الغارات (ج2)

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الغارات (ج2)

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 811

فانصرف فقال: ما توضأت قط إلا صليت، وما صليت صلاة قط أخف من هذه، ولئن جزعت لقد رأيت سيفا مشهورا وكفنا منشورا، وقبرا محفورا، وكانت عشائرهم جاءوا بالأكفان وحفروا لهم القبور، ويقال: بل معاوية الذي حفر لهم القبور وبعث إليهم بالأكفان وقال حجر: اللهم إنا نستعديك على أمتنا فإن أهل العراق شهدوا علينا، وإن أهل الشام قتلونا، قال: وقيل لحجر: مد عنقك فقال: إن ذاك لدم، ما كنت لأعين عليه فقدم فضربت عنقه، وكان معاوية قد بعث رجلا من بني سلامان بن سعد يقال له: هدبة بن فياض، فقتلهم، وكان أعور فنظر إليه رجل منهم من خثعم فقال: إن صدقت الطير قتل نصفنا ونجا نصفنا، قال: فلما قتل سبعة أردف معاوية برسول بعافيتهم جميعا فقتل سبعة ونجا ستة أو قتل ستة ونجا سبعة قال: وكانوا ثلاثة عشر رجلا وقدم عبد الرحمن بن الحارث بن هشام على معاوية برسالة عائشة وقد قتلوا فقال: يا أمير المؤمنين أين عزب عنك حلم أبي سفيان؟ فقال: غيبة مثلك عني من قومي، وقد كانت هند بنت زيد بن مخربة الأنصارية، وكانت شيعية قالت حين سير بحجر إلى معاوية: ترفع أيها القمر المنير * ترفع هل ترى حجرا يسير يسير إلى معاوية بن حرب * ليقتله كما زعم الخبير تجبرت الجبابر بعد حجر * وطاب لها الخورنق والسدير وأصبحت البلاد له محولا * كأن لم يحيها يوما مطير ألا يا حجر حجر بني عدي * تلقتك السلامة والسرور أخاف عليك ما أردى عديا * وشيخا في دمشق له زئير فإن تهلك فكل عميد قوم * إلى هلك من الدنيا يصير قال: أخبرنا حماد بن مسعدة، عن ابن عون، عن محمد قال: لما أتي بحجر فأمر بقتله قال: ادفنوني في ثيابي فإني أبعث مخاصما (ن). قال: أخبرنا يحيى بن عباد، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: حدثنا عمير بن قميم، قال حدثني غلام لحجر بن عدي الكندي قال: قلت لحجر: إني رأيت ابنك دخل الخلاء ولم يتوضأ قال: ناولني

ص 812

الصحيفة من الكوة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما سمعت علي بن أبي طالب يذكر أن الطهور نصف الإيمان، وكان ثقة معروفا ولم يرو عن غير علي شيئا (ن)). وفي الإصابة في القسم الأول: (حجر بضم أوله وسكون الجيم ابن عدي بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين الكندي المعروف بحجر ابن الأدبر حجر الخير وذكر ابن سعد ومصعب الزبيري فيما رواه الحاكم عنه أنه وفد على النبي صلى الله عليه وآله هو وأخوه هانئ بن عدي، وأن حجر بن عدي شهد القادسية وأنه شهد بعد ذلك الجمل وصفين وصحب عليا فكان من شيعته، وقتل بمرج عذراء بأمر معاوية، وكان حجر هو الذي افتتحها فقدر أن قتل بها. وقد ذكر ابن الكلبي جميع ذلك، وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء علي يوم صفين، وروى ابن السكن وغيره من طريق إبراهيم بن الأشتر عن أبيه: أنه شهد هو وحجر بن الأدبر موت أبي ذر بالربذة، وأما البخاري وابن أبي حاتم عن أبيه وخليفة بن خياط وابن حبان فذكروه في التابعين (إلى أن قال) وروى أحمد في الزهد، والحاكم في المستدرك من طريق ابن سيرين قال: أطال زياد الخطبة فقال حجر: الصلاة، فمضى في خطبته فحصبه حجر والناس، فنزل زياد فكتب إلى معاوية [فكتب معاوية إليه] أن سرح به إلي فلما قدم قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال: أو أمير المؤمنين أنا؟ قال: نعم، فأمر بقتله، فقال: لا تطلقوا عني حديدا ولا تغسلوا عني دما فإني لاق معاوية بالجادة وإني مخاصم. وروى الروياني والطبراني والحاكم من طريق أبي إسحاق قال: رأيت حجر بن عدي وهو يقول: ألا إني على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها، وروى ابن أبي الدنيا والحاكم وعمر بن شبة من طريق ابن عون عن نافع قال: لما انطلق بحجر بن عدي كان ابن عمر يتخبر عنه فأخبر بقتله وهو بالسوق فأطلق حبوته وولى وهو يبكي. وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه عن أبي الأسود قال: دخل معاوية على عائشة فعاتبته في قتل حجر وأصحابه وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يقتل بعدي أناس يغضب الله لهم وأهل السماء، في سنده انقطاع. وروى إبراهيم بن الجنيد في

ص 813

كتاب الأولياء بسند منقطع: أن حجر بن عدي أصابته جنابة فقال للموكل به: أعطني شرابي أتطهر به ولا تعطني غدا شيئا فقال: أخاف أن تموت عطشا فيقتلني معاوية. قال فدعا الله فانسكبت له سحابة بالماء فأخذ منها الذي احتاج إليه فقال له أصحابه: ادع الله أن يخلصنا فقال: اللهم خر لنا قال: فقتل هو وطائفة منهم. قال خليفة وأبو عبيد وغير واحد: قتل سنة إحدى وخمسين. وقال يعقوب بن إبراهيم بن سعد: كان قتله سنة ثلاث وخمسين. قال ابن الكلبي: وكان لحجر بن عدي ولدان عبد الله وعبد الرحمن قتلا مع المختار لما غلب عليه مصعب وهرب ابن - عمهما معاذ بن هانئ بن عدي إلى الشام، وابن عمهم هانئ بن الجعد بن عدي كان من أشراف الكوفة). وفي أسد الغابة: (حجر بن عدي بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة الكندي وهو المعروف بحجر الخير، وهو ابن الأدبر وإنما قيل لأبيه: عدي الأدبر لأنه طعن على أليته موليا فسمي الأدبر، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم هو وأخوه هانئ، وشهد القادسية، وكان من فضلاء الصحابة، وكان على كندة بصفين وعلى الميسرة يوم النهروان، وشهد الجمل أيضا مع علي، وكان من أعيان أصحابه، ولما ولي زياد العراق وأظهر من الغلظة وسوء السيرة ما أظهر خلعه حجر ولم يخلع معاوية، وتابعه جماعة من شيعة علي رضي الله عنه، وحصبه يوما في تأخير الصلاة هو وأصحابه، فكتب فيه زياد إلى معاوية فأمره أن يبعث به وبأصحابه إليه فبعث بهم مع وائل بن حجر الحضرمي ومعه جماعة، فلما أشرف على مرج عذراء قال: إني لأول المسلمين كبر في نواحيها، فأنزل هو وأصحابه عذراء وهي قرية عند دمشق فأمر معاوية بقتلهم فشفع أصحابه في بعضهم فشفعهم، ثم قتل حجر وستة معه واطلق ستة، ولما أرادوا قتله صلى ركعتين ثم قال: لولا أن تظنوا بي غير الذي بي لأطلتهما، وقال: لا تنزعوا عني حديدا ولا تغسلوا عني دما فإني لاق معاوية على الجادة، ولما بلغ فعل زياد بحجر إلى عائشة بعثت عبد الرحمن بن

ص 814

الحارث بن هشام إلى معاوية تقول: الله الله في حجر وأصحابه، فوجده عبد الرحمن قد قتل فقال لمعاوية: أين عزب عنك حلم أبي سفيان في حجر وأصحابه؟ ألا حبستهم في السجون وعرضتهم للطاعون؟ قال: حين غاب عني مثلك من قومي، قال: والله لا تعد لك العرب حلما بعدها ولا رأيا، قتلت قوما بعث بهم أسارى من المسلمين؟! قال: فما أصنع؟ كتب إلي زياد فيهم يشدد أمرهم ويذكر أنهم سيفتقون فتقا لا يرقع، ولما قدم معاوية المدينة دخل على عائشة رضي الله عنها فكان أول ما قالت له في قتل حجر في كلام طويل، فقال معاوية: دعيني وحجرا حتى نلتقي عند ربنا، قال نافع: كان ابن عمر في السوق فنعي إليه حجر فأطلق حبوته وقام وقد غلبه النحيب، وسئل محمد بن سيرين عن الركعتين عند القتل فقال: صلاهما خبيب وحجر وهما فاضلان، وكان الحسن البصري يعظم قتل حجر وأصحابه، ولما بلغ الربيع بن زياد الحارثي وكان عاملا لمعاوية على خراسان قتل حجر دعا الله عز وجل وقال: اللهم إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك وعجل، فلم يبرح من مجلسه حتى مات. وكان حجر في ألفين وخمسمائة من العطاء، وكان قتله سنة إحدى وخمسين، وقبره مشهور بعذراء، وكان مجاب الدعوة، أخرجه أبو عمرو وأبو موسى). وأورد في الاستيعاب قريبا مما ذكر. وقال ابن عساكر في المجلد الرابع من تاريخه (ص 84): ( حجر (بضم الحاء المهملة وسكون الجيم ويجوز ضمها قاله ابن ماكولا) ابن عدي الأدبر بن معاوية بن جبلة بن عدي يتصل نسبه بكهلان بن سبأ وسمي أبوه الأدبر لأنه طعن رجلا وهو هارب مول فسمي بالأدبر، وحجر هذا هو الكندي من أهل الكوفة وفد على النبي صلى الله عليه وآله وكان مع الجيش الذي فتح الشام، وشهد صفين مع علي بن أبي طالب، وقتل بعذراء (1) من قرى دمشق و[هنا] مسجد قبره بها معروف (أقول: ذلك المسجد

(هامش)

1 - في معجم البلدان: (عذراء بالفتح ثم السكون والمد وهو في الأصل الرملة التي لم توطأ، والدرة العذراء التي لم تثقب، وهي قرية بغوطة دمشق من إقليم خولان معروفة، وإليها ينسب مرج وإذا انحدرت من ثنية العقاب وأشرفت على الغوطة وتأملت على يسارك رأيتها أول قرية تلي الجبل، وبها منارة، وبها قتل حجر بن عدي الكندي، وبها قبره وقيل: هو الذي فتحها (إلى آخر ما قال)). (*)

ص 815

والقبر لم يزالا معروفين إلى الآن) إلى أن قال: وكتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: إني قد احتجت إلى مال فأمدني بالمال، فجهز المغيرة إليه عيرا تحمل مالا فلما فصلت العير بلغ حجرا وأصحابه فجاء حتى أخذ بالقطار فحبس العير وقال: والله لا تذهب حتى تعطي كل ذي حق حقه فبلغ المغيرة ذلك فقال شباب ثقيف: ائذن لنا حتى نأتيك برأسه الساعة فقال: لا والله ما كنت لأقتل حجرا أبدا، فبلغ ذلك معاوية فعزله واستعمل زيادا (فكان من أمر زياد معه ما كان حتى أرسله إلى معاوية فقتله هو وأصحابه في مرج عذراء من أرض الشام وقبره في مسجدها معروف إلى اليوم، وقد قدمنا خبر مقتله في ترجمة أرقم بن عبد الله الكندي في أواخر المجلد الثاني بما أغنانا عن إعادته هنا، والقصة طويلة فليراجعها من أحب الاطلاع عليها) إلى أن قال: وروي أيضا أن عليا - رضي الله عنه - قال: يا أهل الكوفة سيقتل فيكم سبعة نفر هم من خياركم بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود. ورواه البيهقي أيضا والطبري، ولما قتل اجتمع شيعته فقال بعضهم: أسأل الله أن يجعل قتله على أيدينا فقال بعضهم: مه، إن القتل كفارة ولكننا نسأله تعالى أن يميته على فراشه، وقال معاوية: ما قتلت أحدا إلا وأنا أعرف فيم قتلته ما خلا حجرا فإني لا أعرف بأي ذنب قتلته، وكان قتله له سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وخمسين (إلى آخر ما قال)).

 التعليقة 52

(ص 426) تحقيق حول كلمة (الأصهار) في المصباح المنير: (الصهر جمعه أصهار قال الخليل: الصهر أهل بيت - المرأة، قال: ومن العرب من يجعل الاحماء والأختان جميعا أصهارا، وقال الأزهري: الصهر يشتمل على قرابات النساء ذوي المحارم وذوات المحارم كالأبوين والإخوة

ص 816

وأولادهم والأعمام والأخوال والخالات فهؤلاء أصهار زوج المرأة، ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم أصهار المرأة أيضا. وقال ابن السكيت: كل من كان من قبل الزوج من أبيه أو أخيه أو عمه فهم الأحماء، ومن كان من قبل المرأة فهم الأختان ويجمع الصنفين الأصهار، وصاهرت إليهم إذا تزوجت منهم). ووجه كونهم أصهار الحسين ما ذكره علماء التراجم والسير في كتبهم. قال ابن حجر في الإصابة: (امرؤ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب ابن عليم... الكلبي، وروى عن أمالي ثعلب بإسناده عن عوف بن خارجة قال: إني والله لعند عمر في خلافته إذ أقبل رجل أمعر يتخطى رقاب الناس حتى قام بين يدي عمر فحياه بتحية الخلافة فقال: من أنت؟ - قال امرؤ نصراني وأنا امرؤ القيس بن عدي الكلبي فلم يعرفه عمر فقال له رجل: هذا صاحب بكر بن وائل الذي أغار عليهم في الجاهلية قال: فما تريد؟ - قال: أريد الإسلام فعرضه عليه فقبله ثم دعا له برمح فعقد له على من أسلم من قضاعة فأدبر الشيخ واللواء يهتز على رأسه قال عوف: ما رأيت رجلا لم يصل صلاة أمر على جماعة من المسلمين قبله، قال: ونهض علي وابناه حتى أدركه فقال له: أنا علي بن أبي طالب ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وهذان ابناي من ابنته وقد رغبنا في صهرك فأنكحنا، قال: قد أنكحتك يا علي المحياة ابنة امرئ القيس، وأنكحتك يا حسن سلمى بنت امرئ القيس، وأنكحتك يا حسين الرباب بنت امرئ القيس قال: وهي أم سكينة وفيها يقول الحسين: لعمرك إنني لأحب دارا * تحل بها سكينة والرباب وهي التي أقامت على قبر الحسين حولا ثم أنشد. إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر). أقول: نقل أبو الفرج الإصبهاني في كتاب الأغاني تحت عنوان (ذكر الحسين ونسبه) (ج 14، ص 163 - 164) ما نقله صاحب الإصابة باختلاف يسير.

ص 817

ثم ليعلم أن نظير قوله: (أصهار الحسين) ما نقل في إعلام الورى وسيرة ابن هشام وغيرهما من أن النبي صلى الله عليه وآله سبى الرجال والنساء والذراري والنعم والشاء فلما بلغ الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج جويرية بنت الحارث قالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق). وقال ابن عساكر في تاريخه (ج 6، ص 315) في ترجمة شريح القاضي ما نصه: (وأما قول زينب لشريح: (هذه ختنك) فقد تكلم في هذا قوم من الفقهاء واللغويين، وحاجة الفقهاء إلى معرفة ذلك بينة إذ قد يوصي المرء لأصهار فلان وأختانه، وقد يحلف لا يكلم أصهار فلان وأختانه، فقال قوم: الأختان من قبل الرجل، والأصهار، من قبل المرأة، وذهب قوم في هذا إلى التداخل والاشتراك، وهذا أصح المذهبين عندي، وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: محمد النبي أخي وصهري * أحب الناس كلهم اليا والنبي صلى الله عليه وآله أبو زوجته ويدلك على هذا قولهم: قد أصهر فلان إلى فلان وبين القوم مصاهرة وصهر، فجرى مجرى النسب والمصاهرة في إجرائهما على الطرفين والعبارتين بهما على الجهتين، وقد قال الله عز وجل: وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، وقد جاء عن أهل التأويل في قول الله تعالى: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة، أقوال، قال بعضهم: هم الأصهار، وقال بعضهم: هم الأختان، وظاهر هذا العمل على اختلاف المعنيين بحسب ما ذهب إليه من قدمنا الحكاية عنه وجائز أن يكون عبر باللفظين عن معنى واحد).

 التعليقة 53

(ص 430) حول قولهم: (فقع بقرقر) في أساس البلاغة للزمخشري: (ويقال: إنك لأذل من فقع القاع). وفي النهاية لابن الأثير: (وفي حديث عاتكة قالت لابن جرموز: يا ابن فقع

ص 818

القردد، القردد، الفقع ضرب من أردء الكمأة، والقردد أرض مرتفعة إلى جنب وهدة). وفي لسان العرب: (الفقع والفقع بالفتح وبالكسر الأبيض الرخو من الكمأة وهو أردؤها قال الراعي: بلاد يبز الفقع فيها قناعه * كما ابيض شيخ من رفاعة أجلح وجمع الفقع بالفتح فقعة مثل جبء وجبأة، وجمع الفقع بالكسر فقعة أيضا مثل قرد وقردة، وفي حديث عاتكة (فنقل كلام ابن الأثير كما نقلناه) وقال أبو حنيفة: الفقع يطلع من الأرض فيظهر أبيض وهو ردئ، والجيد ما حفر عنه واستخرج (إلى أن قال) ويشبه به الرجل الذليل فيقال: هو فقع قرقر ويقال أيضا: أذل من فقع بقرقر لأن الدواب تنجله بأرجلها، قال النابغة يهجو النعمان بن المنذر: حدثوني بني الشقيقة ما يمنع فقعا بقرقر أن يزولا (إلى آخر ما قال). وقال الزمخشري في مستقصى الأمثال (ج 1، ص 134): ( أذل من فقع بقاع، هو الكمأة البيضاء، ومنه حمام فقيع أي أبيض، والأنثى فقيعة، وذله أنه لا يمتنع على من اجتناه، وقيل: إنه يداس دائما بالأرجل، وقيل: إنه لا أصل له ولا أغصان، قال الكميت (الكامل): هل أنت إلا الفقع فقع القاع للحجل النوافر. [وأيضا من أمثالهم] أذل من فقع بقرقر، هو الأرض المستوية السهلة، قال أبو جندب الهذلي: (الطويل) فلا تحسبوا جاري لدى ظل مرخة * ولا تحسبوه فقع قاع بقرقر وقال آخر (البسيط): لن يستطيع امتناعا فقع قرقرة * بين الطريقة بالبيد الأماليس). قال الفيروزآبادي: (الفقع ويكسر البيضاء الرخوة من الكمأة ج كعنبة ويقال للذليل: هو أذل من فقع بقرقرة لأنه لا يمتنع على من اجتناه، أو لأنه

ص 819

يوطأ بالأرجل). وقال أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال: (وأذل من فقع بقرقرة، والفقع ضرب من الكمأة أبيض، يظهر على وجه الأرض فيوطأ، والكمأة السوداء تستتر في الأرض، وقيل: حمام فقيع لبياضه، ويقال للذي لا أصل له: فقع، لأن الفقع لا أصول له أي لا عروق)، وقال الميداني في مجمع الأمثال: (أذل من فقع بقرقرة لأنه لا يمتنع على من اجتناه ويقال: لا، بل لأنه يوطأ بالأرجل، والفقع الكمأة البيضاء، والجمع فقعة مثل جبء وجبئة، ويقال: حمام فقيع إذا كان أبيض، ويشبه الرجل الذليل بالفقع فيقال: هو فقع قرقر، لأن الدواب تنجله بأرجلها، قال النابغة يهجو النعمان ابن المنذر: حدثوني بني الشقيقة ما يمنع فقعا بقرقر أن يزولا لأن الفقعة لا أصول لها ولا أغصان، ويقال: فلان فقعة القاع كما يقال في مولد الأمثال لمن كان كذلك: هو كشوث الشجر لأن الكشوث نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض، قال الشاعر: هو الكشوث فلا أصل ولا ورق * ولا نسيم ولا ظل ولا ثمر) أقول: نقل المجلسي (ره) في ثامن البحار (ص 673) في بيان له (ره) لبعض فقرات كتاب عقيل (رض) إلى أمير المؤمنين؟ عليه السلام عبارة الجوهري عن الصحاح في معنى هذه الفقرة كما نقلناها عنه في مورده (أنظر ص 433).

 التعليقة 54

(ص 478) إشارة إلى موارد نقل الخطبة الجهادية فليعلم أن هذه الخطبة من الخطب المشهورة المعروفة جدا فقال المجلسي (ره)

ص 820

في ثامن البحار ص 682 بعد نقلها عن النهج: (نقلها الكليني (ره) في الكافي عن أحمد ابن محمد بن سعيد عن جعفر بن عبد الله العلوي وأحمد بن محمد الكوفي عن علي بن العباس عن إسماعيل بن إسحاق جميعا عن فرج بن قرة عن مسعدة بن صدقة عن ابن أبي ليلى عن أبي عبد الرحمن السلمي عنه عليه السلام مثله بيان - قال ابن ميثم وغيره: هذه الخطبة مشهورة ذكرها أبو العباس المبرد وغيره والسبب المشهور أنه ورد عليه علج من الأنبار فأخبره أن سفيان بن عوف الغامدي قد ورد في خيل معاوية إلى الأنبار وقتل عامله حسان بن حسان البكري فصعد عليه السلام المنبر وخطب الناس وقال: إن أخاكم البكري (إلى آخر ما تقدم ذكره في الكتاب الحاضر). وقال المحقق البارع الجامع الحاج ميرزا حبيب الله الخوئي قدس الله سره في منهاج البراعة (ج 1 من الطبعة الأولى، (ص 415) في حق الخطبة: (وهذه من مشاهير خطبه وصدرها مروية في الوسائل من الكافي عن أحمد بن محمد بن سعيد (إلى آخر ما مر من السند) ورواها المبرد في أوائل الكامل والعلامة المجلسي (ره) في البحار من معاني الأخبار للصدوق بزيادة ونقصان (إلى آخر ما قال) وقال أيضا (ص 417): إعلم أن الخطبة الشريفة مما خطب بها في أواخر عمره الشريف وذلك بعد ما انقضي وقعة صفين واستولى معاوية على البلاد وأكثر القتل والغارة في الأطراف وأمر سفيان بن عوف الغامدي بالمسير إلى الأنبار وقتل أهلها وتفصيله هو ما رواه الشارح المعتزلي من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي عن أبي الكنود قال: حدثني سفيان بن عوف الغامدي (الحديث)) وقال أيضا (ص 421): ( قد أشرنا سابقا إلى أن هذه الخطبة من خطبة المشهورة وأنها مما رواها جماعة من العامة والخاصة، ولما كانت رواية الصدوق (ره) مخالفة لرواية السيد - رضي الله عنه - في بعض فقراتها أحببنا إيرادها بسند الصدوق أيضا ازديادا للبصيرة فأقول: روى في البحار والوسائل من كتاب معاني الأخبار للصدوق (ره) عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني عن عبد العزيز بن يحيى الجلودي عن هشام بن علي ومحمد بن زكريا الجوهري عن ابن عائشة بإسناد ذكره أن عليا عليه السلام انتهى إليه

ص 821

أن خيلا لمعاوية ورد الأنبار (الحديث)). أقول: لما كان الاختلاف في كلمات الخطبة وفقراتها في الكتب المشار إليها كثيرا بحيث لا يسع المقام استقصاءه والإشارة إلى جميعها اكتفينا بذكر بعضها، وأيضا لم نتعرض لتفسير الكلمات المشكلة والفقرات المحتاجة إلى البيان اكتفاءا بما في الشروح المشار إليها من شرحها بما لا مزيد عليه فمن أراد فليراجع، وأما موارد نقل الرواية ففي الكافي (أنظر أوائل كتاب الجهاد ج 3 مرآة العقول ص 366 - 367) وفي معاني الأخبار (أنظر ص 89 من الطبعة الأولى سنة 1310 بطهران أو ص 309 - 312 من طبعة مكتبة الصدوق سنة 1379) وفي الوسائل وقد نقله عن الكافي والفقيه والتهذيب (ص 416 من ج 2 من طبعة أمير بهادر) أما البحار فقد أشرنا إلى موارد نقل الخطبة فيه إلا مورد نقلها عن معاني الأخبار فهو في المجلد الثامن في باب سائر ما جرى من غارات - أصحاب معاوية (ص 699 - 700).

 التعليقة 55

ص 500 توضيح حول كلمة (الموالي) قال العالم البصير والناقد الخبير الحاج الشيخ عباس القمي (ره) في سفينة البحار في (و ل ى) (ج 2، ص 692): ( بيان مدح الموالي أي الأعاجم وأنهم المراد من قوله تعالى. وأن تتولوا [يا معشر العرب] يستبدل قوما غيركم يعني الموالي وأنهم خيرا منهم، معاني الأخبار عن ماجيلويه بالإسناد قال: قال رجل لأبي عبد الله عليه السلام: أن الناس يقولون: من لم يكن عربيا صلبا أو مولى صريحا فهو سفلي فقال: وأي شيء المولى الصريح؟ - فقال له الرجل: من ملك أبواه، قال: ولم قالوا هذا؟ - قال: لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مولى القوم من أنفسهم، فقال: سبحان الله..! أما بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أنا مولى من لا مولى له، أنا مولى كل مسلم عربيها وعجميها، فمن والى رسول الله صلى الله عليه وآله أليس يكون

ص 822

من نفس رسول الله؟! ثم قال: أيهما أشرف؟ من كان من نفس رسول الله صلى الله عليه وآله أو من كان من نفس أعرابي حلف بائل على عقبيه؟ ثم قال: من دخل في الإسلام رغبة خير ممن دخل رهبة ودخل المنافقون رهبة والموالي دخلوا رغبة، وعن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: إنما شيعتنا المعادن والأشراف وأهل البيوتات ومن مولده طيب قال علي بن جعفر: فسألته عن تفسير ذلك فقال: المعادن من قريش، والأشراف من العرب، وأهل البيوتات من الموالي، ومن مولده طيب من أهل السواد، قال المجلسي (ره): بيان - أهل السواد أهل العراق لأن أصلهم كانوا من العجم ثم اختلط العرب بهم بعد بناء الكوفة فلا يعدون من العرب ولا من العجم. وعن تفسير العياشي عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن هذه الآية: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين؟ قال عليه السلام: الموالي، وقال المجلسي (ره): الموالي العجم ففي كتاب الغارات عن عباد بن عبد الله الأسدي (فنقل الحديث مع بيان المجلسي (ره) الذي قدمنا نقله)). أقول: ما نقله (ره) موجود في الجزء الأول من المجلد الخامس عشر من - البحار في باب أصناف الناس في الإيمان (ص 45 - 48). وفيه زيادات تدل على ما ذكره فراجع إن شئت. قال الفضل بن شاذان تغمده الله بغفرانه وألبسه حلل رحمته ورضوانه في كتاب الايضاح مخاطبا لإخوانه من المسلمين من أهل السنة والجماعة ما نصه (ص 280 - 286): ( ثم رويتم على عمر أنه نهى أن يتزوج العجم في العرب وقال: لأمنعن فروجهن إلا من الأكفاء، وقد زوج رسول الله صلى الله عليه وآله العربيات من الموالي وقد قال الله تبارك وتعالى: اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين فكل ما أحله الله وأمر به

ص 823

فهو من الإيمان، فرويتم على عمر أنه نهى عما أحله الله وقد قال الله تعالى: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخوانكم وعماتكم (إلى قوله) وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين، فأحل الله ما وراء ذلك مما سماه أنه حرمة فاعترضتم أمره فنهيتم الناس عما أحل الله ثم نسبتموه إلى عمر فقلتم: هي سنة عمر وما سنه عمر فهو حق وإن خالف قول الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فصرتم تفرقون بين العرب والموالي بلا كتاب وسنة، وقلتم: إن عمر قال: تزوجوا فيهم ولا تزوجوهم، فصيرتم الموالي بمنزلة أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين يحل لنا أن نتزوج فيهم ولا يتهيأ لنا أن نزوجهم، ونسبتم ذلك إلى عمر فأي وقيعة أشد من وقيعتكم على عمر وما تروون عليه؟!). قال المفيد (ره) في الاختصاص (ص 341 من طبعة مكتبة الصدوق): (بلغنا أن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم فعظموه وقد موه وصدروه إجلالا لحقه وإعظاما لشيبته واختصاصه بالمصطفى صلى الله عليه وآله فدخل عمر فنظر إليه فقال: من هذا العجمي المتصدر فيما بين العرب؟! فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر فخطب فقال: إن الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط لا فضل للعربي على العجمي ولا للأحمر على الأسود إلا بالتقوى، سلمان بحر لا ينزف وكنز لا ينفد، سلمان منا أهل البيت، سلسال يمنح الحكمة ويؤتى البرهان). قال الكليني (ره) في الكافي في آخر باب النوادر من كتاب المعيشة (ج 3 مرآة العقول، ص 441): (أحمد بن محمد العاصمي عن محمد بن أحمد النهدي عن محمد بن علي عن شريف بن سابق عن الفضل بن أبي قرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتت الموالي أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا: تشكو إليك هؤلاء العرب أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعطينا معهم العطايا بالسوية، وزوج سلمان وبلالا وصهيبا وأبوا علينا هؤلاء، وقالوا: لا نفعل، فذهب إليهم أمير المؤمنين عليه السلام فكلمهم فيهم، فصاح الأعاريب: أبينا ذلك يا أبا الحسن أبينا ذلك، فخرج وهو مغضب يجر رداءه وهو يقول: يا معشر الموالي إن هؤلاء قد

ص 824

صيروكم بمنزلة اليهود والنصارى، يتزوجون إليكم ولا يزوجونكم، ولا يعطونكم مثل ما يأخذون، فاتجروا بارك الله لكم فإني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: الرزق عشرة أجزاء تسعة أجزاء في التجارة وواحدة في غيرها). نقله المجلسي (ره) في تاسع البحار في باب أحوال سائر أصحابه (ص 638 من طبعة أمين الضرب) ولم يورد له بيانا لكنه قال في مرآة العقول في شرح الحديث ما نصه: (وقال المطرزي في المغرب: إن الموالي بمعنى العتقاء لما كانت غير عرب في الأكثر غلبت على العجم حتى قالوا: الموالي أكفاء بعضها لبعض والعرب أكفاء بعضها لبعض، وقال عبد الملك في الحسن البصري: أمولى هو أم عربي؟ فاستعملوهما استعمال الاسمين المتقابلين (انتهى). وقال سليم بن قيس الهلالي في كتابه ضمن كتاب كتبه معاوية إلى زياد بن سمية ما نصه (ص 102 - 104 من طبعة النجف): (وانظر إلى الموالي ومن أسلم من الأعاجم فخذهم بسنة عمر بن الخطاب فإن في ذلك خزيهم وذلهم، أن تنكح العرب فيهم ولا ينكحونهم، وأن ترثهم العرب ولا يرثونهم، وأن تقصر بهم في عطائهم وأرزاقهم، وأن يقدموا في المغازي يصلحون الطريق ويقطعون الشجر، ولا يؤم أحد منهم العرب في صلاة، ولا يتقدم أحد منهم في الصف الأول إذا حضرت العرب إلا أن يتموا الصف، ولا تول أحدا منهم ثغرا من ثغور المسلمين ولا مصرا من أمصارهم، ولا يلي أحد منهم قضاء المسلمين ولا أحكامهم فإن هذه سنة عمر فيهم وسيرته - جزاه الله عن أمة محمد وعن بني أمية خاصة أفضل الجزاء - (إلى أن قال) فإذا جاءك كتابي هذا فأذل العجم وأهنهم، وأقصهم، ولا تستعن بأحد منهم، ولا تقض لهم حاجة (إلى آخر ما قال)). ونقله المجلسي (ره) في ثامن البحار في باب نوادر الاحتجاج على معاوية (ص 580 - 581). ونقل المحدث النوري (ره) في كتاب نفس الرحمن في أحوال سلمان بعض هذه الأحاديث مع أحاديث كثيرة أخرى في فضائل العجم وإنما همنا ههنا شرح قول المصنف (ره): (قال مغيرة: كان علي عليه السلام أميل إلى الموالي

ص 825

وألطف بهم، وكان عمر أشد تباعدا منهم) لا ذكر فضائل العجم وإلا لذكرنا شيئا كثيرا. قال المجلسي (ره) في المجلد الحادي عشر من البحار في باب تاريخ أحوال سيد الساجدين علي بن الحسين عليهما السلام (ص 6، س 5): د - [أي العدد القوية لدفع المخاوف اليومية للشيخ الفقيه رضي الدين علي بن يوسف بن المطهر الحلي (ره)] قال أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري ليس التاريخي: لما ورد سبي الفرس إلى المدينة أراد عمر بن الخطاب بيع النساء وأن يجعل الرجال عبيدا، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أكرموا كريم كل قوم، فقال عمر: قد سمعته يقول: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه وإن خالفكم، فقال له أمير المؤمنين: هؤلاء قوم قد ألقوا إليكم السلام ورغبوا في الإسلام ولا بد أن يكون لهم فيهم ذرية وأنا أشهد الله وأشهدكم أني قد أعتقت نصيبي منهم لوجه الله تعالى، فقال جميع بني هاشم: قد وهبنا حقنا أيضا لك، فقال: اللهم اشهد أني قد أعتقت ما وهبوا لي لوجه الله، فقال المهاجرون والأنصار: وقد وهبنا حقنا لك يا أخا رسول الله، فقال: اللهم اشهد أنهم قد وهبوا لي حقهم وقبلته، وأشهدك أني قد أعتقتهم لوجهك، فقال عمر: لم نقضت علي عزمي في الأعاجم وما الذي رغبك عن رأيي فيهم؟ - فأعاد عليه ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله في إكرام الكرماء، فقال عمر: قد وهبت لله ولك يا أبا الحسن ما يخصني وسائر ما لم يوهب لك، فقال أمير المؤمنين: اللهم اشهد على ما قالوه وعلى عتقي إياهم، فرغب جماعة من قريش في أن يستنكحوا النساء فقال أمير المؤمنين: هن لا يكرهن على ذلك ولكن يخيرن، ما اخترنه عمل به، فأشار جماعة إلى شهربانويه بنت كسرى فخيرت وخوطبت من وراء الحجاب والجمع حضور فقيل لها: من تختارين من خطابك؟ وهل أنت ممن تريدين بعلا؟ - فسكتت، فقال أمير المؤمنين: قد أرادت وبقي الاختيار، فقال عمر: وما علمك بإرادتها البعل؟ - فقال أمير المؤمنين: إن رسول الله كان إذا أتته كريمة قوم لا ولي لها وقد خطبت

ص 826

يأمر أن يقال لها: أنت راضية بالبعل؟ فإن استحيت وسكتت جعلت أذنها صماتها وأمر بتزويجها، وإن قالت: لا، لم يكره على ما تختاره، وإن شهربانويه أريت الخطاب فأومأت بيدها واختارت الحسين بن علي عليهما السلام، فأعيد القول عليها في التخيير فأشارت بيدها وقالت: هذا، إن كنت مخيرة، وجعلت أمير المؤمنين وليها وتكلم حذيفة بالخطبة، فقال أمير المؤمنين: ما اسمك؟ - فقالت: شاه زنان بنت كسرى، قال أمير المؤمنين: أنت شهربانويه وأختك مرواريد بنت كسرى؟ - قالت: آريه (1)). وقال (ره) أيضا في المجلد الحادي والعشرين من البحار في باب كيفية قسمة الغنائم (ص 107، س 3): ( ومحمد بن جرير الطبري غير التاريخي قال: لما ورد سبي الفرس (الحديث)). وقال المحدث النوري (ره) في مستدرك الوسائل في باب أنه يكفي في استئذان البكر سكوتها من كتاب النكاح (ج 2، ص 563) ما نصه. البحار نقلا عن العدد القوية لأخي العلامة عن محمد بن جرير الطبري الشيعي قال: لما ورد سبي الفرس إلى المدينة (الحديث)). أقول: الحديث موجود في دلائل الإمامة لمحمد بن جرير بن رستم الطبري (ره) في أحوال أبي محمد علي بن الحسين عليهما السلام تحت عنوان (خبر أمه والسبب في تزويجها) بهذا السند (ص 81 - 82 من طبعة النجف): (أخبرني أبو الحسين محمد بن هارون قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن مخزوم المقرئ مولى بني هاشم قال: حدثنا عبيد بن كثير بن عبد الواحد العامري التمار بالكوفة قال: حدثنا يحيى بن الحسن بن فرات قال: حدثنا عمرو بن أبي المقدام عن سلمة بن كهيل عن المسيب بن نجبة قال: لما ورد سبي الفرس (فذكر الحديث إلا أن فيه زيادات منها بعد قوله (وأن يجعل الرجال عبيدا) هذه العبارة: (للعرب وأن يرسم عليهم أن يحملوا العليل والضعيف

(هامش)

1 - كلمة فارسية بمعنى (نعم) وأضيفت الهاء في آخرها للتعريب. (*)

ص 827

والشيخ الكبير في الطواف على ظهورهم حول الكعبة) ومنها في آخر الحديث بعد قوله: (وقال علي لها: ما اسمك؟ قالت: شاه زنان) هذه العبارة: (فقال: نه، شاه زنان نيست مگر دختر محمد، وهي سيده النساء وأنت شهربانويه) وخيرات أختها مرواريد، فاختارت الحسن بن علي). وقال ابن ابن شهرآشوب في المناقب في باب إمامة أبي عبد الله الحسين (ع) (الجزء الرابع من طبعة بمبئي، ص 67): ( لما ورد بسبي الفرس إلى المدينة أراد عمر أن يبيع النساء وأن يجعل الرجال عبيد العرب وعزم على أن يحمل العليل والضعيف والشيخ الكبير في الطواف وحول البيت على ظهورهم (الحديث قريبا مما في دلائل الإمامة)). ونقله المجلسي (ره) في المجلد العاشر من البحار في باب عدد وأولاد الحسين ابن علي عليهما السلام (ص 277). قال المفيد (ره) في مجالسه (ص 95 من طبعة النجف سنة 1351): ( حدثني أبو الحسن علي بن بلال المهلبي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن راشد الإصفهاني قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الثقفي قال: حدثنا علي بن عبد الله بن عثمان قال: حدثني علي بن سيف عن علي بن أبي حباب عن ربيعة وعمارة وغيرهما أن طائفة من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام مشوا إليه عند تفرق الناس عنه وفرار كثير منهم إلى معاوية طلبا لما في يديه من الدنيا فقالوا له: يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم ومن يخاف خلافه عليك من الناس وفراره إلى معاوية فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور؟! لا والله لا أفعل ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم (الحديث)). وقال الطبري في المسترشد (ص 142 من طبعة النجف): (ومما نقموا عليه [أي على عمر] ما أحدث في الفروج وقوله: لا امتعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء فمضت السنة بذلك إلى اليوم وجرى الحكم

ص 828

بالحكمية والعصبية، والكتاب ينطق بخلاف ذلك والسنة جاءت بإجماع الأمة على أن رسول الله عمل في ذلك بخلاف ما عمله الثاني وسنه). وفي كتاب الاستغاثة (ص 53 - 54 من طبعة النجف): (ومن بدعه (أي عمر) في النكاح أن رسول الله صلى الله عليه وآله جعل المسلمين أكفاءا بعضهم لبعض في النكاح من غير أن يميز في ذلك قرشيا ولا عربيا ولا عجميا ولا مولى وقال فيما نقل عنه بإجماع: من جاءكم خاطبا ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، وقال في حجة الوداع: المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد واحدة على من سواهم، وقوله هذا صلى الله عليه وآله وسلم موافق لقول الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، ولم يميز الله ورسوله (ص) بين المؤمنين في حال من الأحوال بوجه من الوجوه وسبب من الأسباب فميزهم عمر فأطلق تزويج قريش في سائر العرب والعجم، وتزويج العرب في سائر العجم، ومنع العرب من التزويج في قريش، ومنع العجم من التزويج في العرب، فأنزل العرب في قريش منزلة اليهود والنصارى، وأنزل العجم في سائر العرب كذلك إذ أطلق الله تعالى للمسلمين التزويج في أهل الكتاب ولم يطلق تزويج أهل الكتاب في المسلمين وقد زوج رسول الله صلى الله عليه وآله ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب من المقداد بن الأسود الكندي وكان مولى لبني كندة ثم قال صلى الله عليه وآله: أتعلمون لم زوجت ضباعة بنت عمي من المقداد؟ - قالوا: لا، قال صلى الله عليه وآله: ليتضع النكاح فيناله كل مسلم ولتعلموا أن أكرمكم عند الله أتقاكم، فمن يرغب بعد هذا عن فعل الرسول فقد رغب عن سنة الرسول، وقال صلى الله عليه وآله: من رغب عن سنتي فليس مني. وقيل لأمير المؤمنين عليه السلام: أيجوز تزويج الموالي بالعربيات؟ - فقال: تتكافأ دماؤكم ولا تتكافأ فروجكم.؟!). وقال المجلسي (ره) في ثامن البحار (ص 302 من طبعة أمين الضرب): (روي أن عمر أطلق تزويج قريش في سائر العرب والعجم، وتزويج العرب في سائر العجم، ومنع العرب من التزويج في قريش، ومنع العجم من التزويج في العرب،

ص 829

فأنزل العرب مع قريش والعجم مع العرب منزلة اليهود والنصارى، إذ أطلق تعالى التزويج في أهل الكتاب (فساق الكلام نحو ما نقلناه من الاستغاثة حرفا بحرف)). وقال المبرد في الكامل (ص 53 من الجزء الثاني المطبوعة بمصر سنة 1339 وص 116 - 117 من ج 2 من تهذيب الكامل للسباعي بيومي): (وتزعم الرواة أن ما أنفت منه جلة الموالي هذا البيت يعني قول جرير: (بيعوا الموالي واستحيوا من العرب) لأنه حطهم ووضعهم ورأى أن الإساءة إليهم غير محسوبة عيبا، ومثل ذلك قول المنتجع لرجل من الأشراف: ما علمت ولدك؟ - قال: الفرائض، قال: ذلك علم الموالي لا أبا لك علمهم الرجز فإنه يهرث أشداقهم، ومن ذلك قول الشعبي ومر بقوم من الموالي يتذاكرون النحو فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده، ومن ذلك قول عنترة: فما وجدونا بالفروق أشابة * ولا كشفا ولا دعينا مواليا ومن ذلك قول الآخر: يسموننا الأعراب والعرب اسمنا * وأسماؤهم فينا رقاب المزاود يريد: أسماؤهم عندنا الحمراء، وقول العرب: ما يخفى ذلك على الأسود والأحمر يريد العربي والعجمي، وقال المختار لإبراهيم بن الأشتر يوم خازر وهو اليوم الذي قتل فيه عبيد الله بن زياد: أن عامة جندك هؤلاء الحمراء وأن الحرب إن ضرستهم هربوا، فاحمل العرب على متون الخيل، وأرجل الحمراء أمامهم. ومن ذلك قول الأشعث بن قيس لعلي بن أبي طالب رحمه الله وأتاه يتخطى رقاب الناس وعلي على المنبر فقال: يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على قربك، قال: فركض علي المنبر برجله فقال صعصعة بن صوحان العبدي: ما لنا ولهذا يعني الأشعث ليقولن أمير المؤمنين اليوم في العرب قولا لا يزال يذكر، فقال علي: من يعذرني من هذه الضياطرة يتمرغ أحدهم على فراشه تمرغ الحمار، ويهجر قوم للذكر، فيأمرني أن أطردهم، ما كنت لأطردهم فأكون من الجاهلين، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا.

ص 830

قوله: الضياطرة واحدهم ضيطر وضيطار وهو الأحمر العضل الفاحش قال خداش بن زهير: وتركب خيل لا هوادة بينها * وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر) أقول: مما يقضى منه العجب أن المبرد جعل الضياطرة في كلام أمير المؤمنين عليه السلام صفة للموالي والحال أن سياق كلامه عليه السلام يأباه لظهوره بل صراحته في أنه عليه السلام جعلها صفة للعرب الشاكين له عليه السلام من الموالي، ويدل عليه أيضا صدر الكلام وهو قول صعصعة: (ليقولن اليوم في العرب) وذيله وهو (ليضربنكم (إلى آخره)). وأعجب من ذلك عدم تفطن سيد بن علي المرصفي بهذا الاشتباه في شرحه الموسوم ب‍ (رغبة الآمل من كتاب الكامل) فليتدبر أهل النظر فيه كما هو حقه وليقض فيه بما أدى إليه نظره الصائب الخالي عن الأغراض. قال المرصفي في شرحه المذكور (ج 4، ص 194): قوله: (يريد: أسماؤهم عندنا الحمراء) على سبيل الكناية والعرب تلقب الموالي وسائر العجم من الفرس والروم ومن صاقبهم بالحمراء لغلبة البياض على ألوانهم، والمزاود جمع المزادة وهي الظرف الذي يحمل فيه الماء يفأم بجلد ثالث بين الجلدين ليتسع سميت بذلك لمكان الزيادة، وعن أبي منصور: المزادة مفعلة من الزاد يتزود فيها الماء) وفي الصحاح ولسان العرب: (والعرب تلقب العجم برقاب المزاود لأنهم حمر) وفي أساس البلاغة: (ومن أنتم يا رقاب المزاود؟! يا عجم لحمرتهم وأنشد الأصمعي: يسموننا الأعراب والعرب اسمنا * وأسماؤهم فينا رقاب المزاود) وفي تاج العروس: (ومن المجاز قولهم: من أنتم يا رقاب المزاود أي يا عجم، والعرب تلقب العجم برقاب المزاود لأنهم حمر) وفي محيط المحيط: (والعرب تسمي العجم رقاب المزاود لأنهم حمر الألوان). أقول: لا يسع المقام البحث عن هذا الموضوع أكثر من ذلك فإن علماء -

ص 831

الإسلام - جزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء - قد خاضوا في تنقيح هذا المبحث في مواضعه من كتب اللغة والكلام والفقه وغيرها وإنما أشرنا إلى قليل من كثير.

 التعليقة 56

(ص 504) يزيد بن شجرة الرهاوي 4 - قال ابن الأثير في الكامل بعد ذكره قصة مسير يزيد بن شجرة إلى مكة: (الرهاوي منسوب إلى الرهاء قبيلة من العرب وقد ضبطه عبد الغني بن سعيد بفتح الراء قبيلة مشهورة، وأما المدينة فبضم الراء). أقول: هذا على خلاف المشهور فقال الجوهري: (رهاء بالضم حي من مذحج، والرهاوي منسوب إليه). وقال ياقوت في معجم البلدان: (الرهاء بضم أوله والمد والقصر مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام بينهما ستة فراسخ سميت باسم الذي استحدثها وهو الرهاء بن البلندي بن مالك بن دعر (إلى أن قال) والنسبة إليها رهاوي وكذلك النسبة إلى رهاء قبيلة من مذحج). وقال ابن منظور في لسان العرب: (والرها بلد بالجزيرة ينسب إليه ورق المصاحف والنسبة إليها رهاوي، وبنور هاء بالضم قبيلة من مذحج، والنسبة إليهم رهاوي). وقال ابن دريد في الاشتقاق ص 405:( ومن قبائل مذحج بنو رهاء ممدود بطن وهو فعال من قولهم: عيش رآه أي ناعم ساكن ويقولون: أره على نفسك أي: إرفق بها). وقال ابن الأثير في اللباب: (الرهاوي بفتح الراء والهاء وبعد الألف واو، هذه النسبة إلى رهاء وهو بطن من مذحج ينسب إليه جماعة من الصحابة وغيرهم

ص 832

( إلى آخر ما قال)) وقال أيضا: (الرهاوي بضم الراء وفتح الهاء وفي آخرها واو، هذه النسبة إلى الرها وهي مدينة من بلاد الجزيرة ينسب إليها كثير من العلماء (فخاض في سرد أسمائهم)). وقال الفيروزآبادي: (ورهاء كسماء حي من مذحج منهم مالك بن مرارة، ويزيد بن شجرة الصحابيان وعميرة بن عبد المؤمن الرهاويون وكهدى بلد منه يزيد ابن أبي أنيسة ويزيد بن سنان والحافظ عبد القادر الرهاويون). وقال الزبيدي في تاج العروس في شرح عبارة القاموس: (قال الحافظ: قرأت بخط الإمام رضي الدين الشاطبي على حاشية كتاب ابن السمعاني في ترجمه الرهاوي بالفتح: قيده جماعة بالضم ولم أر أحدا ذكره بالفتح إلا عبد الغني بن سعيد، قلت: وقد انفرد به وإياه تبع المصنف ولم أر أحدا من أئمة اللغة تابعه فإن الجوهري ضبطه بالضم وكذلك ابن دريد والكلبي وغيرهم ثم اختلف في نسبه فقيل: هو الرهاء بن منبه بن حرب بن عبد الله بن خالد بن مالك ومالك جماع مذحج وقيل: هو رهاء بن يزيد بن حرب بن عبد الله، وهذا قول ابن الأثير يجتمع مع النخع في خالد (إلى آخر ما قال)). قال ابن حجر في الإصابة: (يزيد بن شجرة بن أبي شجرة الرهاوي مختلف في صحبته (إلى أن قال): وكان من رها وكان معاوية يستعمله على الجيوش (إلى أن قال) وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الشام مع بعض الصحابة وقال: مات سنة ثمان وخمسين في أواخر خلافة معاوية وفيها أرخه الواقدي وأبو عبيد وخليفة وقال: كان معاوية أمره على مكة سنة تسع وثلاثين فنازع قثم بن العباس وكان عليها من قبل على فسفر بينهما أبو سعيد فاصطلحا على أن شيبة الحجبي يقيم للناس الحج تلك السنة، وذكر المفضل العلائي نحوه).

ص 833

التعليقة 57

 (ص 517) غدرة المغيرة بن شعبة وفجرته قال الطبري في تاريخه عند ذكره حوادث السنة السادسة من الهجرة في قصة عمرة النبي صلى الله عليه وآله التي صده المشركون فيها عن البيت وهي قصة الحديبية (ج 1، ص 1537 من طبعة أوربا) ضمن كلام جرى بين المغيرة بن شعبة وعروة بن مسعود بن معتب ما نصه: (فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ - قالوا: المغيرة بن شعبة قال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أما الإسلام فقد قبلنا، وأما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه (إلى آخر ما قال)). وذكر ابن الأثير في كامل التواريخ هذه القصة هكذا (ج 2، ص 76): ( فقال [أي عروة]: من هذا؟ - قال النبي صلى الله عليه وآله: هذا ابن أخيك المغيرة فقال: أي غدر وهل غسلت سوأتك بالأمس؟ وكان المغيرة قد قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك وهرب فتهايج الحيان بنو مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة، فودى عروة للمقتولين ثلاث عشر دية وأصلح ذلك الأمر (إلى آخر ما قال)). وقال ابن هشام في السيرة عند ذكره أمر الحديبية (ج 2، من طبعة مصر سنة 1375 ه‍ ق، ص 313) مشيرا إلى القصة: (فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ - قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال: أي غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟ قال ابن هشام: أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك من ثقيف فتهايج الحيان من ثقيف بنو مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية وأصلح ذلك الأمر). وقال المجلسي (ره) في سادس البحار عند ذكره غزوة الحديبية في ذيل رواية نقلها عن الكافي وفيها (ص 565، س 14): ( فقال: اسكت حتى تأخذ [خ ل:

ص 834

حتى نأخذ] من محمد ولثا فأرسلوا إليه عروة بن مسعود وقد كان جاء إلى قريش في القوم الذين أصابهم المغيرة بن شعبة وكان خرج معهم من الطائف وكانوا تجارا فقتلهم وجاء بأموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأبى رسول الله أن يقبلها وقال: هذا غدر ولا حاجة لنا فيه (إلى أن قال) فقال: من هذا يا محمد؟ - فقال هذا ابن أخيك المغيرة فقال: يا غدر والله ما جئت إلا في غسل سلحتك (الحديث)). فقال المجلسي (ره) في بيانه للحديث: (الولث العهد بين القوم من غير قصد أو يكون غير مؤكد. قوله: (وقد كان جاء) كانت هذه القصة على ما ذكره الواقدي أنه ذهب المغيرة مع ثلاثة عشر رجلا من بني مالك إلى مقوقس سلطان الإسكندرية وفضل مقوقس بني مالك على المغيرة في العطاء فلما رجعوا وكانوا في الطريق شرب بنو مالك ذات ليلة خمرا وسكروا فقتلهم المغيرة حسدا وأخذ أموالهم وأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأسلم، فقبل صلى الله عليه وآله إسلامه ولم يقبل من ماله شيئا ولم يأخذ منه الخمس لغدره (إلى أن قال) قوله: إلا في غسل سلحتك قال في المغرب: السلح التغوط). أقول: نص عبارة الواقدي في كتابه المغازي تحت عنوان (غزوة الحديبية) (ج 2، ص 595) هكذا: (فلما أكثر عليه غضب عروة فقال: ليت شعري من أنت، يا محمد من هذا الذي أرى من بين أصحابك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال: وأنت بذلك يا غدر؟ والله ما غسلت عنك عذرتك إلا بعلابط أمس لقد أورثتنا العداوة من ثقيف إلى آخر الدهر، يا محمد أتدري كيف صنع هذا؟ إنه خرج في ركب من قومه فلما كانوا بيننا (1) وناموا فطرقهم فقتلهم وأخذ حرائبهم وفر منهم، وكان المغيرة خرج مع نفر من بني مالك بن حطيط بن جشم بن قسي والمغيرة أحد الأحلام ومع المغيرة حليفان له يقال لأحدهما: دمون رجل من كندة والآخر الشريد وإنما كان اسمه عمرو فلما صنع المغيرة بأصحابه ما صنع شرده فسمي الشريد، وخرجوا إلى المقوقس صاحب الإسكندرية فجاء بني مالك وآثرهم على المغيرة فأقبلوا راجعين

(هامش)

1 - كذا في الأصل لكن الكلمة محرفة عن (بيسان) وهي اسم موضع كما يأتي. (*)

ص 835

حتى إذا كانوا ببيسان (1) شربوا خمرا فكف المغيرة عن بعض الشراب وأمسك نفسه وشربت بنو مالك حتى سكروا، فوثب عليهم المغيرة فقتلهم وكانوا ثلاثة عشر رجلا، فلما قتلهم ونظر إليهم دمون تغيب عنهم وظن أن المغيرة إنما حمله على قتلهم السكر فجعل المغيرة يطلب دمون ويصيح به فلم يأت ويقلب القتلى فلا يراه فبكى، فلما رأى ذلك دمون خرج إليه فقال المغيرة: ما غيبك؟ - قال: خشيت أن تقتلني أن تقتلني كما قتلت القوم، فقال المغيرة: إنما قتلت بني مالك بما صنع بهم المقوقس، قال: وأخذ المغيرة أمتعتهم وأموالهم ولحق بالنبي صلى الله عليه وآله فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا أخمسه، هذا غدر، وذلك حين أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم خبرهم، وأسلم المغيرة، وأقبل الشريد فقدم مكة فأخبر أبا سفيان بن حرب بما صنع المغيرة ببني مالك فبعث أبو سفيان معاوية بن أبي سفيان إلى عروة بن مسعود يخبره الخبر. (وهو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب) فقال معاوية: خرجت حتى إذا كنت بنعمان (2) قلت في نفسي: أين أسلك، ذا عفار (3) فهي أبعد وأسهل، وإن سلكت ذا العلق (4) فهي أغلظ وأقرب، فسلكت ذا عفار فطرقت عروة بن مسعود بن عمرو المالكي، فوالله ما كلمته منذ عشر سنين والليلة أكلمه. قال: فخرجنا إلى مسعود فناداه عروة فقال: من هذا؟ - فقال: عروة، فأقبل

(هامش)

1 - في معجم البلدان: (بيسان بالفتح ثم السكون وسين مهملة ونون (إلى أن قال) وبيسان أيضا موضع معروف بأرض اليمامة (إلى آخر ما قال)). 2 - في معجم البلدان: (نعمان بالفتح ثم السكون وآخره نون واد يصب إلى ودان بلد غزاه النبي (ص) وهو بين مكة والطائف، وقيل: واد لهذيل على ليلتين من عرفات... وقال الأصمعي: نعمان واد يسكنه بنو عمرو بن الحارث بن تميم (إلى آخر ما قال)). 3 - في معجم البلدان: (عفار بالفتح وآخره راء موضع بين مكة والطائف (إلى آخر ما قال) وأما (ذا عفار) فلم أجده مذكورا في معجم البلدان، وأما غيره فلم أراجعه. 4 - في معجم البلدان: (علق بالتحريك وآخره قاف وذو علق جبل معروف في أعلاه هضبة سوداء (إلى آخر ما قال)). (*)

ص 836

مسعود إلينا وهو يقول: أطرقت عراهيه (1) أم طرقت بداهية؟ بل طرقت بداهية، أقتل ركبهم ركبنا أم قتل ركبنا ركبهم؟ لو قتل ركبنا ركبهم ما طرقني عروة بن مسعود، فقال عروة: أصبت، قتل ركبي ركبك، يا مسعود انظر ما أنت فاعل؟ - فقال مسعود: إني عالم بحدة بني مالك وسرعتهم إلى الحرب فهبني صمتا قال: فانصرفنا عنه فلما أصبح غدا مسعود فقال: بني مالك إنه قد كان أمر المغيرة بن شعبة أنه قتل إخوانكم بني مالك فأطيعوني وخذوا الدية، اقبلوا من بني عمكم وقومكم، قالوا: لا يكون ذلك أبدا والله لا تقرك الأحلاف أبدا حين تقبلها قال: أطيعوني واقبلوا ما قلت لكم فوالله لكأني بكنانة بن عبد ياليل قد أقبل تضرب درعه روحتي رجليه لا يعانق رجلا إلا صرعه (إلى أن قال) فبرز مسعود بن عمرو فقال: يا عروة بن مسعود أخرج إلي، فخرج إليه، فلما التقا بين الصفين قال: عليك ثلاث عشرة دية فإن المغيرة قد قتل ثلاثة عشر رجلا فاحمل بدياتهم، قال عروة: حملت بها، هي علي قال: فاصطلح الناس، قال الأعشى أخو بني بكر بن وائل: تحمل عروة الأحلاف لما * رأى أمرا تضيق به الصدور ثلاث مئين عادية وألفا * كذلك يفعل الجلد الصبور

(هامش)

1 - قال ابن الأثير في النهاية: (س) في حديث عروة بن مسعود قال: والله ما كلمت مسعود بن عمرو منذ عشر سنين والليلة أكلمه..! فخرج فناداه فقال: من هذا؟ - فقال: عروة، فأقبل مسعود وهو يقول: أطرقت عراهيه أم طرقت بداهية؟ قال الخطابي: هذا حرف مشكل وقد كتبت فيه إلى الأزهري وكان من جوابه: أنه لم يجده في كلام العرب والصواب عنده (عتاهية) وهي الغفلة والدهش، أي: أطرقت غفلة بلا روية أو دهشا؟ قال الخطابي: وقد لاح لي في هذا شيء وهو أن تكون الكلمة مركبة من اسمين؟ ظاهر ومكنى وأبدل فيهما حرفا، وأصلها أما من العراء وهو وجه الأرض، وأما من العرا مقصورا وهو الناحية كأنه قال: أطرقت عرائي أي فنائي زائرا وضيفا أم أصابتك داهية فجئت مستغيثا؟ فالهاء الأولى من عراهية مبدلة من الهمزة، والثانية هاء السكت زيدت لبيان الحركة. وقال الزمخشري: يحتمل أن تكون بالزاي مصدر عزه يعزه فهو عزه إذا لم يكن له أرب في الطرق فيكون معناه: أطرقت بلا أرب وحاجة أم أصابتك داهية أحوجتك إلى الاستغاثة). (*)

ص 837

التعليقة 58

(ص 519) رسالة الدلائل البرهانية في تصحيح الحضرة الغروية للعلامة (1) جمال الدين أبي منصور الحسن بن المطهر الحلي قدس الله تربته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مظهر الحق ومبديه، ومدحض الباطل ومدجيه (2)، ومسدد الصواب ومسديه، ومشيد بنائه ومعليه، وصلواته على سيدنا محمد المصطفى وعلى آله المقتفين هديه فيما يذر ويبديه. أما بعد فإني وقفت على كتاب (3) السيد النقيب الحسيب فريد عصره ووحيد دهره غياث الملة والحق والدين أبي المظفر عبد الكريم بن أحمد بن طاووس الحسيني قدس الله نفسه وطيب رمسه المتضمن للأدلة القاطعة على موضع مضجع (4) مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي (1) طالب عليه السلام فاخترت منه معظمه بحذف أسانيده ومكرراته

(هامش)

1 - أنظر الذريعة ج 8: ص 248 - 249. 2 - كذا في النسخ المطبوعة من فرحة الغري لكن في الأصل: (مزجية) بالزاي المعجمة وفي نسخ مخطوطة عندي من الفرحة: (مرجية) بالراء المهملة. 3 - يريد به (فرحة الغري بصرحة القرى) وقد طبع ثلاث مرات في إيران والعراق. 4 - كذا في الأصل وفي جميع ما رأيته من نسخ فرحة الغري، ولو قيل: (على موضع قبره) أو (على موضع دفنه) أو (على مضجعه) من دون إضافة (موضع) إليه لكان أولى. (*)

ص 838

وسميته (الدلائل البرهانية في تصحيح الحضرة الغروية) على ساكنها الصلاة والسلام، وقد رتبت الكتاب على مقدمتين وخمسة عشر بابا. أما المقدمة الأولى ففي الدليل على أنه عليه السلام في الغري حسب ما يوجبه النظر. الذي يدل على ذلك إطباق المنتمين إلى ولاء أهل البيت عليهم السلام ويروون ذلك خلفا عن سلف وهم ممن يستحيل حصرهم أو يتطرق عليهم المواطأة، وهذه قضية التواتر المفيد للعلم، وأن ذلك ثبت عندهم حسب ما دلهم عليه الأئمة الطاهرون الذين هم العمدة في الأحكام الشرعية والأمور الدينية، ومهما قال مخالفنا في هذه المقالة من ثبوت معجزات النبي صلى الله عليه وآله وأنها معلومة فهو جوابنا في هذا الموضع حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. ولا يقال: لو كان الأمر كما تقولون لحصل العلم لنا كما حصل لكم. لأنا نقول: لا خلاف بيننا وبينكم أنه عليه السلام دفن سرا وحينئذ أهل بيته أعلم بسره من غيرهم، والتواتر الذي حصل لنا منهم ومما دلوا عليه وأشاروا ببنان - البيان إليه، ولو كان الأمر كما يزعم مخالفنا لتطرق إليهم اللوم من وجه آخر وذلك أنه إذا كان عنده أنه عليه السلام مدفون في قصر الإمارة، أو في رحبة مسجد الكوفة، أو في البقيع، أو في كوخ زادوه (1) كان يتعين أن يزوره فيها أو في واحد منها، ومن المعلوم أن هذه الأقاويل ليست لواحد فكان كل قائل بواحد منها يزوره من ذلك الموضع كما يزور معروفا الكرخي والجنيد وسريا السقطي والشبلي، وأيضا لا شك أن عترته وشيعته متفقون مجمعون على أن هذا الموضع قبره عليه السلام لا يرتابون فيه أصلا، ويرون عنده آثارا تدل على صدق قولهم وهي كالحجة على المنكر.

(هامش)

1 - كذا في الأصل لكن في فرحة الغري من طبعة النجف: (بكرخ اروه) وفي طبعة تبريز: (بكرخ زاروه) وفي ذيل طبعة النجف: (كذا بالأصل ولعله [بكرخ الراذان] أو (بجوخ الراذان) كما يأتي في الكتاب) وسيأتي صورة أخرى للفظة نقلا عن المنتظم لابن الجوزي. (*)

ص 839

وأعجب الأشياء أنه لو وقف إنسان على قبر مجهول وقال: هذا قبر أبي رجع فيه إليه، ويقول أهل بيته المعصومون: إن هذا قبر والدنا ولا يقبل منهم؟! ويكون الأجانب الأباعد المناوون أعلم به؟! إن هذا من غريب القول، فأهله وأعيان خواصه أولى بالمعرفة وأدرى وهو أوضح، والأئمة المعصومون عليهم السلام لو أشاروا إلى قبر أجنبي لقلدوا فيه وكيف لا!؟ وهم الأئمة والأولاد فلهم أرجحية من جهتين. وهذا القدر كاف فإن ما قل ودل أولى مما كثر فمل. أما المقدمة الثانية ففي السبب الموجب لإخفاء قبره عليه السلام. قد تحقق وعلم ما كان قد جرى لأمير المؤمنين عليه السلام من الوقائع العظيمة الموجبة للشحناء، والعداوة الشديدة والبغضاء، والحق مر وذلك في أيام النبي صلى الله عليه وآله ومن حيث قتل عثمان يوم الغدير سنة خمس وثلاثين أولها الجمل وثانيها صفين وثالثها النهروان وأدى ذلك إلى خروج أهل النهروان عليه وتدينهم بمحاربته وبغضه وسبه وقتل من ينتمي إليه كما جرى لعبد الله بن خباب بن الأرت وزوجته وهؤلاء يعلمونه تدينا حتى أنهم سبوا عثمان من جهة تغييره في السنين الست من ولايته فاقتضى ذلك عندهم سبه وسب علي عليه السلام لتحكيمه، وعذره في ذلك عذر النبي صلى الله عليه وآله في يوم قريظة، فقتله عبد الرحمن بن عمرو بن يحيى بن عمرو بن ملجم لعنه الله والقصة مشهورة، ولما أحضر ليقتل قال عبد الله بن جعفر الطيار (1)،: دعوني أشفي بعض ما في نفسي عليه، فدفع إليه فأمر بمسمار فأحمي بالنار ثم كحله به فجعل ابن ملجم - لعنه الله - يقول: تبارك الخالق الإنسان من علق، يا ابن أخي إنك لتكحل بمرود

(هامش)

1 - نص عبارة فرحة الغري هنا (ص 10 طبعة النجف، س 3، وص 5، س 16 من النسخة الحجرية المطبوعة بطهران سنة 1311): ( ولما أحضر ليقتل قال الثقفي في كتاب مقتل - أمير المؤمنين عليه السلام ونقلته من نسخة عتيقة تاريخها خمس وخمسين وثلاث مائة وذلك على أحد القولين أن عبد الله بن جعفر قال) وتكلمنا عليه في مقدمة الكتاب فراجع إن شئت. (*)

ص 840

مض (1) ثم أمر بقطع يديه ورجليه فقطعتا، ولم يتكلم، ثم أمر بقطع لسانه فجزع فقال له بعض الناس: يا عدو الله كحلت عيناك بالنار وقطعت يداك ورجلاك فلم تجزع وجزعت من قطع لسانك؟! فقال له: يا جاهل أما والله ما جزعت لقطع لساني ولكني أكره أن أعيش في الدنيا فواقا لا أذكر الله فيه فلما قطع لسانه أحرق بالنار، فمن هذه حاله وحال أمثاله في التدين بذلك كيف لا يخفى قبره حذار نبشه حتى أنه لما جئ بابن ملجم - لعنه الله - إلى الحسن عليه السلام قال له: إني أريد أن أسارك بكلمة فأبى الحسن عليه السلام وقال: إنك تريد أن تعض أذني، فقال ابن ملجم - لعنه الله وعذبه عذابا أليما إلى يوم القيامة -: والله لو أمكنني منها لأخذتها من صماخها. فإذا كان هذا فعاله في الحال التي هو عليها مترقبا للقتل وحقده إلى هذه الغاية فكيف يكون من هو مخلى الرابطة؟..! فهذه حال الخوارج الذين يقضون بذلك حق أنفسهم فكيف يكون حال أصحاب معاوية وبني أمية - لعنهم الله - والملك لهم والدولة بيدهم؟. ويدل على الأول ما ذكر عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة فقال: قال أبو جعفر الإسكافي: إن معاوية - لعنه الله - بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم الملعون وهي: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله

(هامش)

1 - كذا في الأصل لكن في فرحة الغري: (بملمول مض) ومن ثم قال المجلسي (ره) بعد نقل الحديث من فرحة الغري في تاسع البحار في باب ما وقع بعد شهادته (ص 678): بيان - قال الجوهري: الملمول الميل الذي يكتحل به، وقال: كحله بملمول مض أي حار) وفي القاموس: (المرود الميل) وفي النهاية لابن الأثير: (وفي حديث ما عز: كما يدخل المرود في المكحلة، المرود بكسر الميم الميل الذي يكتحل به، والميم زائدة) وفي محيط المحيط للبستاني: (المرود الميل يكتحل به قيل له ذلك لأنه يدور في المكحلة مرة وفي العين أخرى). (*)

ص 841

فلم يقبل فبذل له مائتي ألف، فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف، فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف، فقبل. ويدل على الثاني ما روي (1) أن صاحب شرطة الحجاج حفر حفيرا في الرحبة فاستخرج منه شيخا أبيض اللحية والرأس وقال: هذا علي بن أبي طالب، وكتب إلى الحجاج بذلك، فكتب إليه الحجاج كذبت، أعد الرجل مكانه فإن الحسن حمل أباه لما خرج إلى المدينة، وهذا غير صحيح منه لأن نبش الميت لا يجوز فكيف يفعل ما لا يجوز؟! وهذا كاف في بطلان قوله ولو ترجح في خاطره أنه هو لأظهر المخبيات فلا اعتبار به ولا بما ورد من أمثاله أنه في قصر الإمارة، ولا أنه في الرحبة فيما يلي أبواب كندة، ولا أنه بالبقيع، ولا أنه بالخيف، ولا أنه بمشهد كوخ زاروه (2) قريبا من النعمانية، ولا أن طيئا نبشوه فتوهموه مالا، لأنها أقوال مبنية على الرجم بالغيب، والذي بنى مشهد الكوخ الحاجب شباشي مولى شرف الدولة بن عضد الدولة (3).

(هامش)

1 - نص عبارة فرحة الغري هنا هكذا: (ويدل على الثاني ما ذكره الثقفي في الكتاب المذكور قال: حدثنا إسماعيل بن أبان الأزدي قال: حدثنا عتاب بن كريم التميمي قال: حدثنا الحارث بن حصيرة قال: حفر صاحب شرطة الحجاج حفيرة في الرحبة) وتكلمنا على ذلك في مقدمة الكتاب فراجع إن شئت. 2 - كذا صريحا في الأصل وفي عدة نسخ مخطوطة عندي من كتاب فرحة الغري ويستفاد مما ذكره ابن الجوزي في المنتظم أن العبارة: (بكوخ ودربه) وهي بقرب واسط ويأتي كلامه عن قريب. 3 - نص عبارة فرحة العزى هنا (أنظر ص 13 طبعة النجف وص 6 طبعة إيران) (والذي بنى مشهد الكرخ شباشي الحاجب مولى شرف الدولة أبي الفوارس بن عضد الدولة، وبني قنطرة الياسرية، ووقف دباهى على مارستان، وسد شق الخالص، وحفر ذنابة دجيل، وساق الماء إلى موسى بن جعفر عليهما السلام). (بقية الحاشية في الصفحة الآتية) (*)

ص 842

قال هشام بن الكلبي قال: إني أدركت بني أود وهم يعلمون أبناءهم وحرمهم سب علي بن أبي طالب عليه السلام وفيهم رجل دخل على الحجاج فكلمه بكلام فأغلظ عليه الحجاج في الجواب فقال: لا تقل هذا أيها الأمير فما لقريش ولا لثقيف منقبة يعتدون بها إلا ونحن نعتد بمثلها، قال: وما مناقبكم؟ - قال: ما ينقص عثمان ولا يذكر بسوء في نادينا قط، قال: هذه منقبة. قال: ولا رؤي منا خارجي

(هامش)

(بقية الحاشية من الصفحة الماضية) قال ابن الجوزي في المنتظم عند ذكر من توفي في سنة 408 ما نصه: (ج 7: ص 288 - 289)( شباشي الحاجب يكنى أبا طاهر المشطب مولى شرف الدولة أبي الفوارس بن عضد الدولة، لقبه بهاء الدولة أبو نصر بالسعيد ذي العضدين، ولقبه أبو الهيجاء بختكين الجرجاني بالمناصح، وأشرف بينهما في مراعاة أمور الأتراك ببغداد. وكان السعيد كثير الصدقة فائض المعروف حتى أن أهل بغداد إذا رأوا من لبس قميصا جديدا قالوا: رحم الله السعيد، لأنه كان يكسو اليتامى والضعفاء. وهو الذي بنى قنطرة الخندق والياسرية والزياتين ووقف جبايتها على المارستان وكان ارتفاعها أربعين كرا وألف دينار، ووقف على الجسر خان النرسي بالكرخ ووقف عليه اربحي بالقفص، وسد بثق الخالص، وحفر ذنابة دجيل، وساق الماء منها إلى مقابر قريش، وعمل المشهد بكوخ ودربه بقرب واسط، وحفر المصانع عنده وفى طريقه وله آبار كثيرة بطريق مكة. وكان الاسبهسالارية قد أخرجوا يوم العيد الجنائب بمراكب الذهب وأظهروا الزينة فقال له بعض أصحابه: لو كان لناشئ أظهرناه. فقال له: إلا أنه ليس في جنائبهم قنطرة - الياسرية والخندق. توفي في شوال هذه السنة، ودفن في مقبرة الإمام أحمد بن حنبل في تربة معروفة به، ووصى أن لا يبنى عليه فخالفوه وبنو اقبة فسقطت، واتفق بعد تسعين سنة حمل ميت إلى المقبرة فتبعه النساء فتقدمتهن عجوز إلى تربة السعيد فلطمت، ووافقتها النساء وعدن إلى بيوتهن، فانتبهت العجوز من منامها مذعورة وقالت: رأيت تركيا بيده دبوس وقد خرج من التربة فأراد أن يضربني وقال: أتيت من البعد إلى تربتي فلطمت وصويحباتك فيها، أبيني وبينك قرابة؟! فلقد آذيتموني. فسألوا عن التربة فإذا هي تربة السعيد فتجنبها النساء بعد ذلك). أقول: ذكر ابن كثير في البداية والنهاية عند ذكره من توفي في سنة 408 ما يقرب من ذلك (ج 12، ص 6) وانظر أيضا تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب لابن الفوطي لقبي (المشطب) و(مناصح الدولة). (*)

ص 843

قط، قال: منقبة. قال: وما شهد منا مع أبي تراب مشاهده إلا رجل فأسقطه ذلك عندنا، قال: منقبة: قال: وما أراد رجل منا قط أن يتزوج امرأة إلا سأل عنها: هل تحب أبا تراب أو تذكره بخير؟ فإن قيل: إنها تفعل اجتنبها، قال: منقبة. قال: ولا ولد فينا ذكر فسمي عليا ولا حسنا حسينا، ولا ولدت فينا جارية فسميت فاطمة، قال: منقبة. قال: ونذرت امرأة منا إن قتل الحسين أن تنحر عشر جزور فلما قتل وفت بنذرها. قال: منقبة. قال: ودعي رجل منا إلى البراءة من علي ولعنه، فقال: نعم وأزيدكم حسنا وحسينا، قال، منقبة والله. وقد كان معاوية لعنه الله يسب عليا ويتتبع أصحابه مثل ميثم التمار وعمرو ابن الحمق وجويرية بن مسهر وقيس بن سعد ورشيد الهجري ويقنت بسبه في الصلاة ويسب ابن عباس وقيس بن سعد والحسن والحسين عليهما السلام ولم ينكر ذلك عليه أحد. وكان خالد بن عبد الله القسري - لعنه الله - يقول على المنبر: العنوا علي بن أبي طالب فإنه لص بن لص (بضم اللام) فقام إليه أعرابي فقال: والله ما أعلم من أي شيء أعجب؟ من سبك علي بن أبي طالب؟! أم من معرفتك بالعربية؟! (1) قال الكراجكي: مسجد الذكر بمصر معروف في موضع يعرف بسوق وردان وإنما سمي مسجد الذكر لأن الخطيب سها يوم الجمعة عن سب علي على المنبر فلما وصل إلى موضع المسجد المذكور ذكر أنه لم يسبه فوقف وسبه هناك قضاءا لما نسيه، فبني الموضع وسمي بذلك. فاقتضى ذلك أن أوصى بدفنه عليه السلام سرا خوفا من بني أمية وأعوانهم والخوارج وأمثالهم فربما لو نبشوه مع علمهم بمكانه حمل ذلك بني هاشم على المحاربة والمشاقة التي أغضى عنها عليه السلام في حال حياته فكيف لا يوصي بترك ما فيه مادة النزاع بعد وفاته؟! وقد كان في إخفاء قبره عدة فوائد غير معلومة لنا بالتفصيل وقد عرفت قصة الحسن عليه السلام في دفنه بالبقيع حيث أوصى بذلك إن جرى نزاع في دفنه عند جده

(هامش)

1 - وذلك لأن المشهور أن (اللص) بكسر اللام والضم لغة فيه كما صرح به الغويون. (*)

ص 844

طلبا لقطع مواد الشر، فلما علم أهل بيته أنه متى ظهر وعرف لم يتوجه إليه إلا التعظيم والتبجيل وإثابة الزائرين أظهروه ودلوا عليه، الباب الأول فيما ورد عن رسول الله (ص) رأيت كتابا عن الحسن بن الحسين بن طحال المقدادي قال: وروى الخلف عن السلف عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: يا علي إن الله عرض مودتنا أهل البيت علي السماوات والأرض فأول من أجاب منها السماء السابعة فزينها بالعرش والكرسي، ثم السماء الرابعة فزينها بالبيت المعمور، ثم سماء الدنيا فزينها بالنجوم، ثم أرض الحجاز (1) فشرفها بالبيت الحرام، ثم أرض الشام فشرفها ببيت المقدس، ثم أرض طيبة فشرفها بقبري، ثم أرض كوفان فشرفها بقبرك يا علي فقال: أقبر بكوفان العراق؟ - فقال له: نعم تقبر بظاهرها؟ تلا بين الغريين والذكوات البيض (2)، يقتلك أشقى هذه الأمة عبد الرحمن بن ملجم أدنى أهل النيران لعنه الله فوالذي بعثني بالحق نبيا ما عاقر ناقة صالح بأعظم عقابا منه، يا علي ينصرك من العراق مائة ألف سيف.

(هامش)

1 - قال المجلسي (ره) في سابع البحار في باب (ما أقر من الجمادات بولايتهم عليهم السلام) بعد نقل مثله عن مناقب ابن المغازلي ما نصه (أقول: هذه الأخبار وأمثالها من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم ولا بد في مثلها من التسليم وتأويلها إليهم، ويمكن أن يقال (فخاض في بيان له طويل، فمن أراده فليراجع سابع البحار، ص 419 - 420). 2 - قال المجلسي (ره) في مزار البحار في بيان له (ص 38): ( الذكوة في اللغة الجمرة الملتهبة فيمكن أن يكون المراد بالذكوات التلال الصغيرة المحيطة بقبره عليه السلام شبها لضيائها وتوقدها عند شروق الشمس عليها لما فيها من الدراري المضيئة بالجمرة الملتهبة، ولا يبعد أن يكون تصحيف (دكاوات) جمع دكاء وهو التل الصغير، وفي بعض النسخ (الركوات) بالراء المهملة فيحتمل أن يكون المراد بها غدرانا وحياضا كانت حوله) وفي النسخة المطبوعة من فرحة الغري بالنجف (ص 51): ( تكررت الذكوات واحتملها المجلسي جمع ذكاة بمعنى الجمرة، واحتملها أيضا دكاوات جمع دكاء وكلاهما بعيد، والذي يقرب (ذكوات) تصحيف (ربوات) كما في الخطوط القديمة). (*)

ص 845

الباب الثاني فيما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك روى محمد بن علي الحسني في كتاب فضل الكوفة قال: اشترى أمير المؤمنين عليه السلام ما بين الخورنق إلى الحيرة إلى الكوفة، وفي رواية أخرى: ما بين النجف إلى الحيرة إلى الكوفة من الدهاقين بأربعين ألف درهم وأشهد على شرائه، فقيل له في ذلك؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: كوفان يرد أولها علي آخرها (1)، يحشر من ظهرها سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، فاشتهيت أن يحشروا من ملكي. أقول: هذا الحديث فيه إيناس بما نحن بصدده وذلك أن في ذكره ظهر الكوفة إشارة إلى ما خرج عن الخندق لأنه اشترى ما خرج عن الكوفة الممصرة ليدفن في ملكه ويدفن الناس عنده، وكيف يدفن بالجامع، ولا يجوز؟ أو بالقصر وهو عمارة الظلمة؟! وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أصيب أمير المؤمنين عليه السلام قال للحسن والحسين عليهما السلام: غسلاني وكفناني وحنطاني واحملاني على سريري واحملا مؤخره تكفيان مقدمه فإنكما تنتهيان إلى قبر محفور ولحد ملحود ولبن موضوع فألحداني وأشرجا علي اللبن وارفعا لبنة مما عند رأسي وانظرا ما تسمعان، فأخذ اللبنة من عند الرأس بعد ما أشرجا عليه اللبن فإذا ليس في القبر شيء وإذا هاتف يقول: أمير المؤمنين كان عبدا صالحا فألحقه الله بنبيه وكذلك يفعل بالأوصياء بعد الأنبياء حتى لو أن نبيا مات في الشرق ومات وصيه في الغرب الحق الوصي بالنبي.

(هامش)

1 - قال المجلسي (ره) بعد نقل الحديث في مزار البحار عن كامل الزيارات (ص 36): ( بيان - يرد أولها على آخرها بالتشديد على بناء المجهول كناية عن انتظامها وعمارتها، أو إشارة إلى الرجعة فإن أوائل هذه الأمة الذين دفنوا فيها يردون إلى أواخرهم وهم القائم (ع) وأصحابه، أو بالتخفيف على بناء المعلوم بهذا المعنى الأخير، ويحتمل على التقديرين أن يكون كناية عن خرابها وحدوث الفتن فيها). (*)

ص 846

وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام أمر ابنه الحسن أن يحفر له أربع قبور، في المسجد وفي الرحبة وفي الغري وفي دار جعدة بن هبيرة، وإنما أراد بهذا إخفاء قبره. أقول: وهذا الكلام كان سرا وإلا لو ظهر ذلك لطلبوه منها والوجه ما ذكرته أولا. وعن أبي عبد الله الجدلي قال: استنفر علي عليه السلام لقتال معاوية - لعنه الله - وقال: يا بني إني ميت من ليلتي هذه، فإذا مت فغسلني وكفني وحنطني بحنوط جدك صلى الله عليه وآله وسلم وضعني على سريري ولا يقربن أحد مقدم السرير فإنكم تكفونه، فإذا حمل المقدم فاحملوا المؤخر فإذا وضع المقدم فضعوا المؤخر، ثم صل علي فكبر سبعا فإنها لا تحل لأحد من بعدي إلا لرجل من ولدي يخرج في آخر الزمان يقيم اعوجاج، الحق، فإذا صليت فخط حول سريري ثم احفر لي قبرا في موضعه إلى منتهى كذا وكذا، ثم شق لحدا فإنك تقع على ساجة منقورة ادخرها لي أبي نوح عليه السلام فضعني في الساجة ثم ضع علي سبع لبنات ثم ارقب هنيئة ثم انظر فإنك لن تراني في لحدي. وعن أم كلثوم بنت علي عليه السلام (وساقت الخبر كما ذكرنا ثم قالت): فأخذ الحسن عليه السلام المعول فضرب ضربة فانشق القبر عن ضريح فإذا هو بساجة مكتوب عليها بالسريانية (هذا قبر قبره نوح النبي عليه السلام لعلي (ع) وصي محمد صلى الله عليه وآله قبل الطوفان بسبع مائة عام (قالت: فانشق القبر فلا أدري اندس أبي في القبر أم أسري به إلى السماء، وسمعت ناطقا يقول: أحسن الله لكم العزاء في سيدكم وحجة الله على خلقه. الباب الثالث فيما ورد في ذلك عن الحسن والحسين عليهما السلام روي أنه لما حضرت أمير المؤمنين عليه السلام الوفاة قال للحسن والحسين عليهما السلام: إذا أنا مت فاحملاني على سريري ثم أخرجاني واحملا مؤخر السرير فإنكما تكفيان مقدمه ثم ائتيا بي الغريين فإنكما ستريان صخرة بيضاء فاحتفرا فيها فإنكما ستجدان

ص 847

فيها ساجة فادفناني فيها، فلما فعلا ما أمرهما ووجدا الساجة مكتوبا فيها: (هذا ما ادخر نوح عليه السلام لعلي بن أبي طالب عليه السلام) فدفناه فيها وانصرفنا ونحن مسرورون بإكرام الله - تعالى - لأمير المؤمنين عليه السلام، فلحقنا قوم من الشيعة لم يشهدوا الصلاة عليه، فأخبرناهم بما جرى فقالوا: نحب أن نعاين من أمرها ما عاينتم. فقلنا لهم: إن الموضع قد عفي أثره لوصية منه عليه السلام، فمضوا وعادوا وقالوا: إنهم احتفروا فلم يروا شيئا. وأخبرني الوزير السعيد خاتم العلماء نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي - طيب الله مضجعه - عن والده يرفعه إلى أبي مطر قال: لما ضرب ابن ملجم لعنه الله أمير المؤمنين عليه السلام قال له الحسن عليه السلام: أقتله؟ قال: لا ولكن احبسه فإذا مت فاقتلوه. فإذا مت فادفنوني في هذا الظهر في قبر أخوي هود وصالح. وعن أبي طالب قال: سألت الحسن عليه السلام: أين دفنتم أمير المؤمنين؟ - قال: على شفير الجرف ومررنا به ليلا على مسجد الأشعث وقال: ادفنوني في قبر أخي هود. وعن الحسين الخلال عن جده قال: قلت للحسن عليه السلام: أين دفنتم أمير المؤمنين؟ - قال: خرجنا به ليلا حتى مررنا به على مسجد الأشعث حتى خرجنا به إلى الظهر فدفناه بجنب الغري. الباب الرابع فيما ورد عن زين العابدين عليه السلام أخبرني الوزير رئيس المحققين نصير الدين محمد عن أبيه يرفعه إلى جابر بن يزيد الجعفي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: مضى أبي إلى قبر أمير المؤمنين عليه السلام بالمجاز وهو من ناحية الكوفة فوقف عليه ثم بكى وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا أمين الله في أرضه وحجته على عباده، أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده وعملت بكتابه واتبعت سنن نبيه حتى دعاك الله إلى جواره وقبضك إليه باختياره، وألزم أعداءك الحجة مع ما لك من الحجج البالغة على جميع خلقه. اللهم فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك راضية بقضائك، مولعة بذكرك ودعائك، محبة

ص 848

لصفوة أوليائك، محبوبة في أرضك وسمائك، صابرة على نزول بلائك، شاكرة لفواضل نعمائك، ذاكرة لسوابغ آلائك، مشتاقة إلى فرحة لقائك، متزودة التقوى ليوم جزائك، مستنة بسنن أوليائك، مفارقة لأخلاق أعدائك، مشغولة عن الدنيا بحمدك وثنائك. ثم وضع خده على القبر وقال: اللهم إن قلوب المخبتين إليك والهة، وسبل الراغبين إليك شارعة، وأعلام القاصدين إليك واضحة، وأفئدة العارفين إليك فازعة، وأصوات الداعين إليك صاعدة، وأبواب الإجابة لهم مفتحة، ودعوة من ناجاك مستجابة، وتوبة من أناب إليك مقبولة، وعبرة من بكى من خوفك مرحومة، والإغاثة لمن استغاث بك مبذولة، وعداتك لعبادك منجزة، وزلل من استقالك مقالة، وأعمال العاملين لديك محفوظة، وأرزاقك إلى الخلائق من لدنك نازلة، وعوائد المزيد إليهم واصلة، وذنوب المستغفرين مغفورة، وحوائج خلقك عندك مقضية، وجوائز السائلين عندك موفرة، وعوائد المزيد متواترة، وموائد المستطعمين معدة، ومناهل الظماء مترعة. اللهم فاستجب دعائي، واقبل ثنائي، واجمع بيني وبين أوليائي، بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين آبائي، إنك ولي نعمائي ومنتهى مناي، وغاية رجائي في منقلبي ومثواي. قال الباقر عليه السلام: ما قاله أحد من شيعتنا عند قبر أمير المؤمنين عليه السلام أو عند أحد من الأئمة عليهم السلام إلا رفع في درج من نور وطبع عليه بطابع محمد صلى الله عليه وآله حتى يسلم إلى القائم عليه السلام فيتلقى صاحبه بالبشرى والتحية والكرامة إن شاء الله تعالى. وروي عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام قال: حدثني أبي عن أبيه عن أبي جعفر عليهم السلام قال: زار أبي علي بن الحسين عليه السلام وذكر زيارته هذه لأمير المؤمنين. وعن جابر بن يزيد الجعفي عن الباقر عليه السلام قال: كان أبي قد اتخذ منزله من بعد قتل أبيه الحسين عليه السلام بيتا من شعر وأقام بالبادية فلبث بها عدة سنين كراهية لمخالطة الناس وملابستهم، وكان يصير من البادية إلى العراق زائرا لأبيه وجده عليهما السلام ولا يشعر أحد بذلك، وذكر تلك الزيارة المتقدمة أيضا.

ص 849

أقول: إذا كان الزائر علويا فاطميا جاز أن يقول: آبائي، وإلا فليقل: ساداتي، ولم يرو عن الطوسي هذه اللفظة في مصباحه. وذكر الحسن بن الحسين بن طحال المقدادي - رضي الله عنه -: إن زين العابدين عليه السلام ورد إلى الكوفة ودخل مسجدها وبه أبو حمزة الثمالي - وكان من زهاد الكوفة ومشايخها - فصلى ركعتين. قال أبو حمزة: فما سمعت أطيب من لهجته فدنوت منه لأسمع ما يقول، فسمعته يقول: إلهي إن كان قد عصيتك فإني قد أطعتك في أحب الأشياء إليك الاقرار بوحدانيتك، منا منك علي، لامنا مني عليك. والدعاء معروف، ثم نهض، فقلت: يا ابن رسول الله ما أقدمك إلينا؟ - قال: ما رأيت، ولو علم الناس ما فيه من الفضل لأتوه ولو حبوا، هل لك أن تزور معي قبر جدي علي بن أبي طالب عليه السلام؟ - قلت: أجل، فسرنا حتى أتينا الغريين وهي بقعة بيضاء تلمع نورا فنزل ومرغ خديه عليها، وقال: هذا قبر جدي علي عليه السلام. ثم زاره بزيارة أولها: (السلام على اسم الله الرضي ونور وجهه المضي) ثم ودعه ومضى إلى المدينة، ورجعت أنا إلى الكوفة. الباب الخامس فيما ورد عن محمد الباقر عليه السلام أخبرني والدي عن الفقيه محمد بن نما عن الفقيه محمد بن إدريس يرفعه إلى أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قبر أمير المؤمنين عليه السلام قال: إنه دفن مع أبيه نوح عليه السلام في قبره. قلت: جعلت فداك من تولى دفنه؟ - قال: رسول الله صلى الله عليه وآله مع الكرام الكاتبين. وعن عبد الرحيم القصير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قبر أمير المؤمنين عليه السلام فقال: مدفون في قبر نوح. قلت: ومن نوح؟ - قال: نوح النبي عليه السلام. قلت: وكيف صار هكذا؟ - فقال: إن أمير المؤمنين عليه السلام صديق هيأ الله له مضجعه في مضجع صديق، يا عبد الرحيم إن النبي صلى الله عليه وآله أخبرنا بموته وبموضع قبره.

ص 850

وأخبرني الفقيه نجم الدين أبو القاسم جعفر بن سعيد - قدس الله روحه - يرفعه إلى جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام: أين دفن أمير المؤمنين عليه السلام؟ - قال: دفن بناحية الغريين قبل طلوع الفجر، ودخل قبره الحسن والحسين ومحمد بنو علي وعبد الله بن جعفر عليهم السلام. وعن أبي بصير عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، وعن حبيب السجستاني عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قالا: مضى أمير المؤمنين عليه السلام وهو ابن خمس وستين سنة أربعين، ودفن بالغري. أقول: من رجال هذه الرواية عبد الصمد بن أحمد بن أبي الجيش، وأبو الفرج ابن الجوزي، وعبد الله بن أحمد بن الخشاب وكلهم حنابلة. الباب السادس فيما ورد عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام من طريق العامة والخاصة وروي عن عبد الله بن عبيد قال: رأيت جعفر بن محمد وعبد الله بن الحسن بالغري عند قبر أمير المؤمنين عليه السلام فأذن عبد الله وأقام الصلاة وصلى مع جعفر (ع)، وسمعت جعفرا يقول: هذا قبر أمير المؤمنين عليه السلام. وعن صفوان الجمال (1) قال: حملت جعفر بن محمد عليهما السلام فلما انتهيت إلى النجف قال: يا صفوان: تياسر حتى نجوز الحيرة فنأتي القائم (2). قال: فبلغت الموضع الذي وصف لي

(هامش)

1 - سند الحديث في فرحة الغري هكذا: (وذكر الثقفي في مقتل أمير المؤمنين ما صورته: حدثنا محمد قال: حدثني الحسن وقد تقدم ذكرهما [كما فيما عندي من النسخ المخطوطة] قال: حدثني إبراهيم يعني الثقفي المصنف قال: حدثنا إبراهيم بن يحيى الثوري قال: حدثنا صفوان بن مهران الجمال) ونقله المجلسي (ره) في مزار البحار في باب موضع قبره عن فرحة الغري (ص 40). وقد تكلمنا على ذلك في مقدمة الكتاب فراجع إن شئت. 2 - قال المجلسي (ره) في مزار البحار في بيان له لمثل الحديث (ص 38): ( القائم كأنه بناء أو أسطوانة بقرب الطريق) وفي آخر هذا الباب من فرحة الغري: (وسأل ابن مسكان الصادق عليه السلام عن القائم المائل في طريق الغريين فقال: نعم لما جازوا بسرير أمير المؤمنين عليه السلام انحنى أسفا وحزنا على أمير المؤمنين عليه السلام).

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الغارات (ج2)

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب