انوار البدرين

الصفحة السابقة الصفحة التالية

انوار البدرين

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 361

سل عنه يوم الخندقين ومصرع * العمرين ذا عان وذاك مصرع بل سل غداة أطل منهم مرحب * فنجا بمهجته الجبان الأكوع من بعد ما غص الفضا بجيشه * والكل منهم بالفرار مولع جيش تقدمه النسور عرمرم * مد الخضم بعارض ما يقلع فغدا اللذان تقدماه وقد سمت * للموت خطة مورد لا تدفع لم يلبثا إلا ومد عليهما * للخزي مرط لا يزاح ومدرع حتى تصوب للملاحم قسطل * عادت به شمس الظهيرة تسفع ودعا النبي لأنفذن برايتي * عبل الذراع مقذعا لا يجزع رجلا يحب الله وهو يحبه * لا ينثني حتى يفل المجمع حتى إذا سفر الصباح وكلهم * دنف الفؤاد لمثلها يتوقع أدناه ثم حباه تلك فضيلة * ما نال موسى مثل تلك ويوشع فغدا يلف مؤخرا بمقدم * والنصر تحت لوائه يترعرع أهوى لمرحب ضربة فقضى بها * ومضى لشامخة الحصون يزعزع حتى إذا جذب الرياح وراءها * فكأنه كرة دحاها مستع ولكم تنوء بأربعين وأربع * وزرا عليهم وهي لا تتضعضع هذي المناقب لا مناقب أسرة * حشدوا على ليل الضلال فقعقعوا فليتركوا أعلى الطريق لضيغم * سام له منه السبيل المهيع وليرفضوا عي الكلام وينصتوا * لهدير شقشقة الفنيق لكي يعوا سلبوا الخلافة من مناط حقوقها * والله يشهد والبرية أجمع وتقمصوها بعد نص محمد * نصا له في كل آي مصدع

ص 362

جاءوا بها موصولة بشنارها * يغشاهم منها الجليل المفضع تاهتهم الآراء فليتبؤوا * منها مقاعد في لظى تتقعقع زعموا محاولة العلو وأينهم * بل أين شامخة الذرى والبلقع يا من تخب إليه كل فضيلة * خب الظماء لوردها تتدفع بل رادع القدر الحري بأن يرى * منه الزمان على المذلة يهطع إني مدحتك غير ذي من منة * مني عليك ولا لشيء أطمع لكن وجدتك للمحامد والثنا * أهلا ففاه به اللسان الأقطع والمدح ليس ببالغ لكنها * نفث الصدور وغلة لا تنقع ماذا يقول المادحون بمدح من * آي الكتاب بمدحه تتشعشع خذني إليك فمهجتي ذهبت عنا * في حب ذاتك والفؤاد مبضع وإليك مني ما حييت مدائحا * يعنو لهن الهزبري المصقع تشدو بفضلك يا علي وفي العدى * قذفا بكل بلية لا تورع لو رامهن اليشكري وطرفة * أودى نظامهما الفصيح المصطع وعليك مني ما حييت من الثنا * أبدا سلام متيم لا ينزع ولك السلام من السلام مني اغتدى * بالدوح قمري الأراك يسجع وقال رحمه الله تعالى في أول الرابعة: لمن المطي يشفها الادراك * مثل الرعان على القنا تعاك يوضحن غامضة السبيل كأنما * أهوى إليه من الغمام دراك ومنها: يحملن كل عقيلة لو أسفرت * للشمس غال ضياءها استحلاك

ص 363

يصفحن عن غر الصفاح أسيلة * أبدا بلحظ الناظرين تشاك إلى أن قال (ره): وعلى أمير المؤمنين تلهفي * وله الثنا ونسيبه المضباك الفارس العربي والمتألق * القرشي والمتحنن الهتاك ومسابق الآجال طعنا في العدى * متداركا والآسر الفكاك خلق أرق من النسيم وسطوة * تعنو لها الأقدار وهي ركاك ومناط بأس لو ألم شداه * بالأفلاك لم تتحرك الأفلاك وعلا يطول على العلا ومكارم * خضعت لأخمص طولها الأملاك ويد تمد الغيث من جدوائها * حتى يجلجل من نداه وشاك ومنها أيضا بعد أبيات عظيمة: أسد يعير الموت غرة وجهه * واليوم ليل والمجال ضناك ما سالم الدنيا وقد أدلى لها * كف المهالك والشكيم يلاك كلا ولا ترك الضلال وإنما * أنحى إليه من يديه هلاك فأقام أعلام الهدى متأودا * منها العماد رسيمهن سواك فله من الشرف الأثيل أرائك * ومن المعالي تمرق ودراك وله على الأعداء حتف واصب * وله بإرماق العفاف مساك ثم الصلاة عليه ما هتفت به * دعوات داع واستقام سماك وقال طاب ثراه في أول الخامسة: دع الحب واسلم أن تباع وتشترى * ولا يتصباك الغريم وإن عرى فإن الهوى صعب يدق جلالة * فيمنع نجدي الحما أن يغورا

ص 364

أرقت ونام الليل صحبي ولم أكن * أرقت لبرق باليمامة قد سرى ولكن أمرا بين جنبي ولو ثوى * بدهم المنايا أوشكت أن تقطرا ومنها: وما نحن بالقوم الذين إذا دعوا * رموا عامرا دون الردى أو معمرا ولكننا نغشى المنايا طوالعا * إلى المجد نمشي فرحة أو تبخترا ونلقى إلى من دوننا كل حادث * فنمري له النعماء وردا ومصدرا وإن آض في الشحنا القطين فإننا * صفحنا إليه عن جزا السوء مقدرا أخذنا العلى قسرا على طالبي العلا * فلم نتبين صاغرا أو مصغرا ولم تغتنم إلا مليكا محجبا * ولم نستلب إلا عديدا مجمهرا ومنها: فلا جد جد المجد إن لم أثر بها * عتافا يقعقعن الوشيج المسعرا فإن يسمعوها غدوة أو عشية * يسروا مذاعا أو يذيعوا مكفرا هو الخطب حتى يشرق اليوم شمسه * كشافا وحتى يذهب الغل والمرا فلا صلح حتى يستزل يلملم * وحتى يعود القارضان لمن يرى سأقذفها كالشم تحمل مثلها * من الصيد لا تأتل في الأين موغرا وأعرض عن ذكر الديار وأهلها * وإن ظل وجدا في الحشاشة مضمرا فأما بلوغ الملك قسرا أو الردى * وإلا فقد أدركت في المجد مؤزرا إلى أن قال (ره) بعد أبيات: فلا شوق إلا للمعالي متى هفا * ولا مدح إلا للوصي متى جرى فتى أنزل الدنيا حمى من ذمامه * فقرت وقد كادت تلاحي بها الذرى ومنها بعد أبيات:

ص 365

وهب لإملاء الطغام مشمرا * عليهم فأودى الأبلج المتنورا وزعزع أطراف الرماح لغارة * على الكفر أمسى عندها الهدي نيرا وجلى فما جلى لديه شمردل * من الصيد يصطاد الهزبر الغضنفرا وألوى إلى الأقران ليثا مشيعا * يعيد الضحى ليلا من النقع مدجرا وألقى إلى الحرب العوان بكلكل * من البأس يفتل العجاج المكدرا فزلزل من أركانها كل ثابت * وأثبت من أركانها ما تمورا فأمست حزازات الأعادي شواجرا * وبالرغم من أضغانها ما تشجرا على غير ما يهوى الضلال لأسرة * تبوأت الشحناء بغيا ومغدرا هو السر سر السر سر مقنع * بسر وسر مستسر لمن يرى حنانيك كم ألبست ذا الدين يلمقا * من العز مزرور الحواشي ومعجرا وأنزلته من سورة الملك منزلا * تقاصر عنه ملك كسرى وقيصرا وقد حام من حول الحما كل أشوس * طلعت عليه أشوس البأس أصغرا وتلك العلا ألوت عليك عقودها * ولم ترض من تلك المعاقد خنصرا وزرت المنايا يوم دارت بقطبها * كشافا وقد اتأمن ملقى ومدبرا وجلجلت بالعقد الصفون لمورد * من الموت لم تدرك لها عنه مصدرا وصلت على الهام المواضي كأنما * وقعن على الهام الرعود فأمطرا ورحت على ضغن الترات وإن غلت * صدور من الشحنا إلى الحفظ مصحرا عداك من العليا الملام فإنما * ثوت منك مثوى مشرق الصبح مسفرا فما غشت عيش المطمئن وإنما * جلبت على الأحزاب يوما حبوكرا بحيث استعاذ الناس بالناس وانتدى * نبي الهدى داع عن الله مخبرا فلم يسمعوا من دعوة غير رجعها * وقد لج فيهم برثن الموت موزرا

ص 366

أماطوا عن السر الخفاء وكلهم * قليل الوفا ما شد أزرا ولا قرا فلم يغن عنهم ما بنوه وخندقوا * وما أحصدوه من موثقة العرى هفوا خافقي الألباب والكفر حاشد * وقد أط فيهم زاحر الرعب مذعرا طفقت على عمرو بن ود بمؤبد * فصادفها عمرو بن ود معفرا فأين على الأقوام مثلك أصيد * إذا قال يوما من فتى الحرب شمرا وأين يرى الراؤن أنى تحملوا * أشم المعالي الغر غيرك مهجرا وأين يروم الدين غيرك والهدى * رقيبا على هذا الورى ومسيطرا وأين على العلياء مثلك شامخ * يؤلق من أنوارها كل أزهرا وأين على الإسلام مثلك ناصر * يسهل من اوعاره ما توعرا وأين على العلم الربوبي خازن * سواك إذا ما أثقل العبء أنهرا وأين على حكم القضا متبطن * سواك يعير الغامض السر مظهرا وأين على الهيجاء مثلك فارس * إذا ما خبت نار العجاجة أسعرا إلى آخرها وهي طويلة وقال (ره) في أول السادسة: هلا وقفت على الكنس * بين النواصب عن عبس لبست بها أيدي الغمام * بكل منهمر فغس.. وأعادها عند العفاء * فغالها منه العنس كان الجميع فأبكروا * منهن في غسق الغلس إلا أثافيا بها * ستعاد نؤما قد طمس ومنها بعد أبيات كثيرة: للخل ما راق النسيب * وللهوى ما قد هجس

ص 367

وإلى الوصي من الثنا * ما طاب منه وما نفس غيث المحول وغوث من * أودى به سوء البلس طلاع كل ثنية * ما لاب لوب أو مغس وأخو النبي المصطفى * والأصيد الملك الندس عف الإزار مبرأ * من كل رجس أو دنس ومنها: وأقام من دين النبي * عماده لمن انتكس ضرب كافواه الهياج * ودونه الطعن البلس ومعاقد من همة * هتكت بها عصم الطغس ومحل قدس لو تبوأ * قدسه الملك ارتكس سبحان خلاق الورى * منشية سبوح قدس كلا وليس لمثله * عجب وإن حس الهجس من مثل حيدرة الوصي * فثم أمر ملتبس ومنها بعد أبيات: عقاد ألوية العلا * والشامخ البر الشرس كيف استلان لمعشر * قذفوا على الهدي الخمس من بعد ما غطى على * شمس الضحى منه الغلس والبيض ترعد في الفوارس * والأسنة ترتجس كغداة بدر والنظير * وخيبر وبني عبس والخندقين واحد والأحزاب * والفتح الخمس

ص 368

لكنهن حوادث * حكمية لم تلتبس ياسر أحمد والذي * بزغت له شمس القدس والمستسر بعلم غيب * للقضاء وما وهس إني عقلتك مدنفا * لا كالعميد المبتئس في حب ذاتك مولعا * ثلج الحشاشة لم ألس خذني إليك فقد أباد * حشاي شوقك وانتهس ثم الصلاة عليك ما * عج المثوب أو هبس ولك السلام متى أضاء * سناء بدرك في غلس وقال (ره) في أول السابعة وهي آخرها: هي سلوة أودى بها المتعلل * درك لعمري في الهوى لا يوغل ذهبت بكل صبابة لو أنها * أشفى عليها العارض المتهلل الآن إذ هتف المشيب بمفرقي * وأبيض من رأسي الظلام المسدل صبغ يجعجع من طماحي لم يحل * ومن الشبيبة صبغ ليل ينصل أطفوا وأرسب في الغرام ومنجدي * رشأ من الآرام حر أكحل وجه كأن الشمس تكسف دونه * يغشاه فرع دجنة متعثكل ومنها بعد أبيات كثير: أنضيت عيشي في الهوان فكيف لي * منه بحزن مغارة لا تسهل سبع وعشرون اهتبلن لي العدى * فغدت على شحنائها تتغلغل فلأهتكن فروج كل كريهة * طخياء تلعب بالكمات وتهزل حتى يناط من العجاجة بالضحى * ليل بأقران العجاجة أميل

ص 369

تالله لا أدع الجماح إلى العلا * حتى يقصر بالبحار الجدول ما لي وما للحادثات ينشنني * ولدي من بأسي وعزمي موئل عزم كمنقض الصفاة ودونه * بأس كحد المشرقي ومنصل فلأدخلن على النساء خدورها * واليوم ليل بالعجاجة أليل ومنها بعد أبيات قوله (ره) لا تجزعن من الخطوب طوارقا * فلربما اجترم الأخير الأول واشدد رجاءك بالوصي فإنه * حرم يذم من الزمان ومعقل كم حد من غلوائه ما يرتقي * وأباد من خيلائه ما يرفل وأتاه مر النفس من أساسه * فثوى به وهو الجراز المفصل ضرب كما اختلب الغضنفر كاويا * سغبا وطعن كالعيون مجلجل وفوارس من طول ما التثموا الوغى * شعث الصفاح إلى المنية ترقل طلعوا على الشرف الأثيل بعارض * مد الدجنة بالنجيع يجلجل أولاهم فرع العلى فتبؤوا * شرفا له انحط السماك الأعزل ورمى بهم في قعر كل ملمة * ما ثوب الداعي وثار القسطل ألوى لحرب الناكثين بجمعهم * فثوت بهم أم الخطوب المعضل ثم استطال إلى ابن هند بعدما * جمح العتو به وأحفى العذل فاجتافه بالقارعات ولفه * بيد الردى واحتز منه المفصل رفع المصاحف خيفة العود الذي * أنحى إلى أشياخه فتبزلوا وسما لأهل النهروان فرعبلوا * عصف الردى ما لا تهب الشمأل من بعد ما اتخذ الرماح عرينه * والدين في ثوب المذلة يرقل

ص 370

حامي فما شمخت عليه قبيلة * إلا غشاها منه خطب مهول تعنو الملائك والملوك متى سما * ملك معم في المعالي مخول الناسك الفتاك يوم خميسه * والمستطيل الراهب المتبتل وله الصفا والمروتان ومن سعى * والضرتان وملو جود المعدل (1) وله المقام المجتبى وله المحل * المنتهى وله العماد الأطول وإليه ميراث السماوات العلى * والأرض نصا والطراز الأول وله الولاية في الوجود جميعها * وله المدا والمبتدى والمأول شرف سما الأفق المبين ودونه * مجد يقصر بالضراح مؤثل ويد لو اندفعت مزاخر جودها * لطما على الوجود المنهل ومناط بأس لو تقلده امرؤ * لسما على الأفلاك منه مرعبل ونجاد عزم لو تنجده الثرى * لهوت له شم الأهاضب من علو ومفيض جاش كالزمان ودونه * خلق يرق له الزلال السلسل إلى أن قال (ره) بعد أبيات كثيرة تركناها يا قاسم النيران حيث تنهدت * والخلد في عذباتها تتهلل يا صاحب الأعراف في يوم الجزا * حتى يماز من الهداة الضلل يا سر أحمد خيرة الله التي * اختيرت (2) فخر لها الصفيح الأعزل يا سيف كل ضريبة يا ليث كل * كتيبة والمستغاث المفضل يا غيث كل محلة يا شمس كل * دجنة والشامخ المتطول والآسر الفكاك والمتألق السفا * ك والمتعزز المتفضل

(هامش)

(1) كذا في الأصل. (2) كذا في نسخة الأصل. (*)

ص 371

والركن ركن العرش لا متأودا * سامي المعاقد والحجاب المسدل والأمر أمر الله أمر واصب * والحكم حكم الله حكم فيصل ونجاة يونس يوم راح مغاضبا * حتى استقل به الخضم المسجل وعذاب مؤتفكات لوط والذي * تم الوجود به وقام الأميل عجت بك الأصوات وانتشرت بك * الأموات واقترب العذاب الموغل عطفا أمير المؤمنين فقد شفى * مني الغليل مكفر ومضلل يرضيك أنك في نعيمك خالد * وعلى محبيك العنا يتسلسل فلعلما تبع المضاضة منهم * حط لخطأ شارفوه فأوغلوا ومنها في شأن صاحب الزمان عجل الله فرجه وسهل مخرجه وأرانا فلجه آمين وإلى م نرسف في الهوان ولم يقم * لله سيف بالهداية مفصل ملك تخر له الرعان مهابة * ضرعا وترجف من شذاه الأجبل وله القضا والنشأتان معا معا * هذا يؤم لظى وذا متهلل في موكب نقص السيوف مهابة * منه ويرتعص الوشيح الذبل من كل أبلج لو تميز بأسه * لهوى لخيفته أبان ومأثل ضربوا رواق المجد فوق خميسه * والنصر تحت لوائهم يتهلل فيه من الأملاك كل غضنفر * لا يكفهر به العجاج المسبل وعلي إن يطأ الحجاز وأهلها * يوم أغر من الدماء محجل أسعى له في كل أبيض واضح * ينشي مناط المجد وهو مجلجل ومنها بعد أبيات: عطفا أمير المؤمنين فما لنا * عن جود كفك أين كنا معدل

ص 372

لولاك ما سمحت بمدح همتي * قدري أجل من القريض وأفضل هذا وفي بعض الذي امتلأت به * عني البلاد لقائل متعلل خذها إليك أبا الأئمة بالثنا * سبعا على السبع الطوال لها العلو لم تعتلق بالمقرفات وإنما * طلعت كما طلع الكتاب المنزل ومنها أيضا في آخرها: من مبلغ الشعراء أن قريضهم * طلعت عليه من الرجال حبوكل قول كمطرد الكعوب يهزه * طعن كأشداق اللواغب أنجل تركوا مناط الفضل لا عن طاعة * قسرا ويترك للأخير الأول فإليك يا بن الطالعين على العلا * شرف بها مات العلى يتزلزل لا يسبكر بي الغرام وإن هفا * قلبي لغيرك أو الج العذل خذني إليك فأنت أو في ذمة * من أن يضام لجار مجدك معقل ومنها: هتفت لأحمد في هواك هواتف * بالشوق في أحشائه تتنضل ومنها: قعدت به الأغلال عن نيل المنى * فهو العليل وداؤه المتعضل يرجو غياثك وهو أحرى ظنه * أن لا يحيط به العذاب المنزل ثم الصلاة عليك ما هطل الحيا * أوزار قدسك للملائك جحفل هذا آخرها وقد حذفنا كثيرا منها ولا سيما الأخيرة فإنها مائة وعشرون بيتا والعجب أنه أنشأها وهو مجلو عن البلاد خاليا من الطارف والتلاد وهو حينئذ ابن سبعة وعشرون سنة، ولعل الأبيات التي تركناها منها أبلغ بحسب الصناعة

ص 373

العربية إلا أنا تركناها لبعض الأعذار الشرعية والعرفية وتقربنا بما كتبناه إلى رب البرية إذ كان في مدح عترة المصطفى وأهل العصمة والتطهير والكسا وأيضا له مجارات المعلقات السبع وله ما يقرب من مائة قصيدة في رثاء الحسين (ع) في غاية البلاغة والملاحة وله مدائح ومناقضات لبعض المذاهب والرد عليهم ومناجات كثيرة وقد كانت قريحته مع قوة البلاغة وفخامة اللفظ والفصاحة سيالة ربما يجلس في المجلس وينظم القصيدة والأكثر بحسب ما يريد والناس على ما هم من الهدر والكلام، ونقل أنه في بعض السنين في عشر المحرم الحرام في كل ليلة بعد صلاة العشاء ينشئ قصيدة على الحسين (ع) ويعطيها من يقرأها في ليلتها والحال أنه الحاكم في البلاد وعليه إصدارها والإيراد. وبالجملة فالذي وقفنا عليه من شعره غير الذي تلف وضاع مجلدان كبيران من الحجم الكامل أكثره في المدائح والمراثي والمناجات وفيه أيضا مدح للملوك والسلاطين والأمراء الكبار كالسلطان (عبد الحميد خان العثماني) وغيره على البعد لإظهار الصيت والإعزاز لا للجوائز والإعطاء وبالجملة فهو من نوادر الزمان وعجائب الدهر الخوان، توفي رحمة الله عليه في شهر ربيع سنة 1306 ه‍ وصلينا عليه مع شيخنا الوالد الروحاني العلامة أزاد الله إكرامه وأكرامه وتغمدنا وإياهم وآباءنا والمؤمنين باللطف والكرامة.

 

46 - الشيخ عبد العزيز الجشي

 

(ومنهم) الأديب الكامل الشاعر الشيخ عبد العزيز ابن الحاج مهدي ابن حسن بن يوسف بن محمد الجشي (قده) البحراني القطيفي، كان له رحمه الله

ص 374

تعالى من الأدب الحظ الوافر ومن الشعر والمعرفة النصيب الكامل له قصائد جيدة منها في رثاء الحسين (ع) تقرأ في المجالس الحسينية ومنها في مدح كتاب الرد على النصارى للشيخ سليمان آل عبد الجبار (المتقدم ذكره) ومتضمنة للأدلة التي ذكرها في الرد على النصارى جيدة حسنة وقد اشتغل في العلوم إلا أن الشعر والتجارة غلبا عليه فكان بهما موسوما ولم أعلم بتاريخ وفاته ضاعف الله حسناته.

 

47 - الشيخ محمد علي بن مسعود الجشي

 

(ومنهم) ابن عمه الفاضل التقي الشيخ محمد علي ابن الحاج مسعود ابن الحاج سليمان الجشي البحراني الخطي (ره) كان رحمه الله تعالى عالما عاملا أديبا كاملا إلا أنه لم ينفك عن التجارة لكونه من بيت ثروة وتجارة، له شرح على الصحيفة السجادية مجلد غير تام وله شرح على منظومة العالم الرباني الشيخ حسن الدمستاني البحراني في الأصول الخمسة رأيته في يد ابنه الخير الصالح الفطن الأسعد الحاج أحمد كراريس مجلد بخط أبيه الشارح مبسوط غير تام.

 

48 - الشيخ محمد بن إسماعيل

 

(ومن علمائهم) العالم الفاضل الأسعد الشيخ محمد ابن الشيخ إسماعيل البحراني الجد حفصي القطيفي من بيت الحكيم من أهل جد حفص ثم سكنوا القطيف ونقل أنه من فضلاء البلاد وأدبائها علما وورعا لكنني لم أسمع له بمصنف ولا تاريخ لوفاته توفي رحمه الله تعالى زائرا للإمام الرضا (ع) وانتقل إلى دار السلام وأبوه أيضا كان من العارفين الأبرار الأخيار.

ص 375

 

49 - السيد حسين الكويكبي

 

(ومنهم) السيد العالم السيد حسين الكويكبي من قرية تسمى الكويكب لم أسمع له بمصنف ولا بتاريخ لوفاته ضاعف الله حسناته. وقد سمعنا بعلماء كثيرين وأدباء بالغين إلا أني لم أعلم بحقائق أحوالهم ولم أقف على شيء من مؤلفاتهم وآدابهم وكمالهم حتى أنقل أسماءهم وأترجم أعيانهم رحمنا الله وآباءنا وإياهم وجميع المؤمنين برحمته الواسعة في الدنيا والآخرة إنه أرحم الراحمين. (تتميم نفعه عميم) لا بأس أن نذكر من عاصرناه من أهل البلاد ونكتسب إن شاء الله تعالى جزيل الثواب في المعاد وجميل الذكر لنا ولهم الباقي المخلد مدة الآباد ونسألهم ونلتمس منهم ومن يأتي بعدهم الدعاء لنا بالرحمة والمغفرة من رب العباد إنه الكريم الرحمن الرحيم الجواد اللطيف بخلقه وإليه المرجع وإليه الإصدار والإيراد، أما العلماء والمتعلمين من أهل هذه البلاد فممتازون عن غيرهم بالآباء والتقوى والورع إلا من شذ منهم وندر على خلاف ما ذكرنا واشتهر نسأل الله أن يديم لنا ولهم التوفيق إلى طاعاته وخيراته ويزيل عنا وعنهم التعسير والتعويق عمل يقربنا إليه من زلفاته وعناياته إنه بالإجابة جدير وعلى كل شيء قدير وهم الآن كثيرون كثر الله أمثالهم وأصلح بالنار وبالهم ولنذكر منهم البالغين والواصلين:

 

50 - الشيخ عبد الله بن معتوق

 

(فمنهم رضي الله عنهم) العالم الفاضل التقي الصدوق الأواه الشيخ عبد الله

ص 376

ابن المرحوم الخير معتوق التاروتي كان سلمه الله تعالى من العلماء الأتقياء الورعين الأزكياء زاهدا عابدا تقيا ذكيا قرأ رحمه الله تعالى في القطيف عند الفقير لله صاحب الكتاب كثيرا في النحو والصرف وبعضا عند شيخنا العلامة، ثم سافر إلى النجف الأشرف للاشتغال في العلوم وبقي فيها مدة من الزمان وفي كربلاء بعض الأحيان ثم استقل في كربلاء المعلى وهو من العلوم ملآن إلى هذه الآن له بعض التصانيف سماعا من الغير لا أحفظ أسماءها ومن جملتها رسالة في الشك اسمها (سفينة المساكين) وإلا فهو حرسه الله تعالى كثير المكاتبة والمراسلة لنا كل آن وقد أجازه كثير من علماء النجف الأشرف وغيرها من العرب والعجم أدام الله توفيقه وسلامته وأفاض عليه إمداده ورعايته.

 

51 و52 - السيدان السيد حسين والسيد ماجد

 

(ومنهم رض) السيد الجليلان النبيلان السيد حسين والسيد ماجد ابنا المرحوم السيد هاشم المعروف بالعوامي من أهل مسورة القطيف كان السيد حسين المذكور أكبر سنا من أخيه قرأ في القطيف وفي النجف الأشرف على الفقير لله مصنف هذا الكتاب فلما توجهت إلى القطيف راجعا قرأ عند جملة من الفضلاء في النجف من أهلها ومن أهل بلاده والسيد ماجد المذكور قرأ أيضا في النجف الأشرف وحضر عند جملة من فضلائهما فهما من العلماء الفضلاء الأتقياء أدام الله تعالى سلامتهما وأزاد سعادتهما.

 

53 السيد علي بن السيد حسين

 

(ومنهم رضي الله عنهم) السيد النجيب الفاضل الأديب البهي السعيد

ص 377

السيد علي ابن السيد حسين ابن السيد يوسف العوامي من سكنة المحمرة، اشتغل في النجف الأشرف سنين كثيرة عند الفقير صاحب الكتاب وغيره وحضر مجالس العلماء ومحافل الفضلاء وهو إلى الآن في النجف الأشرف مشتغل بالعلوم ولا أدري هل له بعض التصانيف أم لا؟ وفقه الله إلى ما يحب ويرضى وختم لنا وله ولإخواننا المؤمنين بخير عقبى ورضى آمين.

 

 54 - الشيخ علي أبو عبد الكريم الخنيزي

 

(ومنهم رضي الله عنهم) العالم الفاضل العامل التقي الشيخ علي ابن المرحوم الحاج حسن علي ابن الحاج حسن المعروف بالخنيزي القطيفي البحراني كان اشتغاله كله سلمه الله تعالى في النجف الأشرف قرأ وحضر عند جملة من فضلائها وثلة من علمائها حتى تضلع من العلوم وصار له الحظ الوافر من المنطوق والمفهوم وأجازه جملة من علمائها عربا وعجما ورجع إلى بلاده ملآنا من العلم من طريقه لاتلاده (1) له رسالة مختصرة في بعض أحكام الطهارة والصلاة وله منسك متوسط له شرح على تبصرة العلامة (ره) لم يكتب من أوله إلا أقل من كراس أدام الله سلامته وأزاد كرامته.

 

55 الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي

 

(ومنهم رض) عمه الفاضل التقي العالم الذكي الشيخ علي ابن الحاج حسن

(هامش)

(1) توفي ليلة الثلاثاء الثانية من شهر صفر سنة 1362 ه‍ اثنين وستين وثلثمائة وألف ه‍. (*)

ص 378

الخنيزي اشتغل أولا في القطيف ثم سافر مع والده المرحوم إلى النجف الأشرف واشتغل وحضر وحصل وأكثر وإلى حال التاريخ هو في النجف الأشرف عند فضلائها وعلمائها يشتغل ويحضر ولا أدري له شيء من المصنفات أم لا (1) وفقنا الله وإياه وإخواننا بتوفيقاته وأفاض على الجميع سوابغ خيراته. وأما الولد الصالح التقي العالم التقي الشيخ محمد صالح والمكرم الشيخ عبد الله ابن الشيخ ناصر فقد ذكرناهما عقيب ترجمتي والديهما فيما تقدم.

 

 56 - الشيخ محمد بن نمر

 

(ومنهم رض) العالم الفاضل الذكي الشيخ محمد ابن المرحوم الحاج ناصر ابن نمر من أهل قرية العوامية كان من العلماء الأذكياء، قرأ مدة من الزمان في القطيف والنجف عند الفقير لله مؤلف هذا الكتاب ثم رجعت من النجف لبلاد القطيف فقرأ عند جملة من العلماء في جملة من العلوم وحصل منها ما يسره الله له وأعطاه من المنطوق والمفهوم (2)

(هامش)

(1) له كتاب شرح على الشرائع سماه (دلائل الأحكام) وله منسك متوسط وله رد على كتاب العالم السني الذي صنفه ردا على الإمامية سماه (الرد على الصراع) وله رسالة في ورسالة الشكوك في الصلاة سماها (طريق النجاة) ورسالة (قبسة العجلان) وله غير ذلك توفي قده 21 ذي القعدة سنة 1264 ه‍. (2) وكان تقيا مجتهدا متصرفا ومع هذا فهو حكيم ماهر وطبيب حاذق درس علم الحكمة على يد خليل الميرزا صادق فكان له يد طولى في الطب توفي قدس يوم الاثنين تاسع شوال سنة 1348 ه‍. تغمده الله برحمته. (*)

ص 379

وله أخ صالح اسمه الشيخ حسن قرأ أيضا في النجف الأشرف مدة من الزمان ورجع إلى الأوطان وفقنا الله وإياهما وإخواننا إلى مراضيه وجعل مستقبل العمر منا جميعا خيرا من ماضيه آمين رب العالمين.

 

57 - الشيخ حسن علي ابن الشيخ عبد الله

 

(ومنهم رض) الفاضل العالم العامل الكامل البهي الشيخ حسن علي ابن المرحوم المقدس الشيخ عبد الله بن بدر القطيفي وكان عالما ذكيا فطنا قرأ في النجف الأشرف سنين كثيرة عند جملة من فضلائها وحضر عند جمع من علمائها له رسالة في وجوب تقليد الأعلم وله رسالة نقضا لجواب مسائل بعض المعاصرين وسمعت أنه يكتب الآن شرحا على منظومة شيخنا الوالد الروحاني العلامة الصالح المسماة بالعمدة نظم الزبدة في أصول الفقه والظاهر أن له غير ذلك لكن لا أعرفه وهو الآن في النجف الأشرف يحضر في محافل الفضلاء وبجوار الأمير سلام الله عليه يتشرف أدام الله لنا وله ولأولادنا والمؤمنين التوفيق وسهل لنا ولهم إلى خير الطريق إنه أرحم الراحمين.

 

58 - الشيخ علي ابن الحاج حسن الجشي

 

(ومنهم أحسن الله مثواهم) الشاب الأسعد النبيه الفاضل البهي الشيخ علي ابن الحاج حسن الجشي البحراني القطيفي كان سلمه الله تعالى نبيها ذكيا فطنا ورعا أدبيا فاضلا أريبا له شعر كثير في رثاء الحسين عليه السلام وفي بعض الآداب والمناظيم وله قصيدة غراء في رثاء شيخنا العلامة أزاد الله إكرامه وأكرامه وأسبغ عليه إنعامه.

ص 380

(ومنهم طاب مثواهم جميعا) الآن موجودون غير ما ذكرناهم من حاضري البلاد أئمة للجماعة ومنهم في النجف الأشرف يشتغلون وللعلوم الشرعية يحصلون منهم أولادنا وبعض أرحامنا مما يقرب من عشرين أو يزيدون أدام الله لنا ولهم من خيره المزيد وأمد لنا ولهم في العمر السعيد ومتعنا وإياهم بالعيش الرغيد ووفقنا جميعا لما يحب ويرضى ويريد إنه الكريم الحميد الفعال لما يشاء ويريد وهو حسبنا عليه توكلنا وإليه أنيب وإليه المصير (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) اللطيف الخبير. وقد فرغ منه مصنفه الفقير لرحمة ربه السبحاني علي بن حسن بن علي بن سليمان البحراني عفا الله عنه وعنهم وعن إخوانه المؤمنين وأعطاه وإياهم خير الدنيا والدين بحق وآله الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في حدود سنة 1325 هـ‍ الخامسة والعشرين والثلثمائة وألف من هجرة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله الطاهرين والحمد لله رب العالمين.

ص 381

 

 
الباب الثالث: في ذكر الهجر وهي الأحساء وتراجم علمائها وأدبائها

 

ص 382

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الهجر وهي الأحساء

 

نذكر هنا ما وقفنا عليه من أحوال علمائها وفضلائها وأدبائها وإن كان قليلا من كثير بل نقطة من غدير وذلك لعدم التصدي لهذا الشأن والترجمة لهذا العنوان ولم نجتمع بأحد من علمائها المطلعين والفضلاء المتتبعين حتى نستفيد من ذلك شيئا على اليقين، وهي (أي بلاد الأحساء) مدينة كبيرة عظيمة من أكبر مدن الإسلام القديمة وهي هجر (بفتح الهاء والجيم على وزن صفر) تغلبيا كما عرفت فيما تقدم ذكره وينسب إليه رشيد الهجري (رض) الذي هو من خواص أصحاب أمير المؤمنين (ع) وسيد المسلمين ومن حملة أسراره كما سمعت من كلام صاحب (الروضات) وغيره والله أعلم بالصواب. وهذه المدينة تقارب جزيرة أوال أو تزيد ذات الأترج والنخيل والأرز والقطن وتمرها أجود تمر يوجد وإن شاركتها الأولتان في أكثر الأوصاف المذكورة وزادتا عليها حسنا واستقرارا بمجاورة البحر وهذه بلاد برية يتكلف أهلها في أسفارهم ونقل غلاتهم وبلوغ أوكارهم بسبب البر ومهامه الوعر وغارات الأعراب والنهب والاستلاب فكثيرا ما يقع في طريقها نهب الأموال وقتل

ص 383

الرجال ولا سيما في هذا الزمان، فقد لعبت بأهلها أيدي الحدثان من النهب والجور والعدوان. وبندرها المجاور للبحر العجير (بالتصغير على وزن عمير) مسير يومين عنها أو أكثر وفيها آثار قديمة وينقل مستفيضا أن في بعض قراها ولعلها القارة آثارا من زمن المسيح عيسى بن مريم (ع) ومن أقدم قراها جواثا وهي قاعدة بلاد الأحساء في الزمن القديم، خربها الرمل وفي الحديث: أول جمعة أقيمت بعد المدينة في جواثا في بني عبد القيس كما تقدم . وفيها الجبل المشهور المعروف بجبل القارة من عجائب الدنيا فيه مغارات كثيرة عظيمة تسع بعض المغارات خلائق كثيرة جسيمة ليس فيه شيء من هوام الأرض وحشراتها أصلا حتى النمل ومن خواصه البرودة العظيمة في الصيف حتى أن النائم فيه يحتاج إلى غطاء وبالعكس في شدة البرد من الشتاء وبالجملة فهذه المدينة من أكبر وأحسن مدن الإسلام ولذا تسمى كوفة العرب ذات الهواء الطيب والماء العذب إلا أنه كما ذكرناه الآن قد استولى على أهلها الجور والعدوان من الحكام والبدوان وخرب بسبب ذلك كما ينقل مستفيضا أكثر العمارات من مزرعة وبستان وخراب طريقها بسبب الأعراب أضعف أهلها بالسلب والانتهاب نسأل الله تعالى دفع البليات والآفات عنا وعن جميع إخواننا المؤمنين والمؤمنات وإصلاح كل فاسد من الأمور وإن ينشر علينا وعليهم فضله ورحمته الواسعة في الدنيا ويوم النشور إنه ذو الفضل العظيم والرحمة الواسعة والمن القديم. ولنذكر الآن بقية أخبار المأسورين عند القرامطة في هجر كأبي الهيجاء

ص 384

ووزير الخلافة.. كما مضى الكلام على أوله في ترجمة بلاد القطيف وما فعل الخبيث بالحجر الأسود ونقله إياه إليها وما صدر من الأراجيف فنقول وبالله الثقة والمأمول: لما أسر أبو الهيجاء بن حمدان وكان من رؤساء الشيعة المخلصين ومن ذكرناهم من وزير الخلافة والتغلبي فأما وزير الخلافة والتغلبي فبقيا في الحبس في هجر مدة مديدة حتى بذل في فكهما مال كثير ووصل إليه فخلي سبيلهما وأما أبو الهيجا فولع به وأحبه لفضله وأدبه وكماله فكان لا يفارقه في وقت العشاء والغداء والمسامرة ومن جملة المأسورين عنده المحبوسين أبو العباس بن كشمرد من الرؤساء وله إذ كان في حبسه قصة عجيبة فيها كرامات علوية وفضائل حيدرية لا بأس بإيرادها لما فيها من النفع العظيم والخير الجسيم. ذكر السيد الجليل النبيل ذو الكرامات رضي الدين السيد علي بن طاووس الحلي قدس الله نفسه وطهر رمسه في كتاب (مصباح الزائر) والشيخ التقي الشيخ إبراهيم الكفعمي العاملي قدس سره في كتاب الجنة الواقية المعروف بالمصباح بتغاير يسير في الألفاظ وطريق آخر غير طريق السيد ابن طاووس ونحن نذكر كلام الأول أولا ثم نشير إلى كلام الثاني أخيرا. قال السيد المذكور في الكتاب المزبور عن محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني قال سمعت أبا العباس بن كشمرد في داره ببغداد وسأله شيخنا أبو علي أن يذكر لنا حاله إذ كان عند الهجري بالأحساء فحدثنا أبو العباس أنه كان ممن أسر بالهيبة مع أبي الهيجاء بن حمدان، قال وكان أبو طاهر سليمان بن الحسن القرمطي مكرما لأبي الهيجاء برأيه وكان يستدعيه إلى طعامه فيأكل معه ويستدعيه بالليل

ص 385

أيضا للحديث معه فلما كان ذات ليلة سألت أبا الهيجاء أن يجري ذكري عند سليمان بن الحسن ويسأله في إطلاقي فأجابني إلى ذلك ومضى إلى أبي طاهر في تلك الليلة على رسمه وعاد من عنده ولم يأتني وكان من عادته أن يغشاني ورفيقي في كل ليلة عند عودته من عند سليمان فتسكن نفوسنا ويعرفنا بأخبار الدنيا فلما لم يعاودنا في تلك الليلة مع سؤالي إياه الخطاب في أمري استوحشت لذلك فصرت إليه في منزله المرسوم له وكان أبو الهيجاء مبرزا في دينه مخلصا في ولاية ساداته عليهم السلام متوفرا على إخوانه فلما وقع طرفه علي بكى بكاءا شديدا وقال: والله يا أبا العباس لقد تمنيت أني مرضت سنة ولم أجر ذكرك قلت ولم؟ قال: لأني لما ذكرتك له اشتد غضبه وغيظه وحلف بالذي يحلف بمثله ليأمرن بضرب رقبتك غدا عند طلوع الشمس ولقد اجتهدت والله في إزالة ما عنده بكل حيلة وأوردت عليه كل لطيفة وهو مصر على قوله وأعاد يمينه بما خبرتك به قال: ثم جعل أبو الهيجاء يطيب نفسي وقال: يا أخي لو لا أنني ظننت أن لك وصية أو حالا تحتاج إلى ذكرها لطويت عنك ما أطلعتك عليه من ذلك وسترتك ما أخبرتك به عنه ومع هذا فثق بالله تعالى وارجع فيما يهمك من هذه الحالة الغليظة إليه تعالى فإنه جل ذكره يجير ولا يجار عليه وتوجه إلى الله تعالى بالعدة والذخيرة للشدائد والأمور العظيمة بحق محمد وعلي وآلهما الأئمة الهادين المهديين صلوات الله عليهم أجمعين قال: أبو العباس فانصرفت إلى موضعي الذي أنزلت فيه في حالة عظيمة من اليأس من الحياة واستشعار الهلكة فاغتسلت ولبست ثيابا جعلتها كفني وأقبلت على القبلة فجعلت أصلي وأناجي ربي وأعترف له بذنوبي وأتوب منها ذنبا ذنبا وتوجهت إلى الله تعالى بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين

ص 386

وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة لله عز وجل في أرضه المأمول لإحياء دينه صلوات الله عليهم أجمعين قال: ولم أزل في المحراب قائما أتضرع إلى أمير المؤمنين عليه السلام وأستغيث به وأقول يا أمير المؤمنين أتوجه بك إلى الله ربك وربي فيما دهمني وأظلني ولم أزل أقول هذا وشبهه من الكلام إلى أن انتصف الليل وجاء وقت الصلاة والدعاء وأنا استغيث إلى الله تعالى وأتوسل إليه بأمير المؤمنين صلوات الله عليه إذ نعست عيني فرقدت فرأيت أمير المؤمنين عليه السلام فقال لي يا بن كشمرد قلت لبيك يا أمير المؤمنين فقال لي: مالي أراك على هذه الحالة فقلت يا مولاي أما يحق لمن يقتل صباح هذه الليلة غريبا عن أهله وولده بغير وصية يسندها إلى أحد متكفل بها أن يشتد قلقه وجزعه فقال: عليه السلام تحول كفاية الله ودفاعه بينك وبين الذي توعدك فيما أرصدك به من سطواته أكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) من العبد الذليل فلان بن فلان إلى المولى الجليل الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وسلام على آل ياسين محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن وحجتك يا رب على خلقك اللهم أني المسلم وأني أشهد أنك الله إلهي وإله الأولين والآخرين لا إله غيرك وأتوجه بك بحق هذه الأسماء التي إذا دعيت بها أجبت وإذا سئلت بها أعطيت لما صليت عليهم وهونت علي خروجي وكنت لي قبل ذلك عياذا ومجيرا ممن أراد أن يفرط علي أو أن يطغى) واقرأ سورة يس وادع الله بعدها بما أحببت يسمع الله منك ويجيب ويكشف همك ثم قال لي مولاي (ع): أجعل الرقعة في كتلة من طين وارم بها في البحر فقلت يا مولاي البحر بعيد وأنا محبوس ممنوع عن التصرف فيما التمس فقال عليه السلام: ارم بها

ص 387

في البئر وفيما دنا منك من منابع الماء قال ابن كشمرد فانتبهت من وقتي وقمت ففعلت ما أمرني به أمير المؤمنين عليه السلام وأنا مع ذلك قلق غير ساكن النفس لعظيم الجرم والمحنة وضعف اليقين من الآدمين فلما أصبحنا وطلعت الشمس أستدعيت فلم أشك أن ذلك لما وعدت به من القتل فلما دخلت على أبي طاهر وهو جالس في صدر مجلس كبير على كرسي وعن يمينه رجلان على كرسيين وعلى يساره أبو الهيجاء على كرسي وإذا كرسي آخر إلى جانب أبي الهيجاء ليس عليه أحد فلما بصر بي أبو طاهر استدناني حتى وصلت إلى الكرسي فأمرني بالجلوس عليه فقلت في نفسي ليس عقيب هذا الأخير إن شاء الله تعالى ثم أقبل علي فقال: كنا قد عزمنا في أمرك ما قد بلغك ثم رأينا بعد ذلك أن نفرج عنك وأن نخيرك أحد أمرين أما تجلس فنحسن إليك وأما أن تنصرف إلى عيالك فنحسن إجازتك فقلت له: في المقام عند السيد النفع والشرف والانصراف إلى عيالي ووالدتي عجوز كبيرة السن فيه الأجر والثواب فقال لي: إفعل ما شئت فالأمر مردود إليك فخرجت منصرفا من بين يديه فناداني فرددت إليه، فقال لي: ما تكون من علي بن أبي طالب عليه السلام؟ فقلت: لست نسيبا له ولكني وليه فقال لي: تمسك بولايته فهو قد أمرنا بإطلاقك والإفراج عنك فلم تمكننا المخالفة لأمره ثم أمسك فجهزت وأصحبني من أوصلني مكرما إلى مأمني فلك الحمد يا ربي انتهى كلام السيد المقدس ابن طاووس رحمه الله تعالى. أقول وذكر هذه القصة أيضا جماعة من أصحابنا (منهم) الكفعمي (ره) وسيأتي كلامه بعد أن شاء الله تعالى (ومنهم) أي من جماعة أصحابنا قدس الله أرواحهم جميعا.

ص 388

 

الشيخ سليمان الصهرشتي

أيضا ينص على القصة

 

ذكر الشيخ الثقة الجليل الشيخ سليمان بن الشيخ حسن الصهرشتي قدس سره في كتابه (قبس المصباح) كما في البحار بزيادات حسنة أكثر مما ذكره هذا السيد الجليل قال: العلامة الصهرشتي (ره) (وكان من أفاضل تلامذة شيخ الطائفة المحقة أبي جعفر الطوسي - ره): حدثنا الشيخ أبو الحسن محمد بن الحسين الصقال ببغداد في مسجد الحذائين بالكرخ في رجب سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة قال: حدثنا الشيخ أبو المفضل محمد بن عبد الله بن البهلوان بن همام بن المطلب الشيباني يوم السبت التاسع من شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين وثلاثمائة بالشرقية قال: سمعت أبا العباس أحمد بن كشمرد في داره ببغداد (إلى آخر ما ذكره السيد المذكور قدس سره كما نقلناه)، قال: الشيخ الصهرشتي قدس سره بعده: قال الشيخ أبو المفضل (ره): فذكرت هذا الحديث في مجلس أبي وائل داود بن حمدان بنصيبين سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة هجو حضر هذا المجلس يومئذ رجل من أهل نصيبين يقال له أبو عثمان سعيد بن البندقي الشاعر وكان من شهود البلد فقال أبو عثمان: عندي قول ما تقدم من قول أبي العباس بن كشمرد وقد أسر أبو العباس بن كشمر ذو الخال وفلفل الخادم وغيرهم من وجوه الأولياء مع أبي الهيجاء وأسرت فيمن أسر معهم من الحاج فطال بالأحساء محبوسا وكنت أقول الشعر فامتدحت السيد أبا طاهر بقصيدة أوصلها إليه أبو الهيجاء فأذن لي السيد بالدخول والخروج

ص 389

من الحبس فكنت أدخل على ابن العباس بن كشمرد فكان يأنس بي ويحدثني فأرسل إلي ذات يوم في السحر قبل طلوع الشمس وقال لي: خذ هذه الرقعة وهي في كتلة من الطين وامض بها إلى موضع وصفه لي وكان فيه ماء جار قال: واقرأ سورة ياسين واطرح الرقعة في الماء فأخذتها وصرت إلى الماء وأحببت أن أقف فقلعت الطين عنها ونشرتها وقرأت ما فيها قال: أبو عثمان وأخذت عودا وبللته في الماء وكتبت ما في الرقعة على كفي وكتبت اسمي واسم أبي وأمي وأعدت الرقعة في الطين وقرأت سورة ياسين عني وغسلت كفي في الماء ثم قرأت سورة ياسين عن أبي العباس بن كشمرد (ره) وطرحت الرقعة في الماء وعدت إلى مجلسي ذلك بعقب طلوع الشمس فلم تمض إلا ساعة زمانية وإذا برسول السيد يأمر بإحضاري فحضرت فلما بصر بي قال لي أنه قد ألقي في قلبي رحمة لك وقد عرفت على إطلاقك فكيف تحب أن تسير إلى أهلك في البر أو البحر فقلت في البحر وخشيت إن سرت في البر أن يبدو له فيلحقوني ويردوني فقلت في البحر فأمر أن يدفعوا لي كفافي من زاد وتمر وخرجت في البحر فصرت إلى البصرة فلما كان بعد ثلاثة أيام من وصولي البصرة جلست عند أصحاب الكتاب فإذا أنا بأبي العباس بن كشمرد ركب في موكب عظيم والأمراء من خلفه وقد خرج أمير البصرة لاستقباله والجند بين يديه ومن خلفه العساكر محدقة به وهو وأمير البصرة يتسايران فلما رأيته قمت إليه فلما بصر بي وقف على رأسي وقال لي يا فتى كيف عملت حتى تخلصت فحدثته ما صنعته من كتبي ما كان في الرقعة بالماء على كفي وغسلي يدي بالماء ما كنت كتبت عليها قبل أن رميت رقعة فقال لي: أنا وأنت من طلقاء أمير المؤمنين فقلت نعم فمضى حتى نزل في دار أعدت له وحمل إليه أمير البصرة

ص 390

الهدايا واللباس والآلة والدواب والفرش وغير ذلك فلما استقر في موضعه أرسل لي فدخلت عليه وأقمت عنده أياما وأحسن إلي وحملني مكرما إلى بلادي فعجب أبو وائل من ذلك وقال: يا أبا المفضل أنت صادق في حديثك ولقد اتفق لك ما أكده قال الشيخ الجليل الصهرشتي: فهذه الرقعة معروفة بين أصحابنا يعملون بها ويعولون عليها في الأمور العظيمة والشدائد والروايات فيها مختلفة لكني أوردت ما هو سماعي ببغداد. وقد ذكر شيخنا أبو جعفر الطوسي في كتاب (المصباح) ومختصر المصباح أيضا أنها تكتب وتطوى ثم تكتب رقعة أخرى إلى صاحب الزمان عجل الله فرجه وتجعل الرقعة الكشمردية في طي رقعة الإمام عليه السلام وتجعل في الطين وترمي في البحر أو البئر يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم إلى الله سبحانه وتقدست أسماؤه رب الأرباب وقاصم الجبابرة العظام عالم الغيب وكاشف الضر الذي سبق في علمه ما كان وما يكون من عبده الذليل المسكين الذي تقطعت به الأسباب وطال عليه العذاب وهجره الأهل وباينه الصديق الحميم فبقي مرتهنا بذنبه قد وبقه جرمه وطلب النجاة فلم يجد ملجأ ولا ملتجأ غير القادر على حل العقد ومؤبد الأبد ففزعي إليه واعتمادي عليه ولا ملجأ ولا ملتجأ إلا إليه اللهم إني أسألك بعلمك الماضي وبنورك العظيم وبوجهك الكريم وبحجتك البالغة أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تأخذ بيدي وتجعلني ممن تقبل دعوته وتقيل عثرته وتكشف كربته وتزيل ترحته وتجعل له من أمره فرجا ومخرجا وترد عني بأس هذا الظالم الغشوم وبأس الناس يا رب الملائك والناس حسبي أنت وكفي من أنت حسبه يا كاشف الكروب والأمور العظام فإنه لا حول ولا قوة إلا بك

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

انوار البدرين

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب