الإثنا عشرية

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الإثنا عشرية

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 1

بسمه تعالى

تمهيد 

 الحمد لله الذي وفقنا للتمسك بالثقلين (القرآن والعترة) حمدا لمن منه الهداية وإليه ينتهي كل غاية، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، غاية الممكنات وصاحب المعجزات بالبينات، الصادع بالشرع القويم، الهادي إلى الصراط المستقيم، وعلى وصيه ووزيره كاشف الكربات، المعين له في الغزوات وزوج ابنته سيدة النساء الطاهرات، وعلى آله أصحاب المقامات العاليات وشفعائنا في يوم العرصات. أما بعد فيقول المفتقر إلى رحمة ربه مهدي بين أبي الفضل بن عباس اللازوردي الحسيني الكاشاني أصلا ومحتدا، القمي منشئا ومولدا غفر الله ذنوبه: إن من علائم السعادة السرمدية النظر في أقوال الأئمة الطاهرين المطهرين وملاحظة كلماتهم والغور في ما ورد عنهم عليهم السلام تعليما للأمة وتزكية للملة لأنها المتكفلة لما هو المراد لكل عاقل ويرومه الإنسان اللبيب (كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل). وإني مذ عرفت نفسي ألزمتها بالسير في تحصيل علومهم وخدمة خدام معارفهم وحفظ آثارهم ونشر أخبارهم. ومما أنعم الله علي ورزقني في طيلة أسفاري إلى البلاد والممالك لتحصيل التراث الديني وآثار الشيعة الإمامية كتاب (الإثنا عشرية) لمؤلفه الشهير خريت

ص 2

فن الحديث محمد بن الحسن الحر العاملي قدس سره (1033 - 1104 ه‍)، صاحب كتاب وسائل الشيعة الذي هو قطب رحى الاستنباط وكنت آسفا على عدم انتشاره واختبائه في خزانة كتبي إلى أن استدعى وطلب مني صديقنا الفاضل المحب لنشر آثار الأئمة الاثني عشر (صلوات الله عليهم) (الشيخ محمد درودي) أسعد الله أعوامه فشمر الذيل لطبعه ونشره ووفقنا الله في إعانته ومشاركته للتصحيح والتعليق عليه ومراجعة المصادر والمدارك ونسأل الله أن يمدنا بروح منه وأن يملأ قلوبنا إخلاصا وحياتنا عملا في خدمة العلم والدين وبث آثار المعصومين عليهم السلام ويديم توفيقنا لإحياء آثار أجدادنا الميامين ونشر حقائق كلماتهم آمين لثلاثة عشر خلون من رجب المرجب (1400).

 خادم خدام علوم أهل البيت عليهم السلام

مهدي الحسيني اللازوردي

ص 3

كلمة الناشر

بسمه تعالى الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين، والسلام على آله الطيبين الطاهرين، واللعن على أعدائهم المبتدعين. وبعد: فإني لما كنت أسعى في طبع تراث علماءنا الأقدمين الذين ورد في شأنهم الحديث الشريف: (يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين). نبهت على كتاب جليل للمحدث الأكبر فخر الشيعة الشيخ الحر العاملي رحمه الله مؤلف كتاب وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة وهو الكتاب المسمى ب‍ (الاثني عشرية في الرد على الصوفية) فاستعنت بالله تعالى على طبعه ونشره فوفقني لذلك لأنه خير معين. ثم النسخة المخطوطة للكتاب المشار إليه كانت في مكتبة صديقنا الفاضل المفضال المتتبع الحافظ لتراث الشيعة الإمامية العلامة الحاج السيد مهدي اللازوردي الحسيني دامت بركاته وهي نسخة مصححة جيدة قد قوبلت مع النسخة التي كتبها المصنف رحمه الله، وطلبنا إليه أن يتفضل بها علينا للطبع، لبى الطلب وجعلها في متناول أيدينا وأعاننا في التصحيح والتعليق عليه بحيث خرج من الطبع بتوفيق الله تعالى بهذه الصورة الرائقة.

ص 4

وهو كما ترى في موضوعه خير كتاب قال عنه العلامة الرازي في المجلد العاشر من الذريعة ص 209 ما نصه: الرد على الصوفية للشيخ المحدث محمد بن الحسن بن الحسن بن محمد الحر العاملي صاحب الوسائل مرتب على اثنا عشر باب واثني عشر فصلا في نحو ألف حديث، وهي رسالة في بيان بدعهم ومعاصيهم في حالهم وقالهم وتواجدهم وتراقصهم وغير ذلك من عاداتهم وعباداتهم - (انتهى). وقال صاحب الحدائق الشيخ يوسف البحراني رحمه الله في إجازته المشهورة بلؤلؤة البحرين عند سرد مؤلفات صاحب الوسائل: ورسالة في الرد على الصوفية تشتمل على اثني عشر بابا فيها ألف حديث في الرد عليهم عموما وخصوصا في كل ما اختصوا به - (انتهى). ثم نقدم شكرنا الخالص إلى الصالح الصفي الوجيه الحاج أبو القاسم السالك الذي بذل نفقة طبعه وإحيائه وليس هذا أول مشروع خير بذل المال في سبيله بل سعى في نشر آثار العلماء زهاء من ثلاثين كتابا جزاه الله عنهم خير جزاء ووفقه لما يحب ويرضى.

 وأنا العبد الفاني

محمد بن الحسن التفرشي الشهير ب‍ درودي

ص 5

صورة الفوتوغرافية من النسخة القيمة لمكتبة الحجة المتتبع الحاج السيد مهدي اللازوردي دامت بركاته

ص 6

صورة الفوتوغرافية من النسخة القيمة لمكتبة الحجة المتتبع الحاج السيد مهدي اللازوردي دامت بركاته

ص 1

رسالة الاثني عشرية في الرد على الصوفية

 

 لمؤلفه العلامة

الشيخ الحر العاملي

رحمه الله المتوفى سنة 1104

طبع على نفقة خير الحاج أبو القاسم السالك

 رجب المرجب 1400

المطبعة العلمية - قم

ص 2

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله الذي وفقنا للتمسك بالعروة الوثقى والحبل المتين، وشوقنا بالترغيب في العمل إلى ما هو أبقى وأنجى من العذاب المهين، وهدانا إلى سلوك سبيل الطائفة المحقة الإمامية، وزادنا من الهدايا والعنايات، فكنا من الفرقة الناجية الاثني عشرية الذين خصهم الله سبحانه بأكمل العقل والحجى، فاتبعوا سنة أهل بيت النبوة ومصابيح الدجى وركبوا سفينة نوح التي من ركبها نجى (1) والصلاة والسلام على محمد وآله الكرام حجج الله على الأنام الذين فصلوا شرائع الإسلام وفصلوا الحلال والحرام وسنوا سنن الدين من الملك العلام ونهجوا لنا الطريق الموصلة إلى دار السلام، وأمروا بالتسليم والانقياد والاتباع ونهوا عن العناد والاختراع والابتداع، فنجى الذين سبقت لهم من الله الحسنى ووصلوا باتباع طريقتهم إلى المطلب الأقصى والمقصد الأسنى، واجتنبوا طريق أعدائهم وخالفوهم في أهوائهم وآرائهم. وبعد: فيقول الفقير إلى الله الغني محمد بن الحسن الحر العاملي عامله الله بلطفه الخفي: لما رأيت كثيرا من ضعفاء الشيعة قد خرجوا عن طريق قدمائهم وأئمتهم في أحكام الشريعة وسلكوا مسالك أعدائهم المعاندين الذين تركوا الرجوع إليهم عليهم السلام في أحكام الدين، فابتدعوا لأنفسهم تسمية دينية فتسموا بالصوفية ولم ينتسبوا

(هامش)

(1) إشارة إلى الحديث المستفيض بين الفريقين: مثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق. (*)

ص 3

إلى النبي والأئمة عليهم السلام، الذين هم خير البرية، فاستلزم ذلك موافقة الاعتقاد والأعمال من هؤلاء الضعفاء لأولئك الأعداء الأشقياء حيث كانوا يغرون الناس بإظهار التقوى واستشعار الزهد في الدنيا زيادة عما كان يظهره الأئمة عليهم السلام من ذلك، وناهيك به دليلا عن فساد سلوك تلك المسالك. ثم سألني بعض الأصحاب عن حديث في الترجيع (1) وهو من جملة ما يتعلقون به من الشبهات، فألفت فيه رسالة تتضمن حل ما فيه من الإشكال وذكر جملة من التوجيهات وإبطال بعض ما يعتمدونه ويعتقدونه من التمويهات (2) فلما وقف عليها جماعة من الأصحاب التمسوا مني تأليف رسالة في هذا الباب تتضمن كشف أكثر تلك الخيالات وإبطال ما زخرفوه من المحالات وإن كان أكثرهم لا يرجى منه الاقلاع ولا يتصور منه التوبة والارتداع لما أشربت قلوبهم من حب هذا الابتداع، لكن لينكشف ذلك لبعض أتباعهم ويمتنع باقي الشيعة حرسهم الله من أتباعهم ويوفقهم الله للإعراض عن الأغراض الدنية الدنيوية وينالوا السيادة بالسعادة والنشأة الأخرى الأخروية، فرأيت ذلك علي من أعظم الفروض الواجبة وحالت بيني وبينه العوائق المانعة والموانع الغالبة، ثم عاودني، فلم أجد بدا من الإجابة، فشرعت فيها راجيا من الله التوفيق للصواب والإصابة. وسميتها الرسالة الاثني عشرية في الرد على الصوفية والله أسأل أن يسهل إتمامها على أحسن الوجوه وأن يهدي بها من يلتمس الهدى ويرجوه وهي مرتبة على

(هامش)

(2) علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب، عن علي بن حمزة عن أبي بصير، قال قلت لأبي جعفر عليه السلام قال، إذا قرأت القرآن فرفعت صوتي جائني الشيطان فقال إنما ترائي بهذا أهلك والناس فقال: يا أبا محمد اقرأ قرائة بين القرائتين تسمع أهلك ورجع بالقرآن صوتك فإن الله عز وجل يحب الصوت الحسن يرجع فيه (فيه - خ ل) ترجيعا. الجز الرابع من الكافي ص 430 قال المصنف رحمه الله: الاستدلال بهذا الحديث على جواز قسم من الغناء كما ادعوه باطل ويأتي البحث فيه سندا ودلالة. (2) التمويه: التزوير والتلبيس. (*)

ص 4

أبواب وفصول، ولا بأس بذكر فهرستها تقريبا لتداولها وتسهيلا لتناولها. أما الأبواب فهي اثنا عشر: الأول: في إبطال هذه النسبة وذمها. الثاني: في إبطال التصوف وذمه عموما. الثالث: في إبطال اعتقاد الحلول والاتحاد ووحدة الوجود. الرابع: في إبطال الكشف الذي يدعونه وعدم اعتباره ونفي حجيته. الخامس: في إبطال ما يعتقدونه من سقوط التكاليف الشرعية عنده. السادس: في إبطال ما يعتقدونه عبادة من الجلوس في الشتاء وما ابتدعوه من الرياضة. السابع: في إبطال ما يعتقدونه من أفضل العبادات من القتل (1) والسقوط على الأرض والاضطراب. الثامن: في إبطال ما يعتقدونه كذلك من الرقص والصفق بالأيدي والصياح. التاسع: في إثبات ما يبطلونه ويمنعون منه من السعي على الرزق وطلب المعاش والتجمل. العاشر: في تحريم ما يستحلونه ويعدونه عبادة من الغناء. الحادي عشر: في إبطال ما يفعلونه من الذكر الخفي والجلي على ما ابتدعوه. الثاني عشر: في إبطال ما صار شعارا لهم من موالاة أعداء الله ومعاداة أولياء الله. وأما الفصول: ففيما يلحق بتلك المقاصد المقصودة وما يناسبها وهي اثنا عشر فصلا. الأول: في تحريم الاقتداء بأعداء الدين ومشابهتهم ومشاكلتهم. الثاني: في تحريم الابتداع في الدين.

(هامش)

(1) قتل البلبل: صاح. (*)

ص 5

الثالث: في ذكر بعض مطاعن مشائخ الصوفية وسادتهم وكبرائهم وما ظهر من قبائحهم وفضائحهم. الرابع: في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الخامس: في تحريم تركهما والتقاعد عنهما. السادس: في وجوب المجادلة في الدين والمناظرة لبيان الحق. السابع: في وجوب مجاهدة أعداء الدين والمبتدعين مع الشرائط. الثامن: في وجوب اجتناب معاشر أهل البدع ووجوب ترك مخالطتهم رأسا. التاسع: في جواز لعن المبتدعين والبراءة منهم بل وجوبهما. العاشر: في تحريم التعصب للباطل. الحادي عشر: في عدم جواز حسن الظن بالعامة واتباع شيء من طريقتهم المختصة بهم. الثاني عشر: في وجوب جهاد النفس والتوبة من الكفر والابتداع والفسق وسأذكر في جميع الأبواب والفصول في الاحتجاج على كل واحد من هذه المطالب والأصول اثني عشر وجها من الأدلة، أما من صريح العقل والاعتبار، أو من صحيح النقل والأخبار إن شاء الله تعالى. وقد اخترت تقديم الاعتبارات العقلية غالبا كما قد اشتهر بين جماعة المتأخرين لأن الاحتجاج بها في الحقيقة على المخالفين أو على من هو أسوأ حالا منهم في سوء الاعتقاد وصعوبة الانقياد للأئمة المعصومين عليهم السلام ولا يخفى أن أكثر المطالب المذكورة من جملة الضروريات، وربما يعد بعضها من البديهيات فلا يحتاج إلى برهان وبيان، ولا يشك فيها أحد من أهل الإيمان، بل جميعا كذلك عند العلماء الكاملين والمخلصين من المؤمنين إذ كثيرا ما تختلف الضروريات النظريات بالنسبة إلى الناظرين، فما يكون نظريا عند قوم يكون ضروريا عند آخرين. وأنا أذكر ما يخطر بالبال من الاحتجاجات في جميع هذه المقامات استظهارا

ص 6

في تحقيق الحق من الباطل واحتياطا للتمييز بين الحالي والعاطل (1). فلقد كثرت الشكوك والشبهات عند جماعة من التابعين لأهل الدين وكادت ظلمة ليل الظنون أن يمحور نور الشمس اليقين فقابل بين صحائف الماضين وصحاف الباقين واتق الله إن الله يحب المتقين (2). فائدة ولنذكر الأسباب والوجوه التي اقتضت الالتزام بهذا العدد الشريف (12) هنا غالبا والتيمن والتبرك به، وقد ذكر بعضه جماعة من العلماء استشهادا واستدلالا على ما هو أعظم من هذا المطلب وجملة ما أوردوه في توجيه الالتزام بهذا العدد الشريف من الوجوه اثنا عشر. الأول: إن الإسلام والإيمان مبنيان على أصلين حاصلان بكلمتين هما: لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، وكل واحدة منهما اثني عشر حرفا. وكذا قوله عليه السلام: أنه لا نبي بعدي (3) وكذا جملة من أسماء الأنبياء عليهم السلام وأوصافهم كقولنا: آدم خليفة الله، نوح خالصة الله، إبراهيم الخليل، داود نبي الله سليمان بن داود، موسى كليم الله، عيسى روح الله، محمد حبيب الله سلام الله عليهم. الثاني: قوله تعالى: ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر

(هامش)

(1) الحالي: المتزين. العاطل: الخالي من الزينة. (2) إيماء إلى قوله تعالى: إن الله يحب المتقين التوبة الآية 5 و8. (3) هذا القول ورد في الأحاديث من طرق العامة والخاصة فيما نص بها رسول الله صلى الله عليه وآله من مناقب إمام المسلمين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. فراجع إحقاق الحق (ج 5 - ص 132 - 234). (*)

ص 7

نقيبا (1) فجعل عدة النقباء القائمين بهذه الفضيلة اثني عشر. الثالث: قوله عليه السلام: لما بايع الأنصار ليلة العقبة: اخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا عدة نقباء بني إسرائيل، ففعلوا فكان ذلك طريقا متبعا وعددا مطلوبا. الرابع: قوله تعالى (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) وقطعناهم اثني عشر أسباطا أمما (2) فجعل الأسباط الهداة إلى الحق اثني عشر. الخامس: قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) (3) ومعلوم أن الكلمتين الأوليين (الأولتين) اثنا عشر حرفا وكذا الأخيرتان مع ملاحظة تشديد الميم وما ثبت من تواتر النصوص (4) على الأئمة الاثني عشر عليهم السلام وكذا أسمائهم أو جملة من ألقابهم وأوصافهم كل واحد اثني عشر حرفا كقولنا: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فاطمة بنت محمد، الحسن المجتبى أبو محمد الحسن، الحسين الشهيد الحسين بن علي، الحسن والحسين، علي بن الحسين، سيد العابدين، الإمام الباقر، أبو جعفر بن علي، الإمام الصادق، جعفر بن محمد، الإمام الكاظم، أبو الحسن موسى، أبو الحسن الرضا: علي بن موسى الرضا، محمد بن علي تقي: أبو جعفر بن علي، علي بن محمد نقي، أبو الحسن علي، الحسن العسكري، أبو محمد الحسن، القائم المهدي محمد بن الحسن عليهم السلام (5).

(هامش)

(1) المائدة. الآية 14. (2) - الأعراف - ى - 161. (3) الأنبياء (ى) 73. (4) قد ورد جملة من النصوص عن النبي صلى الله عليه وآله في التصريح بأسماء الأئمة الاثني عشر عليهم السلام ومن رام الوقوف عليها فليراجع الاحقاق (ج 13 ص 49 - 74) وغيره من الكتب. (5) قال في أنوار الرشاد ص 77: إن هذا العدد يشتمل على أكثر الأشياء في الآفاق والأنفس وكذلك أكثر أسماء الله تعالى، فإن لا إله إلا الله اثنا عشر حرفا ومثله الرحمن الرحيم وكذا الحميد المجيد وكذا الرؤف الرحيم وكذا الحنان المنان وكذا الخالق الباري، الخ من الاحقاق (ج 13 ص 42). (*)

ص 8

السادس: إن مصالح العالم محتاجة إلى الزمان وكل واحد منهما: في وقت الاعتدال اثني عشر ساعة، فعلم أن نظام العالم موقوف على هذا العدد. السابع: إن نور الشمس والقمر يهدي الخلق إلى طرقهم ومنافعهم وهما يسيران في البروج الاثني عشر، فظهر احتياج العالم إلى هذا العدد. الثامن: قوله عليه السلام: الأئمة من قريش (1) وهذا الحديث الشريف اثنا عشر حرفا والذي عليه علماء النسب: إن كل من ولده النضر بن كنانة فهو قرشي (2) وبينه وبين النبي صلى الله عليه وآله اثني عشر أباهم أصل هذا الشرف الجليل ومنبع هذا المجد الأثيل وفروعه أيضا اثنا عشر هم الأئمة عليهم السلام. التاسع: قوله تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله (3) فكانت شهور السنة اثني عشر وهي قوام العالم وفيها تقع التكاليف والعبادات. العاشر: قوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشر عينا) (4) فكانوا اثني عشر قبيلة وعدد العيون اثني عشر. الحادي عشر: ما روي عنهم عليهم السلام أن أوصياء موسى عليه السلام كانوا اثني عشر، وكذا أوصياء عيسى، وكذا أوصياء جماعة من الأنبياء وإن خلفاء المهدي في زمانه يكونون اثني عشر.

(هامش)

(1) المتون المروية من هذا الحديث المتواتر مختلفة ذكر كل متن منها على حدة بطرقه المروية بها في كتب القوم ومن أراد مصادرها ورام الوقوف على المراجع فلينظر إحقاق الحق (ج 13 ص 1 - 49). (2) اختلفت كلمات اللغويين والنسابين والمؤرخين في أن المراد بقريش ما هو؟ والمستفاد من مجموع كلمات المحققين منهم أن المراد به نضر بن كنانة وحفيده فهر بن مالك بن نضر بن كنانة أو قصي بن كلاب بن مرة بن لؤي بن غالب بن فهر المذكور والمشهور بين قدماء أهل الخبرة في النسب الأول كما أن المعروف بين أكثر المتأخرين منهم الثاني من حواشي العردة للعلامة العظمى النجفي المرعشي دام ظله ص 296. (3) التوبة - ى - 36. (4) البقرة - ى - 60. (*)

ص 9

الثاني عشر: ما ذكره بعض العلماء إن أقسام الرياح اثني عشر، وإن بدن الإنسان مركب من اثني عشر عرقا يتفرع عنها غيرها فظهر شرف هذا العدد وأن به قوام الدين والدنيا ونظام العالم ولذلك التزم به جماعة من العلماء في مصنفاتهم والله أعلم. وقد آن الشروع في تفصيل ذلك الاجمال ولنبدأ بالأبواب لاشتمالها على المقصود بالذات، فأقول وبالله التوفيق:

ص 10

الباب الأول: في إبطال هذه النسبة وذمها

 بمعنى عدم جواز الانتساب الديني الصوف وأهله، ويدل على ذلك اثني عشر وجها: الأول: عدم ظهور دلالة شرعية على وجوب هذه النسبة كما يدعون ولا على استحبابها ورجحانها، بل ولا على جوازها مع كونها من المهمات الدينية، لما يترتب عليها من الأحكام الكلية والاعتقادات الأصولية المباينة لاعتقاد الإمامية، فكيف جاز لهم أن ينتسبوا هذا الانتساب ويفرعوا عليه ما يلزمه ويدعوا وجوبه من غير حجة؟! ولا دليل ويبين حجية هذا الدليل ويقرره وجوه اثنا عشر: أحدها: جزم العقل بأنه لا يقبل القول بغير دليل ولا الدعوى بغير بينة. وثانيهما: إجماع العقلاء على مطالبة القائل بالحجة والمدعي بالبينة والفرق بين هذا وما قبله واضح بل لا تلازم بينهما وإن كثيرا من الأمور المجمع عليها لا يدل عليها العقل. وثالثهما: قوله تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين). (قل فأتوا بكتاب من عند الله) وغير ذلك من الآيات التي مضمونها مطالبة المدعي بالحجة والدليل. ورابعهما: إن هذا الأمر على قولهم من أعظم مهمات الدين وأجل أركان الإيمان ويزعمون أن سبب النجاة منحصر فيه، وليس على الحق أحد إلا من قال به، ومثل ذلك

ص 11

لو كان حقا لظهر دليل قطعا عاديا، وقد صرح باستلزام عدم الدليل لعدم المدلول في مثل هذه الصورة جماعة من العلماء منهم المحقق في المعتبر (1) مع عدم علمهم به في غيرها. وخامسها: إنه يمتنع عادة مع تمام شفقة النبي والأئمة عليهم السلام بالشيعة وكمال اعتنائهم بتقرير الشريعة أن لا يتعرضوا لهذا الأمر العظيم ويهملوه بغير دليل ويذهبوا إلى بيان الآداب وأحكام البول والجماع وغيرهما من الجزئيات. هذا مما لا تقبله العقول، فعلم أنه ليس بمأمور به شرعا، والأظهر ذلك منهم عليهم السلام قطعا لعدم المانع منه وعدم وجود التقية في إظهاره. وسادسها: ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام لولده محمد بن الحنفية: واعلم يا بني أنه لو كان إله آخر لأتتك رسله ولرأيت آثار مملكته (2) ألا ترى إن فيه دلالة وإشارة إلى أن الأمور العظيمة يجب ظهور آثارها وشياع أخبارها، فهذا دليل لذاك وكل منهما دليل على أصل المطلب. وسابعها: ما نقل متواترا من الأمر بطلب العلم ووجوبه وعدم جواز القول والعمل بغير العلم (3). وثامنها: ما ثبت من النهي عن العمل بالظن وأنه لا يغني من الحق شيئا (4) فكيف يجوز العمل بغير دليل في الاعتقادات ونحوها من المهمات؟!! وتاسعها: ما ثبت من وجوب الرجوع إلى أهل العصمة عليهم السلام في جميع الأحكام والمهام فعلم عدم جواز العمل بغير دليل، ولا يوجد عنهم ما يدل على الأمر بهذه النسبة (5).

(هامش)

(1) ص 6 الطبع الأول. (2) نهج البلاغة (فيض الإسلام) 909 في وصاياه عليه السلام لابنه محمد 2. (3) الكافي ج 1 ص 30. (4) إيماء إلى قوله تعالى (إن الظن لا يغني من الحق شيئا). (5) راجع الكافي والبحار باب النهي عن القول بغير علم.

ص 12

وعاشرها: ما ثبت من عدم جواز التقليد في الأصول ومرجعهم في هذه النسبة إلى التقليد عند التحقيق وهي تتعلق بالأصول كما يأتي إن شاء الله تعالى. وحادي عشرها: ما ثبت من وجوب الرجوع إلى رواة الحديث فيما رواه من الأحكام عنهم عليهم السلام (1) وهم مجمعون على إنكار هذه النسبة وفيما نقلوه دلالة على عدم جواز القول والعمل بغير دليل. ثاني عشرها: ما ثبت أيضا من وجوب التوقف والاحتياط في كل ما يعلم حكمه وحصل فيه شبهة، فعلم عدم جواز العمل بغير دليل والله أعلم. الثاني: ترتب المفاسد الشنيعة الدينية على هذه النسبة الشنيعة الدينية على هذه النسبة التي انتسب إليها الصوفية ومن المعلومات الواضحة أن ما ترتب عليه مفسدة واحدة دينية كان قبيحا شرعا ووجب تركه، فكيف ما يترتب عليه مفاسد كثيرة؟! وهي تزيد على اثنا عشر، ولا حاجة إلى تعدادها، فقد عرفتها في فهرست الأبواب والفصول ويأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى. الثالث: إن هذه النسبة في الحقيقة نسبة إلى أعداء الله وأعداء المعصومين عليهم السلام ومشاكلة لهم وسلوك لمسالكهم واقتداء بهم، فيجوز عند من يخاف الله أن ينتسب في الدين إلى أعدائه ويقتدى بهم في أفعاله وأقواله وآرائه وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يدل على تحريم ذلك. الرابع: تتبع طريقة النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام والاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم وتركهم وتقريرهم وإنكارهم فإنهم لم ينسبوا ولا أحد منهم ولا من شيعتهم هذه النسبة إلى قريب من زماننا هذا ولا أمروا بها ولا رخصوا فيها وإجماعهم عليهم السلام بل قول واحد منهم حجة. الخامس: احتجاجهم عليهم السلام على الذين انتسبوا هذه النسبة وتشنيعهم عليهم وإظهارهم لعداوتهم في كل زمان كما يأتي بعضه إن شاء الله تعالى هنا وفي الباب

(هامش)

(1) إيماء إلى قول الحجة عليه السلام فأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا الخ. (*)

ص 13

الآتي والفرق بين هذا وما قبله ظاهر، فإن ذلك استدلال لسلوكهم لغير هذه الطريقة وهذا استدلال بتصريحهم بالاحتجاج والإنكار. السادس: قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا (1) الآية أجمع العامة والخاصة على أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وقوله تعالى: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (2) نقل الفريقان أيضا إنها نزلت في أهل البيت. وقوله تعالى: (بل ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (3) ويتبع غير سبيل المؤمنين (4) (ولا تتخذوا بطانة من دونكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة (5) وغير ذلك (6). وبالجملة يستفاد من هذه الآيات خصوصا الأولى المشتملة على الحصر ومن مواضع أخر من الكتاب والسنة بمعونة ما مضى ويأتي عدم جواز الانتساب الديني إلى غيرهم عليهم السلام. السابع: إجماع جميع الشيعة الإمامية واتفاق الفرقة الاثني عشرية على ترك هذه النسبة واجتنابها مباينة أهلها في زمن الأئمة عليهم السلام وبعده إلى قريب من هذا الزمان لم يكن أحد من الشيعة صوفيا أصلا كما يظهر لمن تتبع كتب الحديث والرجال وسمع الأخبار، بل لا يوجد للتصوف وأهله في كتب الشيعة وكلام الأئمة عليهم السلام ذكر إلا بالذم، وقد صنفوا في الرد عليهم كتبا متعددة ذكروا بعضها في فهرست

(هامش)

(1) المائدة - ى - 55. (2) التوبة (ى) 119. (3) آل عمران - ى - 102. (4) النساء - ى - 115. (5) التوبة - ى - 16. (6) راجع إحقاق الحق ج 2 ص 399 إلى ج 6. (*)

ص 14

كتب الشيعة (1) وقد نقل الاجماع منهم جماعة من الأجلاء يأتي ذكر بعضهم إن شاء الله فكيف جاز الآن لضعفاء الشيعة الخروج عن هذا الاجماع وعن طريقة أهل العصمة؟!

(هامش)

(1) نذكر بعضها: (1) الرد على الصوفية للمحقق القمي (قدس سره) 2 - الرد على الصوفية للمولى أحمد بن محمد التوني أخ المولى عبد الله التوني صاحب الوافية. 3 - الرد على الصوفية للمولى إسماعيل بن محمد بن حسين المازندراني المشهور بالخواجوئي. 4 - الرد على الصوفية للسيد أعظم علي البنكوري. 5 - الرد على الصوفية مستخرجا عن كتاب حديقة الشيعة (للأردبيلي) استخرجه بعض معاصريه. 6 - الرد على الصوفية فارسي لبعض أمراء عصر فتح علي شاه. 7 - الرد على الصوفية فارسي لبعض العلماء (محمد رفيع التبريزي - ط) الموجود في مكتبة العالم الفاضل السيد مهدي الحسيني اللازوردي. 8 - الرد على الصوفية للأمير محمد تقي الكشميري. 9 - الرد على الصوفية للمولى حسن بن محمد علي اليزدي. 10 - الرد على الصوفية للسيد دلدار علي المجاز من سيدنا بحر العلوم. 11 - الرد على الصوفية للحاج محمد رضى القزويني 12 - الرد على الصوفية للمولى محمد طاهر بن حسين الشيرازي النجفي القمي. 13 - الرد على الصوفية للشيخ علي بن الميرزا فضل الله المازندراني. 14 - الرد على الصوفية للسيد محمد علي بن محمد مؤمن طباطبائي. 15 - الرد على الصوفية فارسي للسيد فاضل ابن سيد قاضي الهاشمي. 16 - الرد على الصوفية للشيخ محمد بن عبد علي القطيفي. 17 - الرد على الصوفية للمولى مطهر بن محمد المقدادي فارسي. 18 - الرد على الصوفية فارسي للمولى فتح الله المتخلص (وفائي) وغيرها من الكتب المطبوعة والمخطوطة. (*)

ص 15

قال بعض المحققين من مشايخنا المعاصرين: اعلم أن هذا الاسم وهو اسم التصوف كان مستعملا في فرقة من الحكماء الزايغين عن الصواب، ثم بعدهم في جماعة من الزنادقة وأهل الخلاف من أعداء آل محمد عليهم السلام كالحسن البصري (1) وسفيان الثوري (2) ونحوهما. ثم جاء فيمن جاء بعدهم وسلك سبيلهم كالغزالي (3) رأس الناصبين لأهل البيت ولم يستعمله أحد من الإمامية لا في زمن الأئمة عليهم السلام ولا بعده إلى قريب من هذا الزمان فطالع بعض الإمامية كتب الصوفية، فرأى فيها ما يليق ولا ينافي قواعد الشريعة فلم يتجاوزه إلى غيره. ثم سرى الأمر إلى تعلق بعضهم بجميع طريقتهم وصار من تبع بعض مسالكهم سندا لهم ثم انتهت الحال إلى أن جعل الغناء والرقص والصفق أفضل العبادات وصارت اعتقادهم في النواصب والزنادقة إنهم على الحق فتركوا أمور الشريعة وأظهروا للعوام حسن هذه الطريقة وساعدهم رفع المشقة في تعلم علوم الدين وأكثر التكاليف حتى أنهم يكتفون بالجلوس في مكان منفرد أربعين يوما ولا يحتاجون إلى شيء من أمور الدين وساعدهم ميل الطبع إلى اللذة حتى النظر إلى صور الذكور المستحسنة والتلذذ به، وأتعبوا أنفسهم في الرياضيات المنهي عنها في شرعنا لعل أذهانهم تصفو، وليت شعري لو حصل ذلك، فأي فرق بين المؤمن والكافر؟ فإن كفار

(هامش)

(1) الحسن بن يسار البصري أبو سعيد ولد سنة 21 ه‍ وتوفي 110 ه‍ لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه: إني قد ابتليت بهذا الأمر فانظر لي أعوانا يعينوني عليه فأجابه الحسن أما أبناء الدنيا فلا تريدهم، وأما أبناء الآخرة فلا يريدونك فاستعن بالله. (2) سفيان سعيد بن سروق الثوري من بني ثور بن عبد مناة، من مضر أبو عبد الله ولد سنة 97 وتوفي سنة 161 ه‍ وله الجامع الكبير والجامع الصغير. (3) أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي ولد سنة 450 ه وتوفي سنة 505 ه‍ ومن جملة تأليفاته: أسرار الأنوار الإلهية بالآيات المتلوة - أسرار الحروف والكلمات - أسرار الملكوت وغير ذلك. (*)

ص 16

الهند وغيرهم كذلك يخبرون بمثل ما يدعونه، بل بما هو أبلغ منه وأهل التسخير والشعبذة تظهر منهم ما يدعي هؤلاء وأهل الكرامات كانت تظهر منهم من غير هذه الرياضة وأهل التقوى لم يدعوا شيئا من ذلك. ثم انتهى الأمر إلى أن صار التصوف غير مشروط بالعلم، بل بمجرد تغيير اللباس المتعارف عند أكثر أهل الناس وتلبيس الظاهر بذلك وترك الباطن أما فارغا أو حملوا مما يعلم الله وصار من زهده وصلاحه بطريق الشريعة المطهرة ممقوتا عندهم لأنه إذا سئل: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وهؤلاء يدعون أنهم يقولون: قال الله بلا واسطة وربما يقولون: قال رسول الله ويدعون المشافهة مع أن بينهما ألف سنة فما زاد (انتهى). الثامن: ما رواه جماعة من الأصحاب في الكتب المعتمدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: يا علي أنا وأنت موليا هذه الأمة فمن انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله (1) ومن جملة ما رواه الصدوق رئيس المحدثين في كتاب من لا يحضره الفقيه وناهيك به بعد ما صرح بما صرح في أول كتابه، ورواه الكليني في الديات، وهذا الحديث الشريف كما ترى صريح في عدم جواز انتساب أحد من الأمة إلى غير مواليه واستحقاق من انتسب إلى غيرهم اللعن من النبي عليه السلام وغيره فكيف يجوز الانتساب الديني إلى الصوف وإلى أهله الذين كانوا أعداء الله ورسوله وحججه عليهم السلام بل لو لم يكونوا أعدائهم ولا مخالفين لهم في شيء لما كان الانتساب إليهم جائزا كما يدل عليه هذا الحديث وغيره من الأدلة. التاسع: ما رواه شيخنا الجليل الشيخ بهاء الدين محمد العاملي في كتاب الكشكول قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم من أمتي اسمهم صوفية ليسوا مني وإنهم يهود أمتي إلى أن قال: هم أضل من الكفار وهم أهل النار (الحديث).

(هامش)

(1) الكافي - ج 7 ص 157 وأيضا أخرجه العلامة المجلسي، في البحار ج 42 ص 205. (*)

ص 17

أقول: من نظر التصريحات السابقة والآتية علم أن كثيرا من مهمات الدين لم يرد فيها تصريح ومبالغة إلى هذه الغاية وذلك مقتضى الشرع حيث علموا عليهم السلام إن هذه الفتنة من أعظم الفتن الدينية وأقوى الشبهات عند ضعفاء الإمامية حيث إن المتقدمين والمتأخرين من الصوفية ما زالوا يغرون الناس ويخدعونهم بإظهار الزهد والورع والعبادة ليظهروا أن ذلك أقوى أسباب السعادة ثم في أثناء ذلك يزينون لهم تلك البدع التي تخرجهم من الدين القويم وتضلهم عن الصراط المستقيم كاعتقاد الحلول والاتحاد وغير ذلك حتى أنهم قد أوجبوا انقسام الإمامية قسمين كل منها يضلل الآخر وصار الأتباع يجالسون رؤساء الفريقين ويقبلون قول كل منهم والآخر يخرجون من الدين بالكلية نعوذ بالله من شر هذه البلية؟! العاشر: ما أورده مولانا الفاضل الكامل العالم العامل ملا أحمد الأردبيلي في كتاب حديقة الشيعة (1) قال: نقل الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن مولانا علي بن محمد الهادي عليه السلام في جملة حديث طويل قال: الصوفية كلهم مخالفونا وطريقتهم مغايرة طريقنا وإن هم إلا نصارى أو مجوس هذه الأمة (الحديث). أقول: فظهر من هذا ظهورا واضحا عدم جواز الاقتداء بهم والانتساب إلى طريقتهم ومذهبهم. الحادي عشر: ما رواه في الكتاب المذكور (2) بإسناده عن الرضا عليه السلام قال: لا يقول بالتصوف أحد إلا لخدعة أو ضلالة أو حماقة (3) وأما من سمى نفسه صوفيا للتقية (4) فلا إثم عليه.

(هامش)

(1) ص 250 ط 1265 ه‍. (2) ص 251 ط 1265 ه‍. (3) في بعض النسخ: لخدعته أو ضلالته أو حماقته. (4) في بعض النسخ: لتقية. (*)

ص 18

ورواه بإسناد آخر (1) وزاد فيه: وعلامته أن يكتفي بمجرد التسمية ولا يقول بشيء من عقائدهم الباطلة. أقول: في هذا الحديث تصريح بتحريم هذه النسبة وعدم جواز هذه التسمية في غير وقت التقية ولا مجال إلى تأويله، وقد تضمن الحكم بثبوت الإثم على التسمية بالتصوف في غير التقية مع ملاحظة النهي في أول الحديث وفي آخره وهل يترتب الإثم إلا على المحرم؟! وفيه دلالة واضحة على أن الصوفية مخالفون للحق وإلا لم يكن لذكر التقية معنى. الثاني عشر: إن هذه النسبة في الأصل وضعت للانتساب إلى الصوف وهو مذموم شرعا، فقد روي الكليني وغيره عنهم عليهم السلام: أنهم قالوا: لا يلبس الصوف والشعر إلا من علة (2). وروي أيضا عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: خير ثيابكم القطن الأبيض فليلبسه أحياؤكم وكفنوا فيه موتاكم (3). فظهر أن الصوف ليس من خير الثياب فيكون مرجوحا مذموما مكروها (4) أو خلاف الأولى، وكفاه ذما وشوما ما ظهر من المفاسد المترتبة على ملازمته والانتساب إليه، فكيف يجوز الانتساب إلى شيء مذموم مرجوح شرعا واعتقاد تفضيله ورجحانه وهل ذلك إلا مخالفا وتغييرا لأحكام الدين؟! وأعجب من ذلك أنهم يعتقدون انحصار الزاهد في لبسه وإظهاره واتخاذه شعارا تعللا (معللا - ظ) بما روي أن النبي صلى الله عليه وآله لبس الصوف أو كان يلبسه (5) مع أن ذلك

(هامش)

(1) ص 251. (2) الكافي ج 6 ص 449. (3) راجع المستدرك ج 1 ص 107. (4) راجع أحكام الملابس في الوسائل باب كراهة لبس الصوف والشعر الخ ح 1 - 2. (5) راجع الوسائل كتاب العشرة باب استحباب التسليم على الصبيان ح 1 - 2. (*)

ص 19

إن ثبت لا دلالة فيه على جواز هذه النسبة فضلا عن رجحانها أو وجوبها وإلا لانتسب إليه وأمر بذلك، ولا ريب أن النبي والأئمة عليهم السلام لبسوا أكثر الملابس المباحة وأنواعها بحسب ما اقتضاه الحال، والقصد بيان الجواز والنص على نفي التحريم لأن البيان الفعلي أقوى من القولي وأرادوا الجمع بينهما غالبا ولا كلام في إباحة تلك الملابس، إنما الكلام في رجحانها وجواز الانتساب الخاص إليها. فصل فإن قلت: قول الصدوق في عيون الأخبار وغيره: حدثنا فلان الصوفي وفي بعضها حدثنا فلان عن فلان الصوفي يدل على خلاف ما تقدم من أنه لم يكن أحد من الشيعة صوفيا؟ قلت: هذا يحتمل وجوها. أحدها: أن يكون الصوفي هناك نسبة إلى بيع الصوف أو حياكته أو نحوهما لأن أكثر الرواة والعلماء كانت لهم صناعات وتجارات ينتسبون إليها ويعرفون ليتميزوا عمن يشاركهم في أسمائهم ولا قصور في ذلك ولا هو نسبة دينية ولا يترتب عليه مفسدة وجواز مثله معلوم قطعا وقد كان من أصحاب الأئمة عليهم السلام من ينسب إلى مثل هذا كالصيرفي والطاطري والشعيري والطيالسي والقلانسي وغيرهم، وفي ذلك رد على هؤلاء الصوفية المانعين من طلب الرزق لما هو مأثور من ثناء الأئمة عليهم السلام على جماعة منهم. وثانيها: أن يكون نسبة إلى لبس الصوف من غير أن يكون اعتقادهم موافقا لاعتقاد الصوفية، إذ لم يكن معهودا كما يعلم بالتتبع، ومعلوم أن من أكثر من شيء أو لازمه حسن أن ينتسب إليه لغة وعرفا، وليست هذه نسبة دينية فتخرج عن موضع البحث. وثالثها: أن يكون نسبة إلى قبيلة من قبائل العرب، فقد قال صاحب الصحاح:

ص 20

صوفه أبو حي من مضر وهو الغوث بن مراد بن طانحة بن إلياس بن مضر كانوا يخدمون الكعبة في الجاهلية ويجيزون الحاج أي يفيضون بهم وكان يقال في الحج أجيزي الصوفة وقال الشاعر: حتى يقال أجيزي الصوفانا (انتهى) ومثله في القاموس إلا أنه غلط الجوهري في الاستشهاد بالبيت وقال إن الصحيح فيه الصفوانا. ورابعها: أن يكون المذكورون صوفية بالمعنى المشهور الآن ويكونوا من العامة إذ هؤلاء غير معروفين بتشيع ولا تعديل وكثيرا ما يروى في مثل تلك المواضع عن مخالفين ومجاهيل لأن أكثرها مشتملة على أحكام معلومة كفضائل الأئمة عليهم السلام وثواب الأعمال ونحو ذلك. وخامسها: على تقدير التنزل عن جميع ذلك نقول يمكن أن يكون هؤلاء صوفية شيعة لكنهم شذاذ مجاهيل لا عبرة بهم وهم بمنزلة النادر الذي لا حكم له ولا يدل تصوفهم لو ثبت على صحة التصوف ولا يمكن جعله سندا له إذ ليسوا بمعصومين ولا قولهم حجة وهل هم على ذلك التقدير إلا بمنزلة الواقفية (1) والفطحية (2)

(هامش)

(1) الواقفية: هم الذين قالوا: بثمانية أئمة - على - والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم وعلي الرضا ووقفوا عنده ولم يتجاوزوا إلى غيره وزعموا أن الرضا عليه السلام هو المهدي المنتظر عليه السلام. (2) الفطحية: هم القائلون بأن الإمامة بعد الصادق عليه السلام لولده عبد الله المعروف بالأفطح شقيق إسماعيل ورووا عن الصادق عليه السلام أنه قال: الإمامة في أكبر أولاد الإمام، كما رووا أن الإمام بعدي من يجلس مجلسي ولا يغسل الإمام إلا الإمام وهذه الصفات كانت لعبد الله على حد زعمهم وفي سند هذه النصوص ودلالتها نظر (من عقيدة الشيعة). (*)

ص 21

والزيدية (1) بل الخطابية (2) والنصرية (3) (النصيرية - ظ). فإن قلت: قد صنف الشيخ المفيد، كتابا في الرد على أصحاب الحلاج وقد كانوا شيعة وهو يدل على خلاف ما ادعيتموه. قلت: أولئك فرقة شاذة أيضا قد أجمعت الشيعة على خروجهم عن الدين وعلى البراءة منهم ولعنهم ولعن رئيسهم بأمر الأئمة عليهم السلام كما يأتي إن شاء الله حتى قتل رئيسهم بإشارة الإمام عليه السلام فانقرضوا ولم يبق منهم إلا الشاذ. فإن قلت: أهل التصوف ينقلون طريقتهم عن الأئمة عليهم السلام نقلا متصلا بأمير المؤمنين عليه السلام وقد نقل ذلك حتى الشيعة في كتب الكلام. قلت: هذا لا يدل على صحة طريقتهم بل هو دال على بطلانها لأنهم ذكروا أن كل قسم وأهل كل علم وصناعة ومذهب ينتسبون إلى علي عليه السلام وينسبون مذهبهم وصناعتهم إليه ولم يثبت انتساب الصوفية ونحوهم ولا ترى لذلك ذكرا في نهج البلاغة ولا غيره وقد ذكروا في هذا المقام أن المعتزلة والأشاعرة وأصحاب المذاهب الأربعة كلهم ينتسبون إلى علي عليه السلام وينتهي علمهم إليه وهل يدل ذلك على

(هامش)

(1) الزيدية: هم القائلون بإمامة زيد بن علي بن الحسين عليه السلام قد نشأت هذه الفرقة في العصر الذي نبغ فيه زيد بن علي عليه السلام وأصبح من الأعلام المسلمين وقادتهم المتطلعين إلى الاصلاح (من الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة). (2) الخطابية: أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع وهو الذي عزى نفسه إلى أبي عبد الله محمد الصادق عليه السلام فلما وقف الصادق عليه السلام على غلوه الباطل في حقه تبراء منه ولعنه وأخبر أصحابه بالبراءة عنه وزعم أبو الخطاب أن الأئمة أنبياء وقال بإلهية جعفر بن محمد عليه السلام وإلهية آبائه (الملل والنحل). (3) والنصيرية والإسحاقية من جملة غلاة الشيعة وبينهم خلاف في كيفية اسم الإلهية على الأئمة عليهم السلام. (*)

ص 22

صحة دعوى الجميع؟! فيلزم اجتماع النقيضين وكون الحق في طرفين ولا يخفى أن ذكر الصوفية وغيرهم في مقابلة الإمامية دال على مباينتهم لهم وخروجهم عنهم وبطلان دعواهم. فصل وقد ذكرت بعض ما تقدم لرجل من أعيانهم فأجاب بأمرين: أحدهما: إنهما لا ينتسبون إلى الصوف ولا إلى مشايخ الصوفية بل إلى أهل الصفة. الثاني: الانتساب لا حرج فيه ولا مضايقة في مجرد التسمية. فأجبته بما حاصله أن الوجه الأول باطل لفظا ومعنا يعرف بطلانه كل من له أدنى معرفة بالعربية على أنه لم يدع أحد منهم هذه الدعوى إلى الآن بل المعلوم منهم خلافها ولو كان انتسابهم إلى أهل الصفة لما تبعوا طريقة مشايخ الصوفية من العامة وطالعوا كتبهم واعتقدوا أنهم على الحق على أن أهل الصفة لا يعرف منهم عالم ولا مصنف يمكن الانتساب إليه والأخذ منه وما ذلك إلا بمنزلة الحنفية لو قالوا إنا لا ننتسب إلى أبي حنيفة بل إلى الدين الحنيف والشافعية لو قالوا إنا لا ننتسب إلى الشافعي بل إلى الشفيع أو الشافع محمد صلى الله عليه وآله مع أن عملهم وطريقتهم يكذبان دعواهم لو ادعوا ذلك على أن أهل الصفة لا فرق بين الانتساب إليهم والانتساب إلى الصوفية إن صحت نسبة هذه الأشياء المخالفة للأئمة عليهم السلام إليهم بل مطلقا. والوجه الثاني: باطل أيضا بل أوضح بطلانا ولأن هذه النسبة قد ظهر وتقرر أنها ليست بجايزة بالنص والإجماع والأدلة السابقة ولو جاز ذلك لجاز أن يسمى الإنسان نفسه كافرا أو يهوديا أو فطحيا أو حنبليا من غير ضرورة تقية وليست هذه مجرد تسمية لفظية بل هي تسمية معنوية ونسبة دينية يترتب عليها مفاسد كلية على أن هذا الوجه عين المصادرة والمكابرة من هذا القائل كما لا يخفى وقد ذكرت مضمون هذا الفصل والذي قبله في الرسالة التي كتبتها على حديث الترجيع استطرادا لمناسبة المقام والله الهادي.

ص 23

الباب الثاني: في إبطال التصوف وذمه عموما

 ولا بد من ذكر مذاهبهم أولا وهي اثنا عشر: وممن ذكرها الشيخ نجم الدين عمر النسفي وهو من علماءهم المطلعين على حقايق مذهبهم. قال الشيخ المذكور في كتاب بيان مذهب التصوف ما هذا لفظه اعلم أن أصحاب التصوف على اثني عشر فرقة واحدة منهم على الحق المستقيم والباقي على البدعة والضلالة فالذين هم على الضلالة: الحبيبية، والأوليائية والشمراخية والإباحية والحالية، والحلولية، والحرورية، والواقفية، والمتجاهلة، والمتكاسلة والإلهامية. الأولى: الحبيبية يقولون: العبد يتخد الله تعالى حبيبا وينقطع عن محبة المخلوقين ويرفع التكليف عنهم وأيضا يرفع عنهم خطابات العبادات والحرام عليهم حلال وترك الصلاة والصوم عندهم جايز ولا يسترون عوراتهم وهذا كفر محض ولا يعرفهم الناس بأقوالهم بل بأفعالهم فاحذروا عنهم. الثانية: الأوليائية وهم قوم يقولون: إن العبد يبلغ درجة الولاية ويرفع خطاب الأمر والنهي عنه وهذا كفر وضلالة. الثالثة: الشمراخية وهم قوم يقولون: إذا عرف العبد الله سبحانه يرفع الأمر والنهي عنه بسماع الدف والطبل والمزمار راغب ويقولون: إن النساء كالرياحين وشم الرياحين مباح وهؤلاء قوم عبد الله بن الشمراخية وهم يسيرون في العالم بكسوة أهل الصلاح

ص 24

ويفسدون في العالم. الرابعة: الإباحية وهم قوم يقولون: لا نقدر على امتناع نفوسنا من المعاصي وليس بينهم أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ويقولون: أموال المسلمين وفروجهم حلال ويقولون قول لا: كفر والإيذاء حجاب في الطريق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إيذاء وهؤلاء القوم أشر خلق الله على وجه الأرض. الخامسة: الحالية وهم يقولون: السماع والرقص مباح وهم في السماع مدهوشون كما لا تكون الحركة في وجودهم وهذا الطريق خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله فيكون بدعة وضلالة. السادسة: الحلولية وهم قوم يقولون: النظر في وجه الجميل من الأمرد والنساء حلال وفي حالة النظر يرقصون ويقولون في حالة الرقص صفة من صفات الله تعالى حال علينا ولنا بتلك الصفة التقبيل والمعانقة حلال وهذا كفر محص. السابعة: الحورية مثل مذهب الحلولية وهم يقولون: في هذه الحالة تأتي إلينا حور الجنة ولنا معهن الوقاع والوطي قلنا: بل من الشياطين تأتيهم في خيالهم وإذا فرغوا من الحالة يغتسلون من الجنابة. الثامنة: الواقفية وهم قوم يقولون: إن العبد عاجز عن معرفة الله تعالى وهي على الحقيقة محال ويقولون هذا البيت بالفارسية: ترا توداني تو ترا نداند كس تراكه داند كه تراتو داني بس وهو ضلال محض. التاسعة: المتجاهلة وهم قوم في لباس الفاسقين ويقولون: مرادنا دفع الريا وهذا ضلال. العاشرة: المتكاسلة وهم قوم يتركون الكسب ويتوجهون على أبواب الخلائق بالكدية ويرضون من حياتهم بعبادة البدن ويأكلون أموال الزكاة بغير حق وهذا خلاف السنة.

ص 25

الحادي عشرة: الإلهامية وهم قوم من الفرق يعرضون عن قرائة القرآن وتعلم العلم يقنعون بمتابعة كتب الحكماء والمبتدعين ويقولون: إن القرآن حجاب الطريق وأبيات الحكماء وأشعارهم قرآن الطريق وهذا كفر محض. الثانية عشرة: أهل الحق وهم قوم يتبعون السنة ويؤدون الصلاة في الوقت مع أهل السنة والجماعة ويحذرون عن الشراب والزنا والسماع والرقص والحرام ثم أخذ في مدح هذه الفرقة والأمر باتباعها إلى أن قال واحذر عن الفرق الأحد عشر التي ذكرناها فهم أهل البدعة. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: من أهان صاحب بدعة آمنه الله تعالى يوم القيامة من الفزع الأكبر (1) (انتهى). أقول: الفرقة الأخيرة غير داخلة في التصوف المبحوث عنه وعلى تقدير دخولها في طريقتهم تدخل في حكمهم ويدل على ذلك ما مضى وما يأتي ويزيد هنا وجوه: أحدها: أنهم من العامة المخالفين كما يدل عليه كلام النسفي وثناؤه عليهم فتقليد الشيعة لهم غير معقول. وثانيها: أن ظاهر حال هؤلاء أنهم استعملوا لفظ التصوف بمعنى الزهد وهو لا يدل عليه، فعلى تقدير عدم مخالفتهم للشرع في شيء فنسبتهم فاسدة ليس لها معنى صحيح بل هي موهمة لمعنى فاسد. وثالثها: أن هذه النسبة على كل حال غير جايزة لما تقدم من الأدلة الدالة على المنع منها هذا، وقد ذكر بعض العلماء أسماء طوائف الصوفية أزيد مما ذكره النسفي فقال: إن من طوايفهم وحدتية، وواصلية، وحبيبية، وولائية، ومشاركية، وشمراخية، ومباحية، وملامية، وحورية، وجمالية، وتسلمية، وكاملية، وتلقينية، وإلهامية، وخورية، وعشاقية، وحلولية، وذوقية، وجمهورية وزراقية (انتهى).

(هامش)

(1) لم نجد الرواية في مظانه في الموسوعات الكبيرة. (*)

ص 26

وقال الشهيد الثاني رحمه الله في شرح بداية الدراية: ذهب الكرامية وبعض المبتدعين من الصوفية إلى جواز وضع الحديث للترغيب والترهيب ترغيبا للناس في الطاعة وزجرا بهم عن المعصية (انتهى). ونقل العلامة وغيره في كتب الكلام عن الصوفية كثيرا من الاعتقادات الباطلة كما يأتي إن شاء الله، فكيف يتصور أحد من الشيعة صحة التصوف مع كثرة فرقهم وتشتت مذاهبهم واشتراك الجميع في مخالفة الشرع وأهله وعداوة الشيعة والأئمة كما هو ظاهر لمن طالع كتبهم فكيف يجوز حسن الظن بهم؟! إذا تقرر ذلك فنقول: الذي يدل على إبطال التصوف وذمه عموما أعني إبطال جميع ما اختصوا به مما تقدم وغيره وجوه كثيرة أذكر منها هنا اثنا عشر. الأول: عدم ظهور دليل شرعي على صحة ذلك مع أنه من مهمات الدين ويستحيل عادة وشرعا خلوه من نص لو كان حقا فكيف؟! والأدلة دالة على بطلانه وقد تقدم في الباب الأول تقرير هذا الدليل وتحقيقه. الثاني: ما هو معلوم مقرر من تحريم الابتداع في الدين ويأتي بعض ما يدل على ذلك إن شاء الله تعالى ومعلوم أن الأشياء المشار إليها كلها من هذا القبيل لعدم ثبوت دليل لها ومخالفتها لطريقة أهل العصمة عليهم السلام كما هو ظاهر من تتبع الطريقتين فإنه يظهر بذلك غاية المباينة بينهما وهو واضح. الثالث: ما تقرر وثبت بالأدلة العقلية والنقلية من وجوب الاقتداء بالمعصومين عليهم السلام في جميع الأحكام الشرعية ووجوب الرجوع إليهم في الجميع وذلك يقتضي بطلان جميع ما أشرنا إليه سابقا لظهور مباينته لطريقتهم بشهادة التتبع والفرق بين هذا وما قبله واضح ولا ملازمة بينهما دائما فإن ذاك يشمل الأفعال دون التروك وهذا شامل للقسمين. الرابع: ما دل على تحريم هذه النسبة وعدم جواز إظهارها واستشعارها وقد تقدم الاستدلال عليه في الباب الأول بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى ويأتي مزيد

ص 27

تحقيق لذلك بتوفيق الله. الخامس: ما دل على بطلان جميع ما اختصوا به في الأبواب والفصول مفصلا إن شاء الله، وهذا الوجه دال على بطلان التصوف على وجه العموم باعتبار مجموع تلك الأدلة وعلى المطالب الخاصة باعتبار كل نوع منها. السادس: الآيات الشريفة القرآنية وهي أقسام كثيرة. منها: ما تقدم في الباب الأول. ومنها: ما دل على وجوب الحكم بما أنزل الله وتحريم الحكم والعمل بغيره كقوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (1) (قل الله أذن لكم أم على الله تفترون) (2). ومنها: ما دل على وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وآله وتحريم مخالفتهم وترك سنتهم كقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (3) (وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) (4) (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (5). (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (6) (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (7):

(هامش)

(1) المائدة - ى - 44. (2) يونس ى 59. (3) آل عمران - ى - 31. (4) الأنفال: - ى - 1. (5) الحشر - ى - 7. (6) النساء - ى - 59. (7) النساء: - ى - 80. (*)

ص 28

(اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (1) (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (2) (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) (3) (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدي) (4) (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (5) (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) (5) إلى غير ذلك من الأقسام والآيات. السابع: السنة الكريمة المطهرة والأحاديث الشريفة المتظافرة عن النبي والأئمة عليهم السلام مما هو صريح في الاحتجاج على الصوفية وذم طريقتهم وإبطالها ونسبتهم إلى الريا والابتداع وتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله وإظهار عداواته بل الحكم بكفرهم والأمر بمجانبتهم وتحذير الشيعة من طريقتهم عموما وخصوصا تصريحا وتلويحا، ولنورد من هذا القسم اثنا عشر حديثا. الأول: ما رواه مولانا الأجل الأكمل ملا أحمد الأردبيلي قدس الله روحه في كتاب حديقة الشيعة قال: نقل الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب أنه قال: كنت مع الهادي علي بن محمد عليهما السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وآله فأتاه جماعة من أصحابه منهم أبو هاشم الجعفري كان رجلا بليغا وكانت له منزلة عنده عليه السلام ثم دخل المسجد جماعة من الصوفية وجلسوا في ناحية مستديرا وأخذوا بالتهليل فقال عليه السلام لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخداعين فإنهم خلفاء الشيطان ومخربوا قواعد الدين يتزهدون لراحة الأجسام ويتهجدون لصيد الأنعام يتجوعون عمرا حتى يديخوا للايكاف حمرا لا يهللون إلا لغرور الناس

(هامش)

(1) التوبة - ى - 119. (2) النحل - ى - 43. (3) الأنبياء - ى - 73. (4) يونس - ى - 35. (5) النساء - ى - 83. (6) آل عمران - ى - 4. (*)

ص 29

ولا يقللون الغذاء إلا لملأ العساس واختلاس قلوب الدفناس، يكلمون الناس بإملائهم في الحب ويطرحون باذليلائهم (1) في الجب أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنم والتغنية فلا يتبعهم إلا السفهاء ولا يعتقدهم إلا الحمقى (الحمقاء - خ) فمن ذهب إلى زيارة أحدهم حيا وميتا فكأنما ذهب إلى زيارة الشيطان وعبادة الأوثان ومن أعان أحدا منهم فكأنما أعان يزيد ومعاوية وأبا سفيان. فقال له رجل من أصحابه وإن كان معترفا بحقوقكم؟ قال فنظر إليه شبه المغضب وقال دع ذا عنك من اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا أما تدري أنهم أخس طوايف الصوفية والصوفية كلهم مخالفونا وطريقتهم مغايرة لطريقتنا وإن هم إلا نصارى أو مجوس هذه الأمة أولئك الذين يجهدون في إطفاء نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (2). ولا بأس بذكر تفسير هذه الألفاظ اللغوية قال صاحب القاموس وغيره: داخ: ذل والبلاد قهرها وذللها واستولى كدوخها وديخها، ودوخه: أذله. أكاف الحمار: ككتاب وغراب ووكافة برذعته والاكاف صانعه واكف الحمار تأكيفا شده عليه. العساس: ككتاب: الاقداح العظام الواحد عس بالضم. الدفناس: الأحمق الدني والبخيل، والراعي: الكسلان ينام ويترك الإبل وحدها ترعى. اذلولا: انطلق في استخفاء وذل وانقاد وفلان انكسر قلبه. إذا عرفت ذلك فنقول: لو لم يرد عنهم عليهم السلام إلا هذا الحديث الشريف المشتمل على اللفظ البليغ والمعنى اللطيف في التحذير من التصوف وأهله والنص على ضلال كل صوفي وجهله لكان وحده كافيا في بيان الحال وكشف تمويه أهل

(هامش)

(1) في المطبوع: بإذلالهم. (2) حديقة الشيعة ص 603 ط الإسلامية. (*)

ص 30

الضلال فإنه قد أوضح فساد طريقتهم غاية التوضيح وصر ببطلانها كما ترى أوضح التصريح ونفى الفرق بين كونهم من العامة أو الشيعة في كون كل منهما على الطريقة الذميمة الشنيعة ومباينتهم لهم عليهم السلام والحكم بكفرهم وخروجهم عن الإسلام وكل ذلك ظاهر واضح لأولي الأفهام. واعلم - أن بعض الصوفية الآن ومن يميل إلى طريقتهم ربما ينقصون قدر المولى الجليل ملا أحمد الأردبيلي وهو أجل قدرا من ذلك وبعضهم ينكر نسبة هذا الكتاب إليه أعني حديقة الشيعة وذلك باطل من وجوه: أحدها: إنها شهادة على النفي فلا تقبل قطعا لأنه غير محصور وعدم علم النافي لا يدل على العدم. وثانيها: كثرة نسخه وشهرته ونسبته إلى مؤلفه دون غيره مع قرب العهد. وثالثها: إن ذلك لا نظير له إذ لم يحصل الاختلاف في نسبة شيء من الكتب إلى مؤلفها مع بعد الأزمان فما الداعي إلى وضع كتاب ونسبته إلى مثل هذا العالم الصالح مع قرب العهد؟! ورابعها: إنك لا تجد أحد ينكره غير الصوفية ومن يميل إليهم وإنكارهم محل تهمة لا تقبل. وخامسها: إنه ليس فيه ما ينكر بل يشتمل على تحقيق وتدقيق لا يليق بغير من نسبه إليه. وسادسها: إن الذي يدعون أنه قرينة على عدم صحة نسبته لا يدل على ذلك مع احتمال كونه زيادة من الصوفية الآن في بعض النسخ لإيهام الطعن فيه وذلك مواضيع يسيرة جدا متميزة عن أسلوب الكتاب توجد في بعض النسخ دون بعض والله أعلم. الثاني: ما رواه أيضا في كتاب المذكور بإسناده عن الرضا عليه السلام أنه قال لا يقول أحد بالتصوف إلا لخدعة أو ضلالة أو حماقة (1) وأما من سمي نفسه صوفيا

(هامش)

(1) في بعض النسخ: لخدعته أو ضلالته أو حماقته. (*)

ص 31

للتقية فلا إثم عليه (1) ورواه أيضا عن طريق آخر. ورواه الشيخ المفيد في كتاب الرد على أصحاب الحلاج عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد أنه قال سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصوفية فقال: لا يقول بالتصوف أحد إلا لخدعة أو ضلالة أو حماقة وربما استعجمها واحد منهم. أقول: وجه التقسيم ما قد عرفت أن التصوف وهذه الأمور التي اختص بها أهله أمور مخترعة مبتدعة وهي سنة أعداء الأئمة عليهم السلام فمن انتسب إليها إما أن يكون من الرؤساء وهم القسم الأول، أو من الأتباع فإما أن يكون مغرورا بإظهارهم للزهد والصلاح وهو الثاني أو لقصور اطلاعه وسوء فهمه وقناعته بالظواهر وهو الثالث أو وجهه الاستقراء والتتبع وفي الحكم بهذا الحصر منه عليه السلام تصريح ببطلان طريقة الجميع وفي تجويز التسمية تصريح بذلك أيضا ودلالة واضحة على عدم الجواز في غير وقت التقية حيث إنها مشروط بالضرورة وتتقدر بقدرها فلا يجوز في الاختيار ولا زيادتها عن قدر الضرورة. وقوله عليه السلام: لا يقول الخ، فعل مضارع منفي يفهم منه الدال على النفي في الحال والاستقبال قطعا فدخل هذا الزمان وما بعده. وقد روي هذا الحديث أيضا في كتاب حديقة الشيعة بإسناد آخر مثله وزاد فيه بعد قوله: وأما من سمى نفسه صوفيا للتقية فلا إثم عليه وعلامته أن يكتفي بالتسمية ولا يقول: بشيء من عقايدهم الباطلة. أقول: وفي هذا زيادة مبالغة في المنع من التسمية المذكورة وتصريح ببطلان بعض عقائدهم أو كلها لأن الباطلة صفة للعقايد فإن كانت للتخصيص فهو الأول وإن كانت للتوضيح فهو الثاني، ولا يخفى أن التقية لا توجب الموافقة في الاعتقاد لعدم اطلاع المخالف عليه وتحريم التقية اختيارا من غير ضرورة بل عدم

(هامش)

(1) ص 605. (*)

ص 32

صدقها وتحريم زيادتها على قدر الضرورة ولذلك لم يذكر الأعمال لأن الضرورة قد تدعو إلى التقية بإظهارها. الثالث: ما رواه أيضا في كتاب حديقة الشيعة عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ومحمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السلام أنه قال: من ذكر عنده الصوفية ولم ينكرهم بلسانه أو قلبه فليس منا ومن أنكرهم فكأنما جاهد الكفار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله (1). أقول: في هذا كما ترى غاية التصريح بوجوب الانكار عليهم بحسب الامكان مضافا إلى الأدلة العامة على وجوب إنكار المنكر وفيه دلالة على كفرهم للحكم عليهم بمشابهتهم للكفار بل يمكن كون المراد تشبيه الانكار عليهم بالجهاد للكفار مع الحكم بكفرهم لا تشبيههم بهم وعلى كلا التقديرين فالحكم بالكفر عليهم لازم. الرابع: ما رواه أيضا في الكتاب المذكور بإسناده قال: قال رجل للصادق عليه السلام قد خرج (ظهر - خ) في هذا الزمان قوم يقال لهم الصوفية فما تقول فيهم؟ فقال عليه السلام: إنهم أعداؤنا فمن مال إليهم فهو منهم ويحشر معهم وسيكون أقوام يدعون حبنا ويميلون إليهم ويتشبهون بهم ويلقبون أنفسهم بلقبهم ويأولون أقوالهم ألا فمن مال إليهم فليس منا وإنا منه براء ومن أنكرهم ورد عليهم كان كمن جاهد الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وآله (2). أقول: في هذا تصريح كما ترى بما ذكرناه سابقا مرارا من أن الشيعة لم يكن أحد منهم في زمن الأئمة عليهم السلام صوفيا لمنعهم لهم ذلك وعدم رخصتهم فيه وهو صريح أيضا في بطلان طريقة من يتجدد منهم وفي وجوب النهي عن اتباعهم ولم يزل هذا المعنى يرد عنهم عليهم السلام مكررا وفي ذلك وأمثال غاية المبالغة والتأكيد. الخامس: ما ذكره أيضا في الكتاب المذكور قال: وردت أحاديث كثيرة

(هامش)

(1) حديقة الشيعة ص 563 ط الإسلامية. (2) الحديقة ص 563. (*)

ص 33

في الطعن على الصوفية. منها: في أبي هاشم الكوفي الصوفي واضع مذهب الصوفية ورد الطعن فيه من عدة طرق. منها: ما رواه علي بن الحسين بن بابويه قمي في قرب الإسناد الذي صنفه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عبد الجبار عن العسكري عليه السلام أنه قال سئل الصادق عليه السلام عن حال أبي هاشم الكوفي فقال: إنه فاسد العقيدة جدا وهو الذي ابتدع مذهبا يقال له التصوف وجعله مقرا لعقيدته الخبيثة (1). ورواه أيضا بسند آخر وقال فيه وجعله مقرا لنفسه الخبيثة. قال مؤلف الحديقة: إن الشيخ والمفيد وابن بابويه وابن قولويه يقولون: إن هذه الطائفة الضالة من الغلاة وإن الشيخ محي الدين بن عربي والشيخ عزيز النسفي وعبد الرزاق الكاشي قائلون بوحدة الوجود وإن كل موجود فهو الله تعالى نعوذ بالله من هذه الأقاويل؟! السادس: ما رواه أيضا في حديقة الشيعة قال: نقل السيد المرتضى عن الشيخ المفيد عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عبد الجبار عن العسكري عليه السلام أنه كلم أبا هاشم الجعفري فقال يا با هاشم سيأتي على الناس زمان وجوههم ضاحكة مستبشرة وقلوبهم مظلمة منكدرة السنة فيهم بدعة والبدعة فيهم سنة، المؤمن بينهم محقر والفاسق بينهم موقر، أمراؤهم جاهلون جائرون وعلماؤهم في أبواب الظلمة سائرون أغنياؤهم يسرقون زاد الفقراء وأصاغرهم يتقدمون على الكبراء كل جاهل عندهم خبير وكل محيل عندهم فقير لا يميزون بين المخلص والمرتاب ولا يعرفون الضأن من الذئاب علماؤهم شرار خلق الله على وجه الأرض لأنهم يميلون إلى الفلسفة والتصوف وأيم الله إنهم من أهل العدول والتحرف يبالغون في حب مخالفينا ويضلون شيعتنا وموالينا وإن نالوا منصبا لم يشبعوا من

(هامش)

(1) حديقة الشيعة ص 564. (*)

ص 34

الرشا وإن خذلوا عبدوا الله على الريا لأنهم قطاع طريق المؤمنين والدعاة إلى نحلة الملحدين فمن أدركهم فليحذرهم وليصن دينه وإيمانه ثم قال: يا أبا هاشم بهذا حدثني أبي عن آبائه عن جعفر بن محمد عليهما السلام وهو من أسرارنا فاكتمه إلا عن أهله (1). السابع: ما رواه شيخنا الأجل الأفضل الشيخ بهاء الدين محمد العاملي قدس سره في كتاب الكشكول قال قال النبي صلى الله عليه وآله لا تقوم الساعة على أمتي حتى يخرج قوم من أمتي اسمهم صوفية ليسوا مني وإنهم يهود أمتي يحلقون للذكر، ويرفعون أصواتهم بالذكر يظنون أنهم على طريق الأبرار بل هم أضل من الكفار وهم أهل النار لهم شهقة كشهقة الحمار وقولهم قول الأبرار وعملهم عمل الفجار وهم منازعون للعلماء ليس لهم إيمان وهم معجبون بأعمالهم ليس لهم من عملهم إلا التعب. أقول: هذا في معناه كأمثاله صريح مشتمل على غاية المبالغة في الرد عليهم والنص على فساد اعتقادهم وبطلان مذهبهم والحكم بكفرهم وخروجهم من الأمة فإن الجار متعلق بيخرج وإلا لتناقض الحديث على أن كونهم من الأمة مع الحكم عليهم بما حكم يدل على كونهم من الفرق الهالكة لو ثبت أن الجار غير معلق بالفعل المذكور. الثامن: ما رواه الشيخ الجليل رئيس الطايفة أبو جعفر الطوسي في كتاب المجالس والأخبار. ورواه الشيخ الجليل الزاهد النبيل ورام بن أبي فراس في كتابه في حديث طويل يتضمن وصية النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذر رضي الله عنه يقول فيها يا أبا ذر يكون في آخر الزمان قوم يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم يرون الفضل لهم بذلك على

(هامش)

(1) الحديقة: ص 562. (*)

ص 35

غيرهم أولئك تلعنهم ملائكة السماء والأرض (1). التاسع: ما رواه ورام وغيره أيضا من مواعظ عيسى عليه السلام أنه قال بحق أقول لكم إن شر الناس لرجل عالم آثر دنياه على علمه فأحبها وطلبها وجهد عليها حتى لو استطاع أن يجعل الناس في حيرة لفعل وماذا يغني عن الأعمى سعة نور الشمس وهو لا يبصرها كذلك لا يغني عن العالم علمه إذ هو لم يعمل به، ما أكثر ثمار الشجر وليس كلها ينفع ولا يؤكل! وما أكثر العلماء وليس كلهم ينتفع بما علم وما أوسع الأرض وليس كلها تسكن، وما أكثر المتكلمين وليس كل كلامهم يصدق فاحتفظوا من العلماء الكذبة الذين عليهم ثياب الصوف منكسوا رؤسهم إلى الأرض يزورون الخطايا يرمقون من تحت حواجبهم كما ترمق الذئاب وقولهم يخالف فعلهم وهل يجتني من العوسج العنب ومن الحنظل التين؟! وكذلك لا يثمر (يؤثر - خ) قول العالم الكاذب إلا زورا وليس كل من يقول يصدق (2). أقول: هذا أيضا صريح في المطلوب فإنه قدم تلك المقدمات ثم قال: فاحتفظوا الخ والفاء إما للاستيناف أو للتفريع فعلى الأول كأنه قال فما علامة العلماء الذين يجب التحفظ منهم؟ وعلى الثاني يكون بيانا لمن وصفهم وذكر حالهم فكأنه قال: وهم كذا فاحتفظوا منه وقد ذكر علامتهم المختصة بهم وهي لبس الصوف ومعلوم أن الاختصاص بلبسه علامة القول بالتصوف وفيه كما ترى نهاية الذم ولأهله. العاشر: ما رواه الكليني في باب دخول الصوفية على أبي عبد الله عليه السلام واحتجاجهم عليه فيما ينهون الناس عند من طلب الرزق وقد أورده الطبرسي في الإحتجاج وغيره بأسانيدهم أنه دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله عليه السلام فرآى

(هامش)

(1) ص 370 ط الناصري. (2) تحف العقول ص 380 ط النجف. (*)

ص 36

عليه ثياب بياض كأنها غرقى البيض (1) فقال له: إن هذا ليس من لباسك فقال عليه السلام اسمع مني وع (2) ما أقول فإنه خير لك عاجلا وآجلا إن أنت مت على السنة والحق ولم تمت على بدعة أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في زمان مقفر خشن (جذب - خ م) فإذا أقبلت الدنيا فأحق أهلها بها أبرارها لا فجارها ومؤمنوها لا منافقوها ومسلموها لا كفارها فما أنكرت يا ثوري فوالله إنني لمع ما ترى ما أتى علي منذ عقلت صباح ولا مساء ولله في مالي حق أمرني أن أضعه موضعا إلا وضعته. قال: ثم أتاه قوم ممن يظهرون التزهد ويدعون الناس أن يكونوا معهم على مثل الذي هم عليه من التقشف (3) فقالوا: إن صاحبنا حصر (4) عن كلامك ولم تحضره حججه فقال لهم: هاتوا حججكم، فقالوا: أن حججنا من كتاب الله قال لهم فادلوا بها (5) فإنها أحق ما اتبع وعمل به، فقالوا: يقول الله تبارك وتعالى مخبرا عن قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (6) فمدح فعلهم وقال في موضع آخر (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) (7) فنحن نكتفي بهذا فقال لهم رجل من الجلساء: أنا رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطيبة ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتى تمتعوا أنتم منها؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: دعوا عنكم ما لا ينتفع به أخبروني أيها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه

(هامش)

(1) الغرقئ: كزبرج: القشرة الملتزمة ببياض البيض أو البياض الذي يؤكل. (2) ع: فعل أمر من وعى يعي مثل وقى يقي. (3) التقشف: محركة - قذر الجلد ورثاثة الهيئة وسوء الحال وترك النظافة والترفه. (4) حصر: أي عجز. (5) وأدلى بحجته: أي أظهرها. (6) الحشر - ى - 10. (7) الدهر: 8. (*)

ص 37

ومحكمه من متشابهه الذي في مثله ضل من ضل وهلك من هلك من هذه الأمة فقالوا له أو بعضه فأما كله فلا فقال لهم: من هيهنا أتيتم (1) وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله (2) فأما ذكرتم من إخبار الله إيانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم فقد كان مباحا جايزا ولم يكونوا نهوا عنه وثوابهم منه على الله وذلك أن الله جل وتقدس أمر بخلاف ما عملوا به فصار أمره ناسخا لفعلهم وكان نهى الله تبارك وتعالى رحمة منه للمؤمنين ونظرا لكيلا يضروا بأنفسهم وعيالاتهم منهم الضعفة الصغار والولدان والشيخ الفاني والعجوز الكبيرة الذين لا يصبرون على الجوع فإن تصدقت برغيفي ولا رغيف لي غيره ضاعوا وهلكوا جوعا فمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الإنسان وهو يريد أن يمضيه فأفضلها ما أنفقه الإنسان على والديه ثم الثانية على نفسه وعياله ثم الثالثة على قرابته وإخوانه المؤمنين ثم الرابعة على جيرانه الفقراء، ثم الخامسة في سبيل الله وهو أخسها قدرا. وقال النبي صلى الله عليه وآله للأنصاري حين أعتق عند موته خمسة أو ستة من الرقيق ولم يكن يملك غيرهم وله أولاد صغار لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنونه مع المسلمين ترك صبية صغارا يتكففون الناس. ثم قال: حدثني أبي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ابدأ بمن تعول الأدنى فالأدنى ثم هذا ما نطق به الكتاب ردا لقولكم ونهيا عنه مفروضا من الله العزيز الحكيم قال تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) (3) أفلا ترون أن الله تبارك وتعالى قال غير ما أراكم تدعون الناس إليه من الأثرة على أنفسهم وسمى من فعل ما تدعون الناس إليه مسرفا وفي غير آية من كتاب الله يقول (إن الله لا يحب

(هامش)

(1) بالبناء للمفعول أي دخل عليكم البلا وأصابكم ما أصابكم. (2) أي فيها أيضا ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وأنتم لا تعرفونها - آت -. (3) الفرقان: 67. (*)

ص 38

المسرفين) (1) فنهاهم عن الاسراف ونهاهم عن التقتير لكن أمر بين أمرين لا يعطي جميع ما عنده ثم يدعو الله أن يرزقه الله فلا يستجيب له للحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وآله أن أصنافا من أمتي لا يستجاب لهم دعاؤهم: رجل يدعو على والديه، ورجل يدعو على غريم ذهب له بماله ولم يكتب عليه ولم يشهد عليه، ورجل يدعو على امرأته وقد جعل الله تخلية سبيلها بيده، ورجل يقعد في البيت ويقول: يا رب ارزقني ولا يخرج ولا يطلب الرزق فيقول الله عز وجل عبدي أولم اجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة لتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمري ولكي لا تكون كلا على أهلي فإن شئت رزقتك وإن شئت قترت عليك وأنت معذور عندي، ورجل رزقه الله مالا كثيرا فانفقه ثم أقبل يدعو يا رب ارزقني فيقول الله عز وجل: ألم أرزقك رزقا واسعا فهلا اقتصدت فيه كما أمرتك ولم تسرف وقد نهيتك عن الاسراف؟! ورجل يدعو في قطيعة رحم. ثم علم الله نبيه كيف ينفق وذلك أنه كانت عنده أوقية من ذهب فكره أن تبيت عنده فتصدق بها فأصبح وليس عنده شيء وجاءه من يسئله فلم يكن عنده ما يعطيه فلامه السائل واغتم وهو حيث لم يكن عنده ما يعطيه وكان رحيما رفيقا فأدب الله تعالى نبيه بأمره إياه فقال: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) (2) يقول إن الناس قد يسئلونك ولا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك قد حسرت من المال. فهذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله يصدقها الكتاب والكتاب يصدقه أهله من المؤمنين وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له أوص فقال أوصي بالخمس والخمس كثير فإن الله تعالى قد رضي بالخمس فأوصى بالخمس وقد جعل الله له الثلث عند

(هامش)

(1) الأنعام: 141. (3) الإسراء: 31. (*)

ص 39

موته ولو علم أن الثلث خير له أوصى به. ثم من قد علمتم من بعده في فضله وزهده سلمان وأبو ذر رضي الله عنهما فأما سلمان فكان إذا أخذ عطاه رفع منه قوته لسنته حتى يحضر عطاؤه من قابل فقيل له: يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا فكان جوابه أن قال: ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم علي الفناء أوما علمتم يا جهلة أن النفس قد تلتاث على صاحبها فإذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت. وأما أبو ذر فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور أو من الشياه قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم فيقسمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضل عليهم ومن أزهد من هؤلاء وقد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتة كما تأمرون الناس بالبقاء أمتعتهم وشيئهم ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم. واعلموا أيها النفر أني سمعت أبي يروي عن آبائه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوما ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن أن قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيرا له وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له فكل ما يصنع الله به كان خيرا له فليت شعري هل يحيق فيكم ما قد شرحت لكم منذ اليوم أم أزيدكم أوما علمتم أن الله جل اسمه قد فرض على المؤمنين في أول الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين وليس له أن يولي وجهه عنهم ومن ولاهم يومئذ دبره فقد تبوأ مقعده من النار ثم حولها من حالهم رحمة منه لهم فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من الله عز وجل للمؤمنين فنسخ الرجلان العشرة واخبروني أيضا عن القضاة أجورهم حيث يقضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال إني زاهد وإنه لا شيء لي؟ فإن قلتم جورة ظلمتم (ظلمكم - خ) أهل الإسلام وإن قلتم بل عدل خصمتم أنفسكم وحيث ترون صدقة من تصدق على المساكين عند الموت بأكثر

ص 40

من الثلث. أخبروني لو كان الناس كلهم كالذين تريدون زهادا لا حاجة لهم في متاع غيرهم فعلى من كان يتصدق بكفارات الأيمان والنذور والصدقات من فرض الزكاة من الإبل والغنم والبقر وغير ذلك من الذهب والفضة والتمر والزبيب وسائر ما قد وجبت فيه الزكاة من الإبل والبقر والغنم وغير ذلك إذا كان الأمر كما تقولون لا ينبغي لأحد أن يحبس شيئا من عرض الدنيا إلا قدمه وإن كانت به خصاصة فبئسما ذهبتم إليه وحملتم الناس عليه من الجهل بكتاب الله وسنة نبيه وأحاديثه التي يصدقها الكتاب المنزل وردكم إياها لجهالتكم وترككم النظر في غرائب القرآن من التفسير بالناسخ والمنسوخ والمحكم والمشابه والأمر والنهي. وأخبروني عن سليمان بن داود عليه السلام حيث سأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه الله ذلك وكان يقول الحق ويعمل به ثم لم نجد الله عز وجل عاب ذلك عليه ولا أحد من المؤمنين، ثم داود النبي عليه السلام قبله في ملكه وشدة سلطانه، ثم يوسف النبي عليه السلام حيث قال لملك المصر (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) (1) فكان أمره الذي اختار مملكة الملك وما حولها إلى اليمين فكانوا يمتارون الطعام من عنده لمجاعة أصابتهم وكان يقول الحق ويعمل به فلم نجد أحدا عاب ذلك عليه ثم ذو القرنين عبد أحب الله فأحبه وطوى له الأسباب وملكه مشارق الأرض ومغاربها وكان يقول الحق ويعمل به ثم لم نجد أحدا عاب عليه، فتأدبوا أيها النفر بآداب الله للمؤمنين واقتصروا على ما أمر الله ونبيه (2) ودعوا عنكم ما اشتبه عليكم مما لا علم لكم به وردوا العلم إلى أهل تؤجروا وتعذروا عند الله تبارك وتعالى وكونوا في طلب علم الناسخ من القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه وما أحل الله فيه مما حرم فإنه أقرب لكم من الله وأبعد لكم من الجهل ودعوا الجهالة

(هامش)

(1) يوسف: 56. (2) في المصدر والبحار: على أمر الله ونهيه. (*)

ص 41

لأهلها فإن أهل الجهل كثير وأهل العلم قليل وقد قال الله تبارك وتعالى (وفوق كل ذي علم عليم) (1) انتهى كلامه صلوات الله عليه وسلامه (2). وكفى بما تضمنه هذا الحديث الشريف واعظا لمن تدبره وزاجرا لمن تأمله واعتقد في الناطق به فإن فيه ما يقمع رأس الضلال ويقلع أصل التمويه والخيال ويقطع عن أهل الإنصاف مادة القيل والقال فإن فيه نسبة للصوفية إلى الجهل والابتداع وترك الانقياد للقرآن وعدم الاتباع والإعراض عن أهل العصمة والميل إلى الاختراع واعتقادهم حجية قول أبي بكر وفعله لرغبتهم عن العلم الصحيح وأهله وإنكارهم لما أوجبه الله واستحلالهم ما حرم الله وجرأتهم على الأئمة عليهم السلام ونسبتهم له إلى مخالفة الشرع وحب الدنيا والجهل وغير ذلك مما بعضه كاف في التنفير عنهم والتحذير منهم لعمري لقد أيقظت من كان نائما وأسمعت من كانت له أذنان. الحادي عشر: ما رواه الصدوق في عيون الأخبار ومعاني الأخبار (3) وغيرهما ورواه الطبرسي في الإحتجاج (4) وجماعة من أصحابنا عن الصادق عليه السلام أنه قال: من اتبع هواه وأعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء العامة تعظمه وتصفه فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني لا عرف مقداره ومحله فرأيته في موضع قد أحدق به خلق من غثاء العامة فوقفت منتبذا عنهم مغشي (متغشيا - خ) بلثام أنظر إليه وإليهم، فما زال يراوغهم حتى خالف طريقهم وفارقهم ولم يقر، فتفرقت العوام عنه لحوائجهم وتبعته أقفو أثره فلم يلبث أن مر بخباز فتغفله فأخذ من دكانه رغيفين مسارقة فتعجبت منه ثم قلت في نفسي لعله معامله ثم مر بعده بصاحب رمان، فما زال به حتى تغفله فأخذ من عنده رمانتين مسارقة فتعجبت منه ثم قلت في نفسي: لعلها معاملة ثم قلت (أقول - خ) وما حاجته إلى المسارقة ثم لم أزل أتبعه حتى مر بمريض فوضع الرغيفين

(هامش)

(1) يوسف: 76. (2) الكافي ج 5 ص 65. (3) معاني الأخبار ص 29 ط النجف. - (4) الإحتجاج ج 2 ص 129. (*)

ص 42

والرمانتين بين يديه ومشى (ومضى - خ) فتبعته حتى استقر في بقعة من صحراء فقلت له: يا عبد الله فقد سمعت بك فأحببت لقاءك فلقيتك لكني رأيت منك ما شغل قلبي وإني سائلك عنه ليزول عني به شغل قلبي. قال: وما هو؟ قلت: رأيتك مررت بخباز فسرقت منه رغيفين ثم بصاحب الرمان فسرقت منه رمانتين. قال: فقال لي قبل كل شيء: حدثني من أنت؟ قلت: رجل من أولاد آدم من أمة محمد صلى الله عليه وآله قال: حدثني ممن أنت؟ قلت: رجل من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أين بلدك؟ قلت المدينة قال: لعلك جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام قلت: بلى قال فما ينفعك (شرف - خ) أصلك مع جهلك بما سرقت به (1) وتركك علم جدك وأبيك فتنكر ما يجب أن يحمد ويمدح فاعله؟! قلت: وما هو؟ قال: القرآن كتاب الله قلت: وما الذي جهلت منه؟ قال قول الله عز وجل (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) (2) وإني لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين فهذه أربع سيئات فلما تصدقت بكل واحدة منها كانت أربعين حسنة فانتقص من أربعين حسنة أربع سيئات فبقي لي ست وثلاثون. قلت: ثكلتك أمك أنت الجاهل بكتاب الله أما سمعت الله عز وجل يقول: (إنما يتقبل الله من المتقين) (3) إنك لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين فلما دفعتهما إلى غير صاحبهما بغير أمر صاحبهما كنت إنما أضفت أربع سيئات إلى أربع سيئات ولم تضف أربعين حسنة إلى أربع سيئات فجعل يلاحيني (4) فانصرفت وتركته قال الصادق عليه السلام: بمثل هذا التأويل القبيح المستنكر

(هامش)

(1) نسخة الإحتجاج ومعاني الأخبار: بما شرفت به. (2) الأنعام: 16. (3) المائدة: 27. (4) الملاحاة: المجادلة. (*)

ص 43

يضلون ويضلون - (الحديث). أقول: لا يخفى أن المذكور من الصوفية والجماعة المذكورون مريدون له وليس من العلماء قطعا لما ظهر من حاله والحديث صريح في بطلان طريقته وطريقة أمثاله والحكم بضلالهم وضلاله فإن مدار أمرهم على تأويلات من هذا القبيل ولا ريب أن من كذب بالتأويل كمن كذب بالتنزيل وعلى تقدير عدم كونه صريحا فإن فيه تعريضا واضحا وتلويحا والله أعلم. الثاني عشر: ما رواه جماعة منهم الطبرسي في كتاب الإحتجاج عن الرضا عليه السلام قال: قال علي بن الحسين عليه السلام إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته، وتماوت في منطقه وتخاضع في حركاته فرويدا؟ لا يغرنكم فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيته ومهانته وجبن قلبه فنصب الدين فخا لها فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فإن تمكن من حرام اقتحمه. وإذا رأيتموه (وجدتموه - خ) يعف عن المال الحرام فرويدا لا يغرنكم فإن شهوات الخلق مختلفة فما أكثر من ينبو (1) عن المال الحرام وإن كثر ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرما فإذا وجدتموه يعف عن ذلك فرويدا؟! لا يغرنكم حتى تنظروا ما عقدة عقله فما أكثر من ترك ذلك أجمع ثم لا يرجع إلى عقل متين فيكون ما يفسده يجهله أكثر مما يصلحه بعقله فإذا وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغرنكم حتى تنظروا أمع هواه يكون على عقله؟ أو يكون مع عقله على هواه وكيف محبته للرياسات الباطلة وزهده فيها فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة بترك الدنيا للدنيا ويرى أن لذة الرياسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة فيترك ذلك أجمع طلبا للرياسة، حتى إذا قيل له: أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد فهو يخبط خبط عشواء يقوده أول باطله إلى أبعد غايات الخسارة، ويمده ربه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في حياته (طغيانه - خ) فهو يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته

(هامش)

(1) ينبو: أي من ينفر عنه ولا يقبل إليه. (*)

ص 44

التي قد شقى (يتقى - خ) من أجلها فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذابا مهينا. ولكن الرجل كل الرجل نعم الرجل هو الذي جعل هواه متبعا لأمر الله وقواه مبذولة في رضى الله يرى الذل مع الخوف (الحق - خ) أقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد وأن كثير ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول فذلكم الرجل نعم الرجل فيه فتمسكوا وبسنته فاقتدوا وإلى ربكم به فتوسلوا فإنه لا ترد له دعوة ولا تخيب له طلبة (1). أقول: لا يخفى ما فيه من التعريض بمشايخ الصوفية والتصريح بذم تلك الطريقة الدنية فإنه لا يخرجون عن الأقسام المذمومة والله أعلم. الثامن: إجماع الشيعة الإمامية وإطباق جميع الطايفة الاثني عشرية على بطلان التصوف والرد على الصوفية من زمن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام إلى قريب من هذا الزمان وما زالوا ينكرون عليهم تبعا لأئمتهم في ذلك فقد عرفت طرفا مما ورد عنهم وتقدم في الباب الأول ما يدل على ذلك أيضا ويأتي ما يدل عليه إن شاء الله تعالى فعلم قطعا أن الأئمة عليهم السلام داخلون في هذا الاجماع فظهرت حجته وعلمت صحته وذلك معلوم علما يقينا من حال الشيعة الإمامية يعلمه كل من عرف أحوالهم أو طالع كتبهم ومع ذلك قد نقل بهذا الاجماع جماعة من أجلائهم وصرح به غير واحد من فضلا علمائهم وستقف إن شاء الله تعالى على بعض أسمائهم وموافقة الأئمة عليهم السلام لهذا الاجماع ظاهرة من الأحاديث السابقة وأمثالها حتى أن هذا الاسم لم يطلقه أحد عليهم ولا نسبه شيعتهم ولا غيرهم إليهم. وقد روي العامة والخاصة عن شقيق البلخي أنه قال حججت فرأيت رجلا *(هامش) (1) الإحتجاج ج 2 ط النجف ص 52 وأيضا أورده العلامة المجلسي رحمه الله في البحار ج 2 ص 84. (*)

ص 45

أسمر اللون منفردا ليس معه شيء فقلت في نفسي هذا رجل من الصوفية يريد أن يكون كلا على الناس فنظر إلي وقال يا شقيق (اجتنبوا كثيرا من الظن أن بعض الظن إثم) فندمت وقلت هذا رجل صالح قد سماني وأخبرني بما في نفسي من غير أن أنطق به لاعتذرن إليه إذا رأيته فلما رآني مرة أخرى قال يا شقيق وإني لغفار لمن آمن وعمل صالحا ثم اهتدى فلما وصل إلى مكة سألت عنه فقيل لي هذا موسى بن جعفر عليهم السلام (1). أقول: فانظر إلى إنكاره على من ينسب إليه التصوف الذي لم يرد به الشرع ونهيه له عن ذلك وأمره إياه باجتناب هذه التهمة فلم يرض بهذه التسمية، ولما سماها بصالح الموافق لنصوص الشرع ونسب إليه هذا الاسم رضى بذلك وعده توبة منه وهداية وعملا صالحا فعلم أن النسبة الأولى ذنب وضلال وعمل سيئ، وذلك كله واضح ولا يظن أن الانكار لقوله: يريد أن يكون كلا على الناس لأنه لم يصرح بنفيه في مقام ذكر الصلاح ولو لم يرد ما قلنا لفسدت المقابلة، فظهر أن هذا الاسم غير معهود شرعا وكيف يجوز ذكر الصوفي في هذا المقام مع فرض عدم مدخليته في العام ثم يصرح الإمام بما صرح؟! وهل ذلك ح إلا إغراء بالجهل فعلم أنه هو المقصود، أوله مدخل تام فيه والمقابلة تقرب الأول. واعلم - أن من جملة من نقل الاجماع السيد الجليل أبا المعالي محمد بن نعمة الله الحسيني رحمه الله في كتابه الذي صنفه في الملل والأديان في بحث مذهب الصوفية وأكثر أهل السنة والجماعة أنكروا الصوفية وجميع الشيعة أنكروهم ونقلوا عن أئمتهم أحاديث في مذمتهم إلى أن قال: وكل الشيعة على كفرهم والرد عليهم بطريق المبالغة العظيمة إلى وجه لم يجوزوا لغير الضرورة التسمية بالصوفية ورووا بهذا المعنى أحاديث كثيرة عن أئمتهم عليهم السلام (انتهى). ولنذكر في هذا المقام إشارة إلى بعض من رد عليهم من العلماء وقال: بكفرهم

(هامش)

(1) أخرجه البحراني رحمه الله بتمامه في حلية الأبرار راجع ج 2 ص 245. (*)

ص 46

وصرح بضلالتهم وصنف في إبطال مذاهبهم المصنفات أو تعرض للرد عليهم في بعض المؤلفات ومن هنا يظهر انعقاد الاجماع ويرتفع النزاع مع ما هو معلوم من موافقة غيرهم وعدم ظهور مخالف لهم أصلا ولنقتصر من ذكر العلماء المشار إليهم على الاثني عشر. الأول: الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان قدس سره فإنه قد صنف كتاب الرد على أصحاب الحلاج وقد نقل من هذا الكتاب كل من صنف في الرد على الصوفية وقد ذكروه في ترجمته وتعداد كتبه كما في فهرست النجاشي والشيخ وغيرهما وقد تقدم بعض ما نقل عنه ويأتي بعض آخر منه في موضع هو أنسب به إن شاء الله تعالى. وقد نقل عنه بعض علمائنا أنه قال فيه: اعلم أيدك الله أن كثيرا من هذا العالم قائل بالإمامة على ظاهر من القول مليح وباطن من الفعل قبيح يعلن تقى وإيمانا ويبطن كفرا وعدوانا يأكل الدنيا بالدين ويدخل الشبه على المستضعفين من المؤمنين إلحادا في دين الله وعنادا لآل رسول الله صلى الله عليه وآله ولما رأينا انهماك الحلاجية في إغواء ضعفاء الفرقة الناجية توجهنا إلى سد إضلالهم ورد أقوالهم لئلا يغيروا بإيهامهم في المغالاة ويعرضوا بإعراضهم عن مسلك النجاة كما مر في مقدمة الخبر الأول من هذا الكتاب المسمى بكتاب الرد على أصحاب الحلاج الذين نكبوا ونكسوا عن المنهاج والذين ألحوا في حب الله قولا ومكيدة وبالغوا في عداوته فعلا وعقيدة (انتهى). ولأجل تأليف الشيخ المفيد لهذا الكتاب وسد ما فتحوه من هذا الباب ترى هؤلاء الصوفية يشنعون عليه ويطعنون فيه مع جلالة قدره ورفيع منزلته ويحسن هنا ذكر نبذة من ذلك توفية لبعض حقوقه وليظهر حسن حاله وجلالته وصحة اعتقاداته التي من جملتها بطلان التصوف وإذا ظهر حسن حاله قبح حال من أساء اعتقاده فيه.

ص 47

قال الشيخ رئيس الطائفة المحقة أبو جعفر الطوسي في فهرست علماء الشيعة: محمد بن محمد بن النعمان يكنى أبا عبد الله المعروف بابن المعلم من أجلة متكلمي الإمامية انتهت رياسة الإمامية في وقته إليه في العلم وكان مقدما في صناعة الكلام وكان فقيها متقدما فيه حسن الخاطر دقيق الفطنة حاضر الجواب له قريب من مأتى مصنف كبار وصغار توفي سنة 413 وكان يوم وفاته يوما لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف له ومن المؤالف (انتهى). وقال الشيخ الجليل أبو العباس النجاشي في كتاب الرجال (1) بعد ذكر اسمه ونسبه إلى قحطان ما هذا لفظه: هو شيخنا وأستاذنا رضي الله عنه فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم وذكر من جملة كتبه كتاب الرد على أصحاب الحلاج وكذا ذكره الشيخ كما أشرنا إليه. وقال العلامة في الخلاصة: إنه أجل مشايخ الشيعة ورئيسهم واستادهم وكل من تأخر عنه استفاد منه وفضله أشهر من أن يوصف أوثق أهل زمانه وأعلمهم انتهت رياسة الإمامية في وقته إليه. ثم ذكر جميع المدائح السابقة وزاد عليها وقصة رؤياه لفاطمة عليها السلام في المنام وقد أتت إليه بالحسنين عليهما السلام ليعلمهما فأتت من الغد فاطمة أم السيد الرضي والمرتضى إليه ليعلمهما مشهورة، ودلالتها على فضله ظاهرة مع ماله من الفضائل الواضحة. ومن جملتها ما ذكره الشيخ منتجب الدين علي بن الحسين بن علي بن بابويه في فهرسته فقال أبو الفرج المظفر بن علي بن الحسين الحمداني ثقة عين من سفراء الإمام صاحب الزمان عليه السلام أدرك الشيخ المفيد أبا عبد الله وجلس مجلس السيد المرتضى والشيخ الطوسي وقرأ عليه ولم يقرأ عليهما أخبرنا الوالد عن والده عنه (انتهى). ثم ذكر مؤلفاته وهذه مرتبة جليلة له وقد نص عليه صاحب الزمان بما يقتضي

(هامش)

(1) ص 284. (*)

ص 48

جلالة القدر وعلو الشأن واختص منه بشهادات ودعوات لم يظفر بها أحد من أهل زمانه وذلك في توقيعاته إليه في الغيبة الكبرى مثل قوله عليه السلام في توقيعه إليه للأخ السديد والولي الرشيد الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان أدام الله إعزازه. وفيه أما بعد سلام الله عليك أيها الولي المخلص في الدين المخصوص فينا باليقين. وفيه ونعلمك أدام الله توفيقك لنصرة الحق وأجزل مثوبتك على نطقك عنا بالصدق إنه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة وتكليفك ما تؤديه عنا إلى موالينا قبلك. وفيه هذا كتابنا إليك أيها الأخ الولي والمخلص في ودنا الصفي والناصر لنا الوفي حرسك الله بعينه التي لا تنام فاحتفظ به ولا تظهر على خطنا الذي سطرناه بماله ضمناه أحدا وأد ما فيه إلى من تسكن إليه الخ. وفي توقيع آخر من عبد الله المرابط في سبيله إلى ملهم الحق ودليله سلام عليك أيها الناصر للحق الداعي إليه بكلمة الصدق. وفيه: وبعد فقد نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه لك من أوليائه وحرسك به من كيد أعدائه. وفيه: ونعهد إليك أيها الولي المخلص المجاهد فينا الظالمين أيدك بنصره الذي أيد به السلف من أوليائنا الصالحين. وفيه: هذا كتابنا إليك أيها الولي الملهم للحق العلي بإملائنا وحظ ثقتنا الخ. وقد نقل ذلك الطبرسي في كتاب الإحتجاج وغيره وهذا عند التأمل كالنص على صحة اعتقادات الشيخ المفيد ومن أوضحها وأشهرها إنكار التصوف والمبالغة في الرد على أهله والحكم بكفرهم فقد ظهر موافقة صاحب الأمر له على ذلك. وقد ذكر الشيخ محمد بن شهرآشوب في كتاب الرجال في ترجمة الشيخ المفيد إن صاحب الأمر عليه السلام لقبه بذلك وهذا ظاهر أيضا من التوقيع المذكور. الثاني: الشيخ الجليل رئيس المحدثين أبو جعفر بن بابويه رضي الله عنه وقد عرفت

ص 49

أنه ولد بدعوة صاحب الزمان عليه السلام وفضائله أكثر من أن تحصى وقد بالغ في الرد عليهم في كتاب الإعتقاد وكتب الحديث مثل عيون الأخبار ومعاني الأخبار والتوحيد والعلل وغيره حيث روى الأحاديث في الرد عليهم وتقدم بعضها ويأتي بعض آخر منها إن شاء الله تعالى. الثالث: السيد الأجل المرتضى ذو المجدين علم الهدى قدس سره فإنه ألف في الرد عليهم كتابا كما يأتي نقله إن شاء الله تعالى وقد ذكر ذلك جمع من علمائنا وقد بالغ في الرد عليهم أيضا في كتبه الكلامية في عدة مواضع. الرابع: الشيخ الجليل رئيس الطائفة أبو جعفر الطوسي قدس سره فإنه ذكر في مواضع من كتبه ما يوافق ذلك وبالغ في الرد عليهم عموما وخصوصا في كتبه الكلامية وغيرها وفي كتاب الغيبة كما يأتي إن شاء الله تعالى. الخامس: ابن حمزة رحمه الله وهو من أجلا علمائنا فإنه صنف كتاب الهادي إلى النجاة من جميع المهلكات ونقل فيه أخبارا كثيرة في الرد على هؤلاء ومذمتهم عن الشيخ المفيد وغيره من المتقدمين ويأتي بعض ما نقل عنه إن شاء الله تعالى. السادس: الشيخ الجليل المعتمد بن محمد الدوريسي رحمه الله في كتاب الإعتقاد فإنه بالغ في الرد عليهم وخصوصا في أمر الحلول والاتحاد، ومن جملة ما نقل بعض ثقات الأصحاب عن ذلك الكتاب أنه قال: فيه العجب كل العجب من الذين يدعون الكياسة والفراسة أنهم يغترون بغرور الزراقية الذين هم أراذل فرق المبتدعة وأدنى شعب الحلاجية ولا يتأملون في أفعالهم القبيحة المخترعة وأفعالهم الردية الشنيعة ولا ينظرون إلى أنهم يجعلون التهليل لأنفسهم المزمار ويغنون كالجواري بالأشعار ويركبونها مع الأوتار والأذكار يرقصون كالدب في الجبل ويجرون المنافع من السفهاء بالحيل ولكن لا يتم لهم الأمر إلا بالدعوى (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا)!؟. السابع: العلامة الشيخ جمال الدين الحسن بن المطهر الحلي قدس سره في

ص 50

عدة مواضع من كتبه يأتي نقل بعض من عباراته فيها إن شاء الله. وقد قال في كتاب الكشكول المشهور عنه في كلام طويل ما هذا لفظه: وإمامهم الذي يرجعون إليه ويختصون به لا يعرف إبليس من الدجال ولا يفرق بين الحق والمحال ولا يميز فريق الجنة من فريق السعير ولا يعرف فضل القليل من عباد الله على الكثير يرتاح إلى ذكر مشايخ القرى والجبال وكراماتهم، ويأنس بسماع فضائل المنقطعين في البراري والبلاد ويعدد ولاياتهم وينبسط إلى وصف معجزات النساء العابدات وإذا سمع كلام علي والأئمة عليهم السلام من ولده يتغير لونه وتضيق عينه ويحمر وجهه وتبيض شفتاه ويقول: خلونا من حديث الرافضة، والأخبار المتناقضة ولا يعلم ما حدث بين المهاجرين والأنصار وانضمام قريش على بني هاشم وهذا الفساد ثمرة ذلك الفساد. وأما المتقشف عند الجهلة المتصنع بتطويل اللحية والعذبة المتصنع المتخشع المتقارب في خطوه يرى الغوغاء من أهل مذهبه أنه يصرع عند ذكر الله وجنته شوقا وذكر النار وعذابها خوفا، فيرمي بنفسه بينهم مجتوتا (مجنونا - ظ) تمردا وعيارة وعتوا يصفع هذا بيمينه ويلطم هذا بشماله ويبصق على هذا من فضل ما يرغى ويزيد من ريقه ويأكل مال هذا ويسخر بالحمقة ويشرب المسكر مع غلمانه ومريديه وتلامذته في وقته ورقصه وغنائه وأشياء لو تقصيناها في التهلك لقبح بنا تسطيرها، وإذا جرى ذكر الاختلاف في مجلس يقول: نحن نتبع ولا نبتدع وليس لنا إلا التسليم والرضا لكل أفعال السلف (انتهى) ويأتي إن شاء الله من كلامه ما هو صريح في الحكم عليهم بالكفر. الثامن: الشيخ علي بن عبد العالي العاملي الكركي رحمه الله وقد صنف في الرد عليهم كتابا سماه كتاب المطاعن المجرمية نقل فيه أخبارا كثيرة وأحاديث متعددة تدل على الرد عليهم وذمهم وكفرهم وذكر وجوها عقلية متعددة. التاسع: ولده المحقق الشيخ حسن قدس سره في كتاب عمدة المقال في

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

الإثنا عشرية

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب