الإمام البخاري وفقه أهل العراق

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الإمام البخاري وفقه أهل العراق

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 151

الرد على أهل الرأي، وإنما نسبة ذلك إليه اجتهاد وظن راجح من الباحثين، لا نستطيع أن ننسبه صراحة إليه. أما الذي يمكن نسبته إليه، فهو ما صرح فيه الرد على مخالفيه الذين أطلق عليهم: بعض الناس في صحيحه، أو ناقشهم في مؤلفات خاصة، فهذا هو الذي يعنينا بالقصد الأول، حيث يعطينا صورة واضحة عن أسلوب البخاري في مناقشته، وعن تصوره لمخالفات أهل الرأي التي لم يسعه السكوت عليها لمخالفتها مقتضى الأدلة في نظره.... (1) وفي توضيح آخر لقول البخاري: بعض الناس ذكر المباركفوري في كتاب سيرة الإمام البخاري - باب أسماء الكتب المؤلفة في شرح البخاري - تحت رقم (123) كتاب رفع الالتباس لمؤلفه العلامة أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي المتوفى سنة 1329 ه‍ شارح سنن أبي داود : وكان بعض الناس قد طبع رسالة باللغة العربية مع صحيح البخاري بمطبعة مصطفائي، وهذه الرسالة مأخوذة من تلك المباحث التي أوردها العيني، وفي شرحه للرد على البخاري في اعتراضاته على من يسميهم بعض الناس. ولقد أجاب العلامة أبو الطيب على هذه الرسالة باسم: رفع الالتباس، ولم يذكر فيه اسمه من باب الإخلاص. تحقيق في تعبير البخاري ب‍ بعض الناس هناك تحقيق في الرسالة جدير بالنظر والقراءة، بين فيه أوهام العلامة العيني التي يعتمد عليها في تخطئة اعتراضات البخاري. وقد طبع في سنة 1309 ه‍ في دهلي. (2)

(هامش)

1 - الاتجاهات الفقهية في القرن الثالث: 576 - 579.: 2 - سيرة الإمام البخاري للمباركفوري 229، ط السلفية بنارس - هند. (*)

ص 152

وألف المحدث الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني الدمشقي المتوفى سنة 1298 ه‍ رسالة أخرى باسم كشف الالتباس عما أورده البخاري على بعض الناس، ولم يذكر المؤلف سبب تأليفها، ولكن يظهر من عنوانها أنها تتعلق بالمسائل التي كررها البخاري في صحيحه: بعض الناس، وهذه الرسالة طبعت في حلب - مكتبة المطبوعات الإسلامية سنة   1414هـ.‍ وقال عبد الفتاح أبو غدة في مقدمة هذه الرسالة: وهو (الغنيمي) - فيما علمت - أول من جمع هذه المسائل في رسالة مستقلة، وتحدث فيها وأجاب عنها. وألف بعض علماء الهند رسالة في هذه المسائل التي قال فيها البخاري: (... وقال بعض الناس...)، وأجاب عنها، وسماها: بعض الناس في دفع الوسواس، ولم يذكر عليها اسم مؤلفها، وطبعت في مطبعة نظامي الواقعة في كانپور سنة 1308 ه‍، لا سنة 1309 كما وقع خطأ في كتاب حياة المحدث شمس الحق العظيم آبادي للشيخ محمد عزير السلفي ص 117، وخرجت في 24 صفحة من القطع الهندي الكبير جدا. ثم طبعت سنة 1309 في أول الجزء الثاني من صحيح البخاري، ويتضمن حاشية العلامة الشيخ أحمد علي السهارنفوري المتوفى سنة 1297 رحمه الله تعالى، وقيل: إنها من تأليفه، وقيل: إنها من تأليف العلامة الشيخ محمد قاسم النانوتوي المتوفى سنة 1297هـ‍ أيضا رحمه الله تعالى. واستبعد الشيخ محمود عزير صحة نسبتها إلى هذين: الشيخين الجليلين، كما في حياة المحدث شمس الحق ص 116، والله أعلم بمؤلفها. ثم توالت طبعاتها مع طبع صحيح البخاري. هذا وطبعت مستقلة عنه أيضا. ولما ظهرت رسالة بعض الناس في دفع الوسواس في طبعتيها: المستقلة والمصاحبة لحاشية العلامة الشيخ أحمد علي السهارنفوري، ألفت رسالة للرد عليها باسم رفع الالتباس عن بعض الناس، وطبعت سنة 1311هـ في مطبعة الفاروقي بدلهي، في 34 صحفة - لا 24 كما وقع في حياة المحدث شمس الحق ص 124 غلطا! - وهي من القطع الهندي الكبير جدا، ولم يكتب عليها اسم مؤلفها، ولكن اشتهر بين العلماء

ص 153

هناك أنه شمس الحق العظيم آبادي صاحب عون المعبود على سنن أبي داود المتوفى سنة 1329 ه‍ رحمه الله تعالى، بإشارة من شيخه الشيخ محمد نذير حسين الدهلوي. وقد اشتهر أن هذه الرسالة من تأليف الشيخ شمس الحق العظيم آبادي، كما أثبته الشيخ محمد عزير في حياة شمس الحق ص 116 - 126. وقال في ص 124: وقد طبع هذا الكتاب للمرة الأولى في 24 صفحة - صوابه 34 صفحة على القطع الكبير، بالمطبع المصطفائي - صوابه الفاروقي - بدهلي سنة 1311 ه‍، بعناية الشيخ تلطف حسين العظيم آبادي، المتوفى سنة 1334 ه‍، ثم طبع ثانيا في 32 صفحة بالمطبعة الشمسية ب‍ ملتان سنة 1358 ه‍، بتصحيح وعناية الشيخ عبد التواب الملتاني، المتوفى سنة 1366 ه‍، وفيها بعض التعليقات أيضا بقلمه، وهاتان الطبعتان وكلتاهما على الحجر مملوءتان من الأخطاء الفاحشة، وقد كثرت فيهما الأغلاط المطبعية. ونظرا إلى أهمية هذا الكتاب نشرته ثالثا دار الترجمة والتأليف والنشر بالجامعة: السلفية ببنارس، سنة 1396 ه‍. وقد قمت أنا في هذه الطبعة بتصحيح الكتاب، ومقابلة النسختين منه، والإشارة إلى الاختلافات بينهما، ثم تخريج الأحاديث والنقول من بطون الكتب والصحائف، وتوضيح العبارات الغامضة، والرد في بعض المواضع على بعض الأحناف المتأخرين، وإعداد فهرس لموضوعات الكتاب، وفهرس للمراجع، وترجمة المؤلف في أول الكتاب. وقد خرج الكتاب في هذه الطبعة الفاخرة المحققة بحيث يعجب القراء والباحثين، ويشبع رغبتهم العلمية. انتهى. ثم طبعت رسالة سميت إيقاظ الحواس في 48 صفحة. ولم يذكر عليها اسم مؤلفها، وهو حنفي المذهب كما يظهر من كلامه وشرحه لما فيها، وجاء في أولها بعد البسملة والحمدلة: أما بعد فقد ذكر سيدنا الإمام البخاري، فقال في صحيحه: قال بعض الناس

ص 154

سبعا وعشرين مرة إلا لفظين تحت قوله: وقال أهل الحجاز انتهى. (1) ومع ما نلاحظ من هذه المسائل والمقالات المتعددة، وما نشاهده من المخاصمات بين الشوافع والأحناف في شروحهم على البخاري، لا سيما الخصومة الواقعة بين ابن حجر وبدر العيني في فتح الباري، و عمدة القاري، أذكر ما يتعلق بذلك في هذه الرسالة لتعيين موارد عبارة بعض الناس، وما ورد في البخاري في مخالفته لأهل الرأي من دون ذكر هذه العبارة.

 موارد التعبير ب‍ بعض الناس في صحيح البخاري:

 الأول: في الركاز

  قال البخاري: باب في الركاز الخمس: وقال مالك وابن إدريس: الركاز دفن الجاهلية، في قليله وكثيره الخمس، وليس المعدن بركاز وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في المعدن جبار، وفي الركاز الخمس وأخذ عمر بن عبد العزيز من كل مائتين خمسة وقال الحسن: ما كان من ركاز في أرض الحرب ففيه الخمس، وما كان في أرض السلم ففيه الزكاة، وإن وجدت اللقطة في أرض العدو فعرفها، وإن كانت من العدو ففيها الخمس. وقال بعض الناس: المعدن ركاز مثل دفن الجاهلية، لأنه يقال: أركز المعدن، إذا خرج منه شيء. قيل له: قد يقال لمن وهب له شيء أو ربح ربحا كثيرا أو ثمرة أركزت، ثم ناقض وقال: لا بأس أن يكتمه ولا يؤدي الخمس. (2) قال بدر العيني في عمدة القاري : قال بعض الناس : قال ابن التين: المراد أبو

(هامش)

1 - كشف الالتباس عما أورده البخاري على بعض الناس: 15. 2 - صحيح البخاري - طبعة السلفية 3: 363، وطبعة باموق إستانبول 2: 137 كتاب الزكاة باب في الركاز الخمس. (*):

ص 155

حنيفة. (1) وقال الشنقيطي في كوثر المعاني الدراري : وحيث إن ابن التين جزم بأن المراد بالبعض هنا: أبو حنيفة. (2) وقال الغنيمي في كشف الالتباس : أقول نسبة هذا القول إلى أبي حنيفة صحيحة، سواء كان مراد البخاري أو غيره ممن وافقه أبو حنيفة. (3) وقال أيضا: أقول: أما نسبة قوله: لا بأس أن يكتمه إلى أبي حنيفة فمسلم. (4) ثم روى عن أبي هريرة مرفوعا: العجماء جبار (5)، والبئر جبار، والمعدن جبار وفي الركاز الخمس. (6) قبل الورود في البحث لا بد من البيان والتنبيه على أن البخاري يذكر في صحيحه الأئمة (المالكي، والشافعي، والحنبلي) بأسمائهم، كما رأينا ذلك في الركاز، ولا يذكر اسم أبي حنيفة إلا بالإشارة إلى أقواله: بعض الناس، وهذه قرينة على عداوته وبغضه له!! الركاز: في الصحاح: كنوز الجاهلية المدفونة، وأركز الرجل، إذا وجده. وفي المختار : والركاز - بالكسر -: دفين الجاهلية. وكما يظهر من كلام البخاري، فإن المعدن ليس بركاز، وعلى ذلك يظهر منه: أن الركاز عنده وعند غيره من الأئمة التابعين هو: كنوز الجاهلية ودفيناتهم، وهو يغاير

(هامش)

1 - عمدة القاري 9: 100 كتاب الزكاة. 2 - كوثر المعاني الدراري 12: 460 باب في الركاز الخمس. 3 - كشف الالتباس 64. 4 - نفس المصدر السابق: 64. 5 - جبار - بضم الجيم وتخفيف الموحدة: هو الهدر الذي لا شيء فيه.: العجماء: البهيمة، في رواية من البخاري في الديات : العجماء جرحها جبار، وهي الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت من انفلاتها فلا غرم على صاحبها - فتح الباري 12: 254. 6 - صحيح البخاري طبعة السلفية 3: 363، ومن طبعة باموق إستانبول 2: 137 كتاب الزكاة. (*)

ص 156

المعدن. والمعدن بقول النبي (صلى الله عليه وآله): جبار، (أي: الهدر الذي لا شيء فيه)، بخلاف الركاز، لأن الخمس يتعلق في قليله وكثيره. نظرية الحنفية يرى أبو حنيفة - كما حكاه البخاري - تعميم معنى الركاز ليشمل حتى المعادن أيضا، لأنه أفتى بوجوب إخراج الخمس من المعدن، أو المال الموهوب، أو الربح، أو الثمرة، والذي ينبت بالأرض. (1) فالبخاري - مع كلامه هذا - ألزم أبا حنيفة بأن المعدن لو كان ركازا ووجب إخراج خمسه، فكيف أباح لمن وجده أن يكتمه ولا يؤدي منه شيئا؟ وهذه مناقضة ظاهرة!: قال الطحاوي، عن أبي حنيفة: إنه قال: من وجد ركازا فلا بأس أن يعطي الخمس للمساكين، وإن كان محتاجا جاز له أن يأخذه لنفسه. قال: وإنما أراد أبو حنيفة أنه تأول أن له حقا في بيت المال، ونصيبا في الفيئ، فلذلك له أن يأخذ الخمس لنفسه عوضا عن ذلك. (2) وهذا هو معنى قوله: لا بأس أن يكتمه وعدم تأديته الخمس. نعم! كما قيل: الخلاف في تفسير الركاز خلاف قديم بين أهل المدينة وأهل الكوفة، كما ذكره محمد بن الحسن في كتابه: (في الرد على أهل المدينة)، وقال: إنما الركاز ما وجد في المعدن وإنما المال المدفون جعل نظير المال يستخرج من المعدن (3). ولكن أين هذا المعنى من كتمانه، وعدم تأديته الخمس؟ وقال مؤلف كتاب الاتجاهات الفقهية: حكى البخاري رأي أبي حنيفة، ثم ألزمه بأن المعدن لو كان ركازا - لأنه يقال: أركز المعدن إذا خرج منه شيء - لأدى ذلك إلى

(هامش)

1 - نصب الراية 2: 380. 2 - شرح معاني الآثار للطحاوي 2: 180. 3 - كتاب الحجة على أهل المدينة 1: 432. (*)

ص 157

وجوب إخراج الخمس من المال الموهوب، أو الربح، أو الثمرة. وهوما لم يقل به أحد، لأنه يقال لمن ملك شيئا من ذلك: أركز الرجل، كما يقال لمن وجد المعدن: أركز.: ثم ذكر أن أبا حنيفة بعد أن أوجب الخمس في المعدن، رجع فناقض نفسه حين أباح لمن وجده أن يكتمه ولا يؤدي منه شيئا. (1)

 الثاني: في الهبة

قال البخاري: باب إذا قال: أخدمتك هذه الجارية على ما يتعارف الناس، فهو جائز. وقال بعض الناس: هذه عارية، وإن قال: كسوتك هذا الثوب، فهو هبة. (2) ففي المسألة خلاف بين البخاري وأبي حنيفة، كما قال الكرماني في الكواكب الدراري في شرح قوله بعض الناس: أراد به أبا حنيفة. (3) وهو غير مستبعد، لأنه من مذهبه، فالمناقشة واردة عليه. (4) نظرية الحنفية ومذهب أبي حنيفة في المسألة هكذا: إذا قال قائل لمخاطب: أخدمتك هذه الجارية، أو هذا الغلام على ما يتعارفه الناس، هذه الصيغة عارية، لأنها صريحة في إعارة المنافع دون الرقبة، إلا إذا نوى بها الهبة. (5)

(هامش)

1 - الاتجاهات الفقهية: 601. 2 - صحيح البخاري 2: 6 - ومن طبعة باموق إستانبول 3: 145 كتاب الهبة، باب إذا قال: أخدمتك،... - عمدة القاري 13: 189. 3 - الكواكب الدراري 11: 154. 4 - الاتجاهات الفقهية: 602. 5 - الهداية 3: 160 - 161. (*)

ص 158

أما البخاري فيقول: لا فرق بين قول: أخدمتك هذه الجارية و كسوتك هذا الثوب في وقوعهما هبة، بناء على أن قوله: وإن كسوتك تتمة قول أبي حنيفة في المسألة. وفي ذلك يقول الكرماني في شرح قوله: كسوتك هذا الثوب : يحتمل أن يكون من تتمه قول الحنفية، ومقصود المؤلف منه: أنهم تحكموا حيث قالوا ذلك عارية، وهذا هبة. ويحتمل أن يكون عطفا على الترجمة. (1) فعلى هذا يكون مراد البخاري هو: المساواة بين الفرعين. ثم ذكر البخاري في ذلك رواية ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله): فأخدمها هاجر. (2) ومراده: أن لفظ الإخدام للتمليك، كما أن لفظ الكسوة كذلك. وقد عارضه في ذلك ابن بطال، فقال: لا أعلم خلافا أن من قال: أخدمتك هذه الجارية أنه قد وهب له الخدمة خاصة، فإن الإخدام لا يقتضي تمليك الرقبة، كما أن الإسكان لا يقتضي تمليك الدار. واستدلال البخاري بقوله: فأخدمها هاجر على الهبة لا يصح، وإنما صحت الهبة في هذه القصة من قوله: فأعطوها هاجر، إنتهى. وقال أيضا: لم يختلف العلماء أنه إذا قال: كسوتك هذا الثوب مدة يسميها، فله شرطه، وإن لم يذكر حدا فهو هبة، لأن لفظ الكسوة يقتضي الهبة، لقوله تعالى: *(فكفارته إطعام عشرة مساكين... أو كسوتهم)*(3)، ولا تختلف الأمة أن ذلك تمليك للطعام والكسوة. (4) وقال ابن المنير: الكسوة للتمليك بلا شك، لأن ظاهرها الأصلي لا يراد، إذ

(هامش)

1 - الكواكب الدراري 11: 154. 2 - فتح الباري 5: 188. 3 - المائدة 5: 89. 4 - فتح الباري 5: 188. (*)

ص 159

: أصلها لمباشرة الإلباس، لكنا نعلم أن الغني إذا قال للفقير: كسوتك هذا الثوب يعني أني باشرت إلباسك إياه، فإذا تعذر حمله على الوضع حمل على العرف وهو العطية، انتهى. وبذلك يظهر أن المنشأ للتحكم في قول البخاري على أبي حنيفة هو رواية أبي هريرة: فأخدمها هاجر، فلفظة الإخدام عنده للتمليك، فأخذ بظاهرها على من يؤول.

 الثالث: في الهبة

 أيضا قال البخاري: إذا حمل رجل على فرس فهو كالعمرى والصدقة. وقال بعض الناس: له أن يرجع فيها. (1) وهذه المسألة أيضا من المسائل الخلافية بين البخاري وأبي حنيفة، فكما مر في المسألة السابقة: أن المال الموهوب يتملك ويتصرف فيه دون العارية المشروطة، فالبخاري مثل للهبة بالعمرى والصدقة. أما العمرى فلقول النبي (صلى الله عليه وسلم): من أعمر عمرى فهي للمعمر له ولورثته من بعده. وأما الصدقة: فإنه يراد بها وجه الله تعالى، فيقع القبض لله تعالى. وإنما يصير للفقير نيابة عن الله تعالى، بحكم الرزق الموعود، فلا يبقى محل للرجوع. (2) ولذلك فإنه أورد تحت ترجمة باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته (3) روايات، وحكم بعدم جواز الرجوع في الهبة.: وأما مذهب أبي حنيفة في ذلك فهو: أن للواهب أن يرجع إلى هبته.

(هامش)

1 - صحيح البخاري 2: 61. وفي طبعة باموق إستانبول 3: 145 كتاب الهبة، باب: إذا حمل الرجل على فرس.... 2 - كشف الالتباس: 73. 3 - صحيح البخاري 3: 142، كتاب الهبة. (*)

ص 160

وقال ابن حجر: والذي يظهر أن البخاري أراد الإشارة إلى الرد على من قال بجواز الرجوع في الهبة. (1) نظرية الحنفية قال في الهداية : وإذا وهب هبة لأجنبي فله الرجوع فيها. وقال الشافعي: لا رجوع فيها، وذكر دليله وتكلم فيه. ثم قال: ولنا قوله: الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها (2)، أي: ما لم يعوض، ولأن المقصود بالهبة هو التعويض للعادة، فتثبت ولاية الفسخ عند فواته. ثم قال: وقوله في الكتاب: فله الرجوع، لبيان الحكم. أما الكراهة فلازمة، لقوله (صلى الله عليه وسلم): العائد في هبته كالعائد في قيئه. (3) وهذا لاستقباحه، أي: لا لحرمته، لأن الذي يعود في قيئه الكلب، وفعله يوصف بالقبح لا بالحرمة. ولذلك المعنى روى البخاري عن عمر أنه قال: حملت على فرس في سبيل الله فرأيته يباع، فسألت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ فقال: لا تشتره، ولا تعد في صدقتك. (4) وقال قتادة في عقب هذا الحديث: ولا أعلم القيء إلا حراما. (5) وكما ذكرنا في محله فإن للبخاري - خارج صحيحه - كتبا في أجزاء مستقلة أعد منها رسالة في الهبة، وقد أثبتنا أن كتب البخاري في الفقه ناظرة إلى فقه أبي حنيفة، ولا

(هامش)

1 - فتح الباري 5: 188. 2 - الهداية 3: 227.: 3 - صحيح البخاري 3: 215، مسلم 3: 124 رقم 1622، أبو داود 3: 394، النسائي 6: 265، ابن ماجة 2: 797، الترمذي 4: 441. 4 - صحيح البخاري 2: 60 و61، ومن طبعة إستانبول، 3: 146، فتح الباري 5: 246، عمدة القاري 13: 190. 5 - اختلاف العلماء للمروزي: 277. (*)

ص 161

يستثني رسالته في الهبة عن تلكم الرسائل، وإن لم نظفر بها.: ومما ذكر في الصحيح نعرف أنه قد أشبع عقدته من خصومه من أهل الرأي والقياس، كما قد شاهدنا ذلك بأجزائه السالفة في رفع اليدين و القراءة خلف الإمام. وقد ذكر الذهبي: وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: قرأ علينا أبو عبد الله كتاب الهبة فقال: ليس في هبة وكيع إلا حديثان مسندان أو ثلاثة، وفي كتاب عبد الله بن المبارك خمسة أو نحوه، وفي كتابي هذا خمسمائة حديث أو أكثر. (1)

 الرابع: في الشهادات

 قال البخاري في باب شهادة القاذف، والسارق، والزاني وقوله تعالى: *(ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا أولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا)*. (2) وجلد عمر أبا بكرة، وشبل بن معبد، ونافعا بقذف المغيرة، ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته وأجازه عبد الله بن عتبة، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، وطاووس ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، والزهري، ومحارب بن دثار، وشريح، ومعاوية بن قرة وقال أبو الزناد: الأمر عندنا بالمدينة: إذا رجع القاذف عن قوله فاستغفر ربه، قبلت شهادته. وقال الشعبي وقتادة: إذا أكذب نفسه جلد وقبلت شهادته وقال الثوري: إذا جلد العبد ثم أعتق جازت شهادته، وإن استقضي المحدود فقضاياه جائزة. وقال بعض الناس: لا تجوز شهادة القاذف وإن تاب. (3) ثم قال: لا يجوز:

(هامش)

1 - سير أعلام النبلاء 12: 410 - 411. 2 - النور 24: 4 - 5. 3 - مجمع الأنهر 2: 192، البحر الرائق 7: 86. (*)

ص 162

النكاح بغير شاهدين، فإن تزوج بشهادة محدودين جاز، وإن تزوج بشهادة عبدين لم يجز. وأجاز شهادة المحدود والعبد والأمة لرؤية هلال رمضان. (1) والبخاري: أخذ في ترجمته لهذا الباب - مع تطويلها - شواهد على تثبيت قبول شهادة الفاسق بعد رجوعه من الفسق بالتوبة. ويظهر من إطالته للترجمة واتخاذه الشواهد من القرآن، والحديث، وعمل الأصحاب والتابعين من بعدهم: أن المسألة عنده مهمة! بيان ذلك: أن الآية الكريمة: *(والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا)*. (2) وإن كانت دليلا لكلتا الطائفتين ولم يختلف فيها أحد من العلماء، (بأن الفاسق إن كان بسبب غير القذف تقبل شهادته، إن تاب وعرفت توبته). إلا أن في الفاسق بسبب القذف، فإنه قد خالف فيه أبا حنيفة لقبول شهادته إذا تاب، لأنه يعتبر أن الاستثناء في الآية عائد إلى أقرب مذكور، فالتوبة ترفع الفسق، ولكنها لا تؤثر في قبول الشهادة. أعني: أن رد الشهادة والثمانين جلدة تكونان حدا للقاذف منضمين، وكما أن التوبة لا تسقط الحد، فكذا لا تسقط رد الشهادة، وقد أيد المنع بقوله تعالى: *(ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا)*. وأما الجمهور، فقد جعل الاستثناء عائدا إلى رد الشهادة والفسق، فبالتوبة تقبل الشهادة ويرتفع الفسق. وقد صدر البخاري ترجمته بالآية الكريمة ليشير إلى الاختلاف في فهم الآية، ثم أيد مذهبه فيها بما رواه عن عمر، وبعض التابعين.

(هامش)

1 - صحيح البخاري 2: 62 - 63 من طبعة السلفية، ومن طبعة باموق إستانبول 3: 150 كتاب الشهادات. 2 - النور 24: 4 - 5. (*)

ص 163

وابن القيم في أعلام الموقعين قد بسط الكلام في بيان أدلة الفريقين، وروى عدم قبول شهادة المحدود في القذف وإن تاب، عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة،: والحسن، ومسروق، والشعبي في إحدى روايتين عنه، وهو قول شريح. (1) بيان البخاري إن البخاري قد أخذ على أهل الرأي تناقضاتهم في باب الشهادات، حيث منعوا شهادة المحدودين، ثم أجازوا شهادة اثنين منهم في النكاح فقط، ولم يجيزوا شهادة العبيد في النكاح، ثم أجازوا شهادتهم في رؤية هلال رمضان. قال العيني: قال صاحب التوضيح: هذا غلط، لأن الشاهد على هلال رمضان لا يزول عنه اسم الشاهد، ولا يسمى مخبرا، فحكمه حكم الشاهد في المعنى لاستحقاقه ذلك بالاسم. وأيضا، فإن الشهادة على هلال رمضان حكم من الأحكام، ولا يجوز أن يقبل في الأحكام إلا من تجوز شهادته في كل شيء، ومن جازت شهادته في هلال رمضان - لا في غيره - فليس بعدل، ولا هو ممن يرضى، والله إنما تعبدنا بمن يرضى من الشهداء، انتهى. (2) ثم قال العيني: قلت: هذا تطويل للكلام بلا فائدة، وكلام مبني على غير معرفة بدقائق الأشياء.... إلى آخر ما قال في رد ذلك المقال. عقيدة الحنفية قال صاحب الهداية: لا تشترط العدالة حتى ينعقد بحضرة الفاسقين عندنا، خلافا للشافعي. له: أن الشهادة من باب الكرامة، والفاسق من أهل الإهانة.: ولنا: أنه من أهل الولاية، فيكون من أهل الشهادة، وهذا لأنه لما لم يحرم الولاية

(هامش)

1 - أعلام الموقعين 1: 145، الهداية 3: 89 بداية المجتهد 2: 370 - 386. 2 - عمدة القاري 13: 210. (*)

ص 164

على نفسه لإسلامه، لا يحرم على غيره لأنه من جنسه. والمحدود في القذف من أهل الولاية، فيكون من أهل الشهادة تحملا، وإنما الفائت ثمرة الأداء بالنهي لجريمته، فلا يبالي بتوبته، كما في شهادة ابني العاقدين. ولا بد من اعتبار الحرية فيه، لأن العبد لا شهادة له لعدم الولاية على نفسه، فلا تثبت له الولاية على غيره. (1) وقال ابن رشد في بداية المجتهد : إن المقصود بالشهادة عند أبي حنيفة في النكاح هو إعلامه فقط، ولذا لا ينعقد النكاح عنده بشهادة فاسقين. أما قبول شهادة العدل في هلال رمضان - وإن كان عبدا - فلأنه أمر ديني يشبه رواية الأخبار، ولهذا لا يختص بلفظ الشهادة. وقد ناقش ابن القيم الآراء في شهادة العبيد مرجحا قبولها، لأن الإمام أحمد: روى عن أنس بن مالك، أنه قال: ما علمت أحدا رد شهادة العبد (2)

 الخامس: في الوصايا

 قال البخاري في باب قول الله تعالى: *(من بعد وصية يوصي بها أو دين)*. (3) ويذكر أن شريحا، وعمر بن عبد العزيز، وطاووسا، وعطاء، وابن أذينة أجازوا إقرار المريض بدين. وقال الحسن: أحق ما تصدق به الرجل آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة. وقال إبراهيم والحكم: إذا أبرأ الوارث من الدين برئ. وأوصى رافع بن خديج ألا تكشف امرأته الفزارية عما أغلق عليه بابها. وقال

(هامش)

1 - الهداية 3: 89، بداية المجتهد 2: 370 - 386. 2 - أعلام الموقعين 1: 114 - 115، الاتجاهات الفقهية: 605. 3 - النساء: 11. (*)

ص 165

الحسن: إذا قال لمملوكه عند الموت: كنت أعتقتك، جاز. وقال الشعبي: إذا قالت المرأة عند موتها: إن زوجي قضاني وقبضت منه، جاز. وقال بعض الناس: لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة. ثم استحسن فقال: يجوز إقراره بالوديعة، والبضاعة، والمضاربة. وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث. ولا يحل مال المسلمين، لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): آية المنافق إذا ائتمن خان. وقال الله تعالى: *(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها (1)*. (2) بيان البخاري أراد أن يحتج بجواز إقرار المريض بالدين مطلقا، سواء كان المقر له وارثا أو أجنبيا، لقوله تعالى: *(من بعد وصية يوصي بها أو دين)*، حيث قدمهما على الميراث، ولم يفصل. نظرية الحنفية في كتب الحنفية: وإقرار المريض لوارثه بدين أو عين باطل، لتعلق حق الورثة بماله في مرضه، وفي تخصيص البعض به إبطال حق الباقين. قال العيني في شرح البخاري: مع ورود قوله (صلى الله عليه وسلم): لا وصية لوارث ولا إقرار له بدين. (3) وقال صاحب التوضيح في بيان وقال بعض الناس : المراد به أبو حنيفة. (4) أخذ البخاري على أبي حنيفة وأتباعه بقوله: بعض الناس للفرق بين الإقرار

(هامش)

1 - النساء 4: 58. 2 - صحيح البخاري 2: 78، عمدة القاري 14: 41. 3 - عمدة القاري 14: 41. 4 - الكواكب الدراري 12: 66، عمدة القاري 14: 41. (*)

ص 166

بالدين والإقرار بالودعية وغيرها، لأن مبنى الإقرار بالدين على اللزوم، ومبنى الإقرار بغيره من الأمور المذكورة على الأمانة. وبين اللزوم والأمانة فرق عظيم: يريدون باللزوم: أنه يلزم أداؤه وضمانه، وأما بالأمانة: فلا يلزم فيها الضمان. ويرى البخاري أبا حنيفة في هذه المسألة يعمل بالظن ولا يجيز إقرار المريض بالدين، ومع هذا يستحسن ويجوز الإقرار بالوديعة والبضاعة والمضاربة، مع أنه في الظاهر ليس بينهما فرق. ويحتج في ذلك بقوله: وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث. مع أن الاحتجاج بهذا إنما يتم لو كان العموم أو الإطلاق باقيا، بعد ورود المخصص في قوله تعالى: *(إن بعض الظن إثم)*(1)، فهو يدل بمفهومه على أن كل ظن ليس إثما، فيكون على ذلك أن ظن السوء الفاسد إثم، لا الجميع من أفراد الظنون، وهوما كان للاحتراس ودفع الضرر عن الناس، فإنه غير منهي عنه، بل مأمور به ومطلوب منه، بدليل قوله: احترسوا من الناس بسوء الظن.

 السادس: في اللعان

 قال البخاري في باب اللعان: وقول الله تعالى: *(والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم)*... إلى قوله: *(إنه لمن الصادقين)*(2)، فإذا قذف الأخرس امرأته بكتابة أو إشارة أو بإيماء معروف، فهو كالمتكلم، لإن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أجاز الإشارة

(هامش)

1 - الحجرات 49: 12. 2 - النور 24: 6. (*):

ص 167

في الفرائض. وهو قول بعض أهل الحجاز، وأهل العلم. وقال الله تعالى: *(فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا)*. (1) وقال الضحاك: *(إلا رمزا)*(2) إلا إشارة. وقال بعض الناس: لا حد ولا لعان، ثم زعم أن الطلاق بكتاب أو إشارة، أو إيماء جائز وليس بين الطلاق والقذف فرق، فإن قال: القذف لا يكون إلا بكلام، قيل له: كذلك الطلاق لا يجوز إلا بكلام، وإلا بطل الطلاق والقذف، وكذلك العتق، وكذلك الأصم يلاعن. وقال الشعبي وقتادة: إذا قال: أنت طالق، فأشار بأصابعه تبين منه بإشارته. وقال إبراهيم: الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه. وقال حماد: الأخرس والأصم إن قال برأسه جاز. ثم روى بعد ذلك: أحاديث تفيد استعمال النبي (صلى الله عليه وآله) الإشارة في بعض الأمور، مثل قوله (صلى الله عليه وآله): أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا. وكإشارته (عليه السلام) إلى نحو اليمن، ثم قوله: الأيمان ههنا، مرتين. وقوله (صلى الله عليه وسلم): والشهر هكذا وهكذا وهكذا، يعني: ثلاثين.... (3) بيان البخاري يرى البخاري أن الكتابة للأخرس وإشارته تقوم مقام الكلام في اللعان. ويستدل على قوله بطائفة من الآيات والأخبار: فمن الآيات: قوله تعالى: *(فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد

(هامش)

1 - مريم 19: 29. 2 - آل عمران 3: 41. 3 - صحيح البخاري 2: 278، وفي طبعة باموق استانبول 6: 173 كتاب الطلاق، عمدة القاري 20: 290. (*)

ص 168

صبيا)*. (1) ومن الأخبار: قوله (صلى الله عليه وسلم): أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى... رأي الحنفية الأحناف يرون: أن اللعان يتعلق بالصريح في القول، ولا ينعقد بالكتابة والإشارة، كما أن في القذف لا يحد بالإشارة، لانعدام القذف صريحا. (2) ولذلك قال في الهداية : قذف الأخرس لا يتعلق به اللعان، لأنه يتعلق بالصريح كحد القاذف. ثم قال: ولا يحد بالإشارة في القذف، لانعدام القذف صريحا. (3): بيان البخاري قال الكرماني وغيره: إن مراد البخاري في هذا الفرع أيضا الحنفية. (4) وقد أراد البخاري أن يلزم الخصم بالتناقض في هذه المسألة، ولذلك قال: ثم زعم أن الطلاق بكتاب أو إشارة أو إيماء جائز !. وبقوله هذا، وقوله: ليس بين الطلاق والقذف فرق أراد إلزامه بقبول حكم الإشارة والكتابة في اللعان والقذف، كما صح عنده حكم الإشارة والكتابة في الطلاق. وهو، مع ذكره إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان - من رؤساء أهل الرأي، ومن شيوخ أبي حنيفة - فسر قوله: ثم زعم بأن مراده غير إبراهيم النخعي وغير حماد بن أبي سليمان، وأهل الرأي لا يعرفون بعد حماد بن أبي سليمان غير أبي حنيفة.

(هامش)

1 - مريم 19: 29. 2 - الهداية 2: 19، فتح القدير 3: 359، بداية المجتهد 2: 98. 3 - الهداية 2: 19. 4 - الكواكب الدراري 19: 219. (*)

ص 169

السابع: في الإكراه

 قال البخاري: باب إذا أكره حتى وهب عبدا أو باعه لم يجز. وقال بعض الناس: فإن نذر المشتري فيه نذرا فهو جائز بزعمه، وكذلك إن دبره. (1) بيان البخاري أفتى البخاري في ترجمته لهذا الباب بعدم جواز بيع المكره، وهبته، بأنه لو أكره شخص على بيع عبده أوهبته، لم يصح البيع والهبة. رأي الحنفية الحنفية ترى في بيع المكره ثبوت الملك عند القبض، ويجوز للمشتري أن يتصرف فيه حيث يشاء، وتلزمه القيمة كما في سائر البيوع الفاسدة. كما أن ركن البيع في المتعاقدين من أهله، والفساد ينتفي بانتفاء شرطه، وهو التراضي وبالإجازة يرتفع الإكراه، وهو كسائر الشروط المضمرة عند البيع. وقال في الهداية : إذا باع مكرها وسلم مكرها، ثبت الملك عندنا. (2) وأما قوله: وقال بعض الناس: إذا نذر المشتري فيه نذرا فهو جائز... فإنه أراد بذلك أن الحنفية يتشبثون لتحليل المحرم بالوسائط، كما يفصل ذلك في كتاب الحيل.: وفي هذه المسألة يحلل ويصحح المعاملة الفاسدة في بيع المكره بنذر المشتري: أن يشتري هذا العبد وهذا المدبر لتبرأ ذمته وليحكم بجواز بيعه ووجوب إقدامه عليه، وإن كان معارضا مع حق العبد.

 الثامن: في الأيمان

(هامش)

1 - صحيح البخاري 4: 20 - 292، ومن طبعة باموق إستانبول 8: 57. 2 - الهداية 3: 275. (*)

ص 170

قال البخاري: باب إن حلف ألا يشرب نبيذا، فشرب طلاء، أو سكرا، أو عصيرا، لم يحنث في قول بعض الناس، وليست هذه بأنبذة عنده. (1) بيان البخاري أراد بهذه الترجمة حنث الأيمان لو حلف ألا يشرب النبيذ، فشرب العصير العنبي أو الطلاء، أو ما يصدق عليه أن يأخذ به إلى السكر فيوجب الكفارة، مثلا لو حلف ألا يأكل لحما فأكل السمك لم يحنث عند أبي حنيفة، فيصح عند البخاري حنث اليمين، فتوجب الكفارة. وكذا: من حلف ألا يأكل من هذه الحنطة فأكل من خبزها، أو من هذا الدقيق فأكل من خبزه. رأي الحنفية لا يصح عند أبي حنيفة صرف الحقيقة في المحلوف عليه عند الاستعمال على غيره. ولذلك قال الشيخ عبد الغني الغنيمي الحنفي في اللباب في شرح الكتاب :: من حلف لا يشرب من دجلة فشرب منها بإناء، لم يحنث حتى يكرع منها كرعا، في قول أبي حنيفة، ومن حلف لا يشرب من ماء دجلة فشرب منها بإناء، حنث. (2) وأما ما يتعلق بعقدة البخاري من أبي حنيفة في هذه المسألة، فإنه طعن عليه بأنه لا يرى بأسا في شرب الطلاء (3) والسكر (4) والعصير العنبي وغيرها من الأنبذة.

(هامش)

1 - صحيح البخاري 7: 230 - ط باموق إستانبول، كتاب: الأيمان والنذور. 2 - اللباب في شرح الكتاب 4: 15. 3 - الطلاء: هو العصير العنبي إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه. 4 - السكر: نقيع التمر ونقيع الزبيب إذا اشتد وغلى. (*)

ص 171

وإذ بلغ الكلام إلى هذا فلا يخلو من فائدة بيان آراء أهل العلم في ذلك: قال ابن عبد البر في التمهيد : وقد أجمع علماء المسلمين في كل عصر، وبكل مصر - فيما بلغنا وصح عندنا - أن عصير العنب، إذا رمي بالزبد وهدأ، وأسكر الكثير منه أو القليل، أنه خمر، وأنه ما دام على حاله تلك حرام، كالميتة والدم ولحم الخنزير، رجس نجس كالبول. إلا ما روي عن ربيعة في نقط من الخمر، شيء لم أر لذكره وجها، لأنه خلاف إجماعهم. وقد جاء عنه في مثل رؤوس الأبر من نقط البول نحو ذلك.: والذي عليه عامة العلماء في خمر العنب: ما ذكرت لك عنهم من تحريم قليلها وكثيرها، وأنها عندهم رجس كسائر النجاسات، إلا أن تحريمها عندهم لعلة الشدة والإسكار، وليس لذلك تحريم الميتة... واختلف العلماء في سائر الأنبذة المسكرة: فقال العراقيون: إنما الحرام منها السكر، وهو فعل الشارب. وأما النبيذ في نفسه فليس بحرام ولا نجس، لأن الخمر العنب لا غيره، بدليل قول الله عز وجل: *(إني أراني أعصر خمرا)*(1)، يعني: عنبا. (2) ويناقش في ذلك ابن عبد البر فيقول: ليس في هذا دليل على أن الخمر ما عصر من العنب لا غير، لما قدمنا ذكره من أن الخمر المعروفة عند العرب ما خمر العقل وخامره، وذلك اسم جامع للمسكر من عصير العنب وغيره. (3) وروى في ذلك عن عمر أنه قال: الخمر من خمسة، من: التمر، والزبيب، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر ما خمرته. (4): ولما اختلف العلماء فيما تقدم ذكرنا له من مسكر الأنبذة، وجب الرجوع عند تنازعهم في ذلك إلى ما ورد به الكتاب، أو قام دليله منه، أو ثبتت به سنة عن النبي (صلى الله عليه وسلم)،

(هامش)

1 - يوسف: 36. 2 - التمهيد لما في الموطأ 1: 245. 3 - نفس المصدر السابق. 4 - نفس المصدر السابق. (*)

ص 172

وقد ذكرنا ما يوجبه إطلاق اسم الخمر، وما يعرفه أهل اللسان من اشتقاقها. وأما السنة: فالآثار الثابتة كلها في هذا الباب تقضي على صحة قول أهل الحجاز، وقد روى أهل العراق - فيما ذهبوا إليه - آثارا لا يصح شيء منها عند أهل العلم بالحديث. (1) وقال أيضا: والآثار في تحريم ما أسكر كثيرة جدا يطول الكتاب بذكرها، وقد ذكرها جماعة من العلماء، منهم: ابن المبارك وغيره، وقال أحمد بن شعيب في كتابه: إن أول من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي، وهذه زلة من عالم، وقد حذرنا من زلة العالم، ولا حجة في قول أحد مع السنة! وقد زعمت طائفة: أن أبا جعفر الطحاوي - وكان إمام أهل زمانه - ذهب إلى إباحة الشرب من المسكر ما لم يسكر. وهذا - لو صح عنه - لم يحتج به على من ذكرنا قولهم من الأئمة المتبعين في تحريم المسكر ما ثبت من السنة.... (2) فما قاله ابن عبد البر عبارة عن نظرية أهل الحديث جاء ردا على نظرية أهل الرأي في تحريم أقسام النبيذ. فالخلاف في المسألة بين المحدثين وأهل الرأي نشأ من المنازعات المتداولة بين البلدتين: الحجاز والعراق، واستعمال كل منهما العناوين الخاصة عند الإطلاق، وتسمية الأشياء على ما عليه العرف وأهل المحاورة. كما روى المحدثون خطبة أبي موسى الأشعري في قوله: ألا إن خمر أهل المدينة البسر والتمر، وخمر أهل فارس العنب، وخمر أهل اليمن البتع - وهو العسل - وخمر أهل الحبشة الأسكركة، وهو الأرز. (3) ويظهر من كلمات أهل العراق وأهل الرأي: أن الخمر عندهم المتخذ من العنب،

(هامش)

1 - التمهيد لما في الموطأ 1: 249 - 248. 2 - نفس المصدر السابق 255 - 256. 3 - نفس المصدر السابق 5: 168. (*)

ص 173

والحرام منه ما أسكر. وأما النبيذ فقد اختلفوا في حكمه، فأباحته طائفة، وحرمته أخرى: روى الحاكم النيسابوري عن يزيد النحوي، قال: كنت قاعدا عند عكرمة، فأقبل مقاتل بن حيان وأخوه، فقال له مقاتل: يا أبا عبد الله! ما تقول في نبيذ الجر؟ فقال عكرمة: هو حرام! قال: فما تقول فيمن شربه؟ قال: أقول: إن من شربه كفر ! وقال ابن عبد البر: قد أجمعوا على ترك التحديث في تحليل النبيذ، وإظهار الرواية في تحريمه. (1) ويشهد بذلك أن أهل العراق لم يجمعوا على تحليل المسكر ما لم يسكر شاربه، لأن جماعة منهم يذهبون في ذلك مذهب أهل الحجاز، كما في سند الرواية المذكورة عن جماعة من أهل الكوفة والبصرة، منهم: عيسى بن يونس الكوفي، ومخلد بن الحسين البصري. فمن محلليه من أهل الكوفة: وكيع بن الجراح، الإمام الحافظ المتوفى سنة 197 ه‍. قال ابن معين: وكيع يفتي بقول أبي حنيفة وكان قد سمع منه كثيرا. (2) وهو مع إمامته وجلالته في حديث السنة: كان يفطر على نحو عشرة أرطال من الطعام، ثم يقدم إليه قرابة فيها نحو من عشرة أرطال من نبيذ، فيشرب منها ما طاب له على طعامه، ثم يجعلها بين يديه، ثم

(هامش)

1 - التمهيد لما في الموطأ 7: 127. 2 - سير أعلام النبلاء 9: 148، تاريخ بغداد 13: 470 - 471. وقد ذكرنا في باب مدح الاجتهاد مخالفة وكيع بن الجراح على أصحاب أبي حنيفة، فراجع. (*)

ص 174

يقوم فيصلي ورده من الليل، كلما صلى شيئا شرب منها حتى ينفدها، ثم ينام !! (1) قال الذهبي: روى هذه الحكاية الدارقطني، عن القاضي ابن أم شيبان، عن أبيه، عن أبي عبد الرحمن بن سفيان بن وكيع، عن أبيه: قال إسحاق بن بهلول: قدم علينا: وكيع، فنزل في مسجد الفرات وسمعت منه، فطلب مني نبيذا، فجئته به، وأقبلت أقرأ عليه الحديث وهو يشرب، فلما نفد ما جئته به أطفأ السراج. قلت: ما هذا؟ قال: لو زدتنا زدناك ! (2) قال جعفر الطياليسي: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت رجلا يسأل وكيعا، فقال: يا أبا سفيان! شربت البارحة نبيذا، فرأيت فيما يرى النائم كأن رجلا يقول: شربت خمرا؟ فقال وكيع: ذلك الشيطان ! (3) وقال نعيم بن حماد: تعشينا عند وكيع - أو قال: تغدينا - فقال: أي شيء تريدون أجيئكم منه: نبيذ الشيوخ، أو نبيذ الفتيان؟ فقلت: تتكلم بهذا؟! قال: هو عندي أحل من ماء الفرات! قلت له: ماء الفرات لم يختلف في حله، وقد اختلف في هذا ! (4) وقال الذهبي: الرجل - سامحه الله - لو لم يعتقد إباحته لما قال هذا. (5) ولأبي حنيفة أيضا وجوه من الكلام، فيقول بعض عند نقل فتواه: إنه قال: لو أعطيت الدنيا بحذافيرها لا أفتي بحرمته، لأن فيه تفسيق بعض الصحابة!

(هامش)

1 - تاريخ بغداد 13: 471، سير أعلام النبلاء 9: 150. 2 - سير أعلام النبلاء 9: 150. 3 - نفس المصدر السابق. 4 - نفس المصدر السابق. 5 - نفس المصدر السابق. (*)

ص 175

ولو أعطيت الدنيا بحذافيرها ما شربته ! (1) وعلى هذا فالعلة إذن، تدور حول تفسيق الصحابة وعدمه! وفي بعض أقواله تدور حول صدق العنوان، بأن النبيذ ما يكون مسكرا أم لا؟ ففي كلمته الأولى يرى أن كبار الصحابة يشربون الخمر في جاهليتهم وفي الإسلام، قبل نزول الآية بتحريمه: مثل: ما قال عمر بن الخطاب: كنت صاحب الخمر في الجاهلية أحبها وأشربها !! (2) وفي كلمته الثانية يرى أن بعض الصحابة أيضا يطلقون المحرم على المسكر، وما لا يسكر من الأنبذة فليس محرما عندهم، كما نرى أيضا في الصحابة والتابعين والذين من بعدهم شواهد كثيرة. فالخليفة عمر بن الخطاب من الصحابة وقد طلب النبيذ: بعد ما أصيب وحمل إلى منزله أتاه الطبيب. فقال: أي الشراب أحب إليك؟ قال: النبيذ! فدعا بنبيذ فشرب منه، فخرج من إحدى طعناته !!. (3) ومن التابعين: إبراهيم النخعي، كما مر عن ابن عبد البر في روايته: أن أول من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي. (4) ومن بعدهم: أبو حنيفة وأتباعه، كما يظهر من أقوالهم المتعددة في الفقه الحنفي وأصولهم، وكما يحكي عنهم البخاري في قوله: وقال بعض الناس.

(هامش)

1 - حاشية الإمام الشلبي على كنز الدقائق المسمى ب‍ تبيين الحقائق لفخر الدين الزيلعي الحنفي 6: 46 ط / دار المعرفة بيروت. 2 - الرياض النضرة في العشرة المبشرة 1 - 2: 238 ط بيروت.: 3 - أنساب الأشراف 10: 417 ط دار الفكر بيروت، تاريخ دمشق 44: 430. 4 - التمهيد لما في الموطأ 1: 256. (*)

ص 176

التاسع: في الإكراه

 قال البخاري: باب يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه، إذا خاف عليه القتل أو نحوه، وكذلك كل مكره يخاف فإنه يذب عنه المظالم ويقاتل دونه ولا يخذله، فإن قاتل دون المظلوم فلا قود عليه ولا قصاص. وإن قيل: لتشربن الخمر، أو لتأكلن الميتة، أو لتبيعن عبدك، أو تقر بدين، أو تهب هبة وتحل عقدة، أو لنقتلن أباك أو أخاك في الإسلام، وسعه ذلك لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): المسلم أخو المسلم. وقال بعض الناس: لو قيل له: لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة، أو لنقتلن ابنك أو أباك أو ذا رحم محرم لم يسعه، لأنه ليس بمضطر. ثم ناقض فقال: إن قيل له: لنقتلن أباك أو ابنك، أو لتبيعن هذا العبد أو تقر بدين أو تهب، يلزمه في القياس ولكنا نستحسن، ونقول: البيع والهبة وكل عقدة في ذلك باطل فرقوا بين كل ذي رحم محرم وغيره، بغير كتاب ولا سنة، وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): قال إبراهيم لامرأته: هذه أختي، وذلك في الله، وقال النخعي: إذا كان المستحلف ظالما فنية الحالف، وإن كان مظلوما فنية المستحلف. (1) بيان البخاري أراد أن يأخذ على الحنفية وأصحاب الرأي نموذجا واضحا للإتجاه الخلقي الديني، حيث أوجب على كل مسلم أن يسعى في إنقاذ أي مسلم، وإن لم يكن قريبه بالنسب، بل يكتفي هناك بقرابة الإخوة وعلاقة الإسلام، ولذلك روى: المسلم أخو المسلم. ولذلك عاب عليه جماعة من شارحيه بأن أمثال هذه الترجمة لا تناسب كتاب

(هامش)

1 - صحيح البخاري 4: 201 - 202، ومن طبعة إستانبول 8: 58: كتاب الإكراه فتح الباري 12: 323. (*)

ص 177

الصحيح! فقال الكرماني: أمثال هذه المباحث غير مناسب لوضع هذا الكتاب، إذ هو خارج عن فنه. (1) رأي الحنفية قد اعتبر الأحناف: أن تصرف المكره هنا ينعقد فاسدا، حتى أن الملك يثبت به بالقبض، لأن ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى محله، والفساد لفقد شرطه، وهو التراضي، فصار كسائر الشروط المفسدة، فيثبت الملك عند القبض، حتى لو قبضه وأعتقه، أو تصرف فيه تصرفا لا يمكن نقضه، جاز ويلزمه القيمة. (2) ولذلك يقول السندي في تعليقه على المسألة. حاصل كلام الحنفية: أن بيع المكره منعقد، إلا أنه بيع فاسد لتعلق حق العبد به، فوجب وقفه إلى رضائه، إلا إذا تصرف فيه المشتري تصرفا لا يقبل الفسخ، فحينئذ قد تعارض فيه حقان كل منهما للعبد: حق المشتري، وحق البائع. وحق البائع يمكن استدراكه مع لزوم البيع بإلزامه القيمة على المشتري، بخلاف حق المشتري، فلا يمكن استدراكه مع فسخ البيع، مع أنه حق لا يقبل الفسخ، فصار اعتباره أرجح، بخلاف ما إذا كان تصرفا يقبل الفسخ فيجب مراعاة حق البائع عندهم. وهذا الفرق منهم مبني على أن بيع المكره منعقد مع الفساد، وهم يقولون به، فالنزاع بينهم في هذا الأصل. (3)

 العاشر: في الحيل (في الزكاة)

 قال البخاري: باب في الزكاة، وأن لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة.

(هامش)

1 - فتح الباري 12: 323. 2 - الهداية 3: 38 و39 و201، وانظر الاتجاهات الفقهية. 3 - حاشية السندي على البخاري 4: 201 - 203. (*)

ص 178

ثم روى حديث الآخر في هذه الترجمة بقوله: يا رسول الله! أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا. فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا. قال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة ؟ قال: فأخبره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شرائع الإسلام. قال: والذي أكرمك، لا أتطوع شيئا، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا. فقال: رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق. وقال بعض الناس: في عشرين ومائة بعير حقتان، فإن أهلكها متعمدا، أو وهبها، أو احتال فيها فرارا من الزكاة، فلا شيء عليه. (1) موقف المحدثين من الحيل عرفت الحيل عند المحققين بالتخلص عما يخاف أن يقع فيه، أو التخلص عما لا يريد أن يؤخذ به: وقال ابن حجر: هي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي. (2) فعليه، نحتاج إلى البحث في أساليبها التي تتخذ للتخلص. ولا شبهة بأن الحيل متعلقة بالنيات، ولها صلة وثيقة يرتبط بها قصد الرجل عند الاستخلاص من الأمر الذي لا يريد أن يؤخذ به، أو أن يقع فيه. ولهذا فإن هناك اختلافا بين المحدثين وأهل الرأي في العمل بالحيل: فالمحدثون - على ما هم عليه في الأخذ بحديث الأعمال بالنيات - يحرمون من

(هامش)

1 - صحيح البخاري / كتاب الحيل. 2 - فتح الباري 12: 274، كتاب الحيل. (*)

ص 179

الحيل ما ينتهي إلى تحليل حرام أو تحريم حلال، أو ينتهي إلى تعطيل الأحكام، مستدلين به ومصرين على إبطالها. وقد فصل في ذلك جمع من المحدثين والفقهاء السنة، منهم: ابن القيم في أعلام الموقعين، فإنه أكد على: أن حديث الأعمال بالنيات وحده كاف في إبطال الحيل، حيث دل على أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه، لا ما أعلنه وأظهره. (1) ومما يؤكد الصلة التي تربط بين اتجاه المحدثين وموقفهم من الحيل: أنهم يرون الاعتبار في صيغ العقود هو المعاني التي تتقوم بالقصد، خلافا لمن يرى أن اللفظ الصحيح يؤثر في صيغ العقود، ولهذا قال ابن حجر::... في صيغ العقود، هل المعتبر فيها ألفاظها، أو معانيها؟ فمن قال بالأول أجاز الحيل. (2) وقد مر قول ابن القيم في الحديث: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد قال كلمتين كفتا وشفتا، وتحتهما كنوز العلم، وهما قوله: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فالأولى أثبتت أنه لا عمل إلا بنية، والثانية أثبتت أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات، والمعاملات، والأيمان، والنذور، وسائر العقود والأفعال. (3) والبخاري على هذا القول يكرر الحديث في أبواب مختلفة من صحيحه: 1 - في افتتاح كتابه بدل الخطبة. 2 - في الإيمان. 3 - في العتق. 4 - في المناقب.

(هامش)

1 - أعلام الموقعين 2: 139. 2. 2 - فتح الباري 12: 289. 3 - أعلام الموقعين 3: 103. (*)

ص 180

5 - في النكاح. 6 - في الأيمان والنذور. 7 - في الحيل. ولا شك أن البخاري قد كتب الحيل في صحيحه ردا على أبي حنيفة، أو على مؤلف كتاب الحيل الذي هو أبو حنيفة أو أحد تلميذيه محمد بن الحسن الشيباني أو أبو يوسف القاضي. وقال صاحب الاتجاهات الفقهية في القرن الثالث : ونحن نعتقد أن البخاري لم يبوب كتاب الحيل إلا للرد على أهل الرأي، وقد كرر البخاري فيه عبارة: وقال بعض الناس أربع عشرة مرة. (1) والبخاري قد كرر في كتاب الحيل نظرية مستحل الحيل بقوله: وقال بعض الناس، وهذا العدد يزيد على العدد المذكور في كل الصحيح، وقد بين نظريته في افتتاحه بقوله: باب في ترك الحيل. فإنه أراد به إبطال جميع أقسام الحيل كلها، فما الداعي إذن ليتكلم في مسائلها؟ [وليس هذا] إلا أن يكون للرد على من يقول بها. (2) وأما كتاب الحيل فإنه منسوب إلى أبي حنيفة، في أحد الأقوال، أو إنه منسوب إلى أحد تلاميذه. وقال ابن حجر: قد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية، لكون أبي يوسف صنف فيها كتابا، لكن المعروف عنه وعن كثير من أئمتهم تقييد إعمالها بقصد الحق. (3) ونقل أيضا عن محمد بن الحسن أنه قال: ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من

(هامش)

1 - الاتجاهات الفقهية: 598. 2 - الاتجاهات الفقهية: 614. 3 - فتح الباري 12: 290، وفي طبعة أخرى: 275. (*)

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الإمام البخاري وفقه أهل العراق

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب