الإمام البخاري وفقه أهل العراق

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الإمام البخاري وفقه أهل العراق

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 121

تدليس البخاري

 التدليس اصطلاحا: إخفاء عيب في الإسناد. (1) ويلاحظ من هذا التعريف سبب تسميته بذلك، فهو خداع وخيانة، لأن المدلس: يخون السامع ويوهمه بأنه قد سمع من شيخه مع أنه لم يسمع منه. وهو بهذا يكتم عيبا في الإسناد، كأن يكون شيخه ضعيفا، فيستره، ويحسنه، ومن قام بهذا الفعل صار مدلسا. وهو ينقسم - بالنظر إلى الحديث متنا وإسنادا - إلى قسمين:

 1. تدليس المتن: وهو أن يدخل الراوي للحديث شيئا من كلامه في الحديث، في أوله، أو وسطه، أو آخره، وبوجه يوهم أنه من جملة الحديث الذي رواه، ويسمى تدليس المتون. وقد غلب عليه تسميته بالمدرج، وهو في المدرج أقرب من هنا. وفاعل هذا عمدا مجروح العدالة، مرتكب المحرم، وذلك لما فيه من الغش. (2)

 2. تدليس الإسناد: وهو أن يروي الرواي عمن عاصره ولقيه ولم يسمع منه، أو لقيه وسمع منه حديثا لم يسمعه منه بصيغة توهم السماع منه. وسبب تسمية هذا بتدليس الإسناد هو استعمال الراوي الأدوات التي تحتمل السماع المباشر في الرواية. والتدليس يوجب الجرح في الراوي، ومن ثبت عليه التدليس ولو مرة صار مجروحا، والجرح في الراوي يوجب ضعف الحديث ويجعله غير مقبول . (3)

 هذا، وقد اختلف العلماء في حكم التدليس، وله شرح وسيع في محله.

(هامش)

1 - تيسير مصطلح الحديث للطحان: 78، أسباب رد الحديث لمحمود بكار 79. 2 - فتح المغيث للسخاوي 1: 184، وأسباب رد الحديث للبكار: 80. 3 - أسباب رد الحديث: 87. (*)

ص 122

: أقوال العلماء في ذم التدليس

 ذم العلماء التدليس واعتبروه ضربا من الغش والخداع والتمويه وفيه غرر، وقالوا: هو داخل في قوله (صلى الله عليه وآله): من غشنا فليس منا . فالمدلس يوهم السامعين بأن حديثه متصل إلا أنه فيه انقطاع. وقال سليمان بن داود المنقري: التدليس والغش والغرور والخداع والكذب يحشر يوم تبلى السرائر في نفاذ واحد. وكان شعبة بن الحجاج من أكثر أهل الحديث ذما للتدليس، فقد روى الشافعي عنه قوله: التدليس أخو الكذب، وقال غندر عنه أيضا: التدليس في الحديث أشد من الزنا ولأن أسقط من السماء أحب إلي من أن أدلس، وقرنه بعضهم بقذف المحصنات. (1) فإذا علمت ذلك، فاعلم أيضا أن للتدليس أقساما منها: 1 - تدليس الإسناد. 2 - تدليس الشيوخ. وتدليس الشيوخ من أسوأ أنواع التدليس لما فيه من الخباثة والخدعة والغش. وهو عبارة عن: ذكر الراوي شيخه الذي سمع منه بما لا يعرف عند أهل الحديث، بأن يسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما ليس مشهورا به، كيلا يسهل معرفته عند غيره. وسمي بتدليس الشيوخ لأنه - كما ترى - أن التدليس وقع من الراوي في شيخه، وسماه أو وصفه بما ليس مشهورا به كيلا يعرف. ومن أمثلة ذلك: تدليس البخاري في شيخه محمد بن يحيى الذهلي: النيسابوري الذي كان من الطاعنين في البخاري، كما قد مر ذكره.

(هامش)

1 - الكفاية للخطيب: 355 - 371، فتح المغيث للسخاوي 1: 177، أسباب رد الحديث للبكار: 90. (*)

ص 123

وقال الذهبي: وقال أبو نصر الكلاباذي (1): روى البخاري عنه (الذهلي) فقال مرة: ثنا محمد، وقال مرة: ثنا محمد بن عبد الله نسبه إلى جده، وقال مرة: ثنا محمد بن خالد، ولم يصرح به قط. وقال الحاكم: روى عنه البخاري نيفا وأربعين حديثا . (2) وقال الذهبي أيضا: ثم إن البخاري قد روى عن محمد غير منسوب عنه، فكان محمدا الذهلي. (3) وابن حجر في أجوبته عند السؤال عن محمد الذي يروي عنه البخاري، من هو هذا الرجل؟ قال: والذي ترجح لي أنه الذهلي والبخاري من عاداته أن لا يفصح أنه محمد بن يحيى الذهلي. (4) وأراد بذلك أن يذكر شيخه الذي سمع منه، بما لا يعرف عند أهل الحديث،: فذكره بما ليس مشهورا، وهذا هو التدليس الذي قرنه بعضهم في الحكم بقذف المحصنات، وبعض آخر بأنه أشد من الزنا. (5) فالمشهور بين المحدثين أن تدليس البخاري كان من قسم التدليس في الشيوخ لما عمل في صحيحه من ذلك. قال ابن حجر في طبقات المدلسين : محمد بن إسماعيل بن المغيرة البخاري: الإمام، وصفه بذلك أبو عبد الله بن مندة في كلام له، فقال فيه: أخرج البخاري،

(هامش)

1 - هو أحمد بن محمد بن الحسين البخاري الكلاباذي المتوفى 398 ه‍، مصنف رجال صحيح البخاري . 2 - رجال الصحيح البخاري للكلاباذي 2: 1122، تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات 251 - 260 ص 342. 3 - سير أعلام النبلاء 10: 379. 4 - إكمال مبهمات البخاري لابن حجر: 76. 5 - الكفاية للخطيب: 355: 371، فتح المغيث للسخاوي 1: 173، جامع التحصيل للعلائي: 35، أسباب رد الحديث للبكار: 79 - 106. (*)

ص 124

قال: فلان، وقال: أخبرنا فلان، وهو تدليس . (1): وقال في ذلك أيضا، سبط ابن العجمي في أسماء المدلسين له: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة شيخ الإسلام البخاري، ذكر ابن مندة أبو عبد الله في جزء له في شروط الأئمة في القراءة، والسماع، والمناولة والإجازة.... (2) وتظهر نتيجة التدليس في الراوي إذا روى بالعنعنة، بقوله: فلان عن فلان، وذلك يضعف، لأنها لا تفيد السماع، فعلى ذلك حكموا بإسقاط الروايات المعنعنة للراوي المدلس. وقد تأولوا المعنعنات في الصحيحين، بعد إثبات التدليس في البخاري ومسلم، بأن تدليسهما وتدليس غيرهما من أئمة الحديث لا يضر بإمامتهم ووثاقتهم، لأنهم جازوا القنطرة!!!. ويظهر للمتتبع في كلمات هؤلاء المعتذرين والمؤولين أنها تختص بدفاعهم عن الشيخين، وقالوا: إن تدليس الأئمة في الصحيحين ليس كذبا، بل هو ضرب من الإبهام! فما رووه يعرف فيه نوع من السماع، ك‍ سمعت ، و حدثنا ، و أخبرنا ، ونحوها. (3)

 بدعة البخاري

 قال التهانوي: فهذا إمام المحدثين البخاري رحمه الله، لم يسلم من الرمي بالبدعة أيضا، فقد رماه الذهلي في مسألة القرآن بالقول بالخلق. (4) وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وأبو زرعة، ثم تركا حديثه عند ما كتب إليهما

(هامش)

1 - طبقات المدلسين لابن حجر 24 رقم 23. 2 - تبيين المدلسين لابن العجمي: 77 رقم 64. 3 - تدريب الراوي للسيوطي 1: 229 - 230، علوم الحديث ومصطلحه لصبحي الصالح:: 77، توضيح الأفكار للصنعاني 1: 355، أسباب رد الحديث للبكار: 102 - 103. 4 - قواعد في علوم الحديث: 240. (*)

ص 125

محمد بن يحيى النيسابوري الذهلي، أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق. (1) وقال ابن حجر: قال أبو حامد ابن الشرقي: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق ومن زعم لفظي بالقرآن مخلوق، فهو مبتدع، ولا يجالس، ولا يكلم، ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه. (2) وقال الحاكم: ولما وقع بين البخاري وبين الذهلي في مسألة اللفظ، انقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة. قال الذهلي: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا. وبسبب جرح الذهلي للبخاري تركه مسلم وأبو حاتم وأبو زرعة وذكره الذهبي في كتابه الضعفاء والمتروكين. (3)

 أخلاق البخاري

 من تأمل في سيرة البخاري وشخصيته، يجد أنه قد وصف بأوصاف متضادة لا يتلاءم أحدها مع الآخر، ونحن نذكر جملة من صفاته الأخلاقية. يقال: إن البخاري أخذ الرهبانية على نفسه وجعلها مسلكا ومذهبا، كما مدحه لذلك بعض، ويطعن فيه آخرون! فما دحه يقول: بأن الزهد في الدنيا، كان من أوصاف المتقين والأولياء.: والطاعن فيه يقول: إن النكاح من السنة، فمن ترك السنة المؤكدة في الزواج ليس بمؤمن، بل يشتري لنفسه لعائن كثيرة! قال الذهبي: كان أبو عبد الله اكترى منزلا، فلبث فيه طويلا، فسمعته يقول: لم

(هامش)

1 - الجرح والتعديل للرازي 7: 191 رقم 1086. 2 - هدى الساري: 491. 3 - الشرح والتعليل لألفاظ الجرح والتعديل: 11. (*)

ص 126

أمسح ذكري بالحائط، ولا بالأرض في ذلك المنزل، فقيل له: لم؟ قال: لأن المنزل لغيري . (1) وفي الرواية المذكورة ما قد ترى من شيء نكر. وروى ابن عساكر بقوله: حدثنا أبو المحسن عبد الرزاق بن محمد الطبسي لفظا، قال: سمعت الشيخ الإمام أبا محمد فضل الله بن محمد بن أحمد، يقول: سمعت الإمام والدي أبا الفضل، يقول: سمعت القاضي أبا بكر الحيري، يقول: سمعت الإمام الزاهد أبا الحسن يوسف بن أبي ذر البخاري، يقول: مرض محمد بن إسماعيل البخاري، فعرض ماؤه على الأطباء، فقالوا: لو أن هذا الماء ماء بعض أساقفة النصارى، فإنهم لا يأتدمون! فصدقهم محمد بن إسماعيل، وقال: لم ائتدم منذ أربعين سنة، فسألوا عن علاجه؟ فقالوا: علاجه الإدام، فامتنع عن ذلك حتى ألح عليه المشايخ ببخارى وأهل العلم إلى أن أجابهم وأخذ على نفسه أن يأكل بقية عمره في كل يوم سكرة واحدة مع رغيف . (2) ولموارد عيشه ولذاته أخبار أخر أيضا، لا نريد الإطالة بذكرها. فقه البخاري قال الإسكندراني في المتواري في تراجم أبواب البخاري : وبلغني عن الإمام: أبي الوليد الباجي أنه كان يقول: يسلم البخاري في علم الحديث، ولا يسلم في علم الفقه . ويعلل ذلك بأن أدلته عن تراجمه متقاطعة، ويحمل الأمر على أن ذلك لقصور

(هامش)

1 - سير أعلام النبلاء 12: 447. 2 - تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر، 52: 80. (*)

ص 127

في فكرته وتجاوز عن حد فطرته، وربما يجدون الترجمة ومعها حديث يتكلف في مطابقته لها جدا، ويجدون حديثا في غيرها هو بالمطابقة أولى وأجدى، فيحملون الأمر على أنه كان يضع الترجمة ويفكر في حديث يطابقها، فلا يعن له ذكر الجلي فيعدل إلى الخفي... إلى غير ذلك من التقادير التي فرضوها في التراجم التي انتقدوها فاعترضوها . (1) نعم! ومما اعترضوا على البخاري عدم معرفته بعلم الفقه، ويذكرون لذلك أمثلة: منها: ما ذكره أبو البركات في كشف الأسرار من كتب الأصولية للحنفية، أنه قال: المحدث غير الفقيه يغلط كثيرا، فقد روي عن محمد بن إسماعيل صاحب الصحيح أنه استفتي في صبيين شربا من لبن شاة، فأفتى بثبوت الحرمة بينهما. وأخرج به من بخارى، إذ الأختية تتبع الأمية، والبهيمة لا تصلح أما للآدمي!. وقد أجابوا في ذلك عند الدفاع عن البخاري، بأن هذه النسبة إلى البخاري لمختلقة، وسببها الحسد من ناحية أتباع أبي حنيفة نصرة لإمامهم.: وقال في ذلك جمال الدين القاسمي في كتابه حياة البخاري : إن المفتري لهذه الحكاية أراد أن يثأر لأبي حنيفة . (2) وكما يأتي، فإن البخاري يسلك في فقهه مسلك المعاند عند بيان مخالفته لأبي حنيفة في صحيحه وفي كتبه الأخرى الموجودة: - رفع اليدين في الصلاة ، و القراءة خلف الإمام ، فإنه عرف نفسه، وعرف قيمة فقهه في بيان مذهبه.

(هامش)

1 - المتواري في تراجم أبواب البخاري: 36 - 37 مكتبة المعلى - الكويت. 2 - حياة البخاري للقاسمي: 48. وأبو البركات هو عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي المتوفى 710 ه‍. (*)

ص 128

بين البخاري والحنفية

 فصلنا القول في أن البخاري خالف أهل الرأي وألف في رد آرائهم الفقهية وفي الاعتقاد، وكذا في تراجمه الرجالية في تضعيف أبي حنيفة وأصحابه من أهل الرأي. أما في كتبه الفقهية فقد صنف الصحيح ، وأجزاء مستقلة خارج الصحيح ، كما مر ذلك. وأما الخصومة الواقعة بينه وبين أبي حنيفة فهي ناشئة من الاعتقاد في الأصول، لا في الرأي والنظر والاختلاف في الاجتهاد، ولا كالمنازعات بين الأقران والبلدان حتى تؤول بتأويلات واهية، بل نجده يشير إليه في قوله: بعض الناس ويراه مخالفا: للسنن، وخارجا عن دائرة الإسلام. وقد سبق في ترجمة أبي حنيفة من مواجهته للطائفتين من خصومه، الخلفاء والنواصب من المحدثين وتكفيره، فعلى ذلك ليس الخلاف بين البخاري وأبي حنيفة مقتصرا على المسائل التي رد فيها على قوله: بعض الناس ، بل توجد مسائل أخرى كثيرة في صحيحه وفي غيره من الأجزاء المستقلة لم يذكر فيها قول: بعض الناس ، بل خالفه بذكر رأيه، كما تأتي الإشارة إلى بعض موارده في آخر الكتاب. البخاري وكتبه الفقهية في الرد على الحنفية الدارس في البخاري وكتبه الفقهية يجد له أجزاء متفردة مستقلة في بعض الفروع الفقهية خارج صحيحه، وعند النظر في آرائه الفقهية وشخصيته في الحديث يتبين أن له عقدة من أبي حنيفة، وأهل الرأي المنكرين للحجية في الأخبار. وقد اختص البخاري في أربعة من كتبه بالمسائل الفقهية الخلافية التي كانت في زمانه معتركا للآراء، وسببا للمنازعات الشديدة بين المحدثين وأهل الرأي. ففي الصحيح - كما يأتي الكلام فيه -: أن البخاري قبل أن يقوم بجمع الأحاديث الصحيحة وطرقها، نهض لمحاربة فكر الحنفية، ولذلك هيأ الأسباب والوسائل لذلك. فائتلف مع جمع من معاصريه ومشايخه من أهل الحديث الذين كانوا يتقربون إلى

ص 129

السلطان الجائر المتوكل العباسي، الذي كان بحاجة إلى تدعيم ملكه بأمثال هؤلاء المحدثين المؤثرين في البلاد، لنشر الخلاف بين الناس، وتحقيق غايات الخليفة المشؤومة. فمن قرأ البخاري وتدبر في تراجمه وأخباره يرى أنه يتابع الحركة السياسية لانتصار مذهب الخلفاء وتضعيف مخالفيهم. ألا ترى أنه روى في صحيحه، وأكثر عن الأمويين الذين نشأوا على النصب من أعوانهم وناصريهم، ولا يروي عن أهل البيت (عليهم السلام)؟!: والبخاري بكتبه المتعددة في الفقه والتاريخ والعقائد أظهر ما في قلبه، وأعلن ما يخطر بفكره. أما كتبه الفقهية فأربعة، منها - على ما نعلم -:

 1 - الصحيح الجامع المختصر: وهو يشتمل على مائة كتاب في أبواب مختلفة، وهو المشهور بالصحيح. 2 - قرة العينين برفع اليدين في الصلاة. 3 - خير الكلام في القراءة خلف الإمام. 4 - الهبة. صحيح البخاري صحيح البخاري حجة بين المؤلف وبين الله تبارك وتعالى المشهور المتفق عليه عند أهل العلم أن اسمه لدى المؤلف هو: الصحيح الجامع المختصر أخذ قيد المختصر في العنوان ليطابق قوله: ما أخذت في كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت في الصحاح مخافة الطول . (1)

(هامش)

1 - تدريب الراوي 1: 74. (*)

ص 130

بل إنه قال - على ما نقله عنه الحازمي والإسماعيلي -: وما تركت من الصحاح أكثر . (1)

 التحقيق في صحيح البخاري

 الذي يتأمل في حياة البخاري وكتابه الصحيح يصدق أن الكتاب لم يكمل بيد المؤلف في حياته، بل إن بعض تلامذته وغير تلامذته أضافوا إلى ما أنجز في حياة المؤلف. وهناك شواهد: منها: ما صرح به المستملي المتوفى 376 ه‍، فإنه قال: انتسخت كتاب البخاري: من أصله الذي كان عند صاحبه الفربري فرأيت فيه أشياء لم تتم وأشياء مبيضة. وفي رواية أبي الوليد الباجي، كما ذكره ابن حجر: قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري فرأيت فيه أشياء لم تتم وأشياء مبيضة، منها: - تراجم لم يثبت بعدها شيئا. - وأحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض . (2) وهناك شواهد كثيرة في نفس الكتاب: - منها: تعدد النسخ من الكتاب. - وما ورد في كتاب العلم بما قال فيه : حدثنا عبيد الله، وأخبرنا محمد بن يوسف الفربري، وحدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن سفيان قال: إذا قرئ على المحدث... الخ. (3)

(هامش)

1 - تدريب الراوي، 1: 75. 2 - فتح الباري، 1: 5، حياة البخاري للقاسمي: 32 - 34. 3 - صحيح البخاري 1: 22 كتاب العلم باب، القراءة والعرض على المحدث ط باموق إستانبول. (*)

ص 131

ولا يخفى أن ذكر المؤلف لا بد أن يأتي في بدء السند، وفيما ذكرنا قد لاحظت وقوعه في غير محله!!.: وإننا نبحث في صحيح البخاري على فرض صحة نسبة الكتاب جميعه إلى المؤلف، والعهدة في الإشكالات الواردة على من يتولاه. ونقول: ليس البخاري ولا مسلم بجامع للأخبار الصحاح كلها، كما توهم بعض من ليس هو من أهل الحديث، ويقول بعدم صحة كل حديث لم يخرج في الصحيحين، بينما المشهور هو أنهما لم يستوعبا الصحيح ولا التزماه . (1) ولقد كان على المؤلف أن يصدر كتابه بمقدمة يذكر فيها الهدف من تأليفه، ويشرح فيها منهجه عند التأليف والتبويب والتكميل، كما افتتح محمد بن مسلم القشيري النيسابوري صاحب الصحيح بداية كتابه بتفصيل ذلك. وأما البخاري - كما هو ظاهر - فقد افتتح كتابه بقوله: حدثنا الحميدي.... وإنما الأعمال بالنيات... . وحيث لم يعلم أحدا بسر ترتيبه وتصنيفه فقد يستكشف هذا السر، ويستنبط من افتتاحه وترتيبه واختتامه ما يستفاد من إشاراته، فإنه لا يخفى على أحد من أهل العلم - كما ذكر في ترجمة الحميدي - أنه لا يرى لأبي حنيفة ولا لأتباعه قيمة في العلم والعمل، ويعبر عنه: ب‍ أبي جيفة ، ويقول بوجوب محاربتهم. كما أنهم أيضا يرون أنه من المنحرفين، وقد ذكرنا سابقا عن كتاب أبو حنيفة النعمان لوهبي سليمان غاوجي، قوله: لقد صحب الإمام البخاري، بعض المتحاملين على الإمام أبي حنيفة، كالحميدي، وإسماعيل بن عرعرة... وغيرهما، وتأثر بأقوالهم فيه، ودون في تاريخه ما

(هامش)

1 تدريب الراوي 1: 74. (*)

ص 132

سمعه من هؤلاء المجازفين . (1): وقد ترى أن الحميدي مع ما كان له من الإمامة للسنة، فإنه يعتبر عند الأحناف من أئمة السوء ويعرف بالمجازف. تحقيق في افتتاح البخاري بحديث الأعمال بالنيات الكلام في الرواية المختارة للبخاري التي صيرها بدل الخطبة للكتاب - أعني: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى... الخ - ففي اختياره لهذه الرواية أمران:

 الأول: الاقتداء بشيخه عبد الرحمن بن مهدي فقد قال: لو صنفت كتابا في الأبواب، لجعلت حديث عمر بن الخطاب في: ... الأعمال بالنيات... في كل باب. وقال أيضا عن هذا الحديث: من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ بحديث الأعمال بالنيات . فلعل البخاري تأثر به أو بغيره من المحدثين، لشدة اهتمامهم بالنيات والمقاصد في جميع الأمور، وهو يصرح بأن النية مؤثرة في الحكم على الفعل لفظا وتصرفا، يقول في كتاب الحيل: باب في ترك الحيل، وأن لكل امرئ ما نوى في الإيمان وغيرها . (2) ولذلك قال ابن المنير في التعليق على هذه الترجمة: اتسع البخاري في الاستنباط، والمشهور عند النظار حمل الحديث على العبادات، فحمله البخاري عليها وعلى المعاملات، وتبع مالكا في القول بسد الذرائع واعتبار المقاصد، فلو فسد اللفظ

(هامش)

1 - أبو حنيفة النعمان إمام الأئمة الفقهاء: 212.: 2 - فتح الباري 12: 290، منتهى الآمال في شرح حديث إنما الأعمال للسيوطي 116. (*)

ص 133

وصح القصد، ألغي اللفظ وأعمل القصد تصحيحا وإبطالا . (1) أنه اعتبر في الفروع أثر القصد، كما قال في الطلاق: باب إذا قال: فارقتك أو سرحتك، أو الخلية، أو البرية، أو ما عنى به الطلاق، فهو على نيته . (2) وهكذا يهتم أهل الحديث بالنيات والمقاصد، ولا يكتفون بظاهر الألفاظ، ولا يحكمون بموجبها حتى ينضم القصد إلى اللفظ. ولذلك قال ابن القيم في أعلام الموقعين : وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها: أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبادات، كما هي معتبرة في التقربات والعبادات، فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالا وحراما، وصحيحا وفاسدا، وطاعة ومعصية، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة، أو مستحبة، أو محرمة، أو صحيحة، أو فاسدة . (3)

 الثاني: إظهار المخالفة لأبي حنيفة في النية وتأثيرها وقد يناقش أبو حنيفة وأتباعه تأثير القصد والنية، ويرون الأحكام تجري مجرى العبارات والتصرفات الظاهرة، من دون دخل للنيات والمقاصد في ذلك، ولذلك أكثر البخاري في الأبواب المختلفة ذكر القصد والنية، مع الإشارة إلى رواية: الأعمال بالنيات ، فإنه كما افتتح كتابه الصحيح بهذه الرواية، فقد افتتح بها كتاب الحيل في الصحيح، وفي أبواب أخر أيضا.

(هامش)

1 - فتح الباري 12: 290، منتهى الآمال في شرح حديث إنما الأعمال بالنيات للسيوطي: 116. وابن المنير هو: أحمد بن محمد بن منصور، من علماء الإسكندرية وأدبائها، ولي قضاءها وخطابتها مرتين توفي سنة 683 ه‍، فوات الوفيات 1: 72. والذرائع: الوسائل، والواحدة ذريعة ، يقال: اتخذ هذا الأمر ذريعة إلى كذا، أي: وسيلة، والذرائع، بالذال المعجمة، والأصل في هذا قوله تعالى: *(ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم)*: نهى المؤمنين عن سب الأصنام، لئلا يتخذه المشركون وسيلة إلى سب الباري جل وعلا. 2 - البخاري بحاشية السندي 3: 270. 3 - أعلام الموقعين 3: 69. (*)

ص 134

وعند أبي حنيفة يجوز العمل بالحيل، وأنها أحد أركان الاستنباط في الخروج الموضوعي للأحكام. قال ابن القيم: فقال: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد قال كلمتين كفتا وشفتا، وتحتهما كنوز العلم، وهو قوله: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى . فالأولى أثبتت أنه لا عمل إلا بنية، والثانية أثبتت أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه. وهذا يعم العبارات، والمعاملات، والأيمان، والنذور، وسائر العقود والأفعال . (1) ثم لم يكتف البخاري بهذا الحديث في افتتاحه الصحيح، بل كرره في ستة مواضع أخرى هي:

 1 - كتاب الإيمان - بكسر الهمزة - باب ما جاء أن الأعمال بالنيات . 2 - كتاب العتق باب الخطأ والنسيان. 3 - كتاب مناقب الأنصار باب هجرة النبي إلى المدينة. 4 - كتاب النكاح باب من هاجر أو عمل خيرا ليتزوج امرأة. 5 - كتاب الأيمان والنذر باب النية والأيمان - بفتح الهمزة.: 6 - كتاب الحيل في ترك الحيل، وأن لكل امرئ ما نوى. وفي كتاب الأيمان في ترجمة له يسميه (باب النية في الأيمان)، يكرر في روايته مستدلا بحديث الأعمال بالنيات .

 فالحنفية وأتباعهم يحتجون بأن الحجة للأحكام كانت على ظواهرها، ولا يعتبر في الصحة شيء من القصود، وأن العقد لا يفسد إلا بما يذكر في العقد نفسه، ولا يفسد بشيء تقدمه ولا تأخره، ولا بتوهم، ولا بالأغلب، ولا تفسد البيوع بأن يقال: هذه ذريعة وهذه نية سوء. (2) ومن حججهم في ذلك:

(هامش)

1 - أعلام الموقعين 3: 15: 98. 2 - أعلام الموقعين 3: 15 / 98. (*)

ص 135

من الآيات: قوله سبحانه: *(ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين)*. (1) ومن السنن: قوله (صلى الله عليه وآله): أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله . وسيرته في المنافقين في قبول ظاهر إسلامهم وترك سرائرهم إلى الله، وقوله:: إنما أقضي بنحو ما أسمع . وينقضون أيضا في الرد على الحديث بباب التروك في النواهي والمحرمات بأنه لا يصدق عليه العمل حتى تؤثر فيه النية، فلا بد على ذلك أن لا يجازى ولا يعطى للتارك أجر. وفي كشف الأسرار - من كتب الأحناف الأصولية -: فإن الأدلة السمعية أنواع أربعة:

 1 - قطعي الثبوت والدلالة، كالنصوص المتواترة. 2 - قطعي الثبوت وظني الدلالة، كالآيات. 3 - ظني الثبوت وقطعي الدلالة، كأخبار الآحاد التي مفهومها قطعي. 4 - ظني الثبوت والدلالة كأخبار الآحاد التي مفهومها ظني..... فأما قوله (عليه السلام): الأعمال بالنيات... فمن القسم الرابع، لأن معناه إما ثواب الأعمال أو اعتبار الأعمال على ما ستعرفه فيكون مشترك الدلالة. (2) وقال أبو جعفر الطبري: حديث الأعمال بالنيات على طريقة بعض الناس مردود، لكونه فردا، لا يروي عن عمر إلا في رواية علقمة، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من رواية يحيى بن سعيد.

(هامش)

1 - هود: 31. 2 - كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي الحنفي لعبد العزيز البخاري المتوفى: 730 ه‍ 1: 84. (*)

ص 136

وهو كما قال: فإنه إنما اشتهر عن يحيى بن سعيد، وتفرد به من فوقه. وبذلك جزم الترمذي، والنسائي، والبزار، وابن السكن، وحمزة بن محمد الكناني، والخطابي نفس الخلاف بين أهل الحديث في أنه لا يعرف إلا بهذا الإسناد، وهو كما قال.... إلى آخره . (1) كتابه قرة العينين برفع اليدين وقد ذكر في مقدمته مراده من تأليفه، خلافا لكتابه الصحيح في حذف الخطبة وعدم ذكر غرضه من تأليفه. فإنه افتتح كتابه هذا بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم: قال محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ردا على من أنكر رفع الأيدي في الصلاة عند الركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وأبهم على العجم في ذلك، تكلفا لما لا يعنيه فيما ثبت عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيه فعله، وروايته عن أصحابه. ثم فعل أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) والتابعين اقتداء السلف بهم في صحة الأخبار بعض عن بعض، الثقة عن ثقة من الخلف العدول - رحمهم الله وأنجز لهم ما وعد - على ضغينة صدره، وحرجة قلبه، ونفارا عن سنن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما يحمله، واستكنان عداوة لأهلها، لشرب البدعة لحمه وعظامه ومخه، واكتسبه باحتفاف العجم حوله اغترارا . (2): وكما يظهر من المقدمة المذكورة، أنه لما شاع القول بمنع رفع اليدين قبل الركوع وبعده في الصلاة، كتب ذلك ليدفع بين الناس نفوذ الحنفية.

(هامش)

1 - فتح الباري 1: 18. 2 - قرة العينين برفع اليدين: 2، وجلاء العينين: للراشدي السندي: 51. ولا يخفى على أحد من أهل العلم أن في الموسوعة الذهبية للحديث النبوي من الإصدارات الأردنية المسجلة على شريط الكامپبيوتر قد سقطت أو أسقطت هذه العبارات. (*)

ص 137

وفي المتن ذكر اسم أبي حنيفة ومخالفته، فقال: ولقد قال ابن المبارك: كنت أصلي إلى جنب النعمان بن ثابت فرفعت يدي، فقال: أما خشيت أن تطير؟ فقلت: إن لم أطر في أوله لم أطر في الثانية! قال وكيع: رحمة الله على ابن المبارك كان حاضر الجواب . (1) وقيل: إن البخاري في هذه الرسالة رد على غير أبي حنيفة . وهي مغالطة لا تصمد أمام البحث العلمي. فنحن ومن يبحث في الحقائق لا نحتاج إلى التأويلات الواهية غير الصحيحة في مقابل النصوص الظاهرة الغنية عن التفسير والتأويل، ونقول: إن المعاصر: أو المعاصرين للبخاري من الحنفية المانعين من رفع الأيدي في الصلاة هم المقلدة من أتباع أبي حنيفة. ولا يصح للفقيه أن ينازع المقلدة لفقيه آخر. وكلمات البخاري في مقدمة الكتاب ظاهرة في أنه يخاطب إماما من أئمة الحنفية لا غيرهم من المقلدة، مع ما ترى في هذه الرسالة من أن البخاري يذكر اسم أبي حنيفة صراحة، ويذكر مخالفته في رفع اليدين في الصلاة. نظرية الحنفية في رفع اليدين تصرح الحنفية في كتبهم الفقهية عند البحث في رفع اليدين بالطعن على البخاري والإشارة إلى الرسالة المذكورة له. وهذه بعض آرائهم: قال الطحاوي بعد ذكر الأخبار في ذلك: فما نرى كشف هذه الآثار يوجب لما وقف على حقائقها وكشف مخارجها إلا ترك الرفع في الركوع . ثم قال: فما أردت بشيء من ذلك تضعيف أحد من أهل العلم، وما هكذا مذهبي، ولكن أردت بيان ظلم الخصم لنا.

(هامش)

1 - قرة العينين: 39. (*)

ص 138

وقد رأينا تكبيرة الافتتاح من صلب الصلاة، لا تجزي الصلاة إلا بإصابتها، ورأينا التكبيرة بين السجدتين ليست كذلك، لأنه لو تركها تارك لم تفسد عليه صلاته، ورأينا: تكبيرة الركوع وتكبيرة النهوض ليستا من صلب الصلاة، لأنه لو تركها تارك لم تفسد عليه صلاته، وهما من سنتها. فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله تعالى . (1) وتشهد لذلك أيضا بشكل واضح قصة أبي حنيفة مع الأوزاعي في صورة واضحة من هذه المخاصمة: فقد اجتمع الأوزاعي بأبي حنيفة في مكة، فقال الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع والرفع عنه؟ فقال أبو حنيفة: لم يصح عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ذلك شيء. فقال الأوزاعي: كيف! وقد حدثني الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وعند الركوع وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، عن ابن مسعود: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة، ولا يعود لشيء من ذلك!. فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري، عن سالم، وتقول: حدثني حماد عن إبراهيم؟! فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر، إن كان لابن عمر صحبته وله فضل الصحبة، فالأسود له فضل كثير،. - الامام البخاري وفقه أهل العراق - الشيخ حسين غيب غلامي ص 138: وعبد الله هو عبد الله. فسكت الأوزاعي . (2)

(هامش)

1 - معاني الآثار للطحاوي 1: 228. 2 - مناقب أبي حنيفة للموفق 1: 131، والمناقب للكردي 1: 174. (*)

ص 139

ثم إن البخاري أخذ في الطعن على أهل الرأي، فقال: ولو ثبت عن ابن مسعود والبراء وجابر رضي الله تعالى عنهم، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) شيء لكان في علل هؤلاء الذين لا يعلمون أنهم يقولون: إذا ثبت الشيء عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن رؤساءنا لم يأخذوا هذا بمأخوذ، لما يريدون الحديث للإلغاء برأيهم، ولقد قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب بدعة، يعني أن الإنسان ينبغي أن يلغي رأيه لحديث النبي (صلى الله عليه وسلم) (1) وروى بعد ذلك رواية: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا: لما جئت به . وقال فيها أيضا: قال البخاري (2): من زعم أن رفع الأيدي بدعة فقد طعن في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والسلف من بعدهم، وأهل الحجاز، وأهل المدينة، وأهل مكة، وعدة من أهل العراق، وأهل الشام، وأهل اليمن، وعلماء أهل خراسان منهم ابن المبارك، حتى شيوخنا: عيسى بن موسى، وأبو أحمد، وكعب بن سعيد، والحسن بن جعفر، ومحمد بن سلام - إلا أهل الرأي منهم - وعلي بن الحسن، وعبد الله بن عثمان، ويحيى بن يحيى، وصدقة، وإسحاق، وعامة أصحاب ابن المبارك. وكان الثوري ووكيع وبعض الكوفيين لا يرفعون أيديهم، وقد رووا في ذلك أحاديث كثيرة، ولم يعتبوا على من رفع يديه، ولولا أنها حق ما رووا في ذلك أحاديث كثيرة أو لم يعتبوا على من رفع يديه، إنه ليس لأحد أن يقول على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما لم يقل: ولم يفعل، لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار . ولم يثبت عن أحد من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه لا يرفع يديه، وليس أسانيده أصح من رفع الأيدي . (3) وفيه أيضا: حدثنا الهذيل بن سليمان أبو عيسى، قال: سألت الأوزاعي قلت: يا أبا عمرو! ما تقول في رفع الأيدي مع كل تكبيرة وهو قائم في الصلاة؟

(هامش)

1 - قرة العينين برفع اليدين: 55. 2 - يريد به نفسه. 3 - قرة العينين برفع اليدين: 55 رقم 168526 - 168527. (*)

ص 140

قال: ذلك الأمر الأول.: وسئل الأوزاعي - وأنا أسمع - عن الإيمان. فقال: يزيد وينقص، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فهو صاحب بدعة، فاحذروه !. (1) وهذا يشير أيضا إلى عقيدة أبي حنيفة في الإيمان. وقال صديق حسن خان القنوجي في عون الباري على شرح الصحيح: وغرض البخاري من إيراده هنا الرد على من زعم من المرجئة، من أن الإيمان، قول باللسان دون عقد القلب، فبين أن الإيمان لا بد من نية واعتقاد قلب، وزاد هنا. (2) وقال النووي: فصل في هذا الحديث: الحث على الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال الظاهرة والخفية، ومراد البخاري بهذا الباب الرد على من قال من المرجئة: إن الإيمان إقرار باللسان دون الاعتقاد بالقلب . (3) وقال أيضا: حدثنا محمد بن مقاتل: حدثنا عبد الله بن المبارك: أنبأنا إسماعيل، حدثني عبد ربه بن سليمان بن عمير قال: رأيت أم الدرداء رضي الله عنها ترفع يديها في الصلاة حذو منكبيها حين تفتتح الصلاة، وحين تركع. فإذا قالت: سمع الله لمن حمده رفعت يديها، وقالت: ربنا ولك الحمد . وقال البخاري: ونساء بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) هن أعلم من هؤلاء حين رفعن أيديهن في الصلاة . (4) ويتبين لك في هذه العبارة أيضا كيف أنه يرى أبا حنيفة وأصحابه دون هؤلاء: النسوة!

(هامش)

1 - رفع اليدين: 73 رقم 168556 من الموسوعة الذهبية. 2 - كتاب شروح البخاري: 268 ط دار الكتب العلمية - بيروت. 3 - كتاب شروح البخاري: 269. 4 - رفع اليدين في الصلاة: 22. (*)

ص 141

وهم أيضا يطعنون في البخاري على هذه المسألة، فقد روى الطحاوي: ولقد حدثني ابن أبي داود قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا أبو بكر عياش، قال: ما رأيت فقيها قط يفعله، يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى . (1) يعني بذلك: أنهم لا يعدون البخاري فقيها، حيث يرى وجوب رفع اليدين في غير التكبيرة الأولى . وقال البخاري: وقد قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم. ولقد قال ابن المبارك: كنت أصلي إلى جنب النعمان بن ثابت فرفعت يدي فقال: إنما خشيت أن تطير. فقلت: إن لم أطر في أوله، لم أطر في الثانية! قال وكيع: رحمة الله على ابن المبارك كان حاضر الجواب، فتحير الآخر وهذا شبه من الذين عادون في غيهم إذا لم ينصروا . (2) وقال السندي: هذه الحكاية مروية عن وكيع بطرق. قال البيهقي: أخبرنا أبو: عبد الله الحافظ أنبأ الحسن بن حليم الصائغ بمرو: حدثنا أبو الموجة، أخبرني أبو نصر محمد بن أبي الخطاب - وكان رجلا صالحا، قال: أخبرني علي بن يونس حدثنا وكيع قال: صليت في مسجد الكوفة فإذا أبو حنيفة قائم يصلي وابن المبارك إلى جنبه يصلي، فإذا عبد الله يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع وأبو حنيفة لا يرفع. فلما فرغوا من الصلاة قال أبو حنيفة لعبد الله: يا أبا عبد الرحمن! رأيتك تكثر رفع اليدين، أردت أن تطير؟ فقال عبد الله: يا أبا حنيفة! قد رأيتك ترفع يديك حين افتتحت الصلاة فأردت أن تطير؟ فسكت أبو حنيفة. قال وكيع: فما رأيت أحضر من جواب عبد الله لأبي حنيفة . (3)

(هامش)

1 - معاني الآثار 1: 228. 2 - جلاء العينين بتخريج روايات البخاري في جزء رفع اليدين للسندي 142. 3 - جلاء العينين للسندي: 142، السنن الكبرى للبيهقي 2: 82. (*)

ص 142

وطريق آخر: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة : حدثنا أبو الحسين العطار محمد بن محمد: سمعت أحمد - يعني ابن شبويه -: سمعت وكيعا يقول: قال أبو حنيفة لابن المبارك: ترفع يديك في كل تكبيرة كأنك تريد أن تطير! فقال له ابن المبارك: وإن كنت أنت تطير في الأولى، فإني أطير فيما سواها. قال وكيع: أجاد ما أجابه ابن المبارك مرة أو مرتين . (1): وطريق ثالث: قال أبو محمد بن قتيبة في تأويل مختلف الحديث : حدثنا إسحاق بن راهويه قال: حدثنا وكيع أن أبا حنيفة قال: ما باله يرفع يديه عند كل رفع وخفض، يريد أن يطير؟! فقال له عبد الله بن المبارك: إن كان يريد أن يطير إذا افتتح فإنه يريد أن يطير إذا خفض ورفع . (2) وطريق رابع: في الثقات لابن حبان: قال في ترجمة أحمد بن الوليد الكرخي: حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا أحمد بن الوليد الكرخي، حدثنا أبو هشام الرفاعي قال سمعت وكيعا يقول: سأل ابن المبارك أبا حنيفة عن رجل يرفع، يديه فقال: يريد أن يطير؟ فأجابه ابن المبارك: أن يطير في الثانية فهو يرى أن يطير في الأولى . وطريق خامس: قال الخطيب في تاريخ بغداد: أخبرنا الخلال، حدثنا عبد الله بن عثمان الصفار، حدثنا محمد بن مخلد الدوري، حدثنا العباس بن محمد بن إبراهيم بن شماس، قال: سمعت وكيعا يقول: سأل ابن المبارك أبا حنيفة عن رفع اليدين؟ فقال أبو حنيفة: يريد أن يطير فيرفع يديه! قال وكيع: كان ابن المبارك رجلا عاقلا، فقال: إن كان يريد أن يطير في الأولى فإنه يطير في الثانية. فسكت أبو حنيفة ولم يقل شيئا . (3)

(هامش)

1 - جلاء العينين للسندي: 143، السنة لابن حنبل: 59. 2 - جلاء العينين: 143، تأويل مختلف الحديث: 66. 3 - تاريخ بغداد 13: 406. (*):

ص 143

كتابه القراءة خلف الإمام

 وهذه المسألة أيضا من المسائل الخلافية التي دارت عليها المنازعات والمخاصمات بين الطائفتين. فإن القراءة خلف الإمام تختلف باختلاف الأئمة، وكيفية اتخاذهم الأدلة في ذلك: - فقد ذهب أبو حنيفة إلى تركها خلف الإمام مطلقا. (1) - وآخرون إلى تركها في حالة جهر الإمام بالقراءة دون إخفاته. - والثالث إلى وجوب القراءة في الصلوات كلها منفردا أو مأموما، في حالتي الجهر والإخفات. وقد ألف البخاري هذا الجزء، وناقش فيه أدلة أهل الرأي مفندا إياها، ومشيرا إليهم بنفس العبارة التي استعملها في الصحيح بقوله: وقال بعض الناس . وقد بدأ غرضه لموضوع القراءة خلف الإمام بذكر الروايات الواردة في هذا الباب: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (2) كل صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج (3) من صلى ولم يقرأ بأم القرآن، فهي خداج (ثلاثا)، غير تمام . (4) وقد ناقش الحنفية هذه الأحاديث، لأن الكلام عندهم في مسألة القراءة خلف الإمام: يجوز أن تكفي قراءة الإمام قراءة المأموم.:

(هامش)

1 - معاني الآثار للطحاوي 1: 127 - 129، الهداية 1: 36. 2 - نصب الراية 1: 365. 3 - نصب الراية 2: 18. ومعنى خداج: نقصان - الصحاح 1: 309 [خدج]. 4 - مسند أبي عوانة 2: 127، صحيح مسلم رقم 38 - 40 - 41، الترمذي رقم 312 النسائي رقم 135. مسند أحمد، 2: 250 و285 و487 و6: 142. السنن الكبرى للبيهقي 2: 39 و40 و159 و167، مشكل الآثار 2: 23، خير الكلام في القراءة خلف الإمام، للبخاري. (*)

ص 144

والبخاري ذكر في صحيحه ترجمة مختصرة أوضح رأيه فيها، فقال: باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت . (1): وأما في الجزء الذي ألفه في هذه المسألة فقد ناقش أدلة أهل الرأي وبين تناقضاتهم، وضعف الحديث الذي يحتجون به، وهو: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ، ثم ناقشهم فيه مناقشة عقلية، ينعى عليهم فيها أنهم أهل قياس ولا يحسنونه، لأن القياس الصحيح كان يؤدي بهم إلى خلاف ما قالوا! قال البخاري في ذلك: اتفق أهل العلم وأنتم: أنه لا يحتمل الإمام فرضا عن القوم، ثم قلتم: القراءة فريضة أو يحتمل الإمام هذا الفرض عن القوم فيما جهر الإمام أو لم يجهر، ولا يحتمل الإمام شيئا من السنن، نحو الثناء والتسبيح، والتحميد، فجعلتم الفرض أهون من التطوع؟ والقياس عندك: ألا يقاس الفرض بالتطوع، وإلا يجعل الفرض أهون من التطوع، أو أن يقاس الفرض أو الفرع بالفرض إذا كان من نحوه، فلو قست القراءة بالركوع والسجود والتشهد إذا كانت هذه كلها فرضا، ثم اختلفوا في فرض منها، كان أولى عند من يرى القياس أن يقيسوا الفرض أو الفرع بالفرض . (2) ومن فتاواهم: أن الشيخ أبا حفص الكبير - الذي هو من علماء الأحناف كان في عهده رجل ترك مذهبه، وعمل بالحديث، وقرأ خلف الإمام، ورفع يديه عند الركوع ونحو ذلك، فأخبر الشيخ المذكور بذلك، فغضب الشيخ، وعنف، وأمر السلطان، حتى أمر الحداد بأن يضربه عند الصيارفة!! فتاوى حماوية و تاتار خانية و إرشاد ص 186 (3):

(هامش)

1 - صحيح البخاري 1: 183 كتاب الصلاة باب وجوب القراءة للإمام.... 2 - خير الكلام في القراءة خلف الإمام: 4. 3 - أنظر الحاوي للفتاوي 2: 340، وحاشية ابن عابدين 1: 53، والإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة: 162 - 163، الإشاعة لأشراط الساعة: 221 - 222، بدعة التعصب المذهبي: 70 - 74، مقدمة مختصر صحيح مسلم: 4 - 13، تاريخ أهل الحديث: 60. (*)

ص 145

 
 
الفصل الرابع
مواضع رد البخاري في صحيحه على أبي حنيفة

 

ص 147

استقصينا في هذا الفصل موضعين من رد البخاري في صحيحه على أبي حنيفة:

 الأول: موارد تعبيره عن أبي حنيفة ب‍ بعض الناس .

 الثاني: موارد تعريضه بأبي حنيفة صراحة.

 

 تعبير البخاري عن أبي حنيفة ب‍ بعض الناس

 تعرض البخاري في الصحيح بقوله: وقال بعض الناس وقد اشتهر أنه يعني به الإمام الأعظم، ولذلك انبرى للدفاع عنه عدد من العلماء الأحناف من العرب والهنود، وألفوا الرسائل ونشروا ذلك في الكتب والجرائد، وبينوا مواضع الخلاف التي: يذكرها البخاري في صحيحه بقوله: وقال بعض الناس ، وأجابوا عن تلك المسائل مدافعين عن أبي حنيفة. ومن ذلك النزاع الواقع بين الحافظ ابن حجر والعيني في كتابيهما: عمدة القاري ، و دفع الانتقاض في الرد على العيني (1)، فإن العيني كان من أتباع مذهب أبي حنيفة، والمدافع عنه في موارد الانتقاض في شرحه على البخاري، وابن حجر المدافع عن البخاري، لأنهما كانا على مذهب الشافعي على المشهور في مذهب البخاري.

(هامش)

1 - كتاب دفع الانتقاض لابن حجر في الرد على العيني، كتبه ابن حجر في أواخر عمره، لكنه يؤيد البحث، (والكتاب طبع أخيرا في المملكة السعودية). (*)

ص 148

ومن بين الشروح على البخاري يعد شرح بدر العيني أكثر دفاعا عن أبي حنيفة، فإنه يطعن في البخاري ويقول بعدم صلاحيته، وابن حجر وكثير من الشافعية يعتقدون أن بدر العيني سرق مطالب كتاب فتح الباري، وذكرها في عمدة القاري باسمه، مع: إضافة بعض الطعون على البخاري عند دفاعه عن أبي حنيفة. وقال في ذلك مؤلف كتاب إتحاف القاري : إن ابن حجر بحث فيه عما اعترض عليه العيني في شرحه، لكنه لم يكمل، ولم يجب عن أكثرها، فقد كان يكتب الاعتراضات ويبيضها ليجيب عنها، فاخترمته المنية. والكتاب موجود في المكتبة الظاهرية بدمشق - حديث 99 / 17، وأيضا في خزانة الكتب في رامفور بالهند، وقد سماه أيضا: إسقاط الاعتراض ، ومنها الاستنصار على الطاعن المعثار ، وهي صورة فتيا عما وقع في خطبة شرح البخاري للعيني . (1) بين البخاري وأهل الرأي ذكر مؤلف كتاب الاتجاهات الفقهية المسائل التي انتقد البخاري بها أهل الرأي في صحيحه، وهي التي أشار إليهم فيها بقوله: بعض الناس ، وهذه المسائل هي:

 1 - الركاز: حقيقته، وحكمه من كتاب الزكاة.

 2 - إذا قال إنسان لآخر: أخدمتك هذه الجارية ، فهل هذا هبة أو إعارة؟ من كتاب الهبة.

 3 - إذا قال إنسان لآخر: حملتك على هذه الفرس ، فهل هذا هبة أو إعارة؟: من كتاب الهبة.

 4 - حكم شهادة القاذف من كتاب الشهادات.

(هامش)

1 - إتحاف القاري بمعرفة جهود أعمال العلماء على صحيح البخاري: 75. (*)

ص 149

5 - حكم إقرار المريض لوارثه بدين من كتاب الوصايا.

 6 - حد الأخرس إذا قذف بإشارة أو كتابة / باب اللعان من كتاب الطلاق.

 7 - حقيقة النبيذ من كتاب الإيمان.

 8 - بيع المكره وهبته من كتاب الإكراه.

 9 - لو قيل: لتشربن الخمر، أو: لأقتلن أباك! من كتاب الإكراه.

 10 - كتاب الحيل. ونحن نعتقد أن البخاري لم يبوب كتاب الحيل إلا للرد على أهل الرأي، وقد كرر البخاري فيه عبارة: وقال بعض الناس أربع عشرة مرة، ولذلك مزيد بيان فيما سيأتي. (1)

  وقد رأيت أن صاحب الاتجاهات عبد المجيد محمود اعترف - بعد تردد - بأن كتاب الحيل يعد ردا على أهل الرأي، بسبب تكرار البخاري فيه عبارة: وقال بعض الناس ! مع أن تكرار لفظة بعض الناس لا يثبت شيئا من ذلك، بل تكفي في الرد عليه الإشارة الموجزة في الكتاب على إثبات الرد. بينما نجد أن البخاري يذكر عبارة بعض الناس في الصحيح بما يبلغ سبعة وعشرين موردا فأربعة عشر منها في كتاب الحيل، والباقي في الكتب الأخرى من الصحيح!. وقال في الفصل الثاني: رأينا في الفصل السابق كيف أن ابن أبي شيبة قد وجه نقده إلى أبي حنيفة على وجه الخصوص، أما البخاري فالخصومة بينه وبين أهل الرأي خصومة عامة لا تقتصر: على أبي حنيفة، بل نقده قد يكون موجها إليه، وقد يكون موجها إلى غيره من أصحابه،

(هامش)

1 - الاتجاهات الفقهية: 598. (*)

ص 150

ولذلك لم يصرح باسم مخالفه أو صفته، وإنما عبر عنه بقوله: وقال بعض الناس . وقد ذكر البخاري هذه الجملة في صحيحه عدة مرات، معرضا بأهل الرأي، رادا عليهم، مبينا تناقضهم. ولا شك في أن موضوعات الخلاف بينه وبين أهل الرأي ليست مقصورة على المسائل التي رد فيها على قول: بعض الناس ، بل توجد مسائل أخرى لم يرض البخاري عن مسلك أهل الرأي إزاءها، وأثبت في صحيحه مذهبه فيها، وإن لم يعن ببيان رأي مخالفيه، بل أنه قد أفرد بعضا من هذه المسائل بمؤلفات خاصة، مثل: رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه في جزء: رفع اليدين (1) ومثل: القراءة خلف الإمام في جزء: القراءة خلف الإمام (2) فمن هذه المسائل التي قرر البخاري فيها رأيه ورد ضمنا على أهل الرأي دون أن يشير إليهم ما يأتي:

 1 - حقيقة الخمر ومسماها... 2 - شرط المصر في الجمعة.... 3 - نصاب الزكاة في الزروع والثمار... 4 - الطلاق قبل النكاح... 5 - طلاق السكران والمكره والغاصب.... وهناك العديد من الأمثلة - غير ما تقدم - يمكن تتبعه في مسائل الخلاف، وقد ذكرنا بعضها في الفصل السابق، فيما أشرنا فيه إلى البخاري كمرجع لبعض المسائل المختلف فيها. لكن البخاري في هذه المواضع التي يبدي فيها رأيه لا يعني بالضرورة أنه يقصد

(هامش)

1 - هو كتابه قرة العينين برفع اليدين في الصلاة - المطبوعة .: 2 - وهو كتابه خير الكلام في القراءة خلف الإمام - المطبوعة . (*)

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الإمام البخاري وفقه أهل العراق

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب