليس هذا التمييز والتفريق ترجيحاً بلا مرجح؟!

الجواب:

إنّ ما زعمه المستشكل من استلزام الشفاعة الترجيح بلا مرجّح والتفريق

(هامش)

(350) الكافي ج3 ص270 والتهذيب للطوسي ج9 ص107.

ص 334

في القانون إنما يتمّ إذا كان جميع أنواع الجرم وأنواع المجرمين في درجة واحدة. وأمّا إذا كان للجرم مراتب أو كان المجرمون على درجات فلا يلزم الإشكال المذكور. ولا يستوي من أحرق منديلاً واحداً عدواناً، ومن أحرق مصنعاً كبيراً بما فيه من مئات العمال فكلا العملين تجاوز وعدوان وجرم ولكن هناك فرق شاسع بين العملين؛ إذ العمل الثاني جرم لا يُغفر فلا يلزم من دخول المجرم الأوّل في إطار الشفاعة دون الثاني الترجيح بلا مرجّح.

الإشكال الثاني:

إنّ تشريع الشفاعة يجرّ إلى التمادي في العصيان واستمرار المجرم في جرمه وعدوانه رجاء غفران ذنوبه بالشفاعة.

الجواب:

إنّ الشفاعة بمفهومها الإسلامي تعتبر نتيجة لنوع من العلاقة بين الشفيع (أولياء الله) والمشفوع له، وهذه العلاقة مرهونة بإذن الله تعالى ونظراً إلى هذه العلاقة كان أصل الشفاعة رادعاً عن ارتكاب الذنب لئلّا يخرج عن إطار قابلية الشفاعة فالاعتقاد بالشفاعة مانع عن ارتكاب المعصية لا أنه تشجيع عليها.

الإشكال الثالث:

إنّ الشفاعة لا تتناسب مع العدل الإلهي إذ كيف تنجو طائفة من أهل

ص 335

المعاصي من العذاب الإلهي بالشفاعة وتقع الأخرى في مخالب ذلك العذاب ألا يعتبر هذا التمييز منافياً لعدل الله تعالى؟ وقد يطرح هذا السؤال بصيغة أخرى فيقال: إن كان العقاب الرّباني للمذنبين عدلاً، إذن فطلب أولياء الله الشفاعة تعطيل للعدل.

الجواب:

إنّ مجازاة المذنب هو عين العدل، وأمّا قبول الشفاعة فهو نوع من التفضّل لأجل ما يمتاز به المشفوع له من أرضية صالحة من جهة، وتكريماً واحتراماً للشفيع من جهة أخرى.

الإشكال الرابع:

إنّ الإعتقاد بالشفاعة وتأثير دعاء الشفيع وطلبه رفع العقوبة يتناقض مع الأصل الذي أسسه القرآن الكريم إذ جعل مصير كل أحد قيد عمله ورهن سعيه حيث قال تعالى (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إلا مَا سَعَى)(351) وقوله تعالى (هَلْ تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(352) فهذه الآيات تجعل الجزاء قيد العمل والسعي وأنّه نتيجة لذلك فكيف يجتمع هذا مع الشفاعة التي ليست لها واقعية كواقعية السعي والعمل، بل موجب لفوز الإنسان ونجاته بسبب دعاء الغير ووجاهته ومكانته من سعي صادر عن المشفوع له؟

(هامش)

(351) سورة النجم آية 29 (352) سورة يونس آية 52.

ص 336

الجواب يمكن بوجهين:

1- بالنقض: فإنّ القرآن يصرّح بأنّ دعاء الغير سبب لمغفرة الذنوب قال تعالى في حملة العرش: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)(353) فحينئذٍ لو كان ما ذكره في الإشكال صحيحاً فكيف يكون دعاء حملة العرش موجباً للمغفرة؟ وبملاحظة هذه وما ورد من الحث والتأكيد على دعاء المؤمن في الفرائض والنوافل يتّضح أنّ لآية السعي مفاداً غير ما ذكره في الإشكال كما يأتي في الوجه الثاني من الجواب. 2- بالحل: فإنّ الشفاعة في الحقيقة فرع للسعي الذي قام به المشفوع له وتعدّ من آثاره وتوابعه إذ لولا عمله وسعيه وجدّه واجتهاده في الإيمان بالله وإقامة الفرائض والاجتناب عن المحرمات في الجملة لما نالته شفاعة الأولياء فالسعي هو المصحّح للشفاعة والموجب للمغفرة بدعاء الشفيع. هذه جملة من الإشكالات.

 

7- جواز طلب الشفاعة من الأنبياء والأولياء

 

بقي الكلام في الأمر السابع وهو جواز طلب الشفاعة من الأنبياء والأولياء هل يجوز طلب الشفاعة أم لا يجوز؟ هنا قولان: قولٌ بالجواز

(هامش)

(353) سورة الغافر آية 7.

ص 337

وقولٌ بعدم الجواز

ويمكن الاستدلال على جواز طلب الشفاعة بوجوه: الأول: أنّ حقيقة الشفاعة ليست إلا دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والوليّ في حقّ المذنب وحينئذ فلا مانع من طلبها من الأنبياء والصالحين؛ لأنّ غاية هذا الطلب هو طلب الدعاء ولا شك في جواز طلب الدعاء من الغير. فحاصل الكلام في المقام أنّ طلب الشفاعة طلب للدعاء فلا وجه لمنع الاستشفاع من الصالحين إذا كان مآله إلى طلب الدعاء إذ طلب الدعاء من الصالحين ليس من الشرك. الثاني: إن الأحاديث الإسلامية وسيرة المسلمين تكشفان عن جواز هذا الطلب، ووجوده في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد روى الترمذي في (صحيحه) عن أنس قوله: سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشفع لي يوم القيامة فقال: (أنا فاعل)، قال: قلت: يا رسول الله فأين أطلبك؟ فقال: (أطلبني أوّل ما تطلبني على الصراط)(354) فإن السائل يطلب بصفاء ذهنه وسلامة فطرته من النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) الشفاعة من دون أن يخطر بباله أنّ في ذلك الطلب نوع من العبادة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ص) كما يزعم الوهابيون. وروى المفيد عن ابن عباس أنّ أمير المؤمنين لمّا غسَّل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكفّنه كشف عن وجهه وقال: (بأبي أنت وأمّي طبت حيّاً وطبت ميّتاً أذكرنا عند

(هامش)

(354) صحيح الترمذي ج4 ص42 ما جاء في شأن الصراط.

ص 338

ربك)(355). وروي أنه لمّا توفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أقبل أبو بكر فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله وقال: (بأبي وأمّي طبت حيّاً وميّتاً أذكرنا يا محمد عند ربك)(356) وهذا استشفاع يدل على طلب أن الشفاعة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أمراً جائزاً ورائجاً. الثالث: أنه قد عقد الكاتب محمد نسيب الرفاعي مؤسس الدعوة والمدافع القوي عن الوهابية باباً تحت عنوان (توسّل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن إليه) واستدلّ بالقرآن والسنة الصحيحة فإذا كان ذلك جائزاً فلِمَ لا يجوز طلب الشفاعة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله بعد كون الجميع مصداقاً لطلب الدعاء؟! وذهب ابن تيمية وهو مؤسّس مدرسة محمد عبد الوهاب إلى أنّه لا يجوز طلب الشفاعة من الأنبياء والأولياء واستدلّ القائل بحرمة طلب الشفاعة بوجوه: الأول: أنّ طلب الشفاعة من الشفعاء عبادة لهم وهي موجبة للشرك أي الشرك في العبادة فإنّك إذا قلت: يا محمد اشفع لنا عند الله فقد عبدته بدعائك والدعاء مخّ العبادة فيجب عليك أن تقول: اللَّهم اجعلنا ممّن تناله شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

(هامش)

(355) مجالس المفيد ص102 المجلس الثاني عشر (356) كشف الارتياب ص 265.

ص 339

الجواب عن هذا الاستدلال:

واضح كل الوضوح بعد الوقوف على ما هو معنى العبادة، فإنّ العبادة ليست مطلق الدعاء ولا مطلق الخضوع ولا مطلق طلب الحاجة، بل حقيقة العبادة عبارة عن الدعاء أو الخضوع أمام من يعتقد بألوهيّته وربوبيّته وأنّه الفاعل المختار والمتصرّف بلا منازعٍ في الكون. وبعبارة أخرى العبادة هي الخضوع عن اعتقاد بألوهيّة المسؤول وربوبيّته واستقلاله في ذاته، وعلى ذلك فطلب الشفاعة إنّما تُعدّ عبادة للشفيع إذا كان مقروناً بالاعتقاد بألوهيته وربوبيته وأنه مالك لمقام الشفاعة وأمّا إذا كان الطلب مقروناً باعتقاد أنّه عبد من عباد الله الصالحين يتصرّف بإذنه سبحانه وتعالى للشفاعة وارتضاه للمشفوع له فلا يعدّ عبادة للشفيع. الثاني: إنّ طلب الشفاعة يشبه عمل عبدة الأصنام في طلبهم الشفاعة من آلهتهم الباطلة قد حكى القرآن ذلك العمل منهم حيث قال سبحانه وتعالى (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ)(357) وعلى هذا فالاستشفاع من غيره تعالى عبادة لهذا الغير.

الجواب عن هذا الوجه الثاني:

واضح أيضاً أنك إذا أمعنت النظر في ما أفادته الآية لا تجد فيه أيّة دلالة على أنّ شركهم كان لأجل الاستشفاع بالأصنام وكان هذا هو المحقق

(هامش)

(357)  سورة يونس آية 18.

ص 340

لشركهم وجعلهم في عداد المشركين

وتوضيح ذلك: إنّ المشركين كانوا يقومون بعملين: العبادة ويدل عليه قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ) و(طلب الشفاعة) ويدل عليه قوله تعالى (وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا) وكان علّة اتّصافهم بالشرك هو الأوّل دون الثاني، ولو كان الاستشفاع بالأصنام عبادة لها في الحقيقة لما كان هناك مبرر للإتيان بجملة (وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا)بعد قوله: (وَيَعْبُدُونَ) إذ لا فائدة لهذا التكرار، إذاً لا دلالة في الآية على أن الاستشفاع بالأصنام كان عبادة فضلاً عن كون الاستشفاع بالأولياء المقربين عبادة لهم. نعم ثبت بأدلة أخرى، لا من الآية، بأنّ طلب الاستشفاع بالأصنام يعدّ عبادة لهم وذلك عندما نقول بأنّ المشركين كانوا يعتقدون بألوهيّتها وربوبيّتها.

الوجه الثالث من الاستدلال

أن يقال بأنّ طلب الشفاعة من غيره سبحانه وتعالى حرامٌ فإنّ ذلك دعاءٌ لغير الله وهو حرام بقوله تعالى (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً)(358) والمراد من الدعوة كما في الآية الثانية هو العبادة والمعنى أنّ عبادة غير الله حرام فالدعوة من غير الله ولو طلب الحاجة من غيره تعالى حرامٌ.

الجواب عن هذا الاستدلال يمكن بوجوه:

الأول: أنّ المراد من الدعاء في قوله تعالى (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً)

(هامش)

(358) سورة الجنّ آية 18.

ص 341

ليس مطلق دعوة الغير، بل الدعوة الخاصة المترادفة للعبادة، وعليه يكون المراد من النهي عن دعوة الغير هو الدعوة الخاصة المقترنة بالاعتقاد بكون المدعو ذا اختيار تامّ في التصرف في الكون فإنّ طلب الشفاعة مقترناً بهذه العقيدة يعدّ عبادة وإلا فيكون طلب الشفاعة كسائر الطلبات من غيره تعالى الذي لا يشك أحد في عدم كونها عبادة. الثاني: أن المنهي عنه هو دعوة الغير بجعله في رتبته تعالى، كما يفصح عنه قوله (مَعَ اللهِ) وعلى ذلك فالمنهي عنه هو دعوة الغير وجعله مع الله لا ما إذا دعا الغير معتقداً بأنّه عبد من عباده لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضرّاً. الثالث: أنّ الدعاء ليس مرادفاً للعبادة وما ورد في الآية والرواية من تفسير الدعاء بالعبادة لا يدل على الترادف، لأنّ المراد بالدعاء المرادف للعبادة هو قسم خاص منه وهو الدعاء المقترن باعتقاد الألوهية والربوبيّة في الدعوة.

الوجه الرابع من الوجوه التي استدل بها القائل بحرمة طلب الشفاعة

وحاصل هذا الوجه أنّ الشفاعة حق مختصٌ بالله سبحانه وتعالى لا يملكه غيره فطلبها من غير مالكها أمرٌ غير صحيح قال تعالى (قُل للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً)(359)

(هامش)

(359) سورة الزمر آية 44.

ص 342

الجواب:

أن المراد من قوله تعالى (قُل للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً (ليس أنه تعالى هو الشفيع دون غيره، بل المراد أن المالك لمقام الشفاعة هو الله تعالى، وأنّه تعالى لا يشفع أحد في حق أحدٍ إلا بإذنه للشفيع وارتضائه للمشفوع له، ولكن هذا المقام ثابت لله تعالى بالأصالة والاستقلال ولغيره بالاكتساب والإجازة.

الخامس: أنّ طلب الشفاعة من الميّت أمرٌ باطلٌ

جعل الوهابيون طلب الشفاعة من الأنبياء والصالحين أمراً لغواً، لأنهم أموات لا يسمعون ولا يعقلون وهذا الاستدلال باطل من وجوه: الأول: أنّ الآيات صريحة في أن المقتولين في سبيل الله أحياء يرزقون حيث قال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)(360)وهل يجد الوهابيّ مبرراً لتأويل الآية مع هذه الصراحة إذ أخبرت الآية عن حياتهم ورزقهم عند ربهم وبناءً على ذلك فلو كان الشفيع أحد الشهداء في سبيل الله فهل يكون هذا الطلب لغواً؟! الثاني: أنّ البراهين العقلية أثبتت تجرّد النفس وبقاءها بعد مفارقة الروح عن البدن فليس الميّت ممن لا يسمع ولا يعقل. الثالث: إنّ القرآن يعدّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شهيداً على الأمم جمعاء ويقول

(هامش)

(360) سورة آل عمران آية 169.

ص 343

سبحانه وتعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً)(361) فهذه الآية صريحة بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شاهد على الشهود الذين يشهدون على أممهم فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شاهداً على الأمم جمعاء أو على شهودهم فهل تعقل الشهادة بدون الحياة وبدون الاطّلاع على ما يجري فيهم من الأمور من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان؟ فيكون طلب الشفاعة من النبي الأكرم الذي هو حيّ بنصّ القرآن أمراً صحيحاً معقولاً. السادس: أن القرآن يصرّح بوضوح أنّ الموتى لا يسمعون ولا يبصرون فكيف يشفعون؟! قال تعالى (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)(362) وقال تعالى (إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ)(363) ومفاد الآيتين أنّ الأموات مطلقاً غير قابلين للإفهام.

الجواب:

أنّ مفاد الآيتين هو نفي السماع والإفهام عن الأموات المدفونين في القبور، أي أجسامهم، فإنهم أصبحوا بعد الموت كالجماد لا يفهمون ولا يسمعون، وهذا غير القول بأن الأرواح المفارقة للأبدان غير قابلة للإفهام ولا للإسماع والآيتان تدلّان على عدم إسماع الأموات والمدفونين في القبور

(هامش)

(361) سورة النساء آية 41 (362) سورة النمل آية 80 (363) سورة فاطر آية 22.

ص 344

ولا تدلّان على عدم إمكان تفهيم الأرواح المفارقة للأبدان العائشة في عالم البرزخ عند ربّهم. ومن المعلوم أنّ خطاب الزائر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (يا محمد اشفع لنا عند الله) لا يشير إلى جسده المطهر، بل إلى روحه الزكيّة الحيّة العائشة عند ربّها. فنتيجة البحث هي صحة الشفاعة وجواز طلب الشفاعة من الأنبياء والأولياء فيقع الكلام في جواز التوسل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الأطهار.

ص 245

الكلام في التوسل بالنبي والأئمة (عليهم السلام)

 

شبهة الوهابية في التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة من أهل البيت ( أنّ الوهابييّن أغرقونا شتماً وتكفيراً لأنّنا نتوسّل بهم إلى الله تعالى ونجعلهم الشفعاء عنده ونحتفل بذكرياتهم ونقبل أضرحتهم ويقولون أنّ التوسل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وجعلهم شفعاء إلى الله تعالى شرك لأنه مخالف لصريح القرآن إذ قال تعالى: (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً) ومخالف لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ص) إذ قال لابن عباس: (إذا استعنت فاستعن بالله وإذا سألت فاسأل الله)(364) والقرآن يقول: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)(365) ويقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)(366)

الجواب:

أوّلاً - إنّ هذا الاعتراض موجّه إلى كل المسلمين لأنّ الشفاعة، كما عرفت في بحث الشفاعة، من أصول الإسلام عند جميع المسلمين إذ أجمع

(هامش)

(364)  مسند أحمد ج1 ص303 (365) سورة غافر آية 60 (366) سورة البقرة آية 186.

ص 246

علماء الإسلام على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحد الشفعاء يوم القيامة مستدلين على ذلك بقوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) (367)(وبقوله تعالى: (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودا)((368) وفسرت الآيتان بالشفاعة فالمقام المحمود هو مقام الشفاعة والذي أُعطي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو حق الشفاعة الذي يرضيه. وثانيا: أنّ ما تقدم من الآيات القرآنية يجب أن تُفسر بما لا يصدم مع العقل ولا يتنافى مع الآيات القرآنية الأخرى ويجب أن نميّز الحد الفاصل بين التوحيد والشرك لئلّا نتورّط في تكفير مسلم وهو من أعظم الجرائم. والحق في الجواب عن الآيات القرآنية وحديث الاستعانة أن يقال أنه لا يراد بقوله تعالى (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً( حرمة مطلق دعوة أحد غير الله فلا تكون الآية شاملة لقولك (يا سقاء اسقني فإني عطشان) كما أنّ حرمة الاستعانة بغير الله الواردة في قوله تعالى: (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)(369) وفي الحديث (إذا استعنت فاستعن بالله) غير شاملة لكل استعانة بالآخرين لئلا يتنافى مع قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى)(370) وقوله تعالى

(هامش)

(367) سورة الضحى آية 5 (368) سورة الإسراء آية79 (369) سورة الفاتحة آية 5 (370) سورة المائدة آية 2.

ص 347

(وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ)(371) فحرمة دعوة غير الله والاستعانة بغير الله والدعوة لغير الله المحرمة هو الاعتقاد بألوهيّة الغير مع الله تعالى وعبادته مع الله والاستعانة باعتقاد إستقلاليّته في التأثير والألوهية فهذا هو الشرك المنهي عنه وهو من أوضح الواضحات، ولكن الوهابيين إمّا جهلة في الحقيقة أو متجاهلون إذ ليس هناك من المسلمين من يعتقد بألوهيّة محمد واستقلاله في التأثير حين يقول يا محمد اشفع لي أو اشفِ مرضي!! ونحن الشيعة الإمامية نعتقد من صميم قلوبنا أنّ محمداً وعلياً وحسيناً يقضون حوائجنا بإذن الله تعالى فنتوسّل بهم ونجعلهم الشفعاء ولنا على ذلك أدلّة من الكتاب والسنة:

فمن الكتاب:

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ)(372) والوسيلة في اللغة بمعنى الصلة والقربة، تقول: توسلت إليه أي تقربت إليه وحينئذ كما يصح الطلب من الله مباشرة فكذلك يصح مع اتخاذ الوسيلة، والمسلمون كانوا يستشفعون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته بدليل قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ)(373) يدل على شفاعة الرسول للذين ظلموا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنهم رفضوا حكمه

(هامش)

(371) سورة البقرة آية 45 (372) سورة المائدة آية 35 (373) سورة النساء آية 64.

ص 348

وارتضوا حكم الطاغوت وأظهروا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خلاف ما يضمرون وعلى الرغم من هذا فإنّ الله قد فتح لهم باب التوبة وعليهم أن يطلبوا المغفرة، فإن فعلوا أدخلهم في رحمته الواسعة.

وأمّا السنة:

فهناك مجموعة من الروايات تؤكد على استشفاع المسلمين واستشفاءهم ببركة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتبرّكهم بآثار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته وإليك بعض تلك الروايات: جاء في (صحيح البخاري) عن سهل بن سعد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (لأعطينّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه)(374) فبات الناس يدركون أي يخوضون ليلتهم أيّهم يعطاها فلمّا أصبح الناس غدوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلهم يرجون أن يُعطاها، فقال: أين علي؟ فقيل هو يا رسول الله يشتكي عينيه فأرسل إليه فأتى به فبصق في عينيه ودعا له فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شيء وفي رواية أخرى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (إذا توضأ كانوا يقتتلون على وضوئه)(375) فإذا كان الإسلام يلغي اتخاذ الوسيلة إلى الله فلماذا ذكرت الآية أنّهم يتوجّهون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في طلب الاستغفار منه؟ ولماذا كانوا يستسقون ببركة وجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى قال أبو طالب:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه               شمال اليتامى عصمة للأرامل(376)

(هامش)

(374) صحيح البخاري ج4 ص20، وصحيح مسلم ج5 ص 195 (375) عمدة القاري ج3 ص76 (376) أصول الكافي: ج1 ص449.

ص 349

ولماذا كانوا يتبركون بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟! بل ولماذا أمرنا القرآن باتخاذ الوسيلة بكل صراحة في قوله تعالى: (وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ) فإذا كان كل ذلك صحيحاً حسب دلالة الكتاب والسنة القطعية فلماذا يحرم علينا أن نتوسّل بالرسول بعد مماته؟ بعدما عرفنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يختلف في كرامته عند الله حيّاً وميّتاً، لأن الموت في منطق الإسلام ليس إلا فناء الجسد وبقاء الروح والروح ذات الأثر وليس قضاء الحاجة بيد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كي يقال أنه ميّت فلا فائدة للطلب منه بل بيد الله تعالى؛ فالله تعالى يقضي حاجة من يطلب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تكريماً لنبيّه، نعم يعتقد محمد بن عبد الوهاب أنّ عصاه أنفع من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ص) كان يستفاد منه ما دام حيّاً فلمّا مات انعدم وصار كالجماد لا يستفاد منه ولكن عصاه يتوكأ عليها ويرشد الناس ففيها فائدة(377)!! إلا أن هذه العقيدة عقيدة إلحادية مستوردة من الشيوعية لأن الشيوعية الملحدة تعتقد بهذه العقيدة الفاسدة إذ تقول: أنّ الإنسان إذا مات صار معدوماً والمعدوم لا يستفاد منه فكيف يتوسّل العاقل بالمعدوم؟. ولكن الأمر ليس كذلك لأنّ الإنسان إذا مات تنكشف له عوالم لم تكن منكشفة له قبل الموت إذ يقول تعالى (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)(378) فإنّ في هذه الآية إشارة إلى يوم الحساب والجزاء فيقال للكافر أو

(هامش)

(377) شهداء الفضيلة: ص293 -294 (378) سورة ق آية 22.

ص 350

لكل أحد من برٍّ وفاجر لقد كنت في الدنيا غافلاً عن هذا المصير وأمّا هذا اليوم فرفعنا عنك الحجاب الذي كان يمنع رؤيتك والذي كان بينك وبين الأمور الآخرة فبصرك اليوم قويٌ نافذٌ تبصر به ما كان يخفى عليك في حياتك لأنّ كل إنسان يوم القيامة يكون مستبصراً مصيره ومدركاً ما أنكره في الدنيا، فالحقيقة تنكشف وتتجلّى عند الموت وبعده فليس الإنسان بعد الموت كالرماد المنتشر على الأرض كما يزعم إمام الوهّابية، فإنّ الإنسان سواء كان مؤمناً أم كان كافراً إذا مات لا يصير كالجماد لا يحسّ ولا يفهم، وقد قال الغزالي أحد أئمة الشافعية: ظنّ بعضهم أنّ الموت هو العدم، وهذا رأي الملحدين. فمحمد بن الوهاب إمام الوهابية من الملحدين عند الإمام الشافعي، ويجب على القارئ العزيز أن يعرف الأشخاص لا الدين بالأشخاص بمعنى أنّ كل شخص وافق قوله وعمله مع القرآن والسنة النبوية وسيرة السلف الصالح فهو مؤمن لا أن يعرف الدين بالأشخاص بمعنى أنه لا يجوز لنا أن نحسب أقوال شخص وأعماله من الإسلام والدين حتى ولو علمنا بمخالفته الصريحة لكتاب الله وسنّة رسوله والسلف الصالح بل الواجب علينا إذا رأينا زيغاً من شخص ما مهما كانت مكانته نتبرأ منه ونتبّع الحق الذي ظهر لنا من الكتاب والسنة، فلا يجوز لنا أن نعتقد بما يعتقد ابن عبد الوهاب من انعدام الشخص بالموت مع قول الغزالي بأنّ هذا من كلام الملحدين!! ومع تصريح الرسول بأن الشخص يسمع ميّتاً كما يسمع حيّاً كما جاء في (البخاري) أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى قليب بدر وهي الحفرة التي أُلقي فيها المشركون وخاطب المشركين بهذه الكلمة: (إنا قد وجدنا ما

ص 351

وعدنا ربّنا حقاً فهل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقاً)(379) فقيل له إنّك تدعو أمواتاً!! فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما أنتم بأسمع منهم)(380) يعني أنهم يسمعون كما تسمعون ويفهمون كما تفهمون فلو كانوا معدومين لا يسمعون ولا يفهمون لم يكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ص) يخاطبهم. إذاً... وبعدما ثبت أنّ الميت يسمع ويفهم كالإنسان الحيّ فما المانع من التوسّل به بعد موته وطلب الحاجة منه إذا كان من الأنبياء والأولياء؟ وهناك دليل آخر على جواز التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصالحين وهو أنّ الصحابة في زمن حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد وفاته كانوا يتوّسلون به ولم يكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه ولا أحد من بقية الصحابة يمنعونهم عن ذلك ولو كان التوسّل بغير الله شركاً لكانوا نهوا عنه. روى البيهقي(381) وابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ كما عن أحمد بن زيني دحلان أنّ الناس أصابهم قحط في خلافة عمر فجاء بلال بن الحرث إلى قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا رسول الله استسقِ لأمتك فإنهم هلكوا(382) فلو كان نداء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتوسّل به شركاً كما فعله بلال الذي صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مدة غير قليلة وأخذ الأحكام عن شفتي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لنهى عنه بقية الصحابة،وهذا هو من أقوى الأدلة على جواز التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

(هامش)

(379) سورة الأعراف، آية 44 (380) صحيح البخاري ج2 ص101 (381) راجع السنن الكبرى للبيهقي وسيرة أحمد بن زيني دحلان (382) الدرر السنية ص 18.

ص 352

وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا اقترف آدم (عليه السلام) الخطيئة قال: (يا ربّ أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي... الخ)(383) فلو كان التوسل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حراماً وشركاً لما فعله النبي آدم (عليه السلام) وروى الدارمي في (صحيحه) عن أبي الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت: (انظروا قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاجعلوا منه كوّاً إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا فمطروا حتى نبت العشب)(384) وهناك المئات من الشواهد، تجدها في الكتب المبسوطة فإذا كان التوّسل برسول الله أمراً غير محرم ولا شركاً كان التوسّل بالأئمة والصالحين من عباد الله أيضاً جائزاً لأنّ حكم الأمثال فيما يجوز ولا يجوز واحد. خلاصة البحث أنّ التوسّل فعل مشروع بنصّ الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين. نكتفي بهذا المقدار رعاية للاختصار.

(هامش)

(383) خلاصة الكلام للعلامة السمهودي ص17 طبع مصر عام 1305 هجري (384) سنن الدارمي ج1 ص43-44 باب ما أكرم الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)  بعد موته.

ص 353

 

الفصل الحادي عشر: في جواب شبهة ما يتعلق بزيارة قبور الأئمة والتسمح بها.

 

ص 354

اتفقت أمّة الإسلام على استحباب زيارة القبور وقد جرت السيرة المطردة من صدر الإسلام منذ عصر الصحابة على زيارة قبور ضمّتْ في كنفها نبيّاً مرسلاً أو إماماً طاهراً أو وليّاً صالحاً أو عظيماً من عظماء الدين وكانت الصلاة لديها والدعاء عندها والتبرّك والتوسّل بها والتقرّب إلى الله بإتيان تلك المشاهد من الأمور المسلّم بها بين فرق المسلمين من دون أيّ نكير من آحادهم على اختلاف مذاهبهم حتى أولد الدهر ابن تيمية الحراني الذي أخذت عنه الوهابية اليوم معتقداتها، فظهر وجاء بسخافات باطلة أوحاها له إبليس اللعين فأنكر تلك السنّة الجارية وخالف هاتيك السيرة المتبعة. فابن تيمية الذي شدّد النكير على تلك الآداب الإسلامية بلسان بذيء، وبيان تافه ووجوه خارجة عن نطاق العقل السليم وبعيدة عن أدب العلم الرفيع، أدب الكتابة، أدب العفّة، أفتى بحرمة شدّ الرحال لزيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدّ السفر لأجل ذلك سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة. فخالفه أعلام عصره ورجالات قومه فقابلوه بالطعن والردّ الشديد، وأفردوا لذلك كتباً عدّة في الردّ عليه حتى اشتهر بين المسلمين ببدعه وضلالاته، وتبعه القصيمي في قرننا الحاضر فحذا حذوه واتخذ وتيرته، واتبع هواه، فقذف الشيعة وكفّرهم، لأنّهم يقرّون الاعتصام بحبل العترة الطاهرة، ويأخذون منها معتقداتهم التي منها زيارة القبور والدعاء عندها والتوسّل ببعضها كالأنبياء والأولياء والاستشفاع بهم، ومما امتازت به الإمامية اليوم هو زيارة القبور أي قبور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) وتشييدها وإقامة العمارات الضخمة عليها، ولأجلها يضحّون بكل غال ونفيس عن

ص 355

إيمان وطيب نفس وكل ذلك كان لأجل وصايا الأئمة ( وحثّهم شيعتهم على الزيارة وترغيبهم لما لها من الثواب الجزيل عند الله تعالى باعتبار أنّها من أفضل الطاعات والقربات بعد العبادات الواجبة، وباعتبار أن هاتيك القبور من خير المواقع لاستجابة الدعاء والانقطاع إلى الله تعالى وجعلوها أيضاً من تمام الوفاء بعهود الأئمة (عليهم السلام)؛ إذ أنّ لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وأنّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كان أئمّتهم شفعائهم يوم القيامة. وفي زيارة القبور فوائد دينية واجتماعية ما تستحق به العناية من أئمّتنا؛ فإنّها في الوقت الذي تزيد من رابطة الولاء والمحبة بين الأئمة وأوليائهم وتجدد في النفوس ذكرى مآثرهم وأخلاقهم وجهادهم في سبيل الله وسبيل الحق، تجمع في مواسمها أشتات المسلمين المتفرقين على صعيد واحد ليتعارفوا ويتآلفوا، ثم تطبع في قلوبهم روح الانقياد إلى الله تعالى والانقطاع إليه وطاعة أوامره. فهناك جهات من البحث:

1- تقريب الشبهة ببيان أدلة من حرّم زيارة القبور.

2- الأدلّة على مشروعية زيارة القبور.

3- كلمات علماء الإسلام حول زيارة القبور.

4- فلسفة زيارة القبور .

5- بناء القبور وتزيين المشاهد وتقبيل الأضرحة.

ومنع ابن تيمية زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحرّمها مطلقاً مع شدّ الرحال أو

ص 356

بدونه فضلاً عن زيارة غيره.

واستدل الوهابيّون على تحريم زيارة القبور بأمرين: الأول: أنّ زيارتها عبث لا فائدة فيها؛ وهل ينفع الطين والحجر لو زارهما إنسان؟ طبعاً لا، وأما الصلاة والسلام على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا فرق فيها بين القرب والبعد لأنها حاصلة في الحالين، وأمّا مشاهدة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته فلا فضل فيها بذاتها وأمّا زيارته ميتاً فلن يستطيع أحد من الناس أن يثبت لزيارة قبره الشريف فضلاً(385).

الجواب:

إنّ زيارة مطلق القبور فيها نفع للزائر والمزور؛ فهي تنفع الزائر لإتعاظه برؤية القبور واقتباس العبرة من حال الأموات، وتنفع المزور بوصول الثواب والعطاء من الزائر هذا فيما إذا كان المزور غير نبيّ أو وليّ، وأمّا إذا كان نبياً أو وليّاً فالثواب يرجع إلى الزائر لتعظيمه قبور الأنبياء والأولياء. أما زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشدّ الرحال إليه فإنّها نوع التكريم له إذ كل ملّة من الملل تستعظم زيارة زعمائها وتراها فضلاً وشرفاً وتعدّها للزائر مفخرة. وقد جرت على هذا سيرة العقلاء وعليه تعارفت الأجيال في أدوار الدنيا وكان يقدّر الناس سلفاً وخلفاً أعلام الدين بالزيارة والتبرك بهم.

الوجه الثاني للمنع

(هامش)

(385)الغدير ج5 ص90 نقلاً عن (الصراع)  للقصيمي ج1 ص54.

ص 357

أنّ زيارة القبور يعني زيارة أموات غير قابلين للتفهيم، ويستدلون بقوله تعالى: (مَا يَسْتَوِي الأَحْيَاء وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُور ِ* إِنْ أَنتَ إلَّا نَذِيرٌ)(386) وقوله تعالى (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)(387).

الجواب:

إن الزائر للقبور لا يخاطب الجثث الهامدة تحت التراب والّتي تحولت إلى رميم وإنما يخاطب الأرواح الحية القاطنة في عالم خفي عن أبصارنا يسمى بـ(عالم البرزخ( فإذا ذهبنا إلى زيارة قبر نبيّ أو وليّ أو مؤمن ما فإننا نروم من خلال هذا الطريق أن نخلق الاستعداد في أنفسنا لكي نخلق معهم علاقة روحية تؤهلنا للوصول إلى الكمالات المنشودة فضلاً عن أن الأدلّة العقلية لإثبات بقاء الأرواح بعد انفصالها عن الأبدان أنّ من نظر بدقّة إلى آيات الكتاب الكريم يجد بوضوح أنّ مسالة بقاء الأرواح بعد انفصالها عن الأبدان مؤكد و صريح، بل يجب على العباد الإيمان بها من خلال عرض القرآن وإليك بعض الآيات: 1- قوله تعالى: (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ)(388)

(هامش)

(386) سورة فاطر آية 22- 23 (387) سورة النمل آية 80 (388) سورة البقرة آية 155.

ص 358

2- (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )(389). 3- (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً)(390). 4- (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(391). وهذه الآيات تصرح بوضوح على بقاء الروح بعد انفصالها عن الجسد فما تصوّره الوهابيوّن من أنّ زيارة القبور شرك أو لا نفع فيها، ليس إلا مجرّد تهويل على الشيعة وليس له أساس علمي؛ فإنّ روح الإنسان كانت مركز القدرة ومنبع جلّ الكمالات وأنّ واقع الإنسان هو عين روحه ونفسه والجسد كالثوب كُسي به هيكله بمقتضى الضرورة من أجل نمو وتكامل الروح، فالإنسان بعد الموت ليس من الجمادات كما تخيّله الوهابيّون، بل له حياة في عالم البرزخ.

(هامش)

(389) سورة آل عمران آية 169 (390) سورة الفجر آية 27- 28 (391) سورة المؤمنون آية 99-100.

 

الجهة الثانية : في الأدلّة على مشروعية زيارة القبور:

 

وهي الإجماع والكتاب والسنة النبوية:

ص 359

أما الإجماع:

فقد عرفت أن زيارة القبور هي من المسلمات عند كل العقلاء إذاً فلا حاجة إلى إقامة الدليل والبرهان على مشروعيّتها إلا أننا نضطّر إلى إقامة بعض الأدلة عليها ردّاً على الوهابيّة الذين يزعمون عدم مشروعيّتها.

أمّا الكتاب

فكقوله تعالى: (ولاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ)(392) ففي هذه الآية نهى سبحانه وتعالى نبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الصلاة على جنازة المنافق، والقيام على قبره ومعنى النهي عن هذين الأمرين أي الصلاة والقيام على القبر وعدم جوازهما بالنسبة للنبي ولغيره من المكلفين أي لا يجوز لهم أن يقوموا على قبر المنافق مفهوم النهي مطلوبيّة هذين الأمرين لغير المنافق ومورد البحث قوله تعالى (وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ) هل معناه القيام وقت الدفن فقط حيث لا يجوز ذلك للمنافق ويستحب للمؤمن أم أن معناه أعمّ من وقت الدفن وغيره؟ وفي ذلك رأيان أوجههما الثاني أي أنّ النهي عن القيام على قبر المنافق لا يختص فقط بوقت الدفن وإنّما يتعدّاه إلى غيره فيكون مفهومه جواز القيام على قبر المؤمن لزيارته والتبرك بقبره إنْ كان من أهل البركة والخير الجزيل ويستدل على ذلك بأنّ الآية مركبة من جملتين: الأولى: لا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً إذ أنّ لفظة (أحد) بحكم

(هامش)

(392) سورة التوبة آية 84.

ص 360

ورودها في سياق النفي تفيد العموم والاستغراق لجمع الأفراد ولفظة (أبداً) تفيد الاستغراق الزمني فيكون معناها لا تصلِّ على أحد من المنافقين في أيّ وقت كان. الثانية: لا تقم على قبره، وبما أنّ هذه الجملة معطوفة على الجملة السابقة فيكون مفادها كمفاد الجملة الأولى يعني: لا تقم على قبره أبداً وفي كل الأوقات لأنّ أبداً تفيد الاستغراق الزمني، فيكون المقصود من القيام على القبر ليس فقط وقت الدفن الزمني؛ لأن (أبداً) المقدرة في الجملة الثانية تفيد إمكانية تكرار هذا العمل مما يدل على أن القيام على القبر لا يختص بوقت الدفن. وبالجملة فمعنى الآية أنّ الله تعالى نهى نبيّه الأكرم عن مطلق الاستغفار والترحم على المنافق سواء كان بالصلاة أو بمطلق الدعاء، أو نهى عن مطلق القيام على القبر سواء كان عند الدفن أو بعده ومفهوم هذين الأمرين جوازهما على المؤمن الميت وبهذا يثبت جواز زيارة قبر المؤمن، وجواز قراءة القرآن لروحه حتى بعد سنين من موته.

وأما السنّة:

فهناك أحاديث كثيرة تحثّ على زيارة القبور لما في الزيارة من آثار تربوية على الصعيدين الفردي والاجتماعي، وتدلّ على تأكيد استحباب زيارة قبر الرسول( وزيارة قبور الصالحين من المؤمنين. وأما ما يخص زيارة قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فالأحاديث المروية عنها كثيرة جداً

ص 361

إليك بعضها:

1- روى الدار قطني والغزالي والبيهقي وغيرهم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (من زار قبري وجبت له شفاعتي)(393).

2- وروي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة)(394).

3- عن نافع عن ابن عمر، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: (من حجّ ولم يزرني فقد جفاني)(395).

4- عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (من زارني بعد موتي فكأنمّا زارني حيّاً)(396).

5- عن ابن عباس، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (من حجّ وقصدني في مسجدي كانت له حجتان مبرورتان)(397).

فهذه الأحاديث تفيد تأكيد استحباب زيارة قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أفليس

(هامش)

(393) أحمد بن الحسين البيهقي في السنن الكبرى ج5 ص254 باب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إحياء العلوم للغزالي ج4 ص490-491 بيان زيارة القبور والدعاء للميت، الدار قطني في سننه ج2 ص278 باب المواقيت (394) الجامع الصغير للسيوطي ج2 ص605 وكنز العمال ج15 ص625 ح42584 (395) كنز العمال ج5 ص135 ح12369 وتلخيص الحبير لابن حجر ج7 ص418 (396)  سنن الدار قطني ج2 ص244 ح2668 (397) كنز العمال ج5 ص135.

ص 362

قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (من حجّ ولم يزرني فقد جفاني) دالاً على شدّة استحباب زيارته؟. أليس قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (وجبت له شفاعتي) دالاً على شدّة الندب فيها؟  وأما زيارة قبور المؤمنين ففيها أحاديث كثيرة منها: ما ورد عن أبي هريرة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون)(398). ومنها ما ورد عن ابن عباس قال: مرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه وقال (السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر)(399). ومنها: ما عن بريدة قال: كان رسول الله يعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، وأنتم لنا فرط ونحن لكم تبعاً نسأل الله العافية لنا ولكم)(400) وفي حديث آخر قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنّا إن شاء الله

(هامش)

(398) رواه في الغدير ج5 ص170 نقلاً عن أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي (399) فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ج5 ص205 ح6795 (400) سنن الكبرى للبيهقي ج4 ص79.

ص 363

بكم لاحقون)(401).

وأمّا الأحاديث المروية عن أهل البيت ( في زيارة القبور فكثيرة جدّاً تركنا ذكرها رعاية للاختصار.

 

الجهة الثالثة: هي كلمات الأعلام من علماء أهل السنّة حول زيارة القبور

 

وإليك بعضها:

1- قال عزّ الدين الشيخ يوسف الأردبيلي الشافعي: ويستحب للرجال زيارة القبور وتكره للنساء والسنّة أن يقال: (سلام عليكم دار قوم مؤمنين، إنّا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) ـ إلى أن يقال: ـ وأن يقف متوجّهاً إلى القبر، وأن يقرأ ويدعو فإنّ الميت كالحاضر يُرجى له الرحمة والبركة والدعاء عقيب القراءة أقرب إلى الإجابة(402). 2- قال الشيخ زين الدين الشهير بابن نجم المصري الحنفي: لا بأس بزيارة القبور والدعاء للأموات إن كانوا مؤمنين من غير وطء القبور بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا نزورها) ولعمل الأمّة

(هامش)

(401) مسند أحمد بن حنبل ج6 ص221 (402) الأنوار لأعمال الأبرار في الفقه الشافعي ج1 ص124.

ص 364

من لدن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا(403).

3- قال الشيخ محمد الخطيب الشربيني: يسنّ الوضوء لزيارة القبور كما قاله القاضي حسين في (شرح الفروع) يسلّم الزائر للقبور من المسلمين مستقبلاً وجهه ويقرأ عنده من القرآن ما تيسّر ويدعو له عقيب القراءة رجاء الإجابة لأن الدعاء ينفع الميّت وهو عقيب القراءة أقرب إلى الإجابة وعند الدعاء يستقبل القبلة(404). 4- قال الشيخ أبو البركات الحنفي: زيارة القبور مندوبة للرجال وقيل تحرم على النساء والأصحّ أنّ الرخصة ثابتة لهما ويستحب قراءة يس لما ورد: (من دخل المقابر فقرأ يس خفّف الله عنهم يومئذٍ وكان له بعدد ما فيها حسنات) (405). 5- قال الشيخ محمد أمين الشهير بابن عابدين بعد بيان استحباب زيارة القبور. تزار في كل أسبوع كما في (مختارات النوازل(، قال في شرح باب المناسك إلا أنّ الأفضل يوم الجمعة والسبت والاثنين والخميس - إلى أن قال: الموتى يعلمون بزوّارهم يوم الجمعة ويوماً قبله ويوماً بعده فتحصل أنّ يوم الجمعة أفضل(406). 6- قال منصور علي ناصف: الأمر في زيارة القبور للندب عند

(هامش)

(404) البحر الرائق في شرح كنز الدقائق للإمام النسفي ج2 ص342 (405) المغنى ج1 ص357 (406) حاشية غرر الأحكام المطبوعة بهامش درر الأحكام ج1 ص168.

ص 365

الجمهور وللوجوب عند ابن حزم ولو مرة واحدة في العمر. وقال في ص 419 من كتابه: زيارة النساء للقبور جائزة بشرط الصبر وعدم الجزع وعدم التبرّج، وأن يكون معها زوج أو محرم منعاً للفتنة لعموم الحديث(407). 7- قال فقهاء المذاهب الأربعة مؤلفو كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) ج1 ص424 زيارة القبور مندوبة للاتعاظ وتذكرة الآخرة وتتأكّد يوم الجمعة ويوماً قبلها ويوماً بعدها.وينبغي للزائر الاشتغال بالدعاء والتضرع والاعتبار بالموتى وقراءة القرآن للميّت فإنّ ذلك ينفع الميّت على الأصحّ. هذه كلمات أعلام أهل السنة في زيارة القبور واستحبابها فما يقوله الوهابيّون من عدم مشروعيتها مخالف لجميع المسلمين.

 

الجهة الرابعة : في فلسفة زيارة القبور

 

وخلاصة الكلام فيها أنّ القبور التي تحظى باهتمام واحترام المؤمنين بالله سبحانه وتعالى في العالم كله ولا سيما المسلمون منهم هي في الغالب قبور حملة الرسالات الإصلاحية حيث أدّوا مهمّاتهم الموكلة إليهم على أفضل وجه وهؤلاء ينقسمون إلى أقسام ثلاث:

القسم الأول:

الأنبياء والأولياء إذ حملوا رسالة السماء وضحّوا من أجلها بالنفس

(هامش)

(407) التاج الجامع للأصول في أحاديث ج 1 ص418.

ص 366

والمال والجاه وتحمّلوا شتّى أنواع العذاب والتنكيل من أجل هداية الإنسان إلى السعادة الحقة.

القسم الثاني

العلماء والمفكّرون الذين هم تبع للأنبياء والأولياء ومنهم يستمدون أنوار الهداية ويخرجون الناس من ظلمات الجهل إلى نور الطاعة؛ فهؤلاء كالشمعة تحرق نفسها لتضيء للآخرين، وهم كالسراج يحرق زيته ليضيء البيوت التي عمّها الظلام، فالعلماء الذين عاشوا حياة الزهد والحرمات والتقشّف وقدّموا للعالم البحوث القيّمة والتحقيقات الرائعة في مجالات العلم والفكر يستحقون ألف احترام وتقدير من أهل الحق والحقيقة، وحريٌّ بكل إنسان مؤمن أن يقدّرهم ويعظّمهم في الحياة وبعد الممات.

القسم الثالث:

المجاهدون الثائرون الذين ثاروا على الباطل بسيوفهم وقدّموا جماجمهم على صخرة الموت، يحيا بموتهم الدين المبين والناس المؤمنون؛ لأنّ أيّة ثورة أو تغيير اجتماعي لا يقدّر له النجاح إلا بدفع الثمن وأنّ ثمن الثورة التي تستهدف تدمير قصور الظالمين وخنق أنفاسهم هو الدماء الزكيّة التي يضحي بها المجاهدون لحفظ الدين والعقيدة الحقة وإعادة حقّ المظلومين من الظالمين فلهم حق على الناس أن يزوروا قبورهم تقديراً لجهادهم، فإنّ الناس يزورون قبورهم ويذرفون عندها الدموع الممزوجة بعطر المحبة وشوق اللقاء، وتترتّب على زيارتهم فوائد ومصالح

ص 367

منها: أنّ زيارة مراقد هؤلاء، هي نوع من الشكر والتقدير لهؤلاء على تضحياتهم وفي نفس الوقت إعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحق والفضيلة والدفاع عن المبدأ والعقيدة. ومنها: أن زيارة المراقد توجب ترابط الزائرين بعضهم مع بعض في مواسم الزيارات بما يزيد في تعارفهم وتآلفهم وهذا عين ما أرادته شريعة السماء إذ قال تعال: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)(408). ومنها: أنّ زيارة مراقدهم تزيد من رابطة الولاء والمحبّة بين هؤلاء وبين زائرهم. ومنها: أنّ مشاهدة قبور الموتى، التي تضمّ في داخلها الغني والفقير القوي والضعيف، ولم يصحبوا معهم سوى قطع من القماش فقط، إنّ مشاهدة هذا المنظر يولد في نفس الزائر قلباً خاشعاً ويخفف من روح الطمس والحرص على الدنيا وزخارفها وكثيراً ما تدفع بالإنسان إلى إعادة النظر في سلوكه وحياته. هذا فيما يتعلق بقبور الصلحاء، أما زيارة قبور الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) ففيها من الفوائد ما يلي: أوّلاً: زيادة الثواب والأجر الجزيل عنده تعالى باعتبار أنّ زيارتهم نوع تقرّب إليه تعالى. ثانياً: أنّ قبورهم (عليهم السلام) من المواقع التي يتأكّد استجابة الدعاء عندها

(هامش)

(408) سورة الحجرات آية 13.

ص 368

لشرافتها عنده تعالى ولأنّها مهبط الملائكة المقرّبين. ثالثاً: أنّ زيارتهم (عليهم السلام) توجب سنخية روحية بينهم وبين الزائر ، لأنه لا يزورهم إلا من اعتقد بفضلهم وهذا يوجب الاستشراف بنورهم وبهديهم.

 

بقي الكلام في الجهة الخامسة

 

وهي بناء القبور وتزيين المشاهد وتقبيل الأضرحة والتمسح بها فنقول أنّه ليس هناك دليل من الشرع على حرمتها فإنّ المسلمين جميعاً يبنون مراقد الأنبياء والأئمة والعظماء ولسنا نحن الشيعة الإمامية مختصين ببناء القبور وإليك بعض ذلك.

1- إنّ قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبرا الخليفتين لازالا مبنيين بأفخم بناء وأعلى قبّة. 2- قبور جماعة من الأنبياء منهم إبراهيم ( في فلسطين بمدينة الخليل له ضريح وعليه قباب وبنايات عظيمة. 3- قبر النبي موسى (عليه السلام) له بناية كبيرة في الأردن بين مدينتيّ (القدس) و(عمّان).  4- قبر أبي حنيفة ببغداد لا يزال معموراً ببناء ضخم وعليه قبة. 5- قبر عبد القادر في بغداد له صحن وضريح وقبة. 6- قبر أبي هريرة في مصر مزار وله بناء وعليه قبة.

ص 369

وغير ذلك من قبور الأنبياء وقبور الأئمّة وعظماء المذاهب لها بنايات وقباب ولها أوقاف خاصة تصرف منافعها على تعمير تلك القبور وحفظها من الاندراس والبلاد الإسلامية مليئة بتلك القبور. وحسبنا حجة على جواز بناء القبور أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أقرّ بناء القبور والأضرحة والقباب ولم ينه عنه وهذا التقرير من الرسول حجة فهذا بناء حجر إسماعيل هو مدفن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إسماعيل (عليه السلام) ومدفن أمّه هاجر، وهذه قبور الأنبياء إبراهيم وموسى وغيرهما في أطراف بيت المقدس كان يعلوها البناء في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى زماننا هذا ولم يقع النهي عنها لا من الرسول ولا من خلفائه. ولو كانت محرّمة أو كانت من الشرك، كما زعمه الوهابيّون، لكان على الرسول أن يأمر بهدمها وينهى عنها وحيث لم يفعل ذلك علم بأنّ مثل ذلك جائز في الإسلام، بل مستحب لأنّها من الشعائر قال الله تعالى (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)(409) فإنّ الشعائر هي الأشياء التي تعظم الدين في أنظار العالم من غير أن يكون هناك نصّ على حرمتها. وبناء قبور عظماء الإسلام وبناء القباب عليها وحفظها من الاندراس والانهدام تعظيم لأولئك العظماء بلا شك، فيكون من الشعائر وبالمقابل فإن هدم قبور الأنبياء والأولياء والأئمة يكون توهيناً بالدين وحطاً من كرامة الإسلام، لأنّ هدمها تحقير لأصحابها وتوهين بهم والتوهين بهم

(هامش)

(409) سورة الحج آية 32.

ص 370

توهين بالدين والحطّ من كرامتهم حطٌّ من كرامة الإسلام، ومن هنا يعلم جواز تزيين المشاهد المشرفة لأنّه تعظيم لأصحابها فيكون من شعائر الله، فلا إشكال في تزيين قبور الأنبياء والأئمة بالذهب والفضة والكلام نفسه بالنسبة للقباب الذهبية والأبواب الذهبية، لأن ذلك تقدير لأصحابها، فيكون من شعائر الله وأمّا تقبيل ضريح الرسول والجدران حبّاً له فليس من الشرك، وقد ورد في بعض الروايات أنّ المسلمين كانوا يتبرّكون ببصاق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته، فلماذا لا نتبرّك بتقبيل ضريحه وقبره الشريف الآن، لأنّ تقبيل الأضرحة والتمسّح بها والجدران لنسبتها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو إلى أحد الأئمّة فيه لون من التعظيم لأصحابها وكل تعظيم وتكريم لا يصل إلى مرحلة الاعتقاد بالربوبيّة فهو جائز بل مستحب أحياناً مثل تقبيل القرآن الكريم، ولم يقل أحد بأنّه شرك، فنقول مثل ذلك في تقبيل ضريح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأضرحة الأئمة ( لأنّ الذين يقبلون الأضرحة لا يجعلون الحديد شريكاً لله تعالى!! كي يقال أنّهم مشركون مع أنّ هذا ليس من مختصات الشيعة الإمامية، بل جميع المسلمين فيه على السواء إذ ترى في أيّام الحج في المدينة آلاف من المسلمين يريدون تقبيل ضريح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن تضربهم هيئة الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف!! ومن المؤسف أنّ الحج الذي جعل الله منه مؤتمراً عاماً للمسلمين يبحثوا فيه مختلف شؤونهم أصبح اليوم مفرّقاً للصفوف بواسطة الوهابية فحصيلة البحث أنّه لا إشكال في بناء القبور ولا في زيارتها ولا في تقبيل الأضرحة والتمسّح بها.

ص 371

 

الفصل الثاني عشر: في جواب شبهة ما يتعلق بمسح الرجلين والجمع بين الصلاتين

 

ص 372

 

الكلام في شبهة مسح الرجلين

 

فنقول أنّه قد اختلف علماء الإسلام في غسل الرجلين ومسحهما، فذهب أئمّة المذاهب الأربعة من أهل السنة إلى أنّ الواجب هو الغسل وحده، وقال الشيعة الإمامية أنّ فرض الرجلين هو المسح دون الغسل وقد وافقنا على ذلك جماعة من الصحابة والتابعين كابن عباس وعكرمة وأنس والشعبي وغيرهم. وهذا الاختلاف بين المسلمين في أشدّ المسائل ابتلاءاً يعرب عن أنّ للاجتهاد في هذه المسائل دوراً عظيماً فجعلها مسألة خلافية بعدما كانت وفاقية في عصر نزول آية الوضوء. مع أنّ آية الوضوء تتمتّع بوضوح التعبير ونصوع الدلالة فإن الإنسان إذا تأمّل الآية ونظائرها من الآيات التي تتكفل ببيان وظيفة المسلم كالقيام إلى الصلاة في أوقات خمسة يجدها محكمة التعبير ناصعة البيان واضحة الدلالة تخاطب المؤمنين كافّة لترسم لهم وظيفتهم عند القيام إلى الصلاة، والخطاب يجب أن يكون بعيداً عن الغموض والتعقيد وعن التقديم والتأخير، وعن تقدير جملة أو كلمة حتى تقف على مضمونها عامّة المسلمين على اختلاف مستوياتهم من غير فرق بين عالم بالقواعد العربية أو جاهل، وآية الوضوء

ص 373

من هذا القبيل نزل روح الأمين بهذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ)(410) على قلب سيّد المرسلين، فتلاها على المؤمنين وفهموا واجبهم تجاهها بوضوح دون تردّد ودون أن يشوبها أيّ إبهام أو غموض، وإنّما حصل الغموض فيها في عصر تضارب الآراء وظهور الاجتهادات، فلو عرضنا الآية على عربي بعيد عن الأجواء الفقهية وعن اختلاف المسلمين في كيفيّة الوضوء وطلبنا منه تبيين ما فهمه لقال بوضوح: أنّ الوضوء غسلتان ومسحتان دون أن يتردّد في أنّ الأرجل هل هي معطوفة على الرؤوس أو معطوفة على الأيدي؟ فهو يدرك بأنّها تتضمن جملتين صُرّح فيها بحكمين وهما الغسل والمسح والغسل في الجملة الأولى وهي (فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) والمسح في الجملة الثانية وهي (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ)حيث عطفت الأيدي في الجملة الأولى على الوجوه فوجب لها من الحكم مثل حكم الوجوه لأجل العطف وهو الغسل، ثم عطفت الأرجل في الجملة الثانية على الرؤوس فوجب أن يكون لها من الحكم مثل حكم الرؤوس لأجل العطف وهو المسح فالآية صريحة في أنّ هناك أعضاء يجب غسلها وهي الوجوه والأيدي، وأعضاء يجب مسحها وهي الرؤوس والأرجل، فإن كنت في شك مما ذكرناه فاعرض الآية على عربي أو خبير بقواعد اللغة

(هامش)

(410) سورة المائدة آية 6.

ص 374

العربية فستجده يذهب إلى ما ذكرناه ولا حاجة بعد ذلك إلى استعراض أدلّة الطرفين في مسح الرجلين أو غسلهما، فآية الوضوء دليل على ما ذهب إليه الشيعة الإمامية من وجوب المسح، لأنّ العامل في الأرجل هو الفعل الثاني ـ أمسحوا ـ دون الأوّل البعيد ـ فاغسلوا ـ، لأن الأرجل معطوف على القريب أي الرؤوس لا على البعيد أعني الأيدي وإن شئت فاستوضح ذلك بالمثال التالي لو سمعنا قائلاً يقول: أحبّ زيداً وبكراً ومررت بخالد وعمرو من دون أن يعرب عمرو بالنصب أو الجرّ نحكم بأنّ عمرو معطوف على خالد والعامل فيه هو الفعل الثاني فيكون مجروراً وليس معطوفاً على بكر حتى يكون العامل فيه هو الفعل الأوّل. وقد ذكر علماء القواعد العربية أنّ العطف من حقه أن يكون على الأقرب دون الأبعد وهذا هو الأصل والعدول عنه يحتاج إلى قرينة موجودة في الكلام وإلا ربما يوجب اللبس وصرف اللفظ عن المراد. فلنفرض أن رئيساً قال لخادمه أكرم زيداً وعمراً واضرب بكراً وخالداً فهو يميز بين الجملتين ويرى أنّ عمراً عطف على زيد وخالد عطف على (بكراً) ولا يخطر في قلبه خلاف ذلك وكلام ربّ العزّة أولى أن يكون على طبق القواعد العربية فلماذا نترّدد في تعيين العامل أو تعيين المعطوف عليه أو نقضي على خلاف القواعد العربية بإخراج الأرجل من تحت العامل الأوّل أو عطفها على الأيدي دون الرؤوس. بقي الكلام في حكم اختلاف القراءة فإنّ لفظ أرجلكم فيه قراءتان قراءة بالخفض وقراءة بالنصب وعلى كلا التقديرين يجب المسح دون الغسل.

ص 375

وأما على التقدير الأوّل فقد قرأ بها ابن كثير وأبو عمر وحمزة وأبو بكر عن عاصم وقرأ الباقون بالنصب فالقائل بالمسح يفسّر كلتا القراءتين على ضوء القواعد العربية بلا شذوذ، ويقول: أنّ أرجلكم معطوفة على الرؤوس فجرّها لعطفها على ظاهر الرؤوس ونصبها لعطفها على محل الرؤوس لأنّها مفعول لقوله: وامسحوا فكما أن العطف على اللفظ جائز فكذا على المحلّ وأمّا القائل بالغسل فلا يستطيع أن يفسّر الآية على ضوء القواعد العربية، لأنّه يفسّر قراءة النصب بأنّها معطوفة على الأيدي في الجملة المتقدمة ويفسّر قراءة الخفض بالجر بالجوار وكلا الوجهين غير صحيحين. أمّا الأوّل: فلأنه يستلزم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية وهي (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ) مع أنّه لا يجوز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بمفرد، فضلاً عن جملة أجنبية، ولم يسمع في كلام العرب الفصيح قائلاً يقول ضربت زيداً ومررت ببكر وعمراً بعطف (عمراً) على (زيداً). وأما الثاني: فهو يقول بأنه مجرور لأجل الجوار، أي لوقوعه في جنب الرؤوس المجرورة نظير قول القائل (حجر ضبٍ خربٍ) فإنّ خرب خبر لحجر فيجب أن يكون مرفوعاً لكنه صار مجروراً لأجل الجوار مع اتفاق أهل العربية على أنّ الإعراب بالمجاورة شاذ نادر، وما هذا سبيله لا يجوز حمل القرآن عليه من غير ضرورة تلجأ إليه قال الزجاج: أمّا الخفض على الجوار

ص 376

فلا يكون في كلمات الله(411).

وقد خرجنا بهذه النتيجة: أنّ كلتا القراءتين منطبقتان على القول بالمسح وغير منطبقتين على القول بالغسل. فالكتاب العزيز يدعم - بلا مرية - القول بالمسح، ومن أراد إخضاع الكتاب للقول بالغسل، فقد فسّره برأيه وجعل مذهبه دليلاً على تفسير الآية وحملها على أمرين غير صحيحين. الأول: الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية وهو موجب للالتباس إذا قُرئ بالنصب. الثاني: الجرّ بالجوار، ولكنّه لا يليق بكلام ربّ العزّة، بل مختص بالضرورة ويؤكّد ما ذكرناه من أنّ ظاهر الآية يدلّ على المسح دون الغسل كلمات أعلام السنّة حول الآية وإليك بعض تلك الكلمات:

1- كلمة الإمام الرازي، إذ قال: حجة من قال بوجوب المسح مبني القراءتين المشهورتين في قوله (وَأَرْجُلَكُمْ) فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمر وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجرّ وقرأ نافع، وابن عامر وعاصم، في رواية حفص عنه بالنصب فنقول: أمّا القراءة بالجرّ فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، كما يجب المسح في الرؤوس، فكذلك في الأرجل ـ إلى أن قال ـ وأمّا القراءة بالنصب فقالوا أيضاً أنّها توجب المسح، وذلك لأنّ قوله تعالى (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ) أنّ رؤوسكم، وإن كانت في

(هامش)

(411) معاني القرآن وإعرابه ج2 ص153.

ص 377

محل النصب، ولكنّها مجرورة بالباء لفظاً فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس، والجر عطفاً على الظاهر واللفظ وهذا مذهب مشهور عند النحاة إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنّه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله (وَأَرْجُلَكُمْ) هو قوله (وَامْسَحُواْ) ويجوز أن يكون هو قوله (فاغْسِلُواْ) ولكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى فوجب أن يكون عامل النصب في قوله (وَأَرْجُلَكُمْ) هو قوله: (وَامْسَحُواْ) فثبت أن قراءة (وَأَرْجُلَكُمْ) بفتح اللام توجب المسح أيضاً فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح ثم قالوا: ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار، لأنّها بأسرها من أخبار الآحاد ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز(412).

 2- كلمة الشيخ الحلبي قال الشيخ إبراهيم الحلبي عند تفسير الآية قرئ في السبعة بالنصب والجرّ، والصحيح أنّ (الأرجل) معطوفة على الرؤوس في القراءتين نصبها على المحل وجرّها على اللفظ وذلك لامتناع العطف على وجوهكم، للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية هي (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ) والأصل أن لا يفصل بينهما بمفرد فضلاً عن الجملة، ولم يسمع في الفصيح نحو: ضربت زيداً ومررت ببكر و(عمراً) بعطف (عمراً) على (زيداً(413))

(هامش)

(412) التفسير الكبير ج11 ص161 (413) غنية المتملي في شرح منية المصلي ص 16.

ص 378

3- كلمة الشيخ السندي الحنفي: قال أبو الحسن الإمام محمد بن عبد الهادي المعروف بالسندي الحنفي في (حاشيته( على (سنن( ابن ماجة - بعد أن جزم بأنّ ظاهر القرآن هو المسح - ما هذا لفظه: وإنّما كان المسح هو ظاهر الكتاب، لأنّ قراءة الجرّ ظاهرة فيه وحمل قراءة النصب عليها لجعل العطف على المحل أقرب من حمل قراءة الجر على قراءة النصب، كما صرّح به النحاة قال لشذوذ الجوار واطراد العطف على المحلّ قال: وأيضاً فيه خلوص عن الفصل بالأجنبي بين المعطوف والمعطوف عليه فصار ظاهر القرآن هو المسح.

4- كلمة الشيخ برهان الدين الحلبي: ينقل برهان الدين الحلبي بأنّ جبرائيل عندما علّم الرسول الوضوء أمره بالمسح، يقول: أنّ جبرائيل أوّل ما جاء النبي بالوحي، توّضأ فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح رأسه ورجليه إلى الكعبين، وسجد سجدتين ففعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يرى جبرائيل يفعله وقال وفي كلام الشيخ محي الدين مسح الرجلين في الوضوء بظاهر الكتاب وغسلهما بالسنّة المبيّنة للكتاب(414). وما ذكره أخيراً من كون السنّة مبيّنة للكتاب لا يعوّل عليه، إذ ليس الكتاب مجملاً مبهماً حتى يحتاج إلى البيان والتوضيح من جانب المسح فالمستفاد من القرآن الحكيم هو وجوب المسح فلا يسوغ لمسلم أن يعدل عن القرآن إلى غيره وعلى كل مسلم أن يأخذ بالنصوص القرآنية وأن يترك

(هامش)

(414) السيرة الحلبية ج1 ص28.

ص 379

الاجتهادات الباطلة والآراء الفاسدة على خلاف النصوص من الكتاب والسنّة. نعم بعدما وقف غير واحد من علماء السنّة على أنّ ظاهر الآية يدلّ على مسح الرجلين لا غسلهما التجأوا إلى الاجتهادات المخالفة للكتاب والسنة. ومن تلك الاجتهادات اجتهاد الفخر الرازي إذ يقول بإيجاب الغسل، لأنه مشتمل على المسح فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط والدليل على بطلانه هو كفاية الصلاة أربع ركعات بدل صلاة الصبح والمغرب لأن الصلاة أربع ركعات مشتملة على الركعتين والثلاثة. ومنها: اجتهاد ابن حزم من أنّ وجوب المسح نسخ بالسنة الدالة على الغسل، وجه البطلان أنّ العمل بالسنّة تجاه القرآن الكريم باطل لأن مكانة القرآن أعلى من أن يعادلها شيء فلا يجوز نسخ القرآن بالسنّة هذا مع أنه اتّفقت الأمّة على أنّ سورة المائدة أخر ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّها لم تنسخ آية منها فكيف تكون آية الوضوء التي نزلت في أواخر عمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منسوخة فيجب العمل على وفقها وليس فيها أي نسخ. ومنها: اجتهاد ابن تيمية لمّا وقف ابن تيمية على أنّ الخفض بالجر يستلزم العطف على الرؤوس فيلزم حينئذٍ مسح الرجلين لا غسلهما التجاء إلى تأويل النص وقال: ومن قرأ بالخفض فليس معناه (وامسحوا أرجلكم) كما يظنّه بعض الناس لأوجه: أحدها: أنّ الذين قرأوا ذلك من السلف قالوا: عاد الأمر إلى الغسل

ص 380

والرد عليه: أنه لو صحّ ما ذكره لزم القول بأن السلف تركوا القرآن وراء ظهورهم وأخذوا بما لا يوافق القرآن، ولكن الجدير بالفقيه الواعي هو الأخذ بالآية سواء وافقت مذهب إمامه أم لا.

وهناك طائفة من الروايات تؤيّد ظاهر الآية: 1- في (مسند) أحمد بن حنبل حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي حدثنا ابن الأشجعي، حدثنا أبي عن سفيان عن سالم أبي النضر عن بسر بن سعيد، قال: أتى عثمان المقاعد فدعا بوضوء فتمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ومسح برأسه ورجليه ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هكذا توضأ يا هؤلاء أكذلك قالوا: نعم لنفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنده(415). وهذا الحديث صريح في أنّ عثمان بن عفان خليفة زمانه توضأ ومسح رأسه ورجليه وذكر أنه رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) توضأ كما توضأ هو أي مسح رأسه ورجليه. 2- في (مسند) عبد الله بن زيد المازني أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) توضأ فغسل وجهه ثلاثاً ويديه مرتين(416). 3- في (مسند) تميم بن زيد المازني عن عباد بن تميم عن أبيه قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) توضأ ومسح بالماء على لحيته ورجليه قال في

(هامش)

(415) مسند أحمد بن حنبل ج1 ص67 (416) كنز العمال ج9 ص451 ح26922.

ص 381

(الإصابة) رجاله ثقات(417). وهناك روايات كثيرة تركنا ذكرها رعاية للاختصار وهذه الروايات تدل على أن الفريضة في الوضوء هي المسح، فالحق هو القول بالمسح، لأنه المنصوص عن أهل البيت ( وهم يسندون المسح إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقع الكلام في الجمع بين الصلاتين.

(هامش)

(417) المصدر السابق ج9 ص429.

ص 382

 

الكلام في شبهة الجمع بين الصلاتين

 

إشكال أهل السنة على الشيعة الإمامية بأنّهم يجمعون بين الصلاتين أي يجمعون بين صلاة الظهر والعصر وبين صلاة المغرب والعشاء مع أنّ الجمع بين الفريضتين لا يختص بالشيعة الإمامية بل ورد في صحاح السنّة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى الظهر والعصر جمعاًً بالمدينة في غير خوف ولا سفر فلا إشكال بين كافة المسلمين من شيعة وسنّة في جواز الجمع بين الصلاتين ـ الظهرين والعشائين ـ للعذر من مرض أو سفر أو مطر وقد فعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما الخلاف في جواز الجمع بينهما لغير عذر والشيعة الإمامية أهل المذهب الجعفري مجمعون على جوازه لغير عذر وخالفهم أخواننا السنّة كلّاً أو بعضاً فقالوا بلزوم التفريق وإليك الدليل على جواز الجمع عند الشيعة لغير عذر في الجمع من الكتاب والسنّة.

أما الكتاب:

فقوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً)(418) توضيح الاستدلال بالآية المباركة

(هامش)

(418) سورة الإسراء آية 78.

ص 383

يتوقف على مقدمة وهي بيان معنى مفردات ألفاظ الآية الشريفة فيقال: معنى الدلوك والغسق، الدلوك لغة كما جاء في (القاموس)، ومجمع البيان، ومجمع البحرين هو الزوال، قال المبرد: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها، وأصله من الدلك فسمّي الزوال به، لأنّ الناظر إليها يدلك عينيه لشدّة شعاعها وغسق الليل ظهور ظلامه يقال غسقت الفرجة إذا انفجرت فظهر ما فيها، كما في (مجمع البيان)، وظلمة أوّل الليل كما في (القاموس) فإن فسّر الغسق بظهور أوّل الظلمة كان الغسق عبارة عن أوّل المغرب وفي (مجمع البيان) وقرآن الفجر منصوب على تقدير: وأقم قرآن الفجر وفي الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) (دلوك الشمس زوالها وغسق الليل انتصافه وقرآن الفجر ركعتا الفجر)(419). إذا عرفت هذه المقدمة في معنى مفردات الآية فاعلم أنّ المذكور في الآية ثلاثة أوقات وقت الزوال، ووقت المغرب، ووقت الفجر. وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر فيكون مشتركاً بين هاتين الصلاتين، وأن يكون أوّل المغرب وقتاً للمغرب والعشاء، فيكون هذا الوقت أيضاً مشتركاً بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً يعني من غير عذر فالآية تدل على جواز الجمع بين الصلاتين.

(هامش)

(419) وسائل الشيعة ج2 ص127 أبواب مواقيت الصلاة.

ص 384

وهناك روايات كثيرة عن أهل البيت اقتضت جواز الجمع بين الصلاتين مطلقاً أي من دون عذر وعلّة من مرض أو سفر أو مطر وإليك بعض هذه الروايات: 1- ما رواه زرارة عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة، وصلى بهم المغرب والعشاء في جماعة من غير علّة وإنّما فعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليتسع الوقت على أمّته)(420). 2- وما رواه عبد الملك القمي عنه (عليه السلام) قال: قلت له: أجمع بين الصلاتين من غير علّة؟ قال (عليه السلام) قد فعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد التخفيف عن أمّته. 3- وما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر من غير خوف ولا سفر فقال: أراد أن لا يُحرج أحد من أمّته. 4- وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أنّّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير مطر ولا سفر فقيل لابن عباس ما أراد به؟ قال: التوسيع لأمّته. 5- ما رواه عبد الله بن سنان عن الصادق ( قال: (إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين وجمع بين المغرب

(هامش)

(420) وسائل الشيعة ج3 أبواب المواقيت.

ص 385

والعشاء في الحضر من غير علّة بأذان واحد وإقامتين)(421). فلو كان قد فرق بينهما لاحتاج إلى أذان وإقامة للعصر وأذان وإقامة للعشاء.

 

حكمة تشريع الجمع

 

هي التسهيل والتوسعة على الأمّة وعدم إحراجها بسبب التفريق رأفة بأهل الأشغال والحوائج وهم أكثر الناس إذاً فحكمة تشريع الجمع هو تسهيل الأمر على المكلفين قال تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ((422). وهناك روايات كثيرة مما يدل على جواز الجمع بين الصلاتين في صحاح أهل السنّة وإليك بعض هذه الروايات: 1- ما رواه البخاري في صحيحه(423) في باب تأخير الظهر إلى العصر روى بسنده عن جابر بن زيد عن ابن عباس: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والمقصود أنه ( صلى سبعاً وثمانياً جمعاً لما ذكره كل من القسطلاني والشيخ زكريا الأنصاري وجابر بن زيد الراوي لهذا الحديث عن ابن عباس.

(هامش)

(421) وسائل الشيعة ج2 ص161-162 باب 21 من أبواب المواقيت (422) سورة البقرة آية 185 (423) المطبوع مع إرشاد الباري للقسطلاني وتحفة الباري لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري ج2 ص 292 المطبعة المبنية بمصر سنة 1335.

ص 386

1- ما رواه مسلم في صحيحه في جواز الجمع في الحضر بدون عذر(424). 2- روى أبو الزبير عن سعيد بن جبير أيضاً عن ابن عباس قال: صلى رسول الله الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر قال أبو الزبير فسألت سعيد لِمَ فعل ذلك؟ فقال سألت أبن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يُحرج أحداً من أمّته. وهناك روايات كثيرة بهذا المضمون تركنا ذكرها رعايةً للاختصار فالمتحصل أنّ جواز الجمع عند الشيعة الإمامية قد قامت عليه الأدلّة من الكتاب والسنّة فلا إشكال فيه. فالجمع بين الصلاتين جائز وإن كان التفريق أفضل عند جميع المسلمين فالطعن على الشيعة الإمامية بأنهم يجمعون بين الصلاتين ليس إلا تضليلاً إعلامياً ضدّهم. وقد استقرّ علماء الجمهور من أهل السنّة على أنّ التفريق واجب لكثرة صدور التفريق من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والسلف الصالح وقد صدع الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بجواز الجمع مطلقاً غير أنّ التفريق أفضل وتبعهم في هذا شيعتهم في كل عصر ومصر فإذا هم يجمعون غالباً بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء سفراً وحضراً ولغير عذر. فيا أيّها القارئ العزيز إنّ الشيعة الإمامية أثبتوا للعالم كله بأنّ الأدّلة الشرعية من الكتاب والسنّة التي فرضت عليهم أن يدينوا بمذهب أهل البيت النبويّ الذين هم أدرى بما فيه في أصول الدين وفروعه وأدلته

(هامش)

(424) راجع صحيح مسلم مع شرحه للنووي المطبوعين على هامش إرشاد الباري في شرح البخاري للقسطلاني المجلد الرابع المطبعة المبنية بمصر ص 446 إلى آخر الباب.

ص 387

وأحكامه، لأنّهم كانوا على ما كان عليه جدّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الدين. ولذا ترى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قرنهم بكتاب الله وأوجب التمسك بهم لا بغيرهم مطلقاً، ونهت تلك الأدلّة أشدّ النهي عن مخالفتهم والتقدم عليهم حتى أنّها حكمت بضلال من لم يتمسك بهم، كما نصّ عليه حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين وقد دقق الشيعة الإمامية في أدلّة المسلمين من الكتاب والسنّة فلم يجدوا في شيء منها ما يمكن أن يكون مجوّزاً للرجوع إلى مذهب غير مذهب أهل البيت (عليهم السلام) إذ ليست فيها الدلالة أو الإشارة إلى جواز الأخذ بالمذاهب الأربعة التي حدثت في العصور المتأخرة والّتي لم تكن موجودة في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا في عصر أصحابه وإنما أحدثها الملك الظاهر بيبرس البندقداري في مصر القاهرة سنة (665 هجرية) وأوجب الرجوع إليها، وحرّم الرجوع إلى غيرها على ما سجّله المقريزي في (خططه) ج2 ص344 باب ذكر مذهب أهل مصر فإنه قال: أنّه - يعني بيبرس - وليّ بمصر القاهرة أربعة قضاة وهم الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي فاستمرّ ذلك من سنة خمس وستّين وستّمائة حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب من مذاهب الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة وعقيدة الأشعري إلى أن قال: وعُوديّ من تمذهب بغيرها ولم يولّ قاضٍ ولا قبلت شهادة أحد ولا قُدّم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب الأربعة وأفتى فقهاء هذه الأمصار في هذه المدة بوجوب إتّباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها والعمل على هذا إلى اليوم انتهى كلام المقريزي في هذا المجال فيعلم من هذه القصة أنّ سبّب انتشار هذه المذاهب

ص 388

الأربعة لأهل السنة هو حاكم الجور وهو الملك بيبرس الذي لا تجب إطاعته شرعاً لأنه لم يكن نبياً ولا وصيّاً. ومن هنا يظهر أنّ أئمّة الشيعة يكون تعيينهم من قبل الله بواسطة الرسول بالآيات والروايات التي تقدم ذكرها في أدلّة الإمامة، فراجع هذا، بخلاف أئمة السنّة فكان تعيينهم بواسطة سلاطين الجور وإلى يومنا هذا تكون السلطات الظالمة وراء هذه المذاهب وتدافع عنها حفاظاً لمصالحها الشخصية. فالشيعة الإمامية أخذت بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) نزولاً على حكم الأدّلة الشرعية القطعية من الكتاب والسنّة فنتيجة البحث أنه لا دليل لأهل السنّة على وجوب الأخذ بالمذاهب الأربعة وأمّا الشيعة الإمامية فإنّهم دانوا بمذهب أهل البيت النبوي مذهب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صاحب الشريعة الإسلامية من عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والصديقة الكبرى فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الأحد عشر من أبنائه (عليهم السلام) إلى يومنا هذا وما بعده حتى تقوم الساعة. وذلك لأن الأدلة الشرعية هي التي أخذت بأعناق الشيعة الإمامية إلى الخضوع لمذهبهم (عليهم السلام) وسلوك طريقتهم والأخذ بقولهم والتمسك به لأن قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الحق وحكمه هو الفصل كما في قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)(425) وقد تقدم قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أئمّة الشيعة من أهل بيته فكيف يسوغ لهم أن يرجعوا إلى

(هامش)

(425) سورة الحشر آية 7.

ص 389

غيرهم وهم يرون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحذّر أمّته من عصيانهم وينهاهم عن الركون إلى غيرهم؟!، فيقول في حديث الثقلين: (فلا تقدّموهم فتهلكوا ولا تعلّموّهم فإنهم أعلم منكم) فمفاد الأدلة الشرعية أنّ الله هو الذي اختار محمداً للنبوّة واختار الأئمة الاثني عشر من ذريّته للإمامة فنتيجة البحث أنّ المذاهب الأربعة مذاهب سياسية ومذهب الشيعة مذهب ديني، لأنّه بتعيين من صاحب الرسالة والدين والقول بالجبر أيضاً يكون سياسياً إذ للقول بالجبر الدافع السياسي الذي روجت له السلطات المنحرفة إذ وضعت أحاديث لفكرة الجبر لتخدير الناس عن التحرّك والقيام بأيّ ثورةٍ ضدّهم.

 

الكلام حول شبهة السجود على التربة

 

يطعنون على الشيعة بأنّهم يسجدون على التربة لغاية مخالفتهم للإسلام ثم قالوا: والسجود عل التربة كالسجود للصنم محرم، كما في رسالة مردوخ الكردستاني ص63.

الجواب:

ولا يخفى جهل هذا القائل إذ لا فرق بين السجود على التربة والسجود على السجّاد فلو كان السجود على التربة كالسجود للصنم لكان السجود على السجّاد كذلك.

ص 390

نعم إنما يسجد الشيعة لله على التربة، لأنّ أئمّتهم لم يجوّزوا لهم السجود لله تعالى في فرائضهم إلّا على أرض طاهرة أو على ما أنبتته الأرض غير مأكول ولا ملبوس استناداً لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) ولذلك اتخذوا التربة من تراب طاهر للسجود عليها، وآثروا تراب أرض كربلاء على غيرها لما ورد في السجود على تربتها من فضلٍ وتأسياً بإمامهم الصادق (عليه السلام) فإنّهم رووا أنّه (عليه السلام) كانت له خريطة فيها تراب من أرض كربلاء يسجد عليه في صلاته هذا وأمّا بعض أصحاب المذاهب الأربعة فقد جوّز الصلاة بالنجاسات العينية كما جوّزوا الوضوء بلا نيّة وقد خالف بذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (وإنّما الأعمال بالنيّات). يقول أبو المعالي الجويني السنّي إمام الحرمين في كتابه (مغيث الخلق) طبع مصر سنة 1353 ميلادي ص 53 جوّز أبو حنيفة الصلاة مع النجاسة وجوّز الوضوء من غير نيّة وقال: في ص 55 منه وكذلك جوّز الصلاة في جلد الكلب مع أنّ الصلاة في النجاسة أو في جلد الكلب يناقض مقصود الشرع من الصلاة: أعني التّقرب بها إلى الله تعالى. وقد نهى الشارع عن اقتناء الكلب حتى اعتبر العدد في غسل ولوغه وغلّظ بضم التراب إلى الماء الطهور، فكيف يجوز التقرب إلى الله تعالى بثوب مأخوذ من جلد حيوان حرّم الشرع اقتناءه وكيف كان فقد اختلف الشيعة والسنّة في شرائط المسجود عليه ولم يختلف في المسجود له. توضيح ذلك: أنه اتفق المسلمون على وجوب السجود في الصلاة في كل ركعة مرتين لله تعالى فالمسجود له هو الله سبحانه وتعالى الذي يسجد له من

ص 391

في السموات والأرض، وشعار كل مسلم قوله تعالى: (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ)(426) فلا خلاف بين المسلمين في المسجود له لأنه هو الله سبحانه وتعالى، وإنّما الخلاف في شروط المسجود عليه أعني ما يضع الساجد جبهته عليه فالشيعة الإمامية تشترط كون المسجود عليه أرضاً أو ما ينبت منها غير مأكول ولا ملبوس كالحصر والبواري وما أشبه ذلك وخالفهم في ذلك غيرهم من أصحاب المذاهب وإليك نقل الآراء:

قال الشيخ الطوسي ـ وهو يبيّن آراء الفقهاء من الشيعة ـ لا يجوز السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتته الأرض ممّا لا يؤكل ولا يلبس من قطن أو كتان مع الاختيار، وخالف جميع الفقهاء في ذلك والمخالف هو أهل السنة ـ إذ أجازوا السجود على القطن والكتاب والشعر والصوف وغير ذلك إلى أن قال: لا يجوز السجود على شيء وهو حامل له كطرف الرداء وكمّ القميص وغيرهما وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا سجد على ما حامل له كالثياب التي عليه أجزأه، وقال العلامة الحلي: ـ وهو يبيّن آراء الفقهاء فيما يسجد عليه ـ لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولا من نباتها كالجلود والصوف عند علمائنا أجمع وأطبق الجمهور على الجواز. وقد اتفقّت الشيعة على ذلك إتّباعاً لأئمّتهم الذين هم أعدال الكتاب

(هامش)

(426) سورة فصلت آية 37.

ص 392

وقرنائه في حديث الثقلين.

وروى الصدوق بإسناده عن هشام بن الحكم أنه قال لأبي عبد الله (عليه السلام) أخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز؟ قال: (السجود لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أكل أو لُبس) فقال له: جعلت فداك ما العلّة في ذلك؟ قال: (لأنّ السجود خضوع لله عزّ وجلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس، لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون والساجد في سجوده في عبادة الله عزّ وجلّ، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها)(427). فإنّ الغاية من السجود هي التذلّل، فلا تحصل بالسجود على غير الأرض وروي عن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنّه قال: (ينبغي للمصلي أن يباشر بجبهته الأرض ويعفّر وجهه في التراب لأنه من التذلّل لله)(428). وحسبنا حجة ما رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)(429). والمتبادر من الحديث أنّ كل جزء من الأرض مسجد وطهور يسجد عليه ويقصد للتيمم، وعلى ذلك فالأرض تقصد للجهتين للسجود تارة،

(هامش)

(427) وسائل الشيعة ج3 الباب الأوّل من أبواب ما يسجد عليه، الحديث الأول (428) مستدرك الوسائل ج4 باب 10 من أبواب ما يسجد عليه (429) صحيح البخاري ج1 ص113باب فضل استقبال القبلة.

ص 393

وللتيمم أخرى.

ويؤكد على حصر السجود على الأرض أنّ النبي الأعظم ( وصحبه الكرام كانوا ملتزمين بالسجود على الأرض متحمّلين شدّة الرمضاء ولم يسجد أحد يوم ذاك على الثوب إذ لو جاز السجود على الثوب لما كان الحاجة إلى تبريد الحصى بأكفّهم لرفع الأذى عن الجبهة ثم السجود عليها عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (كنت أصلّي مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر فأخذ قبضة من الحصى فأجعلها في كفّي حتى أسجد ثم أحولها إلى الكفّ الأخرى حتى تبرد ثم أضعها لجبيني حتى أسجد عليها من شدة الحرّ) (430). وعلق عليه البيهقي بقوله: (لو جاز السجود على ثوب متصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى بالكفّ ووضعها للسجود(431). ومن الواضح أنه لو كان السجود على مطلق الثياب سواء كان متصلاً أم منفصلاً جائزاً - كما هو المتعارف عند أهل السنة في عصرنا الحاضر - لكان أسهل من تبريد الحصى، ولأمكن حمل منديل أو ما شابه للسجود عليه. روى أنس قال: (كنّا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في شدّة الحرّ فيأخذ أحدنا الحصباء في يده فإذا أبرد وضعه ويسجد عليه)(432). وهذه الروايات تدل بالصراحة على أنّ السنة في الصلاة كانت جارية

(هامش)

(430) مسند أبي يعلى ج3 ص426 ح1916، كنز العمال ج8 ص37 ح21746 (431) سنن الكبرى للبيهقي ج2 ص105 (432) السنن الكبرى ج2 ص106.

ص 394

على السجود على الأرض فقط حتى أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يفسح للمسلين العدول عنها إلى الثياب المتصلة أو المنفصلة، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) مع كونه بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً أوجب عليهم مسّ جباهم الأرض، وإن كانت آذتهم شدّة الحرّ. فإذاً الطعن على الشيعة الإمامية بأنّهم يقولون بحصر السجود على الأرض أو ما أنبتته الأرض ليس إلا تضليلاً إعلامياً ضدّهم.  والنتيجة أنّ ما التزمت به الشيعة الإمامية هو عين ما جاءت به السنّة النبوية، لأنّ المتأمّل في الروايات يجد، وبدون تردّد، أنّ السجود على الأرض أو ما أنبتته الأرض هو السنة وأنّ السجود على السجاد والفرش ونحوهما هو البدعة ولكن ليست هذه أوّل قارورة كُسرت في الإسلام، بل نظائرها كثيرة في فقه المذاهب الأربعة أليس من الغريب أن ينكر هؤلاء على الشيعة الإمامية سجودهم على التراب ويرضون لأنفسهم أن يسجدوا على السجاد والموكيت؟؟! ممّا لم يكن على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فليس ذلك إلا تضليلاً إعلامياً ضدّ شيعة آل بيت الرسالة النبوية ولا ذنب لهم إلا أنهم من أتباع أهل بيت النبوّة لا الصحابة. فنتيجة البحث من البداية إلى النهاية هي أنّ الشيعة الإمامية هم على طريق الإسلام المحمدي (صلى الله عليه وآله وسلم) مائة بالمائة وهم الفرقة الناجية والشاهد على ذلك يتضح بعد مقدمة وهي الفرق بين السنة والشيعة فيما هو مستند العقيدة الإسلامية والأحكام الفرعية وحاصل الفرق، أن مستند العقيدة الإسلامية والأحكام الفرعية عند الشيعة الإمامية هو السنّة النبويّة المطهّرة

ص 395

وهي قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفعله وتقريره وأمّا مستند أهل السنّة فهو اجتهادات الصحابة. ولهذا كلّ ما نرى اليوم عند الشيعة الإمامية هو من النبي والقرآن الكريم وكلّ ما نرى عند أهل السنّة هو من الصحابة، مثلاً كون الشيعة من أتباع أهل البيت ( إنما هو ببلاغ من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أمرنا وجميع المسلمين بوجوب إطاعة أهل البيت وإمامتهم وقيادتهم كحديث الغدير وحديث الثقلين وحديث السفينة وحديث المنزلة وغيرها من الأحاديث النبوية ثم أمرنا الله سبحانه وتعالى بقوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)(433)، فالدعوة إلى التشيّع لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) إنّما هو من صاحب الرسالة. وأما ظاهر التسنّن من أهل السنّة فإنّما حدثت في المجتمع الإسلامي نتيجة لاجتهادات الصحابة ومخالفتهم للنصوص الدينية حتى في حياة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لا نرى عند أهل السنّة اليوم إلا صلاة التراويح في شهر رمضان ـ وحرمه متعة النساء ومتعة الحج وحيّ على خير العمل في الأذان ولزوم الصلاة خير من النوم في أذان الصبح. هذه الأمور كلها بدعة من عمر بن الخطاب وفي الحديث النبوي إن كل بدعة ضلالة والضلالة في النار فما وصل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الشيعة الإمامية هو حكم الله تعالى وليس من اجتهادات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ النبي والأئمة ليسوا من المجتهدين، لأنهم كانوا

(هامش)

(433) سورة الحشر آية 7.

ص 396

يعلمون أحكام الله تعالى والاجتهاد إنما يتصوّر لمن لا يعلم الأحكام من أدلتها فيرجع إلى الأدلة الشرعية لاستنباط الأحكام الفرعية فما هو عند الشيعة الإمامية من الإسلام وما هو عند أهل السنة من اجتهادات بعض الصحابة فالطائفة الناجية هي أتباع الرسول الأعظم لا أتباع الصحابة.

ص 397

 
خاتمة الكتاب:

 

في مجموعة من الأسئلة الّتي طرحها أحد طلاب المدارس العلمية لأهل السنّة على أستاذه من خلال الجلسات والمباحث الخاصّة وقد بقيت هذه الأسئلة دون جواب ولا يعلم سرّ عدم الجواب من الأستاذ!!

وإليك أيّها القارئ العزيز بعض تلك الأسئلة:

السؤال 1:

حول ما يقال أنّ خلافة أبي بكر (رضي الله عنه) قضية مجمع عليه فهل صحيح أنّ علياً وأصحابه لم يكونوا ضمن هذا الإجماع، وأنّ هكذا إجماع تجري عليه اللعنة من الله عزّ وجلّ، كما قال ابن حزم: لعنة الله عل كلّ إجماع يخرج منه علي بن أبي طالب ومن بحضرته من الصحابة(434)؟

السؤال 2:

هل يصح ما يقال أنّ خلافة أبي بكر (رضي الله عنه) لم تكن بالشورى ولا

(هامش)

(434) المحلى ج9 ص345.

ص 398

بإجماع المسلمين، بل كانت لمجرّد رأي شخص واحد وهو عمر بن الخطاب(، وإذا كانت كذلك فهل يجب على جميع المسلمين أن يتبعوا شخصاً واحداً ـ ولم يكن في ذلك الوقت خليفة، بل كان من آحاد المسلمين ومواطناً في بلاد المسلمين ـ ولماذا يهدر دم المتخلّف من البيعة؟ وهل شخص واحد له قيمومة على جميع الناس إلى يوم القيامة؟ هناك فئة من علمائنا ـنحن أهل السنة ـ مثل أبو يعلى(435) الحنبلي والقرطبي(436) والغزالي(437) وعضد الدين الأيجي(438) ومحيي الدين بن

(هامش)

(435) يقول أبو يعلى الحنبلي: لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحلّ من كل بلد ليكون الرضا به عاماً والتسليم لإمامته إجماعاً وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها الأحكام السلطانية ص33 (436) يقول القرطبي: فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله خلافاً لبعض الناس حيث قال لا ينعقد إلا بجماعة من أهل العقد والحلّ ودليلنا: أن عمر عقد البيعة لأبي بكر جامع أحكام القرآن ج1 ص272 (437) يقول الغزالي: إمام الحرمين اعلموا أنه لا يشترط في عقد الإمامة الإجماع بل تنعقد الإمامة وإن لم تجمع الأمة على عقدها والدليل عليه أن الإمامة لما عقدت لأبي بكر ابتدر لإمضاء أحكام المسلمين ولم يتأن لانتشار الأخبار إلى من نأى من الصحابة في الأقطار ولم ينكر منكر، فإذا لم يشترط الإجماع في عقد الإمامة لم يثبت عدد معدود ولا حدّ محدود فالوجه الحكم بأنّ الإمامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحلّ والعقد الإرشاد في الكلام ص 424 (438) يقول عضد الدين الأيجي: إذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار والبيعة فاعلم أنّ ذلك لا يفتقر إلى الإجماع، إذ لم يقم عليه دليل من العقل والسمع بل الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف لعلمنا أنّ الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك كعقد عمر لأبي بكر وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان ولم يشترطوا اجتماع من في  المدينة فضلاً عن اجتماع الأمة، هذا ولم ينكره عليه أحد وعليه انطوت ا لإعصار إلى وقتنا هذا المواقف في الكلام ج8 ص351.

ص 399

العربي المالكي(439) أنكروا وجود هكذا إجماع بل قالوا: بعدم لزومه.

السؤال 3:

هل صحيح أن بعض قيادات وأئمّة وفقهاء والمحدثين من السلف ومعتمدي المذهب حسب كلام الزهري كانوا من أولاد الحرام وأولاد الزنا؟ قرأت ذلك في كتاب المحلى للإمام ابن حزم وجعلني أفكر طويلاً في مدى صحة هذا الكلام وعلى فرض الصحة هل يجب علينا إتّباع هؤلاء؟ يذكر صاحب المحلى كلامه في مسألة صحة الصلاة خلف ولد الزنا ويقول عن الزهري قال: كان أئمّة من ذلك العمل، قال وكيع: يعني من الزنا(440). وشعبة بعد سنتين وهرم بن حيان بعد أربع سنوات والإمام مالك بعد ثلاثة سنوات والإمام الشافعي بعد أربع سنوات من موت آبائهم ولدوا(441).

(هامش)

(439) ابن العربي المالكي قال: لا يلزم في عقد البيعة للإمام أن تكون من جميع الأنام، بل يكفي لعقد ذلك اثنان أو واحد شرح سنن الترمذي ج13 ص229 (440)  المحلى ج4 ص213 (441) خزائن 217، المعارف ص594، وسير أعلام النبلاء ج8 ص132.

ص 400

السؤال 4:

هل يصح ما قيل أنّ أبا حنيفة إمامنا الأعظم كان نصرانياً ولد وأبوه مسيحي وبعد ذلك تشرّف بالإسلام ينقل الخطيب البغدادي من ابن أسباط ولد أبو حنيفة وأبوه نصراني(442).

السؤال 5:

هل يصحّ ما يقال: أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب ( كان يشك في إسلام نفسه وكان يرى أنه من المنافقين؟

فقد أورد ذلك الذهبي في تاريخه وأن سيدنا عمر كان يصرّ على حذيفة بن اليمان ليقول له هل هو من المنافقين؟

حذيفة أحد أصحاب النبي كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أسر إليه أسماء المنافقين.. وناشده عمر بالله: أنا من المنافقين(443).

السؤال 6:

هل يصح ما يقال أنّ بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا من المنافقين جاء في صحيح مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (في أصحابي اثنا عشر منافقاً، فيهم

(هامش)

(442)  تاريخ بغداد ج13 ص324 (443) تاريخ الإسلام الخلفاء ص 494 البداية والنهاية ج5 ص25 جامع البيان 11: 16.

ص 401

ثمانية لا يدخلون الجنّة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط)(444) وفي قصة التآمر ليلة العقبة عندما رجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من غزوة تبوك وأراد العبور من الوادي كان قد تواطئ اثنا عشر من الصحابة على قتله وهجموا عليه وقد لثموا وجوههم..! ومن هؤلاء الصحابة؟ قد أورد ابن حزم أسماء خمسة منهم يقول: أنّ أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاص أرادوا قتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلقائه من العقبة في تبوك(445).

السؤال 7:

هل يصح ما يقال أن الإمام البخاري كان من النواصب ومن أعداء أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه روى عن النواصب ومن عرف بلعنه عليّاً (، مثل حريز بن عثمان الحمصي الذي كان يلعن عليّاً في اليوم والليلة مائة وأربعين مرة(446) وإسحاق بن سويد بن هبيرة(447) وثور بن يزيد الحمصي(448) وحصين بن نمير الواسطي(449) وزياد بن علاقة الثعلبي الذي كان يسبُّ الحسنين (رضي الله عنهم)(450)

(هامش)

(444) صحيح مسلم ج8 ص122 - كتاب صفات المنافقين ، مسند أحمد ج4 ص320 ، البداية والنهاية ج5ص 20 (445)  المحلى ج11 ص224 (446) تهذيب التهذيب ج2 ص207 مقدمة فتح الباري كان ينتقص من علي ويناله (447) تهذيب التهذيب ج3 ص303 (448) تهذيب التهذيب ج4: ص 30 كان إذا ذكر علياً يقول لا أحبّ رجلاً قتل جدّي (449) تهذيب التهذيب ج2 ص 337 كان يحمل على علي (رضي الله عنه) (450) تهذيب التهذيب ج7 ص308  كان يقع في الحسن والحسين (رضي الله عنهم).

ص 402

وسائب بن فروخ الذي كان من أعداء أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي استهزأ بهم وهجاهم في شعره(451) وعمران بن حطان الذي مدح ابن ملجم قاتل سيّدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)(452) وقيس بن أبي حازم(453) وغيرهم ما يزيد على الثلاثين، فهو بالرغم من روايته عن هؤلاء النواصب والخوارج لم يروِ ولا حديثاً واحداً عن الإمام جعفر بن محمد (رضي الله عنه) الذي نعدّه نحن السنّة من العظماء(454).

السؤال 8:

هل صحيح ما يقال أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب الخليفة الثاني في أيّام خلافته لم يكن يعرف بحكم التيمم وإذا سئل عن حكم المجنب الفاقد للماء كان يقول بترك الصلاة حتى يجد الماء حتى لو استمر شهراً أو شهرين! روى الإمام النسائي: كنّا عند عمر فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ربّما نمكث الشهر والشهرين ولا نجد الماء؟ فقال عمر: أمّا أنا فإذا لم أجد الماء لم أكن لأصلّي حتى أجد الماء...(455)

(هامش)

(451) تهذيب التهذيب ج3 ص 390 كان هجّاء خبيثاً فاسقاً مبغضاً لآل الرسول مائلاً إلى بني أميّة مادحاً لهم -العتب الجميل ص115 (452) تهذيب التهذيب ج8 ص 113 (453) تهذيب التهذيب ج8 ص 347 (454) سير أعلام النبلاء (455) سنن النسائي ج1 ص168، وقد رواه البخاري في ج1 ص 70 باب المتيمم.. الخ.

ص 403

السؤال 9:

هل صحيح أنّنا أهل السنة نرى أن أبا بكر أكرم على الله من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونروي، أنه جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالت له: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن النخلة التي في داري وقعت وزوجي في السفر فقال(: يجب عليكٍ الصبر فلن تجتمعي به أبداً، فخرجت المرأة باكية فرأت أبا بكر، فأخبرته بمنامها ولم تذكر له قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال اذهبي فإنّك تجتمعين به في هذه الليلة فذهبت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبرته بزوجها، فنظر إليها طويلاً فجاءه جبرئيل وقال: يا محمد! الذي قلته هو الحق، ولكن لما قال الصديق أنك تجتمعين به في هذه الليلة استحيا الله أن يجري على لسانه الكذب، لأنه صديق فأحياه كرامة له(456) فيجرى الله الكذب على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يجري على لسان أبي بكر حتى لا تمسّ شخصيته بشيء!

السؤال 10:

هل يصح أن يقال أنّ أمّ المؤمنين عائشة ( منعت من إيتاء جنازة الحسن بن علي سيد شباب أهل الجنّة إلى جانب قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ ونرى أنّها طلبت أن يؤتى بجنازة سعد بن أبي وقاص إلى المسجد النبوي وصلّت عليه. ألم يكن الإمام الحسن سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤمناً من المؤمنين؟ أو لم تكن

(هامش)

(456) نزهة المجالس ج2 ص184 وانظر الغدير ج7 ص 248.

ص 404

عائشة أمّ المؤمنين؟!

السؤال 11:

هل صحيح أنه لا يوجد حديثٌ واحدٌ صحيحٌ بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعى أبا بكر بـ (الصديق) وكذلك عمر بـ (الفاروق) ولم يصفهما بهذين الوصفين، وأنّ وصف الصديق والفاروق طبقاً للروايات مختصّ بسيّدنا علي (عليه السلام) ينقل الطبري عن عباد بن عبد الله يقول: سمعت عليّاً يقول: (أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلاّ كاذب مفتر، صليت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الناس بسبع سنين)(457).

السؤال 12:

هل يصح ما يقال: أنّ بني أميّة أيّام حكمهم كانوا لا يرتضون اسم علي (رضي الله عنه) وكانوا يقتلون المولود بهذا الاسم! وأنّ شخصاً اسمه رباح غيّر اسم ابنه علي من (علي) إلى (عُلى) بالضّم خوفاً من سلطانهم؟! وعليه فكيف ندافع عنهم. يقول المزّي: كانت بنو أميّة إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه، فبلغ ذلك رباحاً فقال: هو -يعني علي بن رباح - (عُلى) وكان يغضب من علي ويحرج على من سمّاه به(458).

(هامش)

(457) تاريخ الطبري ج1 ص537 (458) تهذيب الكمال ج13 ص 266 تهذيب التهذيب ج7 ص281.

ص 405

السؤال 13:

هل أنّ ذكر فضائل علي (عليه السلام) كان ممنوعاً وأن سبّه ولعنه كان جائزاً بل يمدح صاحبه؟! لماذا ولأيّ غاية؟ ينقل الإمام الذهبي عن عبد الله بن شداد قوله: وددت أنّي قمت على المنبر من غدوة إلى الظهر فأذكر فضائل علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ثم أنزل، ثم أنزل فيُضرب عنقي(459).

السؤال 14:

يقال أنّ كعب الأحبار اليهودي كان معتمداً للدولة في فترة حكم الخليفة الثاني (رضي الله عنه) وقد أسلم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الذي أدخل الإسرائيليات في التفسير والحديث كما يقول الإمام الذهبي: كان يحدّثهم عن الكتب بالاسرائيليات(460).

السؤال 15:

هل صحيح أنّ أبا هريرة روى أحاديث تضع من شأن ومقام أنبياء الله العظام وتقدح فيهم وأخرجها له البخاري في صحيحه نذكر على سبيل المثال: 1- أنّ النبي إبراهيم كذب ثلاث مرات: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث

(هامش)

(459) سير أعلام النبلاء ج3 ص489 (460) سير أعلام النبلاء ج3 ص489.

ص 406

كذبات(461) يقول الفخر الرازي حول نسبة الكذب إلى الأنبياء لا يحكم بنسبة الكذب إليهم إلاّ الزنديق(462). 2- يقول أبو هريرة: أنّ النبي موسى (عليه السلام) بعد الغسل جاء عارياً إلى بني إسرائيل مكشوف العورة حتى شوهدت عورته - والعياذ بالله - لرفع التهمة التي وجهت إليه: فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله وأبرأ مما يقولون(463).

السؤال 16:

هل صحيح ما يقال أنّ الشيطان نفذ إلى قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على أنه وحي من الله تعالى ثم تدارك الله تعالى ذلك ونسخه. روى البخاري في تفسير سورة الحج عن ابن عباس (ألقى الشيطان في أمنيته إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم آياته(464) ويقول ابن حجر العسقلاني: جرى على لسانه حين أصابه سنة وهو لا يشعر وقيل: أنّ الشيطان ألجأه إلى أن قال بغير اختياره(465).

(هامش)

(461) البخاري ج4 ص112 (462) التفسير الكبير 22:186 و 26:148 (463) البخاري ج4 ص 129 بدء الخلق دار المعرفة (464) البخاري ج3 ص 160/ سورة الحج (465) فتح الباري ج8 ص 294 - كتاب التفسير/ الحج.

ص 407

السؤال 17:

يقال: أنّ جميع الأحاديث الواردة في فضائل معاوية مكذوبة ولا توجد حتى رواية واحدة صحيحة وقد صرّح بذلك كبار علماء السنّة: 1- يقول ابن تيمية: طائفة وضعوا لمعاوية فضائل ورووا الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك كلها كذب(466). 2- ويقول العيني: فإن قلت: قد ورد في فضله ـ معاوية ـ أحاديث كثيرة قلت: نعم ولكن ليس فيها حديث صحيح يصح من طرف الإسناد نص عليه ابن راهويه والنسائي وغيرهما فلذلك قال البخاري: باب ذكر معاوية ولم يقل: فضله ولا منقبته(467). 3- ويقول الشوكاني: اتفق الحفاظ على أنّه لم يصح في فضائل معاوية حديث(468). 4- ويقول ابن حجر في ترجمة إسحاق بن محمد السوسي: ذلك الجاهل الذي أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية رواها عبيد الله السقطي عنه فهو المتهم بها أو شيخه(469).

(هامش)

(466) منهاج السنة ج2 ص207 (467) عمدة القاري ج16 ك 249 (468) الفوائد المجموعة: ص407 ح192 (469) لسان الميزان ج1 ص374 ـ الغدير ج11 ص75  ـ سفر السعادة ـ فيروز آبادي ج2 ص420 ـ كشف الخفاء SعجلونيR ص 420.

ص 408

السؤال 18:

هل صحيح ما يقال أنّ هناك أشخاصاً في صدر الإسلام حدثت لهم الرجعة بعد الموت مثل زيد بن خارجة(470) الذي توفي في عهد عثمان (رضي الله عنه) وعاد إلى الحياة وتكلم. وأيضاً عشرات الأشخاص الآخرين أوردهم ابن أبي الدنيا المتوفى في سنة 281 هجري في كتابه، وكما أنّ هناك بعض الصحابة والتابعين مثل أبي الطفيل(471) والأصبغ بن نباتة(472) وغيرهم يعتقدون بالرجعة، وعليه فلماذا نستنكر وجود هذه العقيدة ـ الرجعة ـ عند الشيعة؟ ولماذا يعاب على رواة كبار أمثال جابر بن يزيد الجعفي الذي كان يحفظ آلاف الأحاديث لسبب أنه كان يعتقد بالرجعة فيقصى من الوثاقة ويجرح فيه كما صرح بذلك مسلم في مقدمة صحيحه(473)؟

السؤال 19:

هل صحيح أنّ أبا بكر (رضي الله عنه) كان قد أعدّ خطة لقتل علي (رضي الله عنه) وهيأ لها خالد بن الوليد، ولكنه خاف من تنفيذها وعواقبها فانصرف عنها! كما ينقل ذلك السمعاني. روى عنه - أي الرواجني حديث أبي بكر أنه قال:

(هامش)

(470) من عاش بعد الموت 20 الرقم 1، أسد الغابة ج2 ص 227 (471)  المعارف ص341 (472) تهذيب الكمال ج3 ص 308 (473) راجع صحيح مسلم ج1 المقدمة باب الكشف عن معايب رواة الحديث.

ص 409

لا يفعل خالد ما أمر به فسألت الشريف عمر بن إبراهيم الحسيني بالكوفة عن معنى هذا الأمر فقال: كان أمر خالد بن الوليد أن يقتل علياً ثم ندم بعد ذلك فنهى عن ذلك(474).

السؤال 20:

هل صحيح ما يقولون أنّ سيّدنا علي (عليه السلام) لم يبايع أبا بكر وكان قد أغلق كفّه عن البيعة وسعوا لفتحها فلم يتمكنوا فجاء أبو بكر ووضع يده عليها ومسحها حتى تحسب بيعة كما يروي ذلك المسعودي: فقالوا له: مدّ يدك فبايع، فأبى عليهم فمدوا يده كرهاً فقبض على أنامله فراموا بأجمعهم فتحها فلم يقدروا فمسح عليها أبو بكر وهي مضمومة(475) ومع ذلك نقول بأنّ بيعة أبي بكر كانت بإجماع أهل الحلّ والعقد؟ وكيف نفسر الرواية السابقة مع قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (علي مع الحق والحق مع عليّ يدور معه حيثما دار) (476).

السؤال 21:

هل صحيح أنّ صلاة التراويح ابتدعها سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)

(هامش)

(474) الأنساب للسمعاني ج3 ص95 (475) إثبات الوصية ص146- الشافي ج3 ص244 (476) مستدرك الحاكم ج3 ص125، جامع الترمذي ج5 ص592، مناقب الخوارزمي ص 176، فرائد السمطين ج1 ص 177.

ص 410

ولم تكن زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما أشار إلى ذلك العلماء: 1- ابن الهمام: ظاهر المنقول أنّ مبدأها من زمن عمر(477) 2- العسقلاني: فتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والناس على ذلك أي على ترك الجماعة في التراويح . والمحفوظ أنّ عمر هو الذي جمع الناس على أبي بن كعب(478). 3- العيني: الأمر على ذلك يعني على ترك الجماعة في التراويح وقوله: أنّي أرى هذا من اجتهاد عمر واستنباطه(479). 4- ينقل الإمام البخاري عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر نعم البدعة هذه(480). إذن لم تكن صلاة التراويح في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا في زمن الخليفة الأوّل (رضي الله عنه)، بل الذي جاء بها عمر بن الخطاب فلماذا هذا الإصرار منّا على الالتزام بها ونعتبرها من الدين والعبادات وشعاراً للسنة كما يقول

(هامش)

(477) فتح القدير ج1 ص407 (478) فتح الباري ج4 ص296 (479) عمدة القاري 11:125 (480) البخاري ج2 ص252 طبع دار الفكر

ص 411

السرخسي: فأداؤها بالجماعة جعل شعاراً للسنّة(481) وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار..

السؤال 22:

كان الكثير من الصحابة والتابعين يمسحون القدمين بدل غسلهما في الوضوء وكان البعض منهم يقول بوجوبه وذلك مثل سيّدنا علي (رضي الله عنه) وعبد الله بن عباس وعكرمة وأنس بن مالك والشعبي والحسن البصري والإمام محمد الباقر (رضي الله عنه)(482). فلماذا نفتي بغسل القدمين؟ ونفتي ببطلان الوضوء الذي لم يكن فيه غسل الرجلين؟ هذا أنس بن مالك خدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر من عشر سنين وهو يقول: بوجوب المسح هل كان مصراً على مخالفة السنة أم أنّ المسح هو السنة؟ وهذا علي بن أبي طالب كان يمسح ولا يغسل وقد صاحب رسول الله أكثر من جميع الصحابة؟ هل كان مصراً على مخالفة السنة أو أنّ السنة هي المسح دون الغسل؟

1- يقول ابن حزم: وقد قال بالمسح على الرجلين جماعة من السلف منهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، والحسن وعكرمة والشعبي وجماعة غيرهم، وهو قول الطبري.

(هامش)

(481) البخاري ج2 ص252 (482) المحلى ج2 ص56.

ص 412

2- ويقول الرازي: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما، فنقل القفّال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر الباقر: أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب الإمامية من الشيعة(483).

3- ويقول ابن قدامة: غسل الرجلين واجب في قول أكثر أهل العلم وروي عن علي (عليه السلام) أنه مسح على قدميه.

4- وحكى عن ابن عباس: أنه قال: ما أجد في كتاب الله إلا غسلتين ومسحتين. وحكي عن الشعبي أنه قال: الوضوء مغسولان وممسوحان ولم يعلم من فقهاء المسلمين من يقول بالمسح على الرجلين غير من ذكرنا وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مسح على قدميه(484).

السؤال 23:

هل صحيح أنّ قولنا في الأذان (الصلاة خير من النوم) بدعة ابتدعها الخليفة الثاني ( ولم تكن من الأذان على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

1- يقول الإمام مالك: أنّ المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائماً فقال الصلاة خير من النوم فأمره أن يجعلها في

(هامش)

(483) التفسير الكبير ج11 ص161 (484) المغني لابن قدامة ج1 ص 132-133.

ص 413

نداء الصبح(485).

السؤال 24:

يقول الإمام الذهبي عن قتلة الخليفة عثمان بن عفان: كل هؤلاء نبرأ منهم ونبغضهم في الله(486) ويقول ابن حزم لعن الله من قتله والراضين بقتله...، بل هم فساق محاربون سافكون دماً حراماً عمداً بلا تأويل على سبيل الظلم والعدوان فهم فساق ملعونون(487) أهذا مع علمنا بأنّ قتلته كانوا من الصحابة الأجلّاء من أصحاب بدر ومن أصحاب بيعة العقبة وقد شاركوا مع رسول الله في جهاده ببدر وأحد وحنين وفتح مكة والطائف؟ فكيف نوفّق بين جواز لعن الصحابة وبين أدلة عدالتهم وأدلة جواز اجتهادهم وخطأهم وتأولهم كما تأول غيرهم في كثير من الوقائع التي تلت عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن جاز لعن هؤلاء وتفسيقهم ونفي التأويل عنهم جاز ذلك لغيرهم أيضاً وإن لم يجز لعن الصحابة فلا يجوز لعن هؤلاء أيضاً! وإن جاز لعن هؤلاء دون غيرهم فما المائز بين هؤلاء الصحابة وسائر الصحابة الذين اجتهدوا وتأولوا وخالفوا نصوص الكتاب والسنة كمعاوية (رضي الله عنه) ومن سار على نهجه في محاربة الخليفة علي بن أبي طالب والحسن بن علي وأمّ المؤمنين عائشة وطلحة من العشرة المبشرة الذين قاتلوا الخليفة الذين

(هامش)

(485)  الموطأ ج1 ص72 (486) تاريخ الإسلام الخلفاء ص 654 (487) كتاب الفصل ج3 ص 74-77.

ص 414

بايعوه ثم خرجوا عليه.

السؤال 25:

هل صحيح ما يقال من صحة وتواتر حديث الثقلين بلفظ (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) كما أورده مسلم(488) والترمذي(489) وصحّحه الألباني(490) ولكن الحديث بلفظ (كتاب الله وسنتي) ضعيف وأورده مالك مرسلاً(491) ولم يورده أصحاب الصحاح الستة. ولكن مع كل ذلك نحن نصرّ في خطبنا على ترك اللفظ الأول (وعترتي) ونذكر الحديث بلفظ (وسنتي) أي نترك ما صحّ بالتواتر وتصحيح العلماء ونذكر ما لم يثبت بسند صحيح!!.

هذا تمام الكلام في بحث الشبهات العقائدية وأجوبتها. وقد فرغت عن كتابة هذا الكتاب في 20 شعبان المعظم سنة 2009 ميلادي الموافق لـ 12/8/1430هـ

اللهم اجعله عملاً صالحاً وتقبّله منّا واعف عنّا وعن والدينا برحمتك يا ربّ العالمين بحق محمد وآله الطاهرين.

(هامش)

(488) صحيح مسلم ج4 حديث 1873. لفظة: أذكركم الله في أهل بيتي (489) سنن الترمذي 5: 622 (490) سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 356 (491) الموطأ 2: 899.

الصفحة السابقة

أجوبة الشبهات العقائدية

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب